Kurdî  |  Tirkî

تملك وضياع الحرية

من قلم أنصارية

تملكالمرأة التي تطوي رأسها أمام الذل والقمع, والتي تقبل بالقدر الذي كتبه الذهنية الرجعية لها على مرّ الآلاف من السنين والتي لا ترى في ذاتها قوة الإرادة وفرصة النضال, تعيشُ عبودية عميقة في داخلها. فهذا الانطواء والقبول بالذل يؤدي في نهاية الأمر إلى وقوع المجتمع تحت هيمنة القوى الديكتاتورية والمتسلطة. وبعدها يكون تقرب ورأي تلك الطبقة التي تدعى بالطبقة الدبلوماسية والراقية أمام التاريخ كأنه جسدٌ هامد ورديء, لا يصلح لشيءٍ في عالمهم. لذا, يبقى التاريخ يدون الأحداث التي تخدم القوى المهيمنة وحينها تكون هذه الأحداث بعيدة كل البعد عن جوهره الحقيقي.

لقد امتدتْ مرحلة الفوضى التي بدأت فيه الحرب بين المرأة والرجل, القرى والمدن, الآلهة والرهبان على كافة فئات المجتمع. حيث صار سبباً بأن لا يعمَّ الهدوء والسكون بين البشرية. فالمعرفة التي توصلنا إليها جميعها دلتْ على أنَّ مرحلة الفوضى والحرب التي نشبتْ منذ القِدم واستمرت حتى الآن، كانت نتيجة الظروف المادية والملكية الخاصة التي كانت تنتشر رويداً رويداً بين المجتمع. وقد أدى عدم التوازن الموجود بين المرأة والرجل مع الزمان إلى زوالٍ وضياعٍ كبير. فهذا الزوال والضياع اعتبره النظام كعلاقة شكلية ويجب الاعتياد عليه, وحتى أنَّه لا يدخل في مرتبة رفيعة للمجتمع.

يلعبُ النظام دوراً كبيراً في خلق المشاكل ويجعلهُ مع الزمن كطابع أساسي يعمُّ المجتمع بأكمله, بدلاُ من العثور على الحلول التي تعيقُ تطور الفوضى فيها. ويكون بهذا الشكل نفذَ أول عملية في تجزئة المجتمع إلى طبقات. كما أنَّه لا يمنح المجتمع مشروعية الحق أو القيمة, بل على العكس يمنحهُ أبسط حظٍّ للعيش على وفاقه. الذهنية التي شكلته العقيدة والدين على المجتمع من خلال بناء المراكز التي تمارس هذه العقائد, جعلوها كمائدة في استمرار وجودهم وألعوبتهم القذرة. يمكننا القول بأنَّ الديانات العقائدية التي تم بناءها على يد تلك القوى صارتْ سبباً كبيراً في إطفاء عقل الإنسان وطمر الحياة الحرة. فتحول هذا النظام إلى كتلةٍ عقائدية أبعدتْ الشعب عن حقيقة الحياة وجعله يعيشون خيالاً تصويرياً في واقعهم. ارتبط في يومنا الراهن فلسفة وإيديولوجية الحياة بشكلٍ كبير بالإلهيات التي خلقها النظام.

لذا يجب التخلص من جميع القوالب الدوغمائية العقائدية التي أسسها النظام الرجعي في عقولنا، وذلك عن طريق التعريف الصحيح لحقيقة الحياة الحرة والفكر السليم. فهذه الخطوة التي سنقوم بها أمام الإلهيات التي تخدم الذهنية الإقطاعية, ستكون في مستوى تحقيق أكبر ثورة ذهنية.

إنَّ العلاقة والبنية التي تشكلتْ منه حياة الإنسان خلال هذه الفترة تفيد لنا العصور الأولى للإنسان. فإذا أعدنا النظر مرةً أخرى إلى بدايات الأولين، حينها سنلاحظ بأنَّ التغيرات التي طرأت على المجتمع كانت نتيجة القوة والعنف الذي استخدمه هذا النظام الذكوري السلطوي. ولكي يتمكن هذا النظام بسيادة حكمه ضمن المجتمع، قام باستغلال الجانب الديني على أكمل وجه. إلا أنَّه ومع مرور الزمن، اقتنع المجتمع على أن هدف هذا النظام ليس حماية الدين والعقائد الاجتماعية، إنما هو فرض سلطته وسيادته على المجتمع.

اعتبرت المرأة منذ بداية الإنسانية كآلهة تُقَدَّس وتبارك من قبل المجتمع لأنها كانت الرائدة والحامية للمجتمع. لكنها وبعد صراعٍ مرير تحولتْ من قبل النظام الرجولي السلطوي إلى عبدةٍ لا يصح لها التكلم وإعطاء الرأي ولا يوجد لها أي قيمة أو معنى. فالرهبان كانوا يُشيرون على أنَّ عقيدة العبودية هي من الضروريات الطبيعية التي يجب توفرها في المجتمع. لأن المجتمع بالنسبة لهم عبارة عن طبقات مؤلفة من أسيادٍ وعبيد. على هذا الأساس ترتكز فلسفة العبودية في جانبها الظاهري على بناء ميثولوجية تؤَمِّن لهم الاستمرارية في تواجدهم بين المجتمع. كما أنَّ المؤرخون يذكرون بأنَّ هذه المرحلة تعبر عن فترة الظلم والعنف التي موّرسَتْ بشكلٍ وحشي على جميع البشرية.

حسب لغة المجتمع الاستبدادي، يقال بأنَّ الضربة التي وجهها ماردوخ لأمه تيامات, يعتبر كتوجيه ضربة كبيرة للمرأة في نفس الوقت. لذا، فإنَّ استخدام جسد المرأة في ذلك الوقت يفيد عن أول خطوة تشير إلى بدء الفحوش والدعارة, ومن ثم تبتعد المرأة عن جوهرها لتصبح كوسيلة تطمئن بها غرائز الرجل. فهذا يدلُّ بشكل واضح عن الحرب التي بدأتْ في الميثولوجية بين إنانا وأنكي. إنانا التي كانت إلهةٌ للعشق والبركة, بنضالها تجاه الرجل الماكر والمخادع ستعيد كل ما سرقه أنكي من بركاتها من جديد. فهذه الأسطورة تخبئ في داخلها جوانب مهمة جداً... من جانب يفيد عن القوة والسيطرة التي وقعت في حوزة الرجل ويصبح مع الزمن هو سيد الكون ومنبع الحياة عوضاً عن المرأة, وتعتبر المرأة من المراتب السفلى لا تساوي شيئاً. ومن جانب آخر النضال والمقاومة التي تجاهد وتكافح المرأة بها يعتبر في نفس الوقت نضالاً ومقاومةً للمجتمع, لكي تستطيع استرجاع كل ما أخذه الرجل من بركاتها.

مع مرور الوقت أصبح المجتمع يعيشُ فساداً وضياعاً كبيراً في الأخلاق مع بدء إلهية وسلطة الرجل. فمع بدء مرحلة الحضارة الاستبدادية، صار الرجل سبباً فظيعاً لتتحول المرأة إلى عبيدة, وأنّ تبتعد رويداً رويداً عن كافة المؤسسات الاجتماعية.

المجتمع المتحضر والمتقدم بمعناهُ الاجتماعي والسياسي يكون سبباً كبيراً في خلق التشقق بين المرأة والمجتمع. لا تبقى المرأة فقط في مستوى الانطواء أمام الذل والاضطهاد, بل وإنما تصل إلى درجةٍ يتم استصغارها واحتقارها بين المجتمع. أيضاً لكي يتعلق الإنسان بالنظام الذي أسسه الرجل بشكل قوي يقومون باستخدام جنس المرأة كوسيلة لهم. فمع مرور الزمن تتحول الأم المقدسة والمباركة إلى الفاحشة, ويكون مثواها هو بيت المسقَّطين. إلى جانب آخر، تستخدم المرأة كعنصرٍ جنسوي في مؤسساتهم ويعتبر الفرق البيولوجي والجسدي الموجود بينهم كواقع طبيعي ويجب علينا الاعتياد عليه. حيث أنَّ الرجل يقتنعُ تماماً بأنَّ جسد المرأة هزيلٌ وضعيف لا تستطيع حتى حماية نفسها, لذا عليها العيش والبقاء في ظل الرجل. كما أنه تم  وضع أسس ومبادئ بين الجنسين في جميع جوانب المجتمع, وأصبح الحرب والسياسة وظيفةٌ أساسية تخصُّ الرجل فقط, ووظيفة المرأة هي رعاية الأطفال وتنظيف المنزل. وتم تغيير مواصفات المرأة إلى وسيلة لا تنفعُ لأيِّ شيء, وتتحول جسارة الرجل إلى هجومٍ وقوةٍ استبدادية تتحكمُ بالمرأة والمجتمع. وتتحول العلاقة الموجودة بين الرجل والمرأة إلى علاقة تنتهي بالجنسية لا يبقى في الوسط أيَّ علاقة تدلُّ على تشارك جوانب الحياة فيما بينهم. فهذه العلاقة تؤثر على المجتمع بأكمله. حتى أنَّ شتى أشكال العبودية التي خرجت إلى الوسط تمارس على المرأة قبل كل شيء وفيما بعد على كل فئات المجتمع بصغاره وكباره... وهذا ما شكل خطراً على المجتمع وكان سبباً أساسياً لبداية حروب مريرة بين المجتمعات تستمر إلى يومنا هذا.

لذا، على المرأة التوعي في هذا الموضوع جيداً وترى النتائج والتخريبات التي خلقها النظام الذكوري الرجعي الذي تهيمن على ميراث وقيم المرأة التاريخية. فكلَّ ما خلقته المرأة في المجتمع النيولوتي، تحول مع مرور الزمن إلى ملك يعود للرجل وتحولتْ المرأة الخالقة إلى جاهلةٍ لا تتمتع بقوة الإرادة. فهوياتها الحرة تحولت إلى سجن لها, لهذا عليها استرجاع كل ما امتلكه الذهنية الرجعية منها لتهديه إلى المجتمع وتسود بها الحياة الحرة والآمنة من جديد...