Kurdî  |  Tirkî

المجتمع الجنسوي في إيران

روناهي شيلان
elmera  fi iranكثيرةٌ هي الاستفهامات الدائرة حول وضع المرأة في إيران وشرقي كردستان، المجتمع برمته، العائلة، هذه المؤسسة التي ما تزال تحافظ على قدسيتها بأعظم أشكالها، الحياة ذات اللون الموحد الطافح بالسواد، الفرد المنخدع المتردد ما بين الاستمرار في الثقافة الدينية أوالثقافة الرأسمالية الشكلية التي تستبعد الإنسان والمجتمع عن جوهرهم، وتجردهم

من كافة قيمهم المعنوية والمادية باسم الحرية. فأية حرية للمجتمع إذا كانت المرأة لا وجود لها في الحياة ولا يتمُّ اعتبارها بشيء؟
لو ألقينا نظرة إلى المجتمع الايراني سنرى بأن تفاقم المشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في أعلى مستوياتها. إن المشاكل العقيمة النابعة من تسلط النظام الذكوري، يجعل من الصعوبة رؤية المرء دور الأنوثة حتى في الزوايا المهملة من المجتمع. تم إفناءها في الأعمال الروتينية ضمن حدود المنزل وبعض المؤسسات الاستخباراتية للدولة. حقيقة لو قارنَّا بين النظام الإيراني والنظام الدولتي في عصور ما قبل التاريخ مثل الدولة السومرية وبعدها الامبراطورية البابلية، لرأينا أوجه التشابه بينهما كبيرة جداً. بإمكاننا القول أن القوانين المطبقة في إيران باسم الدين لهي مأخوذة من تلك الأزمنة واستمرارية لمخلفاتها. لذلك تعتبر قوانين متجذرة في ذهنية المجتمع. فكيفما كان الراهب المهندس الأول والمخطط وواضع القوانين بوعي وقناعة للمجتمع، يلعب ولاية الفقيه نفس الدور اليوم في إيران أيضا. كان الراهب متحدث باسم الله على وجه الأرض، ولاية الفقيه أيضاً يمثل الإله ورسول لكلامه. لذلك فإن أي اعتراض على قرار ولاية الفقيه يعتبر اعتراض لإرادة الله. إن المخافة والطاعة لتلك الإرادة يعتبر واجب يقع على عاتق كل فرد يعيش ضمن هذه الحدود. خاصة تم فرض ذلك على المرأة التي تم الإقرار على جهلها والعبدة المطيعة والخادمة المنجبة... وجعلها صفات الأنوثة المستكينة المستضعفة. بإمكاننا القول أنَّ الإرادة الذكورية تتعاظم على حساب الأنوثة وتناهض مصلحتها.
كما نعلم أنَّ مدينة أوروك، هي أول مدينة تم تأسيسها على يد الآلهة "اينانا". كان يتم تطوير العلم والأدبيات في المعابد النسائية الموجودة في تلك الفترة، أي أن  تلك المعابد لم تصنع بهدف استعباد الإنسان، بل لتطوير إمكانيات الإنسان الفكرية وهوياته. كما إنها كانت أمكنة للبحث عن الحقيقة أي الحرية، إلا إنه  فيما بعد تم تأسيس المعابد الرجولية إلى جانب المعابد النسائية، ومنها تم نقل كل ما تعلمه الرجل من المعابد النسائية إلى المعابد الرجولية، وتم تطويرها بعد الاستيلاء على تلك القيم بالكامل. فهنا نلاحظ عملية سرقة وسطو على القيم المصنوعة والمكتشفة من قبل المرأة. أصبح وفيما بعد الرجل يتبنى المرأة أيضا عن طريق تأسيس مؤسسة العائلة الزوجية المقدسة. حاليا يتم اتهام المرأة بالفحوش وتعتبر مركز الإثم والخطيئة، ينظر إليها كمذنبة ويجب عقابها بشكل دائم، إلا أن التاريخ يشير ويظهر عكس ذلك. حيث نرى بأن المعابد التي كانت تستخدم كأماكن لتطوير العلم، تحولت فيما بعد إلى قصور الجواري. يعمن النساء فيها حول الملك بالأعداد الكبيرة، والرجل يرى لنفسه حق التصرف بعدد كبير من النساء. تحولتْ بعدها المعابد النسائية إلى أماكن للدعارة. حيث وجد معبد "المصدقين" في بابل كأول مركز للدعارة.
عندما نتحدث عن هذه الحوادث التاريخية فهي مشابهة لما يجري في يومنا الراهن لأبعد الحدود. حيث ظهور المكاتب الرسمية بين الدول لبيع النساء تحت اسم زواج المتعة، فأنك ترى قوافل النساء المرتديات العباءات السوداء، القادمات من إيران، المنتشرات في بلاد الخليج والدول العربية، سوريا والأردن وغيرها من الدول الأخرى، بهدف زواج المتعة. يتم فيها عقد الزواج لعدة أشهر ومن ثم يتم الطلاق. وفي إيران نرى بأنَّ الزواج يحدث لعدة ساعات أو لعدة أيام وبشهادة أحد الملالي وأعضائه، وهو الذي يطلقهما بعد انتهاء هذه العملية. المرأة تلبس الأسود ولا نرى من جسدها سوى العينين المختفيتين في الظلام. إذا لم تكن هذه دعارة شرعية ورسمية فبماذا يمكننا تسميتها؟ سابقاً كانوا يخبؤون امرأة تحت العباءة كي لا يتم التعرف عليها في تلك الأماكن، واليوم يتم اخفاءها باسم الدين، وتحت يافطة أنَّ جسدها يتسبب باثارة الغريزة الجنسية للرجل، وبالتالي تجذبه للإثم. ولكي يغلقوا الطريق أمام كافة أشكال الإثم هذه يتم حبسها في المنزل.
لماذا يتم تلفيق كافة التهم هذه للمرأة، لماذا يتم تذنيبها بهذا الشكل، هل بالفعل هي ساقطة لهذه الدرجة كما يدعون؟ بالرغم من قيام النظام بحبس المرأة داخل المنزل، وربطها بقيود قانونية إلهية، إلا إنه لا يزال يعيش خوفاً عظيماً منها؟ هذا ما نلاحظه في مزايا سلطة النظام لولاية الفقيه بأسطع أشكاله. يغلق باب المشاركة في الحياة أمام المرأة، ويفرض عليها الجهل، وسياسة الإذابة في بوتقة النظام الرجولي.
لا بد من أن لهذا الخوف جذور تاريخية عريقة، حيث نرى أن المجتمع الأمومي يعيش في ذاكرة المجتمع بأعمق أشكاله. بقدر ما تم الضغط على هذه الذاكرة، فهي تستطفح على الوجه لا محال. كي لا تتعرض الذاكرة للانفجار على شكل معارضة اجتماعية، تجبرها على الطاعة بقناعة. من أهم أشكال المعارضة الاجتماعية الفردية التي تظهر بكثرة في ايران خلال الأعوام الأخيرة، ولا تزال في طور الازدياد حالياً هي عملية الانتحار. حيث يتمُّ معايشة هذه الحالة بكثرة في المجتمع الإيراني، فما هو إلا تعبير عن الاعتراض على النظام الاجتماعي والسياسي القائم حالياً. كون المرأة غير واعية ومنظمة، تلجأ لهكذا حل. لا يمكن قبول ذلك كحل وترجيح، باعتبارها تقضي على حياة  فرد من حقه العيش بحرية.
إن مؤسسة العائلة لا تزال تحافظ على قدسيتها لأبعد الحدود في إيران، لماذا؟ لأن النظام الرجولي المبني على الخداع والرياء والضغط والاستعباد، لا بدَّ أنْ يستند إلى مؤسسات مقدسة كي يحافظ على سلامة استمراريته. من أهم هذه المؤسسات، هي مؤسسة العائلة المتشكلة من الأب والأم والأولاد. فالعائلة المتشكلة في إيران تبني نفسها على علاقات العبودية للمطلق، ألا وهو الرجل الوالد. يقال أنَّ الله هو الذي أمر سلطة الأب المطلقة على المرأة وأفراد العائلة وأمر المرأة بطاعة الرجل وتأمين كافة احتياجاته. من يعارض هذه القوانين يكون قد عارض أمر الله وإرادته، بالتالي يتطلب جزاؤه وحسب القوانين المرسومة. بهذا تمَّ إقناع المرأة بهذه العبودية، وتم إبداؤها كعنصر ضعيف لا حول لها ولاقوة، غير قادرة على الدفاع عن ذاتها لوحدها، لا بدَّ من وجود موصي عليها كي يقوم بحمايتها. وغالباً ما نرى بأنَّ الطفل الصغير يصبح حامياً لأمه أو لأخته الكبرى. فهل يمكن للطفل الصغير الغير قادر على حماية نفسه من حماية والدته التي أنجبتهُ؟ فأيُّ عدلٍ وأي قانون يوافق على جريمةٍ كهذه؟ يقولون أن الدين يوصى بذلك. تبين أنَّ تفسير الأحاديث الدينية للآيات القرآنية هي التي تسببت بإحداث انحراف كبير لهذه الدرجة في الدين. الملالي هم الذين قاموا باحداث هذه التفسيرات حسب منافعهم ومصالحهم السلطوية. هذا ما يقال عنه الدين السياسي. لماذا قبلت المرأة هذا الوضع، وخضعت للسلطة الرجولية لهذه الدرجة، هل بالفعل هي راضية عن وضعها هذا، أم أنها ترى نفسها ضعيفة غير قادرة على مقاومة السلطة الألوهية هذه؟.
عندما نقول العبودية الطوعية، لا نعني برضى المرأة عن وضعها هذا، إنما يمكننا القول أنها تطيعُ هذه الإرادة، باعتبارها ستكون من أهل الجنة، لو أطاعت زوجها، أي السلطة "ولاية الفقيه". أي تم وعدها بدخول الجنة لو كانت من النساء الصالحات وفق نظرتهم. كما أننا نرى مشاهد الرجم التي تحدث أمام أعين المئات من الناس رجالاً ونساءً... يقذفون الزاني أو الزانية بحجارتهم كي يحتلوا لهم مكانة في الجنة. قد يكون الشخص المرجم راضياً بحكمه هذا، باعتباره سيدخل الجنة بعد عملية الرجم. هذه ذهنية طبقتْ كما كانت عليه ذهنية المجتمع الدولتي السومري. حيث كانت مشاهد الدفن الجماعي للنساء والأطفال مع موت الملك، اعتقاداً منهم بأنهم سيكونون من أهل الجنة، لو دفنوا مع الملك الإله. فلا فرق بين كلا الذهنيتين حتى لو مرَّ عليها خمسة آلاف سنة. لذلك فإن تحليل هذه الذهنية ضرورة حتمية. كما نرى حضور الآلاف من الناس مراسيم إعدام الأشخاص في إيران. فمنهم من اتُهِمَ بالقتل ومنهم من اتهم بالعمل السياسي وغيرها من الجرائم الأخرى. أحياناً يتمُّ إحضار الجماهير جبراً لمشاهدة آخر اللحظات من أنفاس المذنبين في الحياة، لتصبح عبراً ودروساً للآخرين. إنها مشاهد الرعب، كي يبدي النظام سلطته المطلقة ورهبته على المجتمع. كثيراً ما يتسنى للرجل المذنب انقاذ حياته بدفع الرشوة، أما المرأة فجزاؤها يُطبَّقُ حتماً وغير قابل للطعن. هكذا كانتْ صراعاتُ الحلبة على الحياة، منْ يقتلُ الآخر يبقى على قيد الحياة، حتى لو كان من أعزِّ الأصدقاء. هذا هو قانون الغاب، تم تطبيقه أولاً ضمن العائلة المقدسة. كانتْ القدسية في السابق للمرأة الخالقة، المشبهة بالنورِ والشمس والتراب البركة وغيرها من الصفات الحميدة. ثم تحولتْ القدسية إلى الرجل، وبذلك تحول إلى الخالق والعالم والمدافع والمقاتل. لذا يذكر في بعض الميثيولوجيات عن خلق المرأة من جسد الرجل. هذا ظاهر في قصة آدم وحواء، حيث يذكر فيها بأنَّ حواء خُلِقتْ من ضلع آدم المكسور. يؤمن المجتمع الايراني بقصة آدم وحواء، لهذا تقتنع المرأة بأنها الجنس الأضعف. كذلك لا يتمُّ قبولَ شهادة المرأة لوحدها، كما تمَّ فرضَ الزواج عليها في سنٍّ مبكر، كي يتمَّ اتباع إرادتها بالكامل للرجل. كما يتمُّ تربيتها على هذا المفهوم. الأمُّ تقومُ بتربيتها بهذا الشكل، والمدرسة أيضاً تلعبُ دور الأم الثاني. يمكننا القول أنَّ العائلة هي المؤسسة المؤثرة لأبعد الحدود في ترسيخ النظام الأبوي الذكوري.
كما نرى مشاركةَ المرأة في مؤسسة البسيج بهذا الكمِّ الهائلِ أمرٌ غريبٌ بالفعل. إنَّ مؤسسة البسيج تعتبر مؤسسة استخباراتية مدنية مئة بالمئة، ومترسخة ضمن المجتمع الايراني. حيث يتمُّ جذبَ الشبيبة من الفتيات والفتيان إلى هذه المنظمة بهدف اللعب بخيالاتهم الطفولية، وتحويلهم إلى جيلٍ عميل وتابع لا يعرف غير التجسس على المجتمع واستخدامهم في أعمال لا أخلاقية. يهدفون من ورائها تخريب عقول الشبيبة لصالحها، والوضع معلوم للغاية، حيث تكون إطاعة الدولة ونظامه، وهو يشبه في هذا المجتمع الذي يقع تحت نير النظام الرأسمالي. حيث نرى أنَّ النظام الرأسمالي أيضاً يستفيد من القوموية، الدينوية والجنسوية، كي يحقق مشروعيته على المجتمع. إن تحليل علاقة النظام بهذه العوامل ضرورية حياتية. فباعتقادنا إن ما يقوم به النظام الايراني حالياً هو استخدام الدين في سبيل فرض سيطرته على المجتمع. كما إنه يطبق الجنسوية الذكورية ويدافع عنها، عن طريق فرض قوانينه الاجتماعية. يعتمد القوموية الفارسية أساسا لترسيخ نظامه الدولتي بهذا الشكل. يمكننا القول أنه أصبح مشابها للنظام الرأسمالي لأبعد الحدود. حيث يمكننا التعريف فيما بين النظامين في مسألة استخدام العلموية، بالرغم ما من فرق بين العلموية والدينوية في تعريف الروح والمادة. استخدمت الرأسمالية كافة الطرق التي سردناها. بذلك جعلت من المرأة مادة يُحَق التصرف بها، ولها حق التحرر من كافة القيود تحت اسم الحرية المطلقة، لذا تمَّ استخدامها في مركز التجارة "البيع والشراء"، واستخدامها كعنصر للإشباع الجنسي. هذا ما يحدث في المجتمع الايراني أيضا. قد لا تظهر المرأة في الإعلانات، لكن يتمُّ بيعها في عملية الزواج. حيث يتم تزويجها في سنٍّ مبكر جداً، ويتمُّ وضع سعرٍ معين كمهرٍ لها، كما يتمُّ استخدامها كمادة للإشباع الجنسي، حيث يتمُّ الضغط عليها منذ الصغر وحرمانها من التعامل مع الجنس الآخر، بذلك تمَّ تشويقها أكثر للركض وراء ممارسة الجنس، والرغبة في التعامل معه. كثيراً ما يتمَّ مشاهدة أفلام السيكس في المنازل من قبل الزوجان وفئةِ الشبيبة. بالإضافة إلى بيع الاعلانات عن طريق الهواتف، وغيرها من الطرق الأخرى لتشويق المجتمع في هذا الاتجاه.
إنَّ التركيزَ على هذا الاتجاه من جانب، وتعميم قدسية العائلة من جانب آخر لهو دليلٌ على خوفِ النظام من قوة وديناميكية المرأة. فالنظامُ عالمٌ بتلك الديناميكية المخفية في زوايا التاريخ الغير مدوَّن حتى الآن، ولمْ يتمُّ الكشفَ إلا عن القليل من عقل وذاكرة المجتمع الطبيعي المتمثل بالمرأة "الأم الآلهة". إنْ تعرفتْ المرأة على قوتها وذكائها وقدرتها الخلقية الخفية تلك، لهبَّتْ وانتفضتْ بسرعة في مواجهة التسلط والذل والاستعباد. الديناميكية والطاقة الكامنة في المرأة هي التي تهدد النظام الرجولي بشكلٍ دائم وكلما تطور المرأة من فكرها، كلما يزيد النظامُ من حد قيوده. خاصةً القيود الذهنية التي نسميها بقيود الدين على المرأة بشكل خاص. يقوم النظام الإيراني أيضاً باشتراك المرأة العمل في مؤسسات الدولة، إلا إن عملها هذا لا يحررها، إنما يحولها إلى فاعلة تعمل بذهنية الرجل. النظرية التي تم اثبات صحتها هي أن مشكلة المرأة واستعبادها ليست مشكلة اقتصادية، إنما هي مشكلة ثقافية اجتماعية سوسيولوجية بحتة. ظهرتْ الطبقة الأولى على استعباد المرأة، لهذا فإنَّ تحرير الإنسانية أيضاً سيحدث مع تحرير المرأة. كون النظام الايراني نظام رجولي، لا يمكن حل القضايا العالقة فيها إلا مع تحرير المرأة، وبالتالي حل القضية الذهنية للمجتمع ودمقرطة الدولة.
تقع حدود الدولة الإيرانية على جغرافيا استرتيجية ذات تاريخ عريق جداً، حيث تقع ضمن أراضي ميزوبوتاميا، وبالتالي تعتبر من الأراضي التي تعرفتْ عل الثورة النيولوتية الزراعية للمرأة والآلهة. كما أنها تعرفتْ على ثقافة الحضارة المدنية الدولتية بعد سومر وبابل وعلى ظلم وطغيان آشور، كما شاهدتْ على المانوية ومنصور الحلاج وغيرها من الثقافات المقاومة في مواجهة الظلم والاستبداد، لكنْ ومع الأسف إنَّ كافة تلك المقاومات لم يكن لها نصيب في النصر. انتهت جميع هذه المقاومات بنهايات مؤلمة تاركة وراءها أشدَّ العذابات في ضمير الإنسانية، إلى أنْ أتتْ الفتوحات الاسلامية. وبالرغم من أنَّ المذهب الشيعي يُعتبرُ مذهباً إصلاحياً في الدين الإسلامي وأكثر مرونة من المذهب السني، إلا أنَّ الذهنية القوموية المستمدة من الثقافة الجنسوية الذكورية تقف عائقاً جدياً أمام إبداء أي مرونة، لا من الناحية السياسية ولا من الناحية الاجتماعية، لذلك تشكل كعقدة داء في رحم المجتمع بأكمله. إن ذهنية الدولة القومية المتشكلة منذ أعوام الخمسينات في إيران لدى انسحاب الانكليز وتشكيل الحكومة الشاهنشاهية التي رسختْ الثقافة الغربية في المجتمع، المترفق بالحقوق الشكلية للمرأة حسب مقاييس المجتمع الأوروبي، أتتْ فيما بعد بثورة الخُمَيني الاسلامية المعتمدة على قوة المرأة بالشكل الأعظمي، فهي التي وعدت المرأة باعطائها حقوقها كاملة بشرط أنْ يتمَّ الإطاحة بالنظام الشاهنشاهي. بالفعل شاركتْ المرأة فيها بكافة طاقاتها، حتى يمكننا تسمية تلك الثورة بثورة المرأة. لكنْ ومع الأسف فالنظام لم يعترف بالمرأة بعد انتصار الثورة، بل تمَّ حبسها في المنزل وبالتالي حرمانها من كافة حقوقها المشروعة. منذ ذلك الحين تعرَّفَ النظام على القدرة والطاقة الكامنة في المرأة، علم بمدى صدقها وتشوقها للحرية، لذلك اتخذ التدابير القوية في مواجهتها، وأقنعها بأنَّ تحررها يكمن في طاعتها للنظام، لكن إلى متى يا ترى؟!... انَّ الذاكرة التاريخية للمجتمع الذي يعيش على هذه الجغرافيا لا تزال مخفية في أفرادها، بقدر ما تكون قد تعرضتْ لتغييرات وتشوهات فظيعة، إلا أنَّ المجتمع والمرأة لم يفقدا جانبهما المعنوي، وما زالا مرتبطان ومتحسران إلى الجنة المفقودة. العلاقة بين الفرد والمجتمع لا تزال في أوج قوتها، لذلك نرى أن الفرد الخارج عن أطر العائلة يصبح منبوذاً ويُعتبر فاقد العقل. بقدر ما تكون العائلة مؤسسة تشكلتْ على يد السلطة الرجولية، إلَّا إنها حافظتْ على علاقة الفرد مع المجتمع، كذلك لا تتطلب ردها أو إنكارها، إنما يتطلب إحداث التغيير فيها، أي دمقرطتها، كما يتطلب التخلص من الذهنية الجنسوية التي تشكلتْ عليها مؤسسة العائلة، وبالتالي التخلص من روح التملك والعبودية. لا يقبل الرجل العيش مع المستضعفة، ولا المرأة تقبل العيش مع الرجل الكلاسيكي صاحب الأفكار الرجعية التابعة لدولة الملالي.
من المؤكد أنَّ قضية الحرية تخصُّ كافة الأحياء، لكننا نبدأ من المرأة لأنَّ أول عملية الفصل بين المادة والروح بدأتْ مع أول عملية لاستعباد المرأة. نزلتْ المرأة من مرتبة الألوهية وتحولتْ إلى أي شيء أو مادة بلا روح، بإمكان التصرف بها كما يشاء. مع ظهور الذهنية الجنسوية الذكورية، تحولت الطبيعة أيضاً إلى مادة خالية من الروح، يحقُّ للإنسان الاستفادة منها والتصرف بها أو هدرها. هكذا تمَّ التعامل مع عالم الحيوانات أيضاً. لذا نقول إن قضية المرأة واستعبادها تعتبر الأساس لكلِّ هذه العقد الكأداء. تبدو هذه الصورة في المجتمع الإيراني بأوضح أشكالها. فالمرأة تحولتْ إلى شيء وتم الضغط عليها ووضعها في قوالب إسمنتية، وتكبدتْ طاقاتها في حوض ذاكرتها الاجتماعية، كي لا تبدي ردود فعلها في مواجهة ألاعيب النظام الحاكم، لكن وحسب القاعدة الدياليكتيكية القائلة: "بقدر ما تُنْكَر قوة، ستتحول وجود العناصر الأخرى من حولها إلى قوة فاعلة تعادي تلك القوة وتسعى للقضاء عليها". لذلك فإن الإنكار والضغط لا يولد سوى رد الفعل. بهذا فإنَّ قوة المرأة أيضاً لابدَّ أنْ تبدي ردَّ فعلها في مواجهة الضغوطات. كي تحصل على حريتها، لابدَّ أنْ ترى نفسها جزء من الكون وتتحرر. بهذا سيتحرر الكون من ظلم الإنسان، وبالتالي يتحرر المجتمع أيضا، لكن بداية على المرأة أنْ تستيقط من غفوتها التاريخية وأنْ تشعر بقوتها وتحسَّ بإرادتها، كي تكون قادرة على تنظيم نفسها وبنات جنسها، وتشرف على توعيتهن، وتعرفهنَّ بحقيقة المرأة وتاريخها العريق، وحقيقة النظام الرجولي المستبد. عليها أولاً أنْ تجاهد في سبيل التحرير من كافة التخريبات والتشوهات التي أحدثها النظام في ذهنيتها وشخصيتها وتعلن طلاقها الأبدي من النظام الرجولي وتأثيراته، كي تلتقي بذهنية المجتمع الأمومي مرة أخرى وتحقيق ذهنية الحضارة الديمقراطية.
تعيش المرأة في شرق كردستان حالة سيئة جداً، فبالإضافة إلى الاستعباد الجنسي فهي مستعبدة وطنياً أيضاً. يبدو ثقل الحياة على كاهلها عظيمٌ جداً. حسبما نعلم أنَّ المرأة الكردية أكثر منْ تبدي سخطها من حياة العبودية عن طريق الانتحار وإضرام النار بجسدها، هذا يعني أنَّ شخصيتها تكون الأقرب إلى الحرية، ليس لأنها تنتحر، إنما هي الأكثر بحثاً عن الحرية، ولها خيالات ملونة تحافظ عليها مهما كبرتْ ولاقت من المآسي. لذلك فإن مشاركتها في الحياة ورغبتها في ممارسة السياسة والدفاع المشروع والشريف عن حقوقها الوطنية، إلى جانب بحثها المستمر عن ذاتها كوجود انساني، ماهو إلا تعبير عن الطاقة الكامنة بداخلها، هي التي تحركها للانغماس في طريق البحث هذا، وهي تكون الأكثر بحث عن الديمقراطية، العدالة، المساواة والممثلة الحقيقية لهم.
البحث عن الحقيقة مُهمة أساسية تقع على عاتق المرأة الكردية، وهي القادرة على الوصول إليها عن طريق الوعي والتنظيم، والعملية السلمية، لتحقيق الديمقراطية في البلاد. تحرير المرأة سيؤدي إلى تحرير المجتمع وبالتالي يعني تحرير المجتمع الكردي من كافة جوانبه "حل القضية الكردية أيضا". هذا ما سيؤدي إلى دمقرطة الدولة وتحرير المجتمعات الأخرى أيضاً. خلاصة يمكننا القول بأنَّ قضية المرأة تعتبر المفتاح الأساسي لحل القضية الإنسانية.