Kurdî  |  Tirkî

سأروي ملحمة قتل الموت في هذه الجبال

مزكين باقي

qisetu qetli elmewtعن ماذا و لمن سأكتب؟! هل ستكفي كتابتي هذه لسرد ما تحويه جوانحي أو هل ستروي جزءً من زاوية فؤادي، هل ستريح قلبي المسكين وآلام آلاف السنين التي تخللتْ عروقي، هل يمكن كتابة وسرد حكاية كل فرد صاحب وجدان وضمير شعر بألم هذا اليوم المظلم في تاريخ البشرية، هل يمكن وصف ضياء النور الذي يضيء خطوط الأفق البعيد؟!.. . إذاً لمن سأكتب؟!.

 

أحسستُ بآهٍ تخنقُ جوارحي المكبوتة التي انبثقت لتوها من سجن الحنجرة التي أرادت أن تصرخ عالياً وتملئ بدويها جدران الجهات الأربعة، اختنقت كلمة الفرح والنشوة في صدورنا، لتغدو بكلمة حُوكمَ عليها بالحزن، وكم من مصلوب ومعدوم ومحروق ومسجون صدر عليه الحكم قبل أن يصرخ بكلماته التي ستحطم كل الشكليات في هذا العالم، وتعلن عن زيف أولئك الذين ينادون بالمبادئ والإنسانية وتسدل الستار عن ألعوبته وهو ينهش ببراثنه في أجساد طلاب الحق للإنسانية... فلمن سأكتب حكاية الأمل التي بين جوارحي؟!.

سأحكي لتلك الكرة التي تحمل بين أحضانها مليارات الأرواح، إلى تلك الخطوط والأسطر التي تدون بين طياتها الآلاف والملايين من المعاني، للبحار والمحيطات التي ابتلعت الملايين من الآيات التي لم تقرأ، إلى المدونات التي نقشت بأيدي لم تشفى تشققات جرحها، فذهبت ضحية الحقيقة التي لم تصبو إليها، أم للذي توفي قبل أن يلفظ بكلمته المصيرية! فلمن سأكتب؟!

للأفواه والشفاه الدامية، للتاريخ الذي لم يدون، للكلمات الحرجة المتجمدة على الشفاه، للأعين التي نشفت دمعة الحزن في حدقها، للابتسامة الشاردة منذ أمدِ الدهر نحو الأفق البعيدة. للوردة الذابلة الملتوية العناق نحو التربة الجافة والعطشى منذ بدء التاريخ المنحرف، أمْ لتلك الأم الجالسة القرفصاء على عتبة الدار تراجع ذكريات دهرها الظالم والقاهر، أم للواتي ضفرنَ جدائل شعاع غروب الشمس، للمرأة الحاملة التي تعاني آلام المغص في لحظة الولادة... يا ترى ماذا سأقول ولمن سأكتب؟!.

لصفاء السماء الفسيحة، لشمس أنارتْ بنورها كل جماليات الروعة في هذا العالم، للأراضي المخضرة بأنامل الأمل، لكلِّ الحقائق المنسية بين مجلدات التاريخ المزيف، لكل من تلفظ بكلمة حق وروى لنا أسطورة شعبٍ منسي وسردَ لنا قصة الزمن السافل.

سأبحر في المحيطات السبعة في العالم وسأجوب كل البحار بغاية الوصول لتلك الجزيرة البعيدة وهناك حيثما ألقى جزيرة الأمل سأقف هناك كصنديد وأدكُّ دعائم سجنها بنظراتِ عيناي التي سرحتا من ذاك التاريخ وإلى هذا اليوم، مضت سنينٌ طويلة وأعيني تترقب سفينةً تتجه نحو جزيرة الأمل، سفينة ستجلب لنا السعادة والفرح الناقص من حياتنا. في تلك الجزيرة بقيت عيناي شريدة شواطئ تلك الجزيرة لتسرد آية الروعة وتشرح بما في المآقي وتكتب كلمة (الشمس)، وتدون عبارات الأمل بشروق الشمس خلف جدران السجن الانفرادي والعزلة الأبدية، ستدلك الروح بما فيها من معاني الشوق والحب والأمل بلقاء شمسنا حراً طليقاً، علمتنا شمسنا كيف نجوب كل التاريخ منذ الأيام البدائية، تقدماً بالعبودية والإقطاعية والرأسمالية، علمتنا شمسنا كيف نجوب العهود عهداً بعهد وراء عهد الحقيقة، كيف نكشف الستار عن أخاديع القاذورات التآمرية، علمتنا كيف نصل للثورات العصرية ونستنبط منها الدروس لنصل لغاية عصر أوجلان، لنتعمق على أبجدية الشعوب ونلمح من ورائنا كيف تشرق الشمس من أعالي جبالنا الشرقية، كيف تهبنا بنورها ودفئها بكلِّ سخائها وتراسلنا على المعاني التي يتوجب تعلمها... تلك المعاني التي توحي لنا بسرِّها قائلةً: ليس بإمكان أحدٍ تعتيم الشمس، فمهما كانَ كسوفهمْ طويلاً فالشمسُ ستشرق لا محال... وهنا أطرحُ سؤالي مجدداً:

لمن سأحكي ولمن سأكتب؟!...

سأحكي قصة شعبي المنسي وتاريخه المنفي الذي لم يكتبْ. على الرغم من قراءتي لهذا التاريخ بملايين المرات وسماعي آلاف الروايات. فقد حاولتُ مراراً فتح صناديق الدهر لإزالة العفن وسرد الحكايات المنسية بين طيات الزمن الغدار، سنروي الآمال المختنقة في الحناجر بين الضياع والعبودية في هذه التربة.

سنروي حسرات الأجداد والأمهات الثكلى وتأوهاتهن الدامعة. ورغم أنَّ الحياة تواصلُ سيرها، سنروي طموحاتَ الشابات والشبان الذين تطوعوا للحرية، سنروي حكايا تلك الأعين المتشوقة لشروق شمس الغد، سنروي قصة تحطم القبور الإسمنتية هنا في هذا الوطن، سنروي ملحمة قتل الموت في هذه الجبال، سنحكي ملايين الآلام وأهات القلوب المشتعلة بنيران الحرية.

هكذا تاهت المحيطات في أفكاري وجابت روحي كلَّ محيط الشمس، وأبحرت في طيات الأمومة لتنبعث من جديد، لتخطو من جديد نحو المستقبل الرغيد للإنسانية وتعلم الإنسانية أولى الهجاء الأبجدي لقواعد الحياة وقوانينها، لنخط التاريخ بأنامل ثوار الحرية ونطبق مبادئ العالم الميزوبوتامي ونحفر في ذاكرتنا الأمومة لنمر في مملكة إبراهيم، موسى، عيسى، زرادشت، ماني، محمد حتى نصل إلى شمس عصرنا، إلى قائدنا أوجلان. لأنها الشمسُ التي ستحطمُ عفة الظلام في سماء العالم الثالث، لتحققَ أسطورة العصر في مهد الإنسانية كردستان.

سأحكي أسطورة أوجلان الذي يحلق حراً طليقاً في رحاب الكون بأفكاره النيرة، الذي يحملُ الكون بأكمله في فؤاده. سأحكي حكاية أيام النور والضياء في الشخصِ القادم من عمق التاريخ والمارِّ بجيل الحرية والديمقراطية...