Kurdî  |  Tirkî

المرأة والفوضى العارمة

 ليلى عامودا

elmera elfewdaفي يومنا الراهن حينَ نلفت نظرة عامة على كيفية عيش البشرية، سوفَ نرى بأنَّ الحالة التي تمرُّ فيها لا يكاد تحملها حين ينظر إليها الكل بصمت ومكتوف الأيدي. حيث أنَّ استمرار الفوضى والأزمة يوماً بعد يوم ، تكبر وتحرق معها الكوكب والبيئة بيابسها وحيها، أو بالأحرى تحولت الطبيعة بأكملها إلى كرةٍ في وسط ملعب كبير يحكمها قوة حاكم متسلط حسب رغبات الحداثة الرأسمالية.

 

لقد أصبح الكون بمثابة مهدٍ للفوضى والأزمات، تهددُ توازنها من أجل بقاء العيش فيها بشكلٍ سليم وهذا سبب رئيسي لإنهاء وانهيار الكوكب والبشرية. لأنه لم يبقى فيها أمان، بل ولطختها أيدي الطغيان فهؤلاء همْ قوة الهيمنة المتسلطة بذهنية الرأسمالية، هم أعداء البيئة الإنسانية والطبيعة وكأنه لم يكفي كل هذا يدعون على أنهم المنادين باسم الحداثة والنظام الجديد.

بالنظام الجديد الطبيعة، البشرية والكون بما فيها يسيرون نحو الهاوية يعني (الانهيار، حلقة الموت وما شابه...) في الحقيقة كوكبنا والبشرية بنفسها في وضعٍ خطر جداً، وله حاجة ماسة للتدخل والتصدي والمقاومة أمام تيار النظام الرأسمالي الذي يمارس لمدة أربع وعشرين ساعة عمليات تجميلية ينشر من خلالها عقيدته، ليبقى النظام السلطوي المتحكم بكل شيء، ويستمر في تخريب وإفساد المجتمع وتركه حيواناً مقطوع الرأس.

تمارس ألاعيب متعددة على المجتمع، في البداية يتم تجريد المجتمع من السياسة والأخلاق بطرق وأساليب ماكرة مثل الحرب الخاصة، وذلك للتحكم عليه وتحضيره لمؤامرة خبيثة دون أنْ يدرك المجتمع فعلته الماكرة، ولكنْ في الحقيقة النظام الرأسمالي وضع المجتمع في حالةٍ قبيحة مليئة بمآسي كبيرة، يعني في حالة مثل القطيع الذي يعيش، يتكاثر ويكبر دون فكر وإرادة. أي جعل المجتمع مثل رجل آلي يتحرك فقط وفقط بالأجهزة الالكترونية. المجتمعُ البشري في يومنا الراهن في مأزق يكاد ينهار بهذا الحمل الثقيل أي ثقل المشاكل الحياتية والمجتمعية، وبالأخص الفساد الأخلاقي.

نعم، ها هي البشرية تصرخ وتطلب النجدة للتخلص من هذه الكارثة انحلت عليها، وبدأت بالبحث عن حركة أو سبيل لتتمكن من التغير والتحول، لأن الأزمة صارت تتعمق أكثر مع مرور كل يوم، وتصبح عارمة وعديمة النطاق والتحمل. فهي قد وصلت إلى حالة شبه البركان الذي يغلي ويكاد على الانفجار. إذا، حينها ما هي النتيجة التي ستصل إليها؟ وكيف يجب التوقف عليها؟ أو ما هي سبل حلها؟...

النظام الرأسمالي يستخدم سياسة خبيثة جداً على المجتمع والبيئة عبر ثلاثة وسائل؛ وهي (الفن، الرياضة، الجنس)، حيث أنها تحاول عن طريق هذه الوسائل كتمَ أنفاس المجتمع وجعله أسيراً في قفصه الحديدي، لا حول له ولا قوة. هذه الوسائل الثلاث هي إحدى السبل التي تُغربُ الفرد وتبعده عن مبادئ الأخلاق إلى أنْ يصلَ إلى حافة الفناء والزوال. إنَّ هذه الحالة التي يعيش فيها المجتمع انحطاط الأخلاق، إنما هي بمثابة عيشه في ظلام دامس بعيد عن مبادئه وقيمه المعنوية. حتى صار الكثير من الباحثين والفلاسفة يدعون هذه الحالة التي يعشها المجتمع، بالمجتمع الحيواني الذي يبني حياته على الغرائز الحياتية فقط. وهذا ما يدلُّ على بعد هذا المجتمع عن إنسانيته ومبادئه. أما الخطرُ الفادح في هذا الموضوع هو توسع هذه الحالة وانتشارها ضمن جميع المجتمعات البشرية...

إلى جانب كل هذه المخاطر المحيطة بالبشرية، هناك المخاطر التي تهدد الطبيعة والبيئة. طبعاً، هذه المخاطر هي التي تطبق بيد الإنسان بذاته، فبدلَ أن يكون ضمن تواؤم مع الطبيعة، يتحكم بها ويجعلها تحت خدمة احتياجاته فقط. كل هذه الأمور تشير لنا إلى الأنانية التي عمت ضمن البشرية والقيام بكل شيء فقط وفقط لخدمة مصالحه وتقوية ذاته.

بالطبع، يجب أن نلفت النظر إلى وضع المرأة ضمن هذه الفوضى العارمة أيضاً؛ حيث أنَّ المرأة تتعرض للقتل، الاغتصاب، الإهانة، الضرب وينظر إليها كمخلوق ضعيف ناقص. إلى جانب ذلك تستخدم المرأة كسلعة رخيصة تخدم مآرب الحداثة الرأسمالية. ذلك لأنها تعلم جيداً بأن المرأة هي العنصر الفعال ضمن المجتمع، وهي التي تبقيه على الأقدام، لذا، التغلب على المرأة وإضعافها يعني التغلب على المجتمع أيضاً. وكانت ملحمة تيامات وماردوخ من أهم الأمثلة البارزة التي دلت على سيطرة الذهنية الذكورية على ثقافة الإلهة الأم بعد صراع ومقاومة مريرة. حيث يخون ماردوخ والدته الإلهة تيامات، وينتصر في صراعه مع أمه ويسيطر على كافة قيم ومبادئ المرأة الحياتية. بهذا الشكل منذ قبل 5000 عام حين حقق النظام الأبوي انتصاره الماكر على النظام الأم الإلهي، وحصل الانكسار الجنسي الأول للمرأة في التاريخ، استمرت مثل هذه الأساليب حتى يومنا هذا.

انطلاقاً من هذا الجانب بالتحدي، بإمكاننا القول بأن جميع أفراد المجتمع بما فيها المرأة والشبيبة يصبحون ضحايا هذا النظام الفاسد الذي يتحلى بشعارات الحرية والديمقراطية الزائفة. هنا بإمكاننا التساؤل، لما يمارس النظام الرأسمالي مثل هذه السبل على المرأة والشبيبة على وجه الخصوص؟... طبعاً، لأنًّ المرأة والشبيبة هما العنصران الفعالان والمؤثران ضمن المجتمع، وهما اللذان سيلعبان الدور الطليعي الأساسي من أجل خلاص المجتمع من هذه الفوضى التي حلت بجميع مساماته.

في الحقيقة، إن النظام السلطوي الحاكم يمارس سياسة لا أخلاقية تجاه المرأة، والهدف من هذه السياسة هو ترك المرأة في حالة جهل وانحطاط وذل. فمن أجل إبعاد المرأة التي هي صاحبة الأخلاق والفكر وبانية مبادئ الحياة عن جوهرها واستخدامها كآلة لإشباع غرائزها، وسلعة تباع في الأسواق تستخدمُ شتى الطرق والأساليب. لتكونَ نتيجةُ هذه الأساليب هو قبول المرأة هذا الوضع كقدر مفروضٍ عليها، فترضى به وتبقى بلا حلٍّ تجاهه. وهذا الأمر بالتحديد هو خطر كبير تجاه حقيقة المرأة وجوهرها الإلهي. خاصةً أن المرأة هي نصف المجتمع وتبقي نصفه الآخر على الأقدام تجاه هذا النظام الحاكم الذي يحط المجتمع بأكمله في شخص المرأة. وبهذا الشكل وصل المجتمع إلى حالة فاسدة بعيدة عن الأخلاق. وهنا بالتحديد إيجاد حل لهذه المشكلة يفرض نفسه علينا نحن الجميع.

هنا، الدور الأساسي يقع على السوسيولوجيين كي يتمكنوا من تحليل هذه الحقيقة وتثبيت مشاكل المجتمع بشكل عام وعلى هذا الأساس، وضع حلول واقعية لها. لأننا إنْ لم نجد لها الحل الآن ستكبر هذه الكارثة الاجتماعية يوم بعد يوم. وإنقاذ الإنسانية جمعاء من هذه الكارثة مسؤولية هامة مفروضة علينا نحن الجميع.

في هذا المضمار بالأخص، نرى بأن حتى علماء الاجتماع لم يتمكنوا من وضع حلٍّ جذري لهذه القضية، لأنهمْ يتابعون دراساتهم في مدارس ومراكز التعليم للنظام الرأسمالي الذي هو مركز هذه المشكلة بنفسها، لذا، لا يتحولون إلى قوة حل للقضية. المهمُّ هنا هو تغيير الذهنية الرأسمالية المتسلطة، فبدون تغيير الذهنية لا يمكن وضع حلٍّ سليم وواقعي حسب احتياجات المجتمع وبناء مجتمع أخلاقي سياسي.

لهذا النظام السلطوي المتعسف حلٌّ واحد؛ ألا وهو اتخاذ سياسة وأخلاق الجنس والديمقراطية الدائمة الأساس في طريق الحل. هذا ما سيتم عن طريق الإدارة الجوهرية ضمن المجتمع. فخالق البراديغما والذهنية الجديدة، القائد أوجلان الذي قدم لنا مرافعات حول أسس الحياة الحرة، إنما أشار إلى الحل السلمي بكل وضوح. ومرافعاته هذه هي بمثابة نهضة جديدة في قرننا الواحد والعشرين. خاصة أن هذا الفكر الذي سيكون بديل للنظام الرأسمالي يكبر وينتشر في جميع أرجاء العالم يوماً بعد يوم.

ففكر قيادتنا الذي بدأ مع الولادة الأولى في أعوام 1973 وصل إلى يومنا هذا بعد أن حقق تطورات عظيمة في الميدان السوسيولوجي. فيشير في جميع مرافعاته وخاصة في مرافعة سوسيولوجية الحرية إلى كيفية تطوير الحل وتنوير الأذهان تجاه حقيقة نظام الحداثة الرأسمالية.

هنا بإمكاننا الإشارة إلى جهود حركة المرأة الكردية الحرة أيضاً. فحركتنا التي توسعتْ عالمياً مع تأسيس حزبنا (PAJK) تمارس نضالاً راديكالياً ضد هذه الذهنية المتسلطة. وهدفنا الأساس هو تنظيم المرأة لبناء المجتمع من جديد. فنحن الأنصاريات نتخذ نضال حرية المرأة وفي شخصها حرية المجتمع أساس لنا وفق فلسفة قيادتنا الحرة. خاصة أن (خريطة الطريق) التي هي بمثابة نظام جديد قدم لجميع العالم، إنما تحتوي على الحل المطلوب لجميع أزمات ومشاكل البشرية، الكون والطبيعة. وبما أن المرأة هي ضمان للحرية، فعلينا نحن النساء أن نثق من أنفسنا ونعتمد على قوتنا الجوهرية لإيجاد الحلول للمشاكل الاجتماعية.

بهذه الوسيلة أنادي جميع النساء والفتيات وجميع أفراد المجتمع للنضال وصرف كل الجهود في سبيل الحرية والديمقراطية الأبدية.

مع تحياتي الثورية