Kurdî  |  Tirkî

قضية الحرية

reberapo0إذا ما قَيَّمنا نظام المدنية المركزية على ضوءِ قضية الحرية، فسنلاحظ أنه مشحون بعبودية متضاعفةٍ تدريجياً. حيث تُعاش العبودية بكل قوة ضمن أبعادٍ ثلاثة: تُنشَأ العبودية الأيديولوجية أولاً. فإنشاء الآلهة المُخيفة والحاكمة بالانتهال من الميثولوجيات،

أمرٌ مستوعَب ويلفت الأنظار بِحِدَّة، وخاصةً في المجتمع السومري. حيث يتم تصوير الطابق الأعلى من الزيغورات كمكان للآلهة المسيطرة على الأذهان. والطابق الأوسط هو مقر إدارات الرهبان السياسية. أما الطابق الأسفل، فقد أُعِدَّ ليكون طابقَ العاملين المنهمكين

في شتى أنواع الإنتاج من حِرَفِيّين ومزارعين. ولم يتغير هذا النموذج إلى يومنا من حيث الجوهر، بل بلغ مرتبةً قصوى من الانفتاح والانتثار وحسب. وقصةُ نظام المدنية المركزية تلك، والمعمرة خمسة آلاف عام، هي التصور التاريخي الأدنى إلى الحقيقة. أو بالأحرى، هي واقع مرصود تَجَرُّبِيّاً . فتحليل الزيغورات يعني تحليلَ نظام المدنية المركزية، وبالتالي، تحليلَ النظام الرأسمالي العالمي الراهن بإجلاسه على أساسه الحقيقي. فبينما يُشَكِّلُ التطور المستمر تراكمياً لرأس المال والسلطة الوجهَ الأول من الميدالية، فثمة عبودية ومجاعة وفقر وتحويل إلى رعاع بشكل مروِّع في الوجه الثاني منها.

 

 

إننا ندرك على نحوٍ أفضل كيفيةَ تَجَذُّرِ قضية الحرية. إذ لا يمكن لنظاميةِ المدنية المركزية تأمين استمرايتها وصونَ وجودها، دون تجريد المجتمع من الحرية، وإسقاطه تدريجياً في قاع مجتمع الرعاع. والحل في منطق النظام القائم يتجسد في تشكيل أجهزة رأس المال والسلطة أكثر فأكثر. وهذا بدوره ما معناه الفقر والبؤس والرعاع أكثر فأكثر. أي أن تفاقُم قضية الحرية لهذه الدرجة، وتحولها إلى قضية أولية لكل عصر، إنما ينبع من الثنائية الموجودة في طبيعة النظام القائم. وإلا، فلم نطرح المنزلة المثلى للقبيلة اليهودية عبثاً. إنها تعليمية ومفيدة لأقصى درجة. ولهذا السبب، فقراءةُ الحرية والعبودية على السواء من خلال اليهودية، لم تفقد من أهميتها شيئاً على مر العصور.

وعلى ضوء هذا الشرح، بمقدورنا الفهمَ بشكلٍ أفضل للجدل التقليدي حول: المال أم الوعي يضمن الحرية أكثر. ما دام المال يؤدي دوره كأداةٍ لتكديس رأس المال، أي كأداةٍ لنهبِ وسلبِ فائض الإنتاج والقيمة؛ فسيكون أداة العبودية على الدوام. فدعوته الدائمة حتى لصاحبه لممارسة المجازر، إنما يوضح بجلاء استحالة كون المال أداةً موثوق بها لأجل الحرية. فالمال يؤدي دور جُسَيم المادة المضادة للطاقة. هذا ويمكن القول أن الوعي أقرب دائماً إلى الحرية. أي أن الوعي المتأسس على الواقعية، يفتح الآفاق أمام الحرية في كل الأوقات. ولهذا السبب أيضاً يُعَرَّف الوعي باستمرار على أنه تدفق الطاقة.

إن تعريف الحرية بالتكاثر والتنوع والتباين في الكون، يُسَهِّل توضيح الأخلاق الاجتماعية. وعملية التكاثر والتنوع والتباين تحث دائماً على التفكير بكائنٍ ذكيٍّ قادرٍ على الاختيار والاصطفاء في داخلها، ولو ضمنياً. والبحوث العلمية أيضاً تُصَادق على وجودِ ذكاءٍ يوجِّه النبات إلى التنوع. فالتكوينات الموجودة في خلية حية واحدة، لم تتمكن حتى الآن أي يد بشرية من إنشائها في أي مصنعٍ كان. قد لا نستطيع التحدث عن الذكاء المطلق الشمولي (Geist) بقدرِ هيغل، لكن، ومع ذلك، من المحال الحكمَ على الحديثِ عن كائنٍ شبيهٍ بالذكاء في الكون، بأنه هراء تماماً. حيث لا نستطيع الحديث عن التباين والاختلاف فيما خلا سردٍ يشير إلى وجودِ الذكاء. ولَربما كان تذكير التكاثر والتنوع بالحرية ينبع دائماً من شرارات الذكاء المختفية في أساسهما. وبالإمكان تعريف الإنسان بالموجود الأذكى في الكون، بقدر ما هو معلوم. حسناً، كيف حظي الإنسان بذكائه هذا؟ كنتُ قد عرَّفتُ الإنسان بأنه موجزُ التاريخِ الكوني على الصعيد العلمي (الفيزيائي، البيولوجي، النفسي، والاجتماعي). أي أن الإنسان يُعَرَّف هنا بكونه تراكم الذكاء الكوني المطلق. ولهذا السبب يُعرَض الإنسان في العديد من المدارس الفلسفية بأنه نموذجٌ مصغَّر للكون.

مستوى الذكاء ومرونته في المجتمع البشري يُشَكِّل الدعامة الحقيقية للإنشاء الاجتماعي. وبهذا المعنى، فالقول أن الحرية تعني قوةَ الإنشاء الاجتماعي أيضاً، تعريف في محله. ونحن نعلم أن هذا قد سُمِّي بالسلوك الأخلاقي، منذ أولى الجماعات البشرية. إذن، والحال هذه، فالأخلاق الاجتماعية غير ممكنة إلا بالحرية. وبالأصح، الحرية منبع الأخلاق. وبمقدورنا تعريف الأخلاق بحالةِ الحرية أو تقاليدها أو قواعدها المتصلبة. وإذا كان الاختيار الأخلاقي منبثقاً من الحرية، فسيكون من المفهوم أكثر تسمية الأخلاق بالوعيِ الجماعي للمجتمع (ضميره)، وذلك حينما نضع نصب العين روابط الحرية مع الذكاء والوعي والعقل. ولا يمكن إضفاء المعنى على تسمية الأخلاق النظرية بعلم الأخلاقيات (Etik) إلا ضمن هذا الإطار. حيث لا يمكننا الحديث عن علم الأخلاقيات، فيما عدا أسس المجتمع الأخلاقية. لا ريب في أنه بالمستطاع استخلاص فلسفة الأخلاق، أي علمها الأكثر اقتداراً، من التجارب الأخلاقية الموجودة. ولكن، محال وجود علم أخلاق زائف اصطناعي. الكل على علم بأن إيمانويل كانط قد بذل جهوداً دؤوبة في هذا السياق أيضاً. ومن المفهوم تسمية كانط للعقل العملي بعلم الأخلاق. وبنفس الوقت، فتفسيره للأخلاق بأنها خيار الحرية وفرصتها، يُعَدُّ رأياً لا يزال محافظاً على سَرَيانِ مفعوله بالنسبة لراهننا أيضاً.

أواصر السياسة الاجتماعية مع الحرية أيضاً أمر ظاهر عياناً. فالميدان السياسي هو الميدان الذي تتصادم وتتكثف فيه العقول ذات النظرة التنبؤية الثاقبة، سعياً لنيل النتيجة المأمولة. وبأحد المعاني، يمكننا تعريفه أيضاً بالميدان الذي تُحَرِّر ضمنه الذواتُ الفاعلة نفسها بوساطة فن السياسة. وكل مجتمع لم يطور السياسة الاجتماعية، عليه الإدراك أن ذلك سيعود عليه بالافتقار إلى الحرية، وأنه سيدفع ثمنه باهظاً. وبهذا المعنى، نواجه هنا جلال فن السياسة. فكل مجتمع (الكلان، القبيلة، القوم، الأمة، الطبقة، وحتى أجهزة الدولة والسلطة) عاجز عن تطوير سياسته، محكوم عليه بالفشل الذريع. وأصلاً، فعجزه عن تطوير السياسة يعني عدم الاعتراف بضميره، ومصالحه الحياتية، وهويته الذاتية. وما من سقوط وخسران أثقل وطأةً من هذا بالنسبة لأي مجتمعٍ كان. أما المطالبة بالحرية، فلا يمكن الحديث عنها بالنسبة لمثل هذه المجتمعات، إلا عندما تنتفض في سبيل مصالحها الجوهرية وهويتها الذاتية وضميرها الجماعي، وبمعنى آخر، عندما تنعكف على الانخراط في النضال السياسي. فمطالب الحرية بلا سياسة ليست سوى ضلال وخيم.

وتلافياً لتحريف العلاقة بين السياسة والحرية، ينبغي التشديد بحرصٍ كبير على الفارق بينها وبين سياسات السلطة والدولة ( في الحقيقة من الأصح القول أنها لاسياسات). فقد يكون لأجهزة السلطة والدولة استراتيجياتها وتكتيكاتها لتسيير أعمالها، ولكن لا سياسات لها بالمعنى الحقيقي للكلمة. وبالأصل، لا تتواجد السلطة والدولة فعلاً، إلا في المرحلة التي يتحقق فيها إنكار السياسة الاجتماعية. ففي الوقت الذي تزول فيه السياسة، تباشر بنى السلطة والدولة بإدارة أعمالها. السلطة والدولة هي المكان الذي ينتهي فيه الكلام السياسي، وبالتالي تغيب فيه الحرية. ما هو موجود فيهما ليس سوى الإدارة والحكم، الاستماع، تلقي الأوامر وإعطاؤها، القانون، والنظام الداخلي. كلُّ سلطةٍ ودولة عقلٌ متجمد. ومن هذه الخاصية تنبع قوتهما وضعفهما معاً. إذن، والحال هذه، فمن المحال أن تَكُون ميادين الدولة والسلطة ساحاتٍ يُبحَث فيها عن الحريات أو تتحقق ضمنها الحريات. أما عرضُ هيغل للدولة على أنها الميدان الحقيقي الذي تتحقق فيه الحرية، فيُشَكِّل ركيزة جميع الآراء والبنى السلطوية للحداثة. وهكذا، تتصدر فاشيةُ هتلر قائمةَ الأمثلة الموضحة لِما قد يُسفِر عنه هذا الرأي. بل حتى إن تَنَبُّؤَ ماركس وأنجلز في مفهومهما للاشتراكية العلمية التي راداها، بأن الدولة والسلطة هما أدوات الإنشاء الاشتراكي الأساسية؛ بات أفظع ضربةٍ وخيمةٍ لَحِقَت بالحرية، وبالتالي بالمساواة؛ ولو دون وعيٍ منهما. بينما الليبراليون أدركوا على نحوٍ أفضل حقيقةَ العبارة "بقدرِ ما تتواجد الدولة، بقدرِ ما تَقُلُّ الحرية". وهم مَدينون في نجاحهم لنظرتهم الثاقبة هذه.

وبِحُكمِ طبيعةِ جوهر الدول والسلطات باعتبارها أدوات السيطرة والتحكم، فلا معنى لها سوى أنها نوعٌ مختلفٌ من مجموع فائض الإنتاج والقيمة، أي إجمالي رأس المال المستولى عليه عنوةً. فرأس المال يحقق التدول، والدولة تحقق الرسملة. والخاصية نفسها ساريةٌ على شتى أنواع أجهزة السلطة أيضاً. وبقدرِ ما يَكُون ميدان السياسة الاجتماعية مُوَلِّداً للحرية، فميادين السلطة والدولة هي ساحاتُ فقدان الحرية وإضاعتها بنفس القدر. قد تُثرِي بنى السلطة والدولة العديدَ من الشخصيات والمجموعات والأمم أكثر، وتُحَرِّرهم. ولكننا رأينا في المثال اليهودي أن هذا غير ممكن إلا على حساب بؤس وعبودية المجتمعات الأخرى. ومحصلة ذلك هي شتى أنواع الدمار، بدءاً من الإبادات الجماعية إلى الحروب الضارية. لقد شهدت السياسة خسرانها الأكبر في ظل النظام الرأسمالي العالمي. وبالمقدور الحديث عن الموت الحقيقي للسياسة في هذه المرحلة بالذات من المسار التاريخي، والتي بلغ فيها نظام المدنية المركزية أوجه. بالتالي، ثمة نفاذٌ وزوالٌ سياسي في عصرنا الراهن بما يستحيل مقارنته بأي عصر من العصور. فكيفما أن الاستهلاك الأخلاقي – الذي يُعَدُّ من ميادين الحرية –من ظواهر حاضرنا، فنفاذُ ميدان السياسة أيضاً أكثر منه بكثير. لذا، إن كنا راغبين في الحرية، يبدو وكأنه لا خيار أمامنا سوى إعادة إنهاض وتفعيل الأخلاق أولاً – باعتباره الضمير الجماعي للمجتمع – ومن ثم السياسة – باعتبارها العقل المشترك – من جميع النواحي، وبكل ما أوتينا من قوة فكرية.

العلاقات بين الحرية والديمقراطية أكثر تعقيداً. وأيٌّ منهما تنبع من الأخرى موضوع جدال دائم. ولكن، بمقدورنا التبيان – وبكل سهولة – أن كثافة كلتا العلاقتَين متممتان لبعضهما. فبقدرِ ما نفكر بأواصر السياسة الاجتماعية مع الحرية، بمستطاعنا عقد الروابط بينها وبين الديمقراطية أيضاً. والحالةُ الأكثر شفافية وتَلَمُّساً للسياسة الاجتماعية هي السياسة الديمقراطية. بالتالي، بالإمكان تعريف السياسة الديمقراطية بأنها فن التحرر الحقيقي أيضاً. فبدون ممارسة السياسة الديمقراطية، لن يكون باستطاعة المجتمع عموماً، وكل شعب أو جماعة خصيصاً، أن تتسيس أو تتحرر عبر الدرب السياسي. السياسة الديمقراطية هي مدارس الحرية الحقة التي يتم فيها تَعَلُّمها ومعايشتها. فبقدرِ ما تَخلُق الأعمال السياسية ذواتاً ديمقراطية، بقدرِ ما تُسَيِّس السياسةُ الديمقراطيةُ المجتمعَ، وبالتالي تحرره. وإذا ما أجمعنا على أن التسيس هو الشكل الأولي للتحرر، فعلينا عندئذ الإدراك أنه بقدر تسييس كل مجتمع، نكون قادرين على تحريره، والعكس صحيح: بقدر تحرير المجتمع، نَكُون قد سَيَّسناه أكثر فأكثر. لا ريب في وجودِ العديد من الميادين الاجتماعية المغذية للحرية والسياسة، وعلى رأسها المصادر الأيديولوجية. لكن المصدرَين الأساسيَّين اللذَين يُوَلِّدان ويُغَذِّيان بعضهما تبادلياً، هما السياسة الاجتماعية والحرية.

كثيراً ما يتم خلط العلاقة بين المساواة والحرية. علماً بأن العلاقات فيما بينهما معقدة وإشكالية أيضاً، بقدر علاقاتهما مع الديمقراطية على الأقل. طالما نجد أن المساواة التامة تتحقق أحياناً مقابل بدلٍ تدفع الحرية ثمنه. وكثيراً ما يتم التشديد على استحالةِ وجودهما معاً، وضرورةِ تقديم التنازلات من إحداهما. كما ويتم التبيان أن الحرية أيضاً تقتضي أحياناً تقديم التنازلات عن المساواة ثمناً لها.

من الضروري بمكان إيضاح الفرق بين طبيعة كِلا المصطلحَين، وبالتالي الظاهرتَين؛ في سبيل التشخيص السليم للقضية. المساواة بالأرجح اصطلاح حقوقي، وترتأي تفاسم الحقوق عينها بين الأفراد والجماعات، دون أي تمييز. بَيْدَ أن التباين والاختلاف خاصية أساسية للكون، بقدر ما هي كذلك للمجتمع أيضاً. ولن تكون للمساواة قيمتها، إلا إذا اتخذت الفوارق أساساً. والسبب الأهم في عجز مفهوم المساواة الاشتراكية عن الرسوخِ، يكمن في عدم إدراجه الفوارقَ في الحسبان. وهو نفسه أحد أهم الدوافع التي تسببت في القضاء عليه. لا يمكن للعدالة الحقة أن تتحقق، إلا ضمن مفهوم المساواة التي تتخذ الفوارق أساساً.

ولدى تبياننا بأن الحرية تابعة للغاية لمصطلح الفوارق، فلا يمكن عقد صلاتٍ ثمينة وقَيِّمة للمساواة مع الحرية، إلا في حالِ ربطها بالفوارق. وتأمين الانسجام والتناسق بين الحرية والمساواة، هو من أهداف السياسة الاجتماعية الرئيسية.

لا يمكننا المرور على الموضوع، والتطرق إلى الجدال الدائر حول العلاقة بين مصطلحَي الحرية الفردية والحرية الجماعية. حيث أن إيضاح هذه العلاقة بين هذَين التصنيفَين المراد تعريفهما بالحرية السلبية والحرية الإيجابية، لا يزال يحافظ على أهميته. فالحداثة الرأسمالية المثيرة للحرية الفردية (الحرية السلبية)، لا ريب أنها أَلحَقَت الدمار الكبير بجماعية المجتمع ثمناً لتحقيقها. من الأهمية القصوى الإشارةَ إلى أن الحرية الفردية استَنفَذَت واستهلكت السياسة الاجتماعية في راهننا، بقدرِ ما تفعل ظاهرة السلطة بأقل تقدير. والقضية الحرجة في الجدل الدائر بشأن الحرية، تكمن في تنوير دور الفردانية في دمار المجتمع، وخاصةً بإنكارها وإلغائها الأخلاقَ والسياسة. ولدى قولنا أنّ المجتمعَ المُصَيَّرَ ذراتٍ متناثرةً بوساطة الفردانية لا تبقى لديه طاقةُ المقاومة إزاء أي جهاز لرأس المال والسلطة؛ فسنستوعب بنحوٍ أفضل مخاطر سرطنةِ المعضلةِ الاجتماعية. وتبيان الفردانية الليبرالية بكونها المصدر الأساسي المستهلك للسياسة الاجتماعية والحرية، قد يبسط الأرضية الخصبة لانطلاقةٍ قَيِّمة. لا شك أننا لا نتحدث هنا عن الشخصانية، ولا نناقش مدى ضرورة الشخصانية. ما نناقشه هو الفردانية الأيديولوجية والليبرالية، التي تستنفذ السياسة الاجتماعية والحرية، وجعلهما الهدف الأمثل.

أما الحرية الجماعية، فها نحن نناقش عليها. علينا التبيان بكل أهمية أن الحرية الأصلية، وإلى جانب اهتمامها بالشخصانية، تمر من تحديد هوية شتى أنواع الجماعات (القبيلة، القوم، الأمة، الطبقة، المهنيين، وغيرها)، وتأمين مصالحها، والدفاع عن أمنها؛ وأنها قد تجد معناها بموجب هذه الأسس. وتأسيساً على ذلك، ليس بمقدورنا الحديث عن نظامِ مجتمعٍ حرٍّ متوازن وناجح، إلا عند تحقيق التواؤم بين الحريات الفردية والجماعية. لقد اتضح للعيان من خلال تجارب القرن العشرين، أنه ثمة شبه وطيد بين الحرية التي أثارتها الليبرالية بمعنى الفردانية، وبين الحرية التي أثارتها الاشتراكية المشيدة باسم الجماعية؛ مهما تم تعريفهما بأنهما قطبان متضادان. فلكتاهما من خيارات الليبرالية. وسيتم استيعاب الأمور المراد قولها، بمجرد إمعاننا في كيفية تطبيق ألاعيب الدولتية والخصخصة من قِبَل اليد نفسها.

وبعد تجربة النماذج الفردانية (الليبرالية الوحشية) والجماعية (اشتراكية فرعون)، التي جلبت معها الدمار المريع في القرن العشرين؛ اتضح للعيان بكل جلاء أن المجتمع الديمقراطي هو الأرضية الأكثر ملاءمةً لتأمين التوافق والتناغم بين الحريات الفردية والحريات الجماعية. بالمقدور القول أن المجتمع الديمقراطي هو النَّسَق السياسي الاجتماعي الأنسب للموازنة بين الحريات الفردية والجماعية، ولتطبيق وتوطيد مفهوم المساواة المتخذة من الفوارق أساساً.

عبد الله أوجلان