Kurdî  |  Tirkî

كيف بإمكاننا تغيير مسار التاريخ؟...

ليلى عامودا

ثورة كردستان التي بدأت بطليعة حزب العمال الكردستاني (PKK) وقائدها عبد الله أوجلان، بدأت بمسيرتها المقدسة في زمنٍ كان الإنسانُ الكرديُّ يهربُ من وجوده وحقيقته ككردي... يسمي القائد أوجلان هذه المرحلة بمرحلة حفر بئرٍ برأسِ إبرة، أي أنَّ النضالَ في تلك المرحلة كان يتطلب

جهداً دؤوباً وصبراً يجاوز صبرَ أيوب، لأنَّ الهدف كان كبيراً جداً، ألا وهو احتضان شعب مثل الشعب الكردي مع وجوده وإرادته المستقلة مع هذه الحركة الثورية. ففي زمنٍ انعدمتْ فيهِ الثقةُ بالذات، وفقد فيه الشعب الكردي أو بالأحرى جميع العالم اكتساب الكردي لإرادته المستقلة والاحتضان مع حريته من جديد، ظهرتْ صغيرة من الشبان الثوريين يدعون بوجود وطن تدعى كردستان وعلى أنها مستعمرة، كما كانت تثق هذه المجموعة بأخوة الشعوب وحريتها، خاصة أنها كانت تحاول زرع هذه الحقيقة في أذهان الجميع ألا وهي؛ حرية الشعب التركي تمر من حرية الشعب الكردي. بهذا الوعي وهذه الثقة بدأت هذه المجموعة بالنضال في سبيل هذا الواقع الاجتماعي في أعوام السبعينات. ليبدأ هذا بالانتشار في كردستان في وقت لا يتجرأ فيه الكردي النطق بكلمة كردية، ويستحي من نفسه كونه كردي الأصل، مارست هذه المجموعة فعاليات الدعاية تجاه هذا الواقع الذي يعيش ضمنه الشعب الكردي، وتحاول توعيته للاستيقاظ من هذا السبات العميق. شعار هذه المجموعة في تلك السنين العصيبة، كان الثقة بالذات والإيمان بالنصر.

 

 ليؤكد القائد أوجلان هذه الحقيقة بقوله: "الأمل أثمن وأعظم من النصر."

انطلاقاً من هذا المبدأ شقتْ هذه المجموعة طريقها نحو ثورة كردستان الحرة.

هذه المسيرة كانت أشبه بالسير على الصراط المستقيم، فحين نذكر لمحة على هذه الانتصارات الثورية لحزبنا PKK، نرى بأنَّ أكثر ما كان يذهلُ نظر الجميع الصديق والعدو كان تلك الإرادة الفولاذية والإصرار الثوري في الإيصال بهذه الثورة إلى نصر دائم رغم شتى أنواع الظلم، التعذيب، القمع والشدة التي تعرضت عليها هذه الحركة منذ ولادتها وحتى يومنا الراهن.

عندما نتصفح في ملفات تاريخ الثورات العالمية، نلتقي مع شخصياتٍ عظيمة استطاعت نقش أسمائها بأحرفٍ ذهبية على صفحات التاريخ كالفلاسفة، العلماء والأنبياء وإلخ... هذه الشخصيات بذلت جهوداً هائلة وقيمة في سبيل الحقيقة الاجتماعية التي نمرُّ منها، لكن من الصعب علينا رؤية شخصية وحيدة تشبه القائد أوجلان ضمن هذه الصفحات المقدسة، ذلك لأن القائد أبو وبالسير على نهج هذه الشخصيات قام بتغيير مسيرة تاريخ البشرية رأساً على عقب، كي يثبت أن الإرادة الحقيقية التي يجب أن تستمر في العيش هي إرادة الإنسان الحر والمجتمع الأخلاقي والسياسي المتقدم في ظل إطار أيديولوجية المرأة الحرة.

خاصةً أنَّ الكثير من الفلاسفة بذلوا جهوداً عظيمةً في سبيلِ إنقاذ البشرية من الظلم، الاستبداد والعبودية التي غُرِقت فيها البشرية حتى الأعناق، إلا أنها رغم جميع محاولاتها ونظرياتها بقيتْ ناقصة ولمْ تتمكن من إيجادِ بديلٍ أو حلٍّ جذري. في هذا المضمار بذل قائدنا أوجلان جهوداً عظيمة في تغيير مسيرة التاريخ، وكشف جميع أقنعة النظام الرجولي المستبد الذي يمتدُّ حتى 5000 عام، خاصة أن هذه الجهود أجلبتْ معها نصف النصر في نضالنا السامي. مع إظهار قائدنا للحقائق المخفية والمتسترة خلف الأقنعة، بدأ بتوعية المجتمع وأفراده مع مرافعاته القيمة التي قدمها لنا. فقدْ أنار لنا طريق النضال في سبيل بناء الحضارة الديمقراطية تجاه الحضارة الرأسمالية.

إنَّ حكمة القائد آبو وسرَّ عظمته تتوضح في فلسفته الحياتية وبإمكاننا اختصارها بهذه العبارة الصغيرة: "الفكر، الذكر والممارسة العملياتية" هذا الشعار في نفس الوقت هو مبدأ نضالنا ومبدأ الحياة الحرة التي نهدف في تحقيقها.

فهذا النضال العظيم الذي ازداد نتاجاً ضمن شروط شديدة الصعوبة مثل شروط سجن إيمرالي التي تركت أربعة عشر عام وراءها، إنما تحمل أقدس معاني النضال في سبيل إنقاذ البشرية من هذه الأزمة الكبرى التي تذهب حياة المئات، بل الآلاف من البشر ضحية لها...

ارتباطاً بهذه الحقيقة، لنتجول معاً في صفحات هذا الواقع الاجتماعي ونحاول الوصول إلى حقيقة المجتمع وما يعيشه من معاناة...

حقيقةً حين نبدأ بجولتنا هذه ونشق طرقها للتنقيب عن هذه الحقيقة نرى بأن المشاكل متداخلة ومتشابكة ضمن بعضها البعض بقدر أن المرء لا يستطيع الخروج منها. فمجتمعنا الإنساني الذي تشكل حول الإلهة الأم على أسس حياةٍ جماعيةٍ حرة وأمنية، نرى بأنه وجهاً لوجه أمام اختناق دائمٍ تحت حمل الفردية والأنانية البعيدة عن جوهر، أخلاق ووجدان الإنسانية.

المرأة الأم التي لعبت الدور الطليعي في تحقيق الثورة الزراعية، والتي كانت المرجع الأساسي لتلك الحياة بكافة أشكالها، نرى بأنها أُبعِدَتْ كامل البعد عن المسؤوليات الحياتية... فالنظام الذكوري المستبد تمكن من التسلط على هذه الحياة الاجتماعية بعد أن عاش صراعاً مريراً مع المرأة وفي الأخير تغلب عليها كي يصبح الظلم، العبودية، الشدة، الاغتصاب والقتل هي القوانين الحاكمة ضمن الحياة، ليخلو المجتمع من إرادته الجوهرية والمستقلة، كي يغيب الوجدان والأخلاق التي هي القوانين الأساسية للحياة التي تقدمت حول المرأة ويتمكن هذا النظام المستبد بالتحكم على جميع خلايا المجتمع. خاصةً أن هذا النظام أهدف المرأة حين بدأ بترسيخ نظامه ضمن المجتمع لأنه كان على وعي بأنه إنْ تمكن من التسيطر على المرأة، سوف يسيطر على المجتمع بكل سهولة. ليغير هذا النظام الأبوي مسار التاريخ بعد أن أعلن عن سيادته على العالم.

انطلاقاً من هذه الحقيقة المؤلمة التي عاشت وما زالت مستمرة حتى اليوم، نصل إلى نقطة هامة ألا وهي؛ إنْ ابتعد عن مجتمع ما عن سياسته وأخلاقه، سيتحول إلى فريسة سهلة الاصطياد. لأنَّ هذا النظام المتسلط المتمثل في النظام الرأسمالي، يهدف سلب الإنسانية من إرادتها وفكرها الحر.

فهذا النظام الرأسمالي يستندُ على ثلاثةِ أبعادٍ أساسيةٍ للحط من المجتمع ووضعه تحت تأثيره، ألا وهي؛ (الرياضة، الفن، الجنس)... هذه الأبعاد الثلاثة التي يمارسها النظام الرأسمالي بكامل المشروعية ضمن المجتمع، تنعكس تأثيراتها سلباً على أفراد هذا المجتمع. ونتيجة هذه التأثيرات يتحول المجتمع إلى مجتمع أنثوي كما سماه القائد، ويبيع نفسه بشكلٍ رخيصٍ بعيد كلَّ البعد عن أسس المجتمع الأخلاقي والسياسي.

حينَ نقومُ بمحاسبةِ أنفسنا أمام هذا الوضع الاجتماعي الباعث للألم، نرى بأنَّ المجتمع وصلَ إلى أقصى درجات العبودية. لأن الكثير منا يلعب دور القردة الثلاث الذين يتخذون هذا المبدأ أساساً لهم تجاه هذا الواقع، ألا وهو: "لا أسمع، لا أدري ولا أتكلم" ربما كان هذا إحدى الأسباب الرئيسية الذي أفسح للنظام الرجولي المتسلط المجال لإنشاء نظامه الذكوري المتسلط بدءً من المجتمع السومري. خاصةً أنَّ باني هذا النظام هم، الشامان والرهبان أو "الرجال العجزة" الذين كانوا يحسدون من جهد المرأة ومن حاكميتها الطبيعية ضمن الحياة.

ارتباطاً بهذه الحقيقة بدأ هؤلاء العجزة بتنظيم الشبان اليافعين كي يتمكنوا من تنظيمهم تجاه النظام الأموي، خاصة بعد ذلك الصراع المرير الذي دام فيما بين الإلهة الأم وهؤلاء العجزة الماكرين. خاصةً لأنهم التجؤوا إلى دواليبٍ مثل المكر، الخداع والشطارة واستخدموها تجاه المرأة التي بطبيعتها كانتْ بعيدةٌ عن مثل هذه الأنواع من الحيل والخدع. طبعاً هذا الانكسار لم يبقى محدوداً بالمرأة وحسب، بل انكسرتْ معها جميع أسس، قيم ومبادئ المجتمع الأخلاقي والسياسي أيضاً. حتى وصلت البشرية إلى مستوى مهددة فيها بالفناء، بعد ظهور النظام الرأسمالي الحداثوي الذي بدء بالانتشار قبل حوالي 500 الأعوام الأخيرة.

ربما أنَّ المجتمع استيقظ اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى تجاه هذا الواقع الرجعي وصار يرى الطريق الصحيح من الطريق الخطرة، كما أننا كنساء اقتربنا أكثر من الحلقة المفقودة طوال 5000 عام، أي بعد القضاء على المجتمع النيولوتي، لكننا لو لم نبدي نضالاً راديكالياً جماعياً، سوف نكون وجهاً لوجه أمام هذه الحقيقة من جديد.

طبعاً، الجهد الأعظم لوعينا هذا يعود إلى أفكار وفلسفة قائدنا عبد الله أوجلان الذي أظهرَ حقيقة أكاذيب السياسات الرجولية الماكرة، وخططَ لنا خريطة الطريق التي بإمكاننا من خلالها الاحتضان مع حريتنا، إرادتنا وحقيقة وجودنا الجوهري.

هذا هو السؤال الذي كنا نتساءلهُ فيما بيننا ونطرحهُ دوماً، وهو كيف بإمكاننا تغيير مسار التاريخ الاجتماعي البعيد عن إرادة الشعوب وحريتها. وها نحن اليوم وصلنا إلى جوابه الصحيح، ألا وهو بذل نضال عظيم لإنشاء الحضارة الديمقراطية والحياة الحرة من جديد.