Kurdî  |  Tirkî

الكريللا في كل الأوقات

 

 

 

 

دلزار ديلوك

حين نظرتُ إلى هذه الصورة، عشت مع نفسي شعوراً مركزي. وذهبتُ إلى مفارقات الحزن والحب. والنهر الذي تقاسمتُ معه الطريق، ذهبت إلى زماني الذي تظهره هذه الصورة. هذه العدسة التي تفيد الكريللا في كل الأزمان، تفيدني أنا وجميع رفاقي الذين شاركوا معي الطريق في أوقات مختلفة....

 

هنا، أحاول أن أخرج من أناي المركزية، كي أتمكن من إعطاء المعنى الحقيقي الكامن في هذه الصورة العدسية. أرى الكثير من العلاقات في هذه الصورة. العلاقة الأولى التي تلفت النظر، هي العلاقة فيما بين فردين. فيما بين امرأة أنصارية ورجل أنصاري يحملها. هذه العلاقة أشبه بشريان الحياة الموجود في كل مكان وزمان بين الكريللا. الحب، الارتباط، القيمة، المعنى، الجهد، القداسة، إكمال البعض، التميز.... وبكلمة واحدة الرفاقية، رفقة الدرب الصميمة... أما العلاقة الثانية هي العلاقة الكامنة فيما بين الأنصارية الجريحة والتربة الأم، أي قبل أن تتعرف على رفيقها الأنصاري كانت قد تعرفت على تربتها الأم، ونشأت علاقة حميمية فيما بينهما. وهذه العلاقة هي بذاتها العلاقة الأولى في اللحظات التي جرحت فيها هذه الرفيقة. ولكنْ، ولأنها لا تلفت النظر في بداية الأمر، لربما إن احتلت مكانها في المرتبة الثانية، سيعطى لها معنى وتلقى اهتمام أكثر...

فالعلاقة فيما بين الكريللا والتربة هي كثيرة الجوانب. هذه العلاقة هي التي تأسست مع أزمان وعلى طرق مختلفة. فهي ليست علاقة لجوءٍ واحتضانٍ وحسب، إنما هي علاقة تحوي ضمنها هذه العلاقتين، ولكنها أوسع بكثير منهما؛ علاقة متوائمة مع الكون. الاحتضان، الإتمام، الإحساس بالبعض، ارتباط متبادل أو علاقة تقاسم حياة مشتركة متوائمة مع الكون... فحين تجهد وتتعرق لتحاول إحياء تربة ما من جديد؛ حينها عليك أن تعلم بأن تلك التراب لن تردك بلا مقابل وثمار سامية. وقد تعلمنا من حكايات العاشق فيصل، بأن التراب هو الصديق الوفي للإنسان، وما زالت هذه الحكايات على ألسنتنا وأفئدتنا. أما الشيء الذي حافظ على بقائه واستمراره حتى يومنا الراهن في هذه الحكاية، هو العلاقة التناظرية ضمن الكون. إنها علاقة تقوم على تغذية بعضها البعض. والجانب الأشد إحراقاً في هذه العلاقة المقدسة هو حياة الكريللا بذاتها...

فالكريللا كان دوماً من زاد أكثر من قدسية تربة كردستان بعرق جبينه وقطرات دمه، وبقلبه الذي أضافه على جهده، بنور عينيه التي تنظر إلى تراب الوطن بحبه وبقداسته. وهنا علينا أن لا نمر دون أن نذكر بدور الإنسان الملموس في قدسية هذه التربة. فحقيقة الدماء التي تنزف عن طريق الجرح أو الشهادة، (ورغم كافة الآلام التي تعاش، ومع العلم بأن هذه الآلام لن تفتح الطريق سوى للتعمق في الفراق، وحين يتم الرجوع بفلسفة الدم إلى الأمد البعيد) سوف نرى بأن الإنسان الذي هو جزء هام من الكون، حين ينزف الدم ويروي تربة وطنه، حينها يزداد هو ووطنه أكثر قداسة وكرامة... حينها سوف نعلم بأن الأمر الذي علينا القيام به، هو إعطاء المعنى لوجودنا في هذا الكون. وحين نقوم بهذه المهمة، سوف نؤسس علاقة عظيمة فيما بيننا وبين التربة والكون.

وهنا سوف نكتشف بأن هذه العلاقة هي العلاقة الأساسية الهامة المتواجدة في هذه الصورة العدسية. فحين ندقق أنظارنا جيداً في هذه الصورة، وحين نلاحظ فيها قطرات الدم السائلة؛ حينها بإمكاننا رؤية تلك العلاقة المقدسة. فكان للمرأة علاقة صميمة مع التراب دائماً. ولكن، في هذه المرة كانت العلاقة مختلفة، فقد أسست المرأة الأنصارية في هذه المرة علاقة مختلفة جداً. لأنها في هذه المرة، كانت قد قدمت دمها فداءً لهذه التراب؛ بل وربما جزءً من أجزاء جسدها. فالعلاقة المبنية بالدم ليست علاقة بسيطة وسهلة... وحين أذكر عبارتي هذه، لا أقصد فيها الإيديولوجيات ذات المحور الدموي. فأخوة الدم، ربما يصبحون أخوة دم مع قطرة دم، وحينها يتقاسمون معاً كل شيئهم، آلامهم وسعادتهم، أفراحهم وأتراحهم. أما الكريللا الذين سالت دماءهم على هذه التربة كالمئزاب، تأسست فيما بينهم وبين التراب علاقة أسمى بكثير من علاقة أخوة الدم.

فهذه العلاقة هي بذاتها التي تسيل على هذه التربة. هذه العلاقة التي تنمو في التراب. فقد وحدتْ هذه العلاقة ذاتها مع التراب كتشبث جذور النبتة في قلبها وحضنها. وحين تُسقى التراب بدم هذه العلاقة، حينها تخطو خطوة أخرى للأمام لتنمو فيه ذاتها الموحدة مع التراب... فإعطاء الدم إنما يعني بناء علاقة امتيازية مع التراب. أما مصطلح العطاء الذي تقبل وبشكل عام وضع الإعطاء فقط، إلا إن الإعطاء هنا مختلف جداً، إعطاء ليس فيه قرض ولا أية مصالح شخصية. لأن العلاقة المبنية على القروض والمصالح الشخصية، إنما هي العلاقة المنتهية. لذا، نرى بأنه في ساحات الكريللا يرتبط المعطي، حين يضحي ويفدي بذاته في سبيل الوطن والشعب. وحين يعطي الكريللا ويضحي، يتمكن من خلق بداية جديدة؛ ولا يتراجع حين يؤسس علاقة ما. فالعلاقات الجديدة تُخلق مع الفداء والتضحيات... وهنا، العلاقة التي ترى وجودها في وجود التراب وتتوحد معه، ربما تكون مليئة بالآلام والجروح؛ إلا أنها تكون خلاقة ومؤسسة للجديد. وكما نعرف، أن كل ولادة تكون مؤلمة ومليئة بالدماء...

فلا يوجد السحق في هذه الصورة، كما لا توجد فيها وحدة الأزمان القديمة؛ بل إنها لا تحتوي على البعد والقدم. إنهم قد لامسوا بعضهم، لامسوا جروح بعضهم، وفي هذا الزمان يوجد أنصاريان اثنان تلامست قلوبهم. أنصاريان لامسا الزمان مع ذكرياتهم.... وحين يولد القريب تزول كافة الأزمنة السحيقة. ولهذا فإن عيشهم لكل هذه الآلام، الصعوبات، وتقديمهم لبدائل الحرية؛ فإنها تقربنا أكثر من بعضنا ومن حريتنا.

كما أني كلما أتمعن إلى مثل هذه الصور، أتمعن معها إلى كافة الذكريات المحملة بالمعنى والقيمة، هذه الذكريات كنت قد عشتها في أزمنة وأماكن مليئة بالمخاطر والصعوبات وبأعظم المعنويات تتجاوز كافة المشقات والآلام. وحينها أتقدم خطوة أخرى إلى الأمام لأختلج مع نسيم رياح قلبي... كما أني كلما أرى مثل هذه الصور، أتذكر الرفيق خليل (الأنصاري الإعلامي، والملتقط لأجمل صور رفاقه الكريللا) وحينها يعلو صوت الحب والحزن الأشبه بالجبل من أعماق قلبي. نعم، هذه الصور التي تظهر حب الكريللا وارتباطه وحياته، تذكرني بالرفيق خليل وبكافة رفاقنا الشهداء الذين أناروا لنا أكبر فرص الانتصار والعيش الحر. وبتذكيري للرفيق خليل، فإني أنحني باحترام وإجلالٍ كبيرين مقابل كافة الرفيقات والرفاق الشهداء...