Kurdî  |  Tirkî

متى تتكلم الطبيعة...

دلزار ديلوك

الثلج يهطل رويداً رويداً. ومع هطول الثلج، يهطل صمتٌ كبير.  في مثل هذه الأوقات، وإن كنتُ أرغب في الكلام، لا ينطق لساني بأية كلمة. كل كلمة تأخذ ثقل الفولاذ ومثل عصفورٍ قطعتْ أنفاسهُ في الهواء، يبقى في مكانه.

 كل شيء ينادي بالصمتْ في مثل هذه الأوقات.

  بقوة لا رجوع فيها تجذبني نحوها. سأقول بأنها أسارة وسجن، لا يمكن أن أقول بأنها لا قوة، لا يمكنني قول ذلك لأن المشاعر السلبية لا تخطر على بالي في مثل هذه اللحظات.

وأنا، أستجمع أقاويلي التي وصلت إلى حد شفاهي، أعود بتلك الكلمات إلى القلب مرة أخرى، وأنحني احتراماً أمام قوانين الطبيعة. أعلم جيداً بأني ابنة لها، وبهذا الشعور أرجح رغبة الطبيعة التي هي الصمت.

يليق بي الصمت، كي أتمكن من سماع صوت الطبيعة وأن أحلو من صوتي أكثر، وأنصتَ إلى صوت الأشجار والصخور، الرياح والعواصف، الماء والنار، الوردة المتفتحة والجرح المؤلم والآهات وكل شيء...

الآن، يوجدُ صمتٌ وصبرٌ بلا حدود، لا أعلم كيف سأعبر عن ذلك؟ التسمية حادة جداً، لأنها هي أيضاً تعني من جانب ما الحدود. حين نسمي شيئاً ما، فإننا نصنع له حدوداً في نفس الوقت. الذين لا يختارون الحدود أساساً لهم، بإمكانهم أن يحققوا رغبتهم. لأنَّ فهمنا وفق الكون محدودٌ جداً. صغير، قليل وضئيل. لذا فإننا نحدد الأشياء وفق أنفسنا، حتى نفهم ونتمكن من إحياء حياة عادية. إلا أن الموجودات الطبيعية هي دائماً لا تعرف أية حدود رغم كل شيء.

لكن في النهاية نحن بشر، ومن إحدى صفاتنا الهامة هي زرع مكان خاص للأشياء في قلوبنا. الجموع والشمول هو أيضاً من خصائص الطبيعة، لكن مع الأسف، إننا نؤسس أماكنها الخاصة في قلوبنا بوضع تسمية ما لها هي أيضاً.

حين يقال الصبر، يخطر على بالي الصمت. فحين يصل المرء إلى هدفه بعد الفوضى والأزمات العارمة، يأتي دور الصمت والاستماع إلى النتيجة. بإمكاننا سماع ومعرفة ما الذي ترغب أن تقوله لنا روح النتيجة من الطبيعة الأم. كل موجود في الطبيعة، يظهر ذاتهُ بوجوده. أي أنه يبدي عن تعريفه بنفسه.

ولكي يسمع المرء الأصوات العميقة عليه أن يصمت. وهكذا تصمت الطبيعة أيضاً بكل ما فهيا، حتى نتمكن من سماع صوت الهدوء والسكون. لكن كل صمت لا يعني الصبر والهدوء.

حين نستمع إلى الصبر سوف نعلم على أنه يعني الصرخات المخفية ضمن الصمت. في الكثير من المرات تتحدث الطبيعة بصوتٍ عال، وترغب أن توصل صوتها إلينا. لأن الطبيعة تحمل معنى مقدساً متكاملاً حين تتوحد مع المرء. فإن لم يوجد من يستفيد من ثمار الطبيعة، وإن لم يوجد من يسمع ويستمع إلى صوت الأغاني التي تخرجها وريقات الأشجار أثناء اهتزازها، إن لم يوجد من يرش براعم الزهور من حوله، كيف كانت ستحيا وتحلو حياتنا بهذا الشكل.

إننا لا نقول بأن الطبيعة تتواجد مع وجودنا؛ إلا أننا نقول بأن الطبيعة تصبح جميلة أكثر معنا. وهذا ما يعني يفيد الحياة الحرة المشتركة والمتفقة مع الطبيعة. إنْ كنَّا نسمع هذه الحقيقة من الطبيعة، فإن الأماكن التي يعيش فيها المرء هي أجمل دائماً من الأماكن المغتربة. إن استخدم الإنسان الطبيعة بشكل صحيح، وأعطاها بقدر ما يأخذ منها، بدءً من النظافة وحتى زيادة الثمار الطبيعية وبناء علاقة جميلة مع الطبيعة، فإن الأماكن التي يعيش فيها الإنسان ستكون أكثر جمالاً وصفاء. لأن الطبيعة أيضاً تفهم من لغة الإنسان وتسمع صوته وتتحاور معه من خلال جعل الجغرافية أكثر جمالاً وروعة.

فلنعود إلى موضوعنا الأول، يوجد صمتٌ كبير بقدر أننا بإمكاننا أن نحس به. ما هو سبب هذا الصمت؟ فقد مرت فترة طويلة والطبيعة بانتظار هطول المطر حتى تخضر في صدرها حياة الربيع. نعم، مرتْ مدة طويلة لم تهطل فيها لا قطرة مطر ولا نبذة ثلج. فقد كانت الطبيعة تمر من أزمة كبيرة، تبحث من خلاله عن الجواب الذي كان شاغلٌ بالها دائماً، ألا وهو كيف وبأي شكل ستستقبل الربيع في هذه المرة؟!... ففي البعض من الأحيان انتظرتها بصبر وصمت كبيرين. وفي أحيانٍ أخرى غضبتْ ورفعت العواصف الهوجاء الكبيرة، وأعلت صوتها بصرخات كبيرة. وفي بعض الأحيان أخرجت أنيناً رقيقاً مع نسيم الهواء العليل مع سقوط الأوراق الصفراء لتنادي المياه بالجريان.

ويُظهر على أنه اليوم قد حان الوقت. حان وقت استماع الماء إلى صوت أنين الرياح مع قطرات المطر، وهطول الثلج رويداً رويداً ليتمكن من غسل قلب الطبيعة ويعطيها رونقاً جديداً مع غد جديد حر.

ضمن هذه الفوضى الكبيرة، تمكنت الطبيعة من بناء ترتيب جديد لحياتها. ليتأسس التواؤم الطبيعي مع نفسها ومع كل شيء. لتحضر نفسها مرة أخرى لقدوم الربيع. فالأخذ على سبيل الإعطاء، قد أسسَ تواؤماً ضمن حياة الطبيعة التي تأخذ واحداً وتعطي العشرات محلها. بهذا الشكل تجدل فيما بينها وبين نفسها علاقة طلقة بلا حدود. أما نحن، فعلينا أن نعتني بالطبيعة وفق مبادئ علاقاتها. علينا أن نكون رقيقي القلب تجاهها، حتى نتمكن نحن أيضاً من الوصول إلى الصبر والسكون من أعماق قلبنا ونستمع إلى صوت قلبنا ضمن هذا الصمت والهدوء.

الصبر هو الصمت، لكن، صوت التراب الذي تحرر من التيبس، هو الصوت الذي وصل إلى قطرات الحياة.

الصبر ساكنٌ في قلبنا، لأن المطر والثلج بدأا بالهطول، لنتحرر نحن أيضاً من الينابيع الجافة ونصل إلى نبع الحياة الدائم الجريان...