Kurdî  |  Tirkî

كيف نعيش؟...

دلزار ديلوك

keyfe neisمبدأ الحياة الأساسي، كامنٌ في إعطاء الجواب الصحيح لسؤال كيف نعيش، الشعب الكردستاني الذي قرر بناء المجتمعية الحرة من جديد، وحاول تأمين ظروف استمراره وتطويره. طبعاً هو أيضاً كان على وعي أن تحقيق هذه الحقيقة تمرُّ من بناء مبادئ الثقافة الآبوجية في كلِّ فرد. فالثقافة الآبوجية هي إحياء وخلق وجهة نظر في جميع تفاصيل الحياة، الإنسان، المجتمع وتاريخه. وخلق هذه الثورة المجتمعية تمر من إعطاء الجواب الصحيح على عدة أسئلة حول الحقيقة، حول اللحظة، حول البداية وحول الكوانتوم؟...

 

وخلق مجتمعية قوية تمر من خلق شخصيات قوية. ذلك أن الإصرار والتراجع فوراً، الشعور بالحزن فجأةً وبالسعادة فجأةً، إنما هي حالة الأناس الذين لا يخلقون مجتمعيتهم بشكل قوي. والأمرُ الأهمُّ من ذلك هو أننا بقدر ما نوحدُ الثقافة الآبوجية في شخصنا، علينا إحياءها ضمن المجتمعية الجديدة لكردستان أيضاً. الوصول إلى مرتبة الثورية التي تتوعى لمسؤولياتها وتؤدي مهامها على أكمل وجه إنما هي الوصول مبادئ الثقافة الآبوجية بذاتها. فوجودك ضمن حركة الحرية، يعني في نفس الوقت أنك تعيشُ ضمن الحركة الآبوجية. خاصةً أنَّ الحركة الآبوجية هي القوة الوحيدة في خلق أسس الحرية ضمن المجتمع الكردستاني.

من لا يسألُ نفسه سؤال كيف نعيش بشكلٍ دائم، ليس بإمكانهِ أنْ يتحولَ إلى شخصية ثورية. سؤال كيف نعيش، إنما يرشدك إلى التوعي للخطر ورؤيته، بالتالي يكسبك الجسارة على عدم قبول هذا الخطأ، والبحث عن ما هو صحيح تجاه ذلك. فسؤال كيف نعيش، هو سؤالٌ خلَّاقٌ لأبعد حد. كونه يعلم ما هو الخاطئ ويحاول بناء الجديد والصحيح تجاه ذلك إنما هو أشبه بسر إلهي هائل. يكون سؤال مقدسٌ حين يخلقُ تجدداً دائماً في ذكاء الإنسان المرن ويؤسس فيه ثقةً كبيرةً بذاته. الثقافة الآبوجية، هي الجواب الصحيح لسؤال كيف نعيش ومبدأ الحياة الحرة.

بحث الفرد عن جواب سؤال كيف نعيش، إنما يعني أنه يبحث عن حقيقة حياة القائد. خاصةً أنَّ طفولةُ القيادة مليئةٌ بدروس الحياة. طفولة القيادة مرتْ من حالة روحية خلقها التناقض فيما بين أمٍّ ما زالت تحافظ على أثر ثقافة الإلهات وأبٍ هزيلٍ متغرب عن ذاته. كما أن حياة القرية التي تُقدمُ مثالَ حياةٍ أحاديةٍ احتكارية، وجهتْ القيادة للبحث عن الجديد. الأهمُّ من كل ذلك هو بحثه عن العيش بحرية وإرادةٍ ذاتية. فالتناقضات التي عاشها القائد في سن مبكرة، والهروب من الواقع المعاش إنما كان يفيد عدم قبوله لما هو موجود. خاصةً أنَّ عدم تعجب شيء ما هي خاصة أساسية في الإنسان. حيث أن خاصية عدم التعجب تنام بين جذور الخلق بذاته. أو بالأحرى هي ليس خاصية اللا تعجب؛ إنما هي عدم الكفاية بما هو موجود، فهذا التعبير سيكون أكثر صحة حين نرغب التعرف على حقيقة القيادة. فعدم التعجب هو محاولة خلق الأفضل من ما هو موجود، وهذا ما يتطلب عمقاً فكرياً. والقائد طيلة سنين عمره كان يعيش هذا التناقض ويحاول خلق الجديد والجيد. حيث أنه لا يرغب أن يتعلم الحياة شفهياً ولا أن يحفظها تكراراً، لأن الحياة لا تحفظ ولا تتكرر. والقائد كان على وعي لهذه الحقيقة وأراد أن يفهم معنى الحياة ويعيش على ذلك الأساس. بقدر صفاء قلبه الطفولي ونقائه، كان يرى ذاته جزءٌ من الكون بمعنى كبير ويستفسر عن ماهية الحياة ويحاول تحليلها.

كثيراً ما يقال أن الشخصيات القيادية هي الشخصيات الأكثر ذكاءً وعقلاً ضمن المجتمع. إلا أن القائد يظهر العكس في هذا المضمار. لأن العاقل والذكي وفق أصول ومقاييس المجتمع هي أن تكون فرداً مطيعاً تتحلى بالتوبة حتى يوم الآخرة دون الانحراف عنها. فمحاولات الأم عويش وفاطمة وجلادي إيمرالي لجعل القيادة يتوب على ما يقوم به لا تجلب معها أية نتيجة إيجابية وفق مقاييسهم هم، لأنه لا يقبل ما يقدمونه له حتى النهاية. حياة القيادة التي مرتْ ضمن الفقر، البؤس والمصاعب، كانت جميلة ومليئة بالمغامرات لأنه كَوَّنَ شخصيتهُ المستقلة ضمن مجتمع القرية. فبقدر رؤيته لظاهرة الجهد، رؤية نوعية الكون ومدى اختلافه، إنما يشير لنا مرة أخرى إلى أن حياة القرى مليئة بالتجارب وتعلم المرء الكثير من العبر والدورس.

مجنون الجبال، هو الاسم الذي وضعه الكبار الذين يصرون في العيش ضمن ظروف حياةٍ لعينةٍ على طفلٍ لم يحبذ ظروف تلك الحياة لينبض قلبه في أعالي الجبال. كما بإمكاننا القول على أنها ردةُ فعلٍ أظهرها الكبار تجاه طفل لم يقبل طراز حياتهم وتشاجر معهم على هذه الحقيقة دائماً. هي ردة فعلٍ لا فرق لها عن ردود فعل الذهنيات التسلطية المنتشرة في جميع أرجاء العالم.

 

الثقة بالإنسان هي الخاصية الأساسية في الثقافة الآبوجية

بداية الأمر، الموقف الذي وضعه القائد تجاه ردود الفعل هذه كانت على شكل صراعات صغيرة بقدر ما تكفي قوته، لكن الحقيقة الهامة التي ستخرجها هذه المرحلة معها للوسط ستكون بهذا الشكل: "إذا كنت ترغبُ العيش، عليك بناء مجتمعك..." لأن الحياة ممكنة مع الجماعة. والقائد كان قد بذل جهود في هذا الموضوع منذ نعومة أظافره، فجمعه للثمار، اصطياده للعصافير وتقاسمه مع رفاقه، حتى أن قراءة الدعاء لهم، والقيام بالصلاة بشكل جماعي إنما كانت المحاولات الأولى في بناء قائدنا لمجتمعه. وإحدى أكثر هذه الجهود المقدسة، كانتْ رفاقيتهُ الصميميةُ مع حسن بيندال. فقد كانت بمثابة جسارةٍ كبرى تجاه الوحدة وتجاه مبدأ "الناموس" المتقدم وفق مقاييس المجتمع. حين تكون الوحدة هي البحث عن الجديد والمختلف والذي يمكن عيشه، إنما ستكون المعلم الأكبر لتنوير طريق الفرد. ذلك أن القائد استمر بموقفه هذا في جميع صفحات حياته. وما عاش في مرحلة المؤامرة القومية ليس سوى تحويل الثقة بالإنسان إلى حالة دوغمائية لا أكثر. إلا أن القائد لم يرغب في التفكير على أن أصدقاءه سيخونونه ويلفقون مؤامرة خبيثة بحقه أبداً، ورغم جميع الشبهات التي كانتْ أمام الأعين، حافظ القائد على ثقته بالإنسان مهما كان بدل ذلك غالياً. فهذه هي إحدى خاصيات الثقافة الآبوجية. الثقة بجوهر الإنسان، أوصله إلى تسمية حركة PKK بالحركة الإنسانية. وعرف القائد عدم الثقة بالإنسان ضمن حدود الحداثة الرأسمالية على أنها تعني عدم التطور والسمو.

كما أنَّ ما عاشهُ مع ابنة عم حسن، أليف يعتبر إحدى المواضيع العميقة التي يمكن لعلم السوسيولوجيا البحث فيه. فعدم قبول القائد منذ صغر عمره لظاهرة زواج الفتيات في عمرٍ مبكر جداً لرجالٍ هم في عمر آبائهم، جعل القائد يطور الحرب الجنسية تجاه مفهوم زواج الفتياتِ في عمرٍ مبكرة، ليعتبر ذلك كذكرى لحادثة رفيقةِ طفولته أليف. وهذا ما يشير لنا أن الكبر الحقيقي كان يعيش في شخص ذلك الطفل الصغير أوجلان. حيث أنه لا يستطيع تقبل الواقع الذي عاشته رفيقة طفولته التي باعها أباها لرجل عجوز مقابل كيلو من القمح، للتحول هذه الحادثة إلى مبدأ أساسي في حقيقة القيادة. وللانتقام لهذه الحادثة يبني تنظيماً وجيشاً نسائياً كبيراً ضمن حركتنا الحرة. إنَّ أولى بذور مبدأ عدم تحول المرأة إلى ملكية ضمن نضال حركة الحرية في كردستان، بدأت من سنين طفولة القيادة. فمقاومة رفيقات دربه، والدته، أخته ومحاولة جارته خزو رغم الشدة التي تتعرض لها من فكِّ الحبل الذي ربطوها من خلاله بالعمود المسمر في وسط المنزل، ومحاولتها تحرير ذاتها من خلال هربها من المنزل، كان قد جعل القائد يعطي معناً مختلفاً جداً لحقيقة وقفة المرأة المقاومة. وهذا ما خلق فيه الوعي على أن يقظة المرأة ووعيها مخفيان في الآلام العميقة التي عانتها. ليصل من خلال ذلك إلى مبدأ حادٍّ وهام جداً، ألا وهو: المرأة هي ليست سلعة تباع في الأسواق، كما لا يمكن تملك الإنسان أبداً. وهذا المبدأ سوف يأخذ مكانه ضمن العلوم الاجتماعية كإحدى الأبعاد الثلاث من البراديغما الجديدة في التحويل النظري أو البراديغمائي الذي عاشه القائد.

إحدى خصائص الثقافة الآبوجية الأساسية هي ظاهرة قتل الرجل. وتجاوز الجنسوية الاجتماعية مرتبط بمبدأ تأمين الحرية للمرأة. بإمكاننا القول بأنَّ ما ذكرهُ قائدنا بالانكسار الجنسي الثالث إنما تشير إلى بدء مرحلة النضال تجاه ذهنية الرجل التسلطية والتحكمية. وصوت الرفيقة زيلان يفيد ذروة هذا الصوت والانفجار في وجه الذهنيات الرجولية المتخلفة.

"علي الإيضاح بأني أكسبتُ مبدأ الجمال والمعنويات لطراز الحياة، للحب وللاحترام. كما أنَ ارتباطي بمبدأ " إما ستكون الحياة حرة، أو أنها لن تعاش أبداً" هي ارتباطٌ أبدي. الحب والاحترام، يمكن أنْ يتحقق مع مبدأ الجمال والأخلاق الحرة. لم أشتبه أبداً في أنَّ الحياة مع المرأة الحرة ستكون الحياة الأكثر صدقاً وجمالاً. لم أتردد أبداً في هذه الحقيقة. فقد أعطيتُ معناً كبيراً لمفهوم الدين والمجتمع مع إعطائي المعنى لثقافة الإلهة الأم. وقد بذلتُ جهداً كبيراً لتحقيق حرية وعشق المرأة. لم أنظر إلى أية امرأة وبالتالي إلى أي إنسان بعين ملكٍ أبداً، كما أني لم أتيح الفرصة لأحد للنظر إليه بمفهوم الملكية. ففي طريقي ومسيرتي هذه دون إعطائي أي تعويض لقيم الأخلاق والجمال، السيرُ حتى الأبد على نهجي هذا إنما تحقق نتيجة تكوني الطبيعي."

ففي المجتمع الذي تعرض فيه كل شخص لخيانة الحضارة، انتصر القائد في عدم التعرض لها، أي أنه لم يخن خيال طفولته أبداً. إنَّ التنقيب في حياة القيادة وخاصة في حياته الطفولية، مليءٌ بذكريات عليها أن تتحول إلى مواضيع هامة في علم الاجتماع. فهذه هي جدائل خلق الحياة الحرة. دون فهم هذه الحقيقة، ليس بإمكاننا رؤية مباحث الحياة الحرة المتطورة في كردستان. والذين يرغبون عيش الثقافة الآبوجية، عليهم أن لا ينظروا إلى الذكريات على أنها مجردَ ذكرياتٍ وحسب، بل عليهمْ النظر إليها كمواضيع أساسية لعلم اجتماعهم، بالتالي هي حياةٌ بإمكان كل فرد بناء شخصيته فيها.

بإمكاننا تقييم المرحلة التي عاشها القائد منذ سنين دراسته الابتدائية وحتى أعوام الجامعة وتعرفه على السوسيولوجية، على أنها مرحلة البحث عن إيجاد مجرى جديد للحياة. أما المرحلة التي جاءت بعد خلقه لمجتمعيته الذاتية، مع خطوه لخطواتٍ نظرية وعملية، إنما أفادت مرحلة تكوين صفحةَ تاريخٍ من نار.

 

ماذا قالوا وكيف عاشوا؟

إن ما يتخذه الشبان والثوريين الذين يتحلون بالثقافة الآبوجية أساساً لهم هو مبدأ: "عليهم النظر إلى كيفية عيشهم، أكثر مما يذكروه." فبإمكانك الذكر بقدر ما تقوم به وتعيشه. خاصةً الأقوال الراديكالية والمليئة بالمعاني القيمة هي الأقوال التي ذكرها الآبوجيون. كما أنهم بقدر أقوالهم هذه، انتصروا في العيش في قلب المجتمع. فالمجتمع كان يذكر دوماً بأن للآبوجيين جلوسٌ خاصة، أسلوب خطاب خاص، حتى أن طريقة تناولهم للطعام خاصةٌ جداً. وهذه هي أولى تشكل الثقافة الآبوجية ضمن المجتمع أيضاً، لأننا نحاول دوماً تطبيق ما نفهمه في حياتنا الثورية. وهذا ما يمكنه تسميته بمبدأ "تحول الوعي إلى الممارسة العملية." هذا المبدأ هو مبدأ فرد المجتمع الذي سيخلق حياةً جديدة لشعبه.

الثقافة الآبوجية هي خلق القيم الاجتماعية في كردستان من جديد. فحين ننظر إلى علاقة أفراد المجتمع، سوف نرى هذه الحقيقة بشكل بارز. إنَّ التحرر من الحالة الاجتماعية التي تنظر إلى علاقة الأطفال مع كبارهم بنظرةٍ معيبة، والانفتاح على مجتمعٍ يعتبر الأطفال أجيال المستقبل، وينظر إلى علاقاته مع الكبار على أنها علاقاتٌ طبيعية تساعد على بناء مستقبلٍ سليم، إنما تعني أننا حققنا ثورة عارمة. كما أن الابتعاد عن شكل مجتمعٍ مهدد بالزوال ومحرومٍ من أسس حياة النيولوتيك، والتحرر من مجتمع تكون فيه الذهنية الرجولية التعسفية هي الحاكمة، هذا يعني أن تأثير الثقافة الآبوجية قد انتشرت ضمن المجتمع وأفراده.

أعوام التسعين تشير إلى أن العلاقة فيما بين المرأة والرجل قد تغيرت ضمن ظروف كردستان، وشقت طريقها نحو الثورة. وانضمام النساء الهائل إلى صفوف الحزب يشير إلى أن المرأة الكردية احتضنت مع جوهرها وأطلقت صرختها الحرة ليعلم الجميع أن المرأة هي العضو الأساسي الهام في بناء مجتمع أخلاقي سياسي، وهذه المرحلة بذاتها هي مرحلة خلق المجتمع ذاته بذاتهِ.