Kurdî  |  Tirkî

الاحتفال بذكرى استشهاد الرفيقة بيريتان

zimane jin56

سرية الشهيدة أرين

حين يفكر المرء بهذه الحياة التي تسير فيها السعادة، الحزن، الفرح، المعاناة والأمل جنباً إلى جنب دون أن تفارق إحداها مراوقتها الأخرى؛ عندها تختلج في النفس مختلف الأحاسيس والمشاعر والمواقف التي يمر فيها ضمن الحياة. فرغم أننا نفقد ضمن مسيرة نضالنا الثورية الكثير من الأرواح العزيزة على قلوبنا، والتي تكافح بكل جسارة في ساحات الحرب الساخنة، مدافعة عن مقدسات وقيم شعبها. فهذه الشهادات ورغم إننا نتألم كثيراً على فقدان رفاقنا، إلا إنها شهاداتٌ لها قيم علياء بالنسبة لنا نحن - مناضلو الحرية- لتتحول تلك القيمة بالنسبة لنا إلى مفخرة وسبباً كبيراً للتصعيد من عملياتنا الحياتية سواءً كانت من الناحية العسكرية أم من الناحية الإيديولوجية أو... ونجهد دائماً للوصول إلى تلك المرتبة التي نجحتْ في كتابة اسمها على بداية تاريخ الحرية المحمَّلْ بهوية المرأة الحرة...

انطلاقاً من هذا الصدد واحتفالاً بإحياء ذكرى كل شهيد روى بدمائه الزكية تراب هذا الوطن. كنا على أبواب الذكرى السنوية لشهادة الرفيقة العظيمة بيريتان (كولناز كاراتاش). الرفيقة بيريتان التي صارت مثالاً لنهج المرأة الحرة، والركيزة الأساسية لتجيش المرأة فوق ذرى جبالنا الشامخة. لذا وبمناسبة هذه الذكرى المقدسة، قررت سريتنا (سرية الشهيدة آرْيَنْ) القيام باحتفال صغير، وعلى هذا الأساس قمنا بالتحضيرات اللازمة... فتفرغتْ مجموعة لإعداد الأعمال المسرحية والدرامية التي لها ارتباط بالمرحلة المعاشة أيضاً، ومجموعة أخرى بإعداد بعض الأشعار والأغاني الثورية التي تحيي وتخلد هذا اليوم المبجل... لنعد إلى سريتنا التي حملت على عاتقها مهمة التحضير لهذا الاحتفال، ولنرى معاً كيف كان وضعها في هذه الأثناء:

كما أنه وبجانب التحضيرات المكثفة، كانت توجد بعض الأعمال الروتينية والتدريب اليومي العام. ففي ساعات ما بعد الظهيرة كانت الرفيقات اللواتي تأخذن أماكنهن ضمن مجموعة التحضير للمراسيم؛ تتفرغ للقيام بالبروفات. وفي الكثير من الأوقات كانت أصواتهن تتعالى في كل مكان، فمنهنَّ منْ كنَّ يتدربنَ على قراءة الشعر ومنهنَّ منْ كنَّ يحضرنَ الدراما التي تُحيى فيها سيرة حياة الرفيقة بيريتان ضمن مسيرتها الثورية، و... وكانت الحياة على هذه الشاكلة لمدة أسبوع. وفي الكثير من الأوقات كان التعب والإرهاق يبدو على وجه كل رفيقة؛ لكن معنى وحرارة ذاك اليوم المقدس كان كافٍ ليبرد كل تعب وإرهاق، بل ويشوق الرفيقات لبذل جهود أكبر.

كانت الكثير من رفيقاتنا ذوات تجارب عديدة في هذا المجال، لذا لم تكن تخرج صعوبات جدية من هذه الناحية. وفي أثناء البروفات حين كانت ترتكب أية رفيقة خطأً ما، كانت ترتفع موجة ضحكات وقهقات عالية في كل مكان، كما أن السرية التي صار لها مدة شهر ونصف تتلقى التدريب العسكري، كانت تحضر البروفات للقيام بالمراسيم العسكرية والكوماندو، وذلك بمناسبة اختتام دورهتها في مثل هذا اليوم المقدس.... وبعد مرور أسبوع من التحضيرات، كان قد اقترب يوم الاحتفال الذي كان سيتم في مكان بعيد عن مكان تمركز السرية. وبدأنا بتحضير أمتعتنا من خبز وطعام، وانطلقنا من السرية مع أشعة الشمس الأخيرة. كنا نتسلق الجبال والفرح يزيد حركتنا سرعة ونشاطاً كبيراً. وكانت المخازن تلف خصارنا، والأسلحة تشمخ على الأكتاف، و الحقائب شدت على الظهور، ولكن الشمس لم تفارق الأجواء بعد. وبدأت بإرسال أخر أشعتها مع الوجوه التي تتصبب بالعرق، واللهاث يرافق الصوت، والسعادة ممتلئة في العيون. لكن علينا ألا ننسى صديقنا الصغير الذي يرافقنا في كافة رحلاتنا ألا وهو ( الراديو)، ليبعث لنا الأخبار من كل أرجاء العالم، ومع بث كلّ أغنية كانت الرؤوس تميل يميناً ويساراً على وقع الأنغام. وأحيانأً كانت المناديل تهتز في أيدي الرفيقات، لتعبر عن الهيجان التي تعيشه في داخلها...

لقد كان المسير طويلاً بعض الشيء، لذا كنا نأخذ قسطاً من الراحة بجانب كل نبع يبعد الآخر مدة لا بأس بها. إلّا أن المراد كان يحل رويدأً رويدأً، والظلام بدأ يهدد أخر ساعات الضياء. وبعد مضيناً بعض الشيء ضمن الغابة الكثيفة، وجدنا مجموعة من رفاقنا الذين كانوا يأتون من سريتهم منطلقين إلى مكان الاحتفال، فأخذوا بعض الحمل من رفيقاتنا اللواتي كنّ قد أثقلت أرجلهنَّ التي حملت معها عناء النهار بأكمله. وهكذا استمرينا في المسير ضمن تلك الغابة. وهكذا صعدنا إلى تلٍّ مرتفعٍ يطلُّ على بعض القرى والمقرات العسكرية التركية التي كانت أضواءها تضيءّ المكان من حولها. وكان الرفاق يصعدون الواحد تلوَ الآخر، ويتنفسون الصعداء على الجلوس، والنظير من ذلك المرتفع العالي إلى المناظر حتى الأفق اللانهائي. وفي هذه الأثناء هبت برهة بعثت معها أغنية Ez Kurdistanim للرفيق الشهيد سرحد. فهذه الأغنية كانت قد انسجمت مع شعورنا فوق تلال كردستان المقدسة والتي لها قيمة مختلفة بالنسبة لنا نحن الكرد. وأكثر ما كان متعباً لنا في مسيرتنا هذه، هو أن الرفيقة ساريا كانت قد أخطأت الطريق لتدخل بنا ضمن وادي كثير الصخور ووعر الطريق، فالمشقة التي لاقيناها في ذلك الوادي كانت تساوي مسافة الطريق بأكمله. وأخيراً وصلنا إلى الساحة الكبيرة أي المكان المقرر للاحتفال. وحينها كان الكل ينظر إلى الرفيقة ساريا بعين متعبة وكأنه سألها: لماذا أخطأتِ الطريق؟. والرفيقة ساريا ارتاحت هي أيضاً حين وجدت المكان المراد إليه. حينها جاء رفاق السرية التي كانت في مكان الاحتفال للقيام بالتحضيرات اللازمة. فكان اللهاث يقطع الرد على سلاحهم. حتى إن البعض منا قد استقلى وخلد إلى الراحة، دون أن يتناول عشاءه، وخاصة وإن المناوبة الليلية كانت تنتظرنا فيما بعد.

ومع حلول الصباح استيقظنا على صوت ضجيج الرفاق الذين كانوا يحضرون لمراسيم تسليح الشهادات للرفيقات المتخرجات من التدريب العسكري. وكانت المراسيم ستبدأ بعد ساعتين من تناول طعام الفطور. كانت أغلبية الرفيقات والرفاق يافعين في ريعان شبابهم. كان الجميع يمتلك هيجاناً كبيراً بدءاً من رفاق القاعدة وصولاً لرفاق الإدارة، لا بل وكان أكثرية الحاضرين متحمسين لمعرفة من ستكون الأولى في تسليم جائزتها في تجسيد خصائص الحزب في شخصيتها وانضمامها الفعال إلى المممارسة العملية.

وحالما انتهينا من تناول طعام الفطور، اندفع جميع الرفاق كسيلان نهرٍ نشط ينحدر نحو ساحة الاحتفال. وهناك اصطف الجميع في رتلٍ متناسقة، وكانت آلة التصوير تلف وتور من حولنا لتلتقط أجمل لقطة من لقطات هذا اليوم المبجل... بدأ الاحتفال مع إطلاق أول طلقة للوقوف دقيقة صمت على أرواح شهدائنا الكرام. وفي تلك الأثناء كان بإمكان المرء أن يرى وبكل سهولة مشاعر الفخر والعزة والهيجان الكبير في تراسيم أوجه كل رفيق، وهذا ما كان يشير إلى أهمية هذا اليوم بالنسبة لنا نحن الكريللا (الأنصار). وبعد أن ألقت الرفيقة زوزان كلمة الترحيب والتهنئة بقدوم هذا اليوم المجيد وأهمية وعظمة العملية التي قامت بها قائدتنا بيريتان - رمز المقاومة – بدأ جميع الرفاق بالترحيب ببعضهم البعض. وقد انتهى الترحيب بطراز عسكري متناسق. لقد كانت لوحة رفاقية في منتهى الروعة والجمال وخاصة بالنسبة للرفاق الذين لم يكونوا قد رؤوا بعضهم البعض لمدة طويلة، وقد انعكس هذا حتى عندما تفرقوا جميعاً بانتظام وترتيب ملفت للنظر.

وهنا جاء دور رفيقات التدريب بالاصطفاف والاستعداد لتسليم جوائزهنَّ وإعطائهنَّ العهد بالإخلاص لكافة مقدسات الحزب والقسم على الوفاء والحفاظ على حياة الحزب التي بناها شهداؤنا الأبرار بدمائهم الطاهرة دون أن يعرفوا أي تردد في أداء مهامهم على أكمل وجه. لذا كل رفيقة كانت متحمسة لمعرفة من ستكون الأولى والمتفوقة في كافة المستويات. طبعاً، هذا ما كانت تجهله جميع الرفيقات ما عدا لجنة التدريب التي بذلت جهوداً حثيثة في هذا المجال. وكان الجميع يتشوق لسماع اسم أول رفيقة دون أي كلل أو ملل... وها هي الرفيقة شهناز تنادي باسم الرفيقة (نودا سلماس) لتسليم جائزتها؛ وذلك لانضمامها الفعال إلى الحياة بمعنويات عالية ونشاط كبير، لتحمل سلاحاً جديداً وهي في غاية السعادة، ومن بعد ذلك استملت عدة رفيقات أخريات جوائز مختلفة. وبعد ذلك بدأ الجميع بتهنئة الرفيقات الواحدة تلوَ الأخرى. وفجأة وجدنا بأن السرية التي كانت تتواجد فيها الرفيقة نودا قد قامت بحملها على أكتافهنَّ مهنئين لها تفوقها ونجاحها الكبيرين.

ومع حلول ساعة الظهيرة عقدت الرفيقة زوزان اجتماعاً حول قداسة وتكريم هذا اليوم، والميراث الذي خلقته الرفيقة بيريتان من بالنسبة لحركتنا بشكل عام وحركة المرأة الحرة بشكل خاص. وبعد انتهاء الاجتماع، بدأت كافة المجموعات القيام بالمهام التي قد وقعت على عاتقها. فمنها من كانت قد خصصت لغلي الشاي، ومنها لإعداد طعام الغذاء ومجموعة أخرى للحراسة؛ والأكثر من كل ذلك عدداً هو الرفاق الذين يتهيأون لإقامة الإحتفال، فقد كانوا يقومون بتزيين ساحة الاحتفال بصور القائد والشهداء. وكانت قد تشكلت مجموعات صغيرة من الرفاق بشكل طبيعي تتبادل الأحاديث وتناقش على مواضيع منوعة... كل هذا كان يدخل السعادة والحرارة الرفاقية إلى النفوس، وخاصة هيجان وغبطة أولئك الرفاق الذين لم يبلغوا العشرين من أعمارهم، فقد كانوا يتسابقون إلى العمل هنا وهناك، في حمل الأطباق والكؤوس وتقديمها إلى الرفاق واحداً واحداً.

وبعد جميع هذه التحضيرات، بدأت لجنة الاحتفال بالإعلان عن برامج الاحتفال. فقد كان برنامجاً منوعاً وغنياً بمواضيع مختلفة، كالقيام بمسابقة طبيعية فيما بين الرفاق، وتقديم مواضيع حول المرحلة المعاشة، وإظهار دور الرفيقة بيريتان الكبير حتى وصولنا إلى هذه الأيام، كما كانت توجد تعليقات حول الهجمات الجوية وتقربات السلطة المضادة لحركتنا. أما آخر حلقة وسلسلة البرنامج كانت مجموعة الغناء؛ وكان اختتام الاحتفال هو البدء بالدبكة الكريللاتية التي كانت تبعث في روح كل أنصاري علامات الفخر والعلو دوماً. وهنا كانت تنتطلق أصوات كافة الرفاق بشكل موحد هاتفين بالشعارات التي كانت أشبه بالزلزال تهز المكان: "يحيا القائد APO، الشهداء خالدون دائماً وعاش النضال في سبيل حياة حرة"...

وهكذا انتهى يوم حافل يضج بالحياة ويحملها بمعاني الروح الرفاقية الوفية والصميمية. وهكذا تفرقت جموع الرفاق بوداع بعضهم البعض. أما في الصباح الباكر، انطلقنا نحو نقطتنا التي تركناها في أمن أربع من رفيقاتنا. وبدى التعب على وجوهنا، سيرنا مدة ثلاث ساعات في تلك الأودية صعوداً ونزولاً. ولكن هي الإرادة مرى أخرى التي تجعل الإنسان يقطع أصعب المسافات سيراً بالأقدام دون أن يتراجع عن أية خطوة يخطوها، لأنه يعرف مدى قداسة الهدف الذي يمضي في سبيله. فقد كان يوماً مليئاً بالمشاعر والأحاسيس الرفاقية. فهذه الأيام تذكر كل ثوري مناضل في سبيل حياة كريمة حرة، بأن أهدافه نبيلة ومقدسة ويتوجب عليه التصعيد أكثر من كفاحه وانضمامه لهذه الحياة التي بناها لنا رفاقنا الخالدين. وكان الاحتفال بذكرى استشهاد الرفيقة بيريتان، قد جعلنا نجدد عهدنا أمام شخصيتها الشجاعة التي لم تقبل الاستسلام والخيانة، لتضم روحها إلى روح رفاقها الشهداء، تاركةً لنا ميراثاً نفيساً تشهد عليه صفحات التاريخ بكل فخر واعتزاز.