Kurdî  |  Tirkî

جمعة جودي في ذكرى عيد تموز

روناك مراد

كان أهالي جزيرة بوطان والمناطق المحيطة بها، يتهيئون للاشتراك في الاحتفال السنوي لرسو سفينة النبي نوح على جبل جودي في السابع عشر من تموز، وعلى وجه التقريب في الجمعة الثانية من الشهر، والتي يدعونها جمعة جودي. وفي ليلة خميس الأسبوع الثاني من شهر تموز، يشعل وكيل جودي نار" ندورة جودي" فيشع لهيب النار

المتراقص مع نسمات الرياح اللطيفة في ليالي جودي المباركة، من مناطق شاسعة في أرض كردستان الممتدة في الاتجاهات الأربعة المحيطة بالجبل، ليسترشد الناس بالنار المتقدة، ويقصدوها في جمعة جودي أو عيد تموز، للاشتراك في أحياء الذكرى السنوية لنجاة نوح وقومه من الطوفان، ورسو فلكهم عند أعالي جبل جودي في الجمعة الثانية من شهر تموز.

 

 

يتوافد الناس من المناطق البعيدة قاصدين الجبل في زيارتهم السنوية بذكرى الميلاد الجديد لنوح وقومه وتخلصهم من الظالمين عند الرابية الحاضنة لبقايا السفينة المتحجرة في عمق رسوبيات المياه العذبة.

أظهرت الأبحاث الأركولوجية بأن السفينة استقرت قبل ما يقرب 4500 سنة قبل الميلاد على رابية (Navserê ناف سري) بلغ ارتفاعها 2100 متر فوق سطح البحر. وهي رابية أخفض من أعلى قمة في جبل جودي البالغ ارتفاعه 2300 متر فوق سطح البحر.

وأنشأ النبي نوح معبداً في المكان الذي رست عليه سفينته. وتحول مكان العبادة بمرور الأيام وظهور الأديان المختلفة إلى أن صار كنيسة، وفي الأخير مسجداً في العهد الإسلامي. وما زالت تظهر أطلال الجدران الحجرية للبناء، وخاصة أحجار إحدى زواياها. وكان يحيط بمكان العبادة قرابة ثمان عشر خزانات ماء كبيرة. يتراوح طول الخزان بين ثمان وحتى ست عشر متر، وعرض ثلاث أو أربع أمتار، وارتفاع متران على وجه التقريب. وهي مبلطة ومسقفة بألواح صخرية بازلتية يميل لونها إلى السواد.

لكل صهريج بوابة. ويمكن دخول الخزان عن طريق الدرج. تمتلئ الخزانات بالماء الناتج عن ذوبان الثلج من الأطراف. بعض الخزانات عبارة عن حجرة واحدة، وبعضها حجرتين أو ثلاث، متصلة مع بعضها عن طريق ممر.

لم يبقى لها أي في وقت من الأوقات التي لم تكن قد تمت فيها من حيث النواحي التي لم تكن قد تعقلت فيها في أي مكان آخر. لم يبق من الخزانات إلا ثلاث أو أربع منها يعتمد الأهالي على ماءها أثناء زيارتهم السنوية في عيد تموز.

وكان وكيل جودي ينشغل بترميم أماكن العبادة. ويعمل على تنظيف خزانات الماء. وينقل الحطب من الحواف إلى موقع السفينة في (ناف سري). ويقوم بتحضير مكان فيء في الفسحة الواسعة الواقعة خلف الجامع.

آلاف من الناس كانوا يتوجهون إلى جبل جودي في مساء الخميس الثاني من شهر تموز. يقصدون الجبل المبارك، ليدعوا دعواتهم المستجابة، ويكفروا عن أخطائهم وذنوبهم، على أرض الحياة الجديدة. فقد قيل بأن من يقصد جبل جودي من بيته ثلاث مرات في العام، ويصل إلى مكان السفينة، فإنه يتطهر من ذنوبه.

وكان أهالي القرى المحيطة بجودي يقومون بدور المضيف، لأنهم أهل الجبل. فيتهيئون طويلاً لعيد تموز. يحملوا كل ما جمعوه من فاكهة برية أو من بساتينهم مع الخضرة، ويسوقوا قطعان ماشيتهم وذبائحهم.

كل عائلة تقوم بذبح ذبيحتها، يقرءون المولد عليها، ويقدموها للزائرين مع الخضرة والفاكهة. وتبقى قطعان مواشيهم تحت تصرف الزوار، إن شاءوا حلبوها وشربوا من حليبها، أو يحلبها الأهالي ويقدموا حليبها للزوار، لما فيه من بركة، أسوة بالنبي نوح الذي حمل البشر والحيوانات والنباتات في سفينته. كما أن الحيوانات الموجودة في جودي هي من نسل الحيوانات التي حملها النبي نوح في سفينته، كذلك الخضرة هي من بذور النباتات التي حملها معه في السفينة، وكلها مباركة.

وعندما لا تكفي مياه الخزانات الزوار، يتعاون أهالي كوندي رمو وسبينداروك وكلندور... يقودون مراكيبهم إلى الحفر الثلجية، يحملونها بالثلج ويعودوا لتقديمها للزوار.

يشترك الجميع في الطعام والشراب، وفي الصلوات والدعوات، ويقومون بزيارة قبور الأولياء، وخاصة قبر الفتى الغريب( لاوكي غريب Lawkê xerîb) الذي خدعه إبليس. ومن ثم يأخذون ثلاث حصوات يرمونها في المكان الذي خدع فيه الفتى الغريب.

وهذه الزيارة تخلق في نفوسهم الشفقة والعطف على الفتى الغريب الذي سار سبع سنوات في طريق البحث عن الحقيقة؛ وهي الوصول إلى سفينة النبي نوح، وعندما صار على بعد قريب جداً، ظهر له إبليس في صورة رجل. سأله عن مراده، وما يبحث عنه؟ وعندما علم بأمل الفتى الغريب وحلمه في الوصول إلى السفينة، ضله، وقطع أمله في الوصول بقوله ( كم سنة سرتْ؟ أجابه الفتى الغريب" سبع سنين". رد عليه إبليس" يجب أن تسير سبع سنين أخرى لتصل إلى السفينة")، عندها دعا لاوكي غريب ربه، ومات على مقربة من السفينة.

ويلجأ من يشتكي من الآلام في ظهره إلى حجر آلام الظهر، يسندون ظهرهم إليه ويدعوا الله أن يشفيهم، وهناك زيارة حجر الأخ والأخت... وزيارة كهف خديجة وكهف دندل علي شير... ومن الزوار من يأخذ قطعاً من أحجار السفينة يعملها حجاباً تقي حاملها من الشرور...

وعندما يحل الليل على زوار جودي، كانوا يوقدون نار كبيرة، ويشعلوا مشاعل مصنوعة من أعواد طرية، مدقوقة الرأس، ويسيروا معاً حول السفينة  في وقار مهيب. ورحلة نوح الذي حمل البشر المؤمنين به في سفينته التي نجرها طويلاً، وأبحر بهم عبر الأهوال، وقادهم في النزول بعد الطوفان في هذا المكان، وبدءوا بداية جديدة في بنائهم لقرية هشتاني، أو هشتيان( الثمانية أو الثمانين) وهو عدد الأشخاص الذين حملتهم السفينة، ومن ثم مدينة شرناخ، أو شاري نوح، أو المدينة الجديدة.

بعض الناس كانوا يقصدون الجبل باكراً، ويقضون فيه أسبوعان أو ثلاث، والأغلبية يقصدونه في الأسبوع الثاني، يجتمعون جميعاً على المحبة والوحدة والدعوة للعمل الصالح والنجاة من الظالمين.

وعند النزول من السفينة، يشعرون بالرضا والاطمئنان، بعد أن يدعوا الله أن يكفر عن ذنوبهم وخطاياهم، ليبدءوا بداية جديدة. وهي تمثل طقوس الحياة الجديدة لنوح وقومه الناجين من ظلم الظالمين.

منع العدو التركي شعب كردستان من زيارتهم السنوية، بعد بدء الحرب التحررية في كردستان. وقام العدو بقصف أماكن العبادة، وحول مكان الجامع إلى مهجع للجندرمة.

وصلوات الجمعة التي يؤديها شعب كردستان في تجمعات شعبية خارج الجوامع المتحولة إلى مراكز تسلط حكومية تركية، إلا رغبة في الخلاص من الظلم الذي تجاوز الحدود، بداية لجمعة جودي الكبرى.

والآن ونحن نقترب من الذكرى السنوية لجمعة جودي( ندورة جودي)، نرى نار الكيريللا مشتعلة على قمم جبل جودي، ونرى في انتظارنا سفينة النجاة التي يقودها قائدنا آبو ليبحر بنا إلى بر الأمان.

لن نُخْدَعَ كما انخدع الفتى الغريب، ولن ننخدع بأقوال الأبالسة المتقمصين لشخصيات تتظاهر بالخير لشعب كردستان المحروم من كل حقوقه.

مهما ازداد الظلم، ومهما استبد الطغاة بظلمهم، فالنار المشتعلة في أعالي جودي تنير طريقنا، كما أنارت نار كاوا الحداد طريق أجدادنا. والنصر لنا في التكاتف والوحدة والمقاومة على هدى مبادئ قائدنا الذي لا بد أن يصل في يوم من الأيام إلى جبل الأماني. وينظر من قمته إلى الأضواء المشعة في قرى ومدن كردستان في ليلة من ليالي جودي المباركة.