Kurdî  |  Tirkî

الأسرة في الحضارة الشرق الأوسطية

ثمة أواصر كثيبة بين أسْر المرأة وبروز ثقافة المجتمع القتالي (المحارب). لكن الحرب لا تنتج، بل تستولي وتنهب وتسلب.

غالباً ما يكون دور العنف سلبياً ومدمِّراً، فيما عدا بعض الظروف الخاصة

التي يكون فيها محدِّداً لوجهة التطورات الاجتماعية، مثل شق الطريق إلى الحرية، والتصدي للاحتلال أو الغزو أو الاستعمار. تتغذى ثقافة العنف المهضومة في المجتمع على الحروب.

 

 

و"سيف" الحرب المسلَّط بين الدول، هو تمثال الهيمنة والنفوذ في "قبضة" الرجل، يسلِّطه داخل العائلة. يتواجد المجتمعان الفوقي والتحتي في مكبس "السيف وقبضة اليد". حيث يُغدِق المديح الدائم لثقافة الهيمنة والتسلط. وتَعتَبِر أشهر الشخصيات أن مَدحها بسفكها الباطل للدماء، وافتخارها بذلك؛ هو أسمى فضيلة لديها. نخص بالذكر هنا الملوك البابليين والآشوريين الذين يَعتَبرون جمع جثث البشر كمحصول لهم، وبناءهم القلاع والأسوار بها؛ مدعاة للفخر الأعظم والشرف الأكبر. وظاهرتا ثقافة العنف الاجتماعية وإرهاب الدولة اللتان لا تزالان متفشيتان في يومنا الحالي، تستمدان منبعهما من هذه الثقافة.

 

تقطع "ثورة الانكسار الجنسي المضادة الكبرى الثانية" أشواطاً ملحوظة حول المرأة في عهد الأديان التوحيدية. وفي هذه المرة، تغدو الثقافة البارزة في الانكسار الحاصل في العهد الميثولوجي قانوناً إلهياً. وتُرجَع الممارسات المطبقة بحق المرأة إلى كونها أمر إلهي مقدس. فمحور العلاقة الكامنة بين سيدنا إبراهيم وزوجتيه سارة وهاجر، يشيد بالمصادقة على تفوق الرجل. أي أن السلطة الأبوية مترسخة تماماً. كما وتشكلت حينها مؤسسة الجواري، ويُصادَق على تعدد الزوجات بأعداد كبيرة. أما العلاقة القاسية بين سيدنا موسى وأخته ماريام، تفيد بأن المرأة لم يعد لها نصيب من الميراث. أي أن مجتمع سيدنا موسى مجتمع ذكوري بكل معنى الكلمة. حيث لا تُناط النساء بأية مهمة أو وظيفة. هذا هو السبب الأصلي للصراع مع ماريام. ومقولة "على المرأة ألا تحشر نفسها في أمور الرجل، ويدها ملوثة بالعجين" تعود إلى هذه الحقبة.

نلاحظ العبور إلى ثقافة الحَرَم النسائي مع عهد داوود وسليمان في المَلكية العبرية المتصاعدة في أواخر أعوام 1000ق.م وما قبلها. وكانت النساء تُهدى آنذاك. إنها بداية مرحلة جديدة تُكبَت فيها أنفاس المرأة أكثر. إذ لا فرق على الإطلاق بين التصرف بالمرأة أو بأي مُلك آخر. ستجد هذه الحالة المعاشة في الدولة الدينية الجديدة انعكاساتها على الأسرة أيضاً. بات من المحال الحديث عن أي دور للمرأة القابعة تحت الهيمنة الثنائية لثقافة السلطة الأبوية من جهة، وثقافة الدولة الدينية من الجهة الثانية. المرأة المثلى هي الأكثر تأقلماً مع رَجُلها، ومع نظام السلطة الأبوية. لقد أصبح الدين أداة للتعتيم على المرأة وتسويدها. فهي (حواء) المرأة الأولى المذنبة، التي سلبت عقل آدم وتسببت في طرده من الجنة. و"ليليت" التي لم تخنع لإله آدم (رمز نظام السلطة الأبوية)، تعمل بأقوال الشيطان (رمز الإنسان الذي لم يسجد لآدم ورفض تَعَبُّده)، وهي صديقة له. أي إنه أُخِذ بالتعتيم الميثولوجي كقدوة، وحُوِّل إلى تعتيم ديني. بل واحتل الزعم الذي كان سائداً في أيام السومريين، والقائل بخلق المرأة من ضلع الرجل؛ مكانه في الكتاب المقدس أيضاً. ويُنظَر إلى جنسية المرأة كأكبر حرام، لتُعاب وتُعتَّم باستمرار. بل واحتُقِرت، حتى غدا ذلك مبدأ تقليدياً وعرفياً. هكذا غدت المرأة ذات المنزلة المرموقة في المجتمعات السومرية والمصرية، مادةَ معابة ومحرمة وسالبة للعقول.

ينتصب رمز مريم أمامنا لدى وصولنا إلى عهد سيدنا عيسى، بحيث لا تكون لها أية علاقة بالألوهية، رغم أنها أم "ابن الإله". أي أن عنوان الإلهة الأنثى للإلهة الأم قد ترك محله للأمٍ صامتة ودامعة العينين. هكذا يستمر السقوط والتهاوي. فالحَمل بنفخ الإله فيها (الرجل المهيمن على المرأة) مصطلح مشحون بالتناقضات. يعبِّر ثالوث "الأب – الابن – الروح القدس" في المسيحية، في حقيقته عن تركيبة جديدة من الأديان المتعددة الآلهة والدين التوحيدي. تشهد هذه المرحلة صراعات ضارية ومتوالية بين الألوهية التوحيدية كعقيدة عِبرية صلبة ومتحجرة من جهة، وبين العقيدتين الغنوسطية (مذهب العرفان والاعتراف بالإله) والوثنية – اللتين كانتا شديدتا الانتشار، ولهما علاقات وطيدة مع المسيحية في تلك الأثناء – من الجهة الأخرى. وكانت المحصلة أن انتهى وفاق هذه الاتجاهات الثلاثة بتشكيل دين ثلاثي الآلهة (يُلاحَظ انخفاض بارز في عدد الآلهة. حيث كان ثمة مثل هذه الثلاثية في عهد سيدنا محمد أيضاً). الغريب في الأمر هو أنه، وبينما كان من الواجب أن تكون مريم أيضاً إلهة بأقل تقدير، نُظِر إليها كآلة تنفخ فيها الروح القدس. تشير هذه الظاهرة إلى "تذكير" الألوهية بكل ما للكلمة من معنى. في حين كانت الآلهة والإلهات الإناث متكافئة تقريباً في عهد السومريين والمصريين. بل وحتى في العهد البابلي، كان لا يزال صوت الإلهة الأم جهوراً.

ما وقع على كاهل المرأة مع سيدنا عيسى ومريم، هو أنْ تكون تلك المرأة والأم الدامعة العينين، الهادئة والصامتة. وهي لا يمكن أن تتحدث عن الألوهية عبثاً في أي وقت من الأوقات. بل ستعتني أشد الاعتناء بأطفالها الذكور (أولاد الإله) ذوي القيمة الخاصة في بيتها. إذ ما من دور مُناط بها، سوى أن تكون امرأة منعكفة في منزلها. أما الساحة العامة، فهي موصَدة تماماً في وجهها. أما ممارسة القدِّيسات (العزيزات، النساء العذراوات) في المسيحية، فهي حالة المرأة المنزوية على نفسها للتتخلص من ذنوبها الكبرى. لكن، بالإمكان القول أنها أسفرت عن تطور إيجابي لديها، وإنْ  كان هذا ضمن حدود ضيقة. فالقديسات تعني – على الأقل – الخلاص من المصطلحات والعيوب والتوبيخ الجنسي. ودوافع تفضيلها إياها على الحياة المستعرة في البيت، قوية مادياً ومعنوياً. ما من شك في أنها ممارسة عملية تاريخية. بل ويمكن نعتها بأنها ضرب من ضروب أول حزب للنساء الفقيرات. بل وتعبِّر عن إحياء ثقافة معابد الإلهات الإناث، داخل ثقافة دير الراهبات، وإنْ ظهر هذا بشكل باهت.

لممارسة القديسات مكانة مهمة في تاريخ الحضارة الأوروبية. فقد استَلهم الزواج من زوجة واحدة فقط (الزواج الثنائي) فكرته من ممارسة القديسات بنسبة كبرى.

وبرغم من أن المرأة عاشت فيها ضمن شروط شديدة القسوة، لكنها ساهمت بعذريتها الجنسية في إعلاء شأن المرأة، وإنْ كانت تَعتَبِر جنسيتها مصدر أخطار ومهالك. أما الجانب السلبي لهذه الممارسة، فهو تقييم المرأة كسلعة جنسية، كَرَدّة فعل متطورة تجاه الزواج الكاثوليكي في الحضارة الأوروبية (حيث الطلاق محظور). بالطبع، فقد برز هذا بفضل الرأسمالية المتنامية.

أما المرتبة الجديدة التي اكتسبتها المرأة مع سيدنا محمد والدين الإسلامي، فتتخذ الثقافة العبرية أساساً لها في مضمونها، رغم تحليها بنسبة معينة من الإيجابيات، نسبةً إلى عامل نظام السلطة الأبوية المترسخ في ثقافة القبائل الصحراوية. فموقع المرأة هذا، والمتخذ شكله تماماً، هو لدى سيدنا محمد مثلما كان عليه لدى داوود وسليمان. إلى جانب ذلك، لا يزال تعدد الزوجات لأغراض سياسية، وحياة الجواري المتزاحمة، أمراً مشروعاً. فرغم تحديد الزواج بأربع نساء، إلا إنه لا يغير من المضمون شيئاً. حيث ينظر المفهوم القائل: "المرأة حقلكم، فاحرثوه كما شئتم"، إلى المرأة المُلك كمعطاة هِبة، لا غير.

مفهوم سيدنا محمد في العشق أيضاً غريب الأطوار. إذ يشير هيامه بعائشة التي تبلغ التاسعة من العمر – رغم أنه في عقده الخامس – إلى رفعة اهتمامه بالمرأة. كما ينمّ مدحه الدائم لزوجته الأولى خديجة، عن القيمة التي يوليها إياها. إنه حساس ويقظ عموماً إزاء المرأة. إلا أن تركه مؤسسة الحَرَم النسائي والجواري وشأنها، وعدم مسه إياها، سيُستخدَم بأسوأ الأشكال من بعده، داخل شرائح الدولة.

عندما تدخلت السيدة عائشة في أمور السلطة والصراع عليها مع الخلفاء الراشدين، بعد وفاة سيدنا محمد، خسرت المعركة. وأدركت بألم شديد قيمة المرأة ومنزلتها، فتذمرت قائلة: "يا رب، ليتك صنعتني قطعة حجر، على أن تخلقني امرأة!". لقد حُدِّد حظر السلطة على المرأة منذ أيام العلاقة القائمة بين موسى وماريام. لم تحصل أية تطورات إيجابية في موقع المرأة داخل الشرق الأوسط في العصور الوسطى الإقطاعية. فالقوالب التاريخية لا تزال دارجة. وحتى في علاقة العشق المرموز إليها في العلاقة بين ليلى ومجنون، ليس هناك نتيجة تنمّ عن الخير والبشرى. أي، لا مكان للعشق في الإقطاعية.

شهدت المرأة أكثر مراحلها تجرداً من الشخصية داخل الأسرة القابعة تحت وطأة السباق القائم بين الدولة ونظام السلطة الأبوية. إنها أسيرة مطلقة لنزوات وشهوات أصحاب السلطة. وهي آلة مكمَّلة لتعزيز سلطاتهم. لقد تجردت من المجتمع عموماً. هكذا باتت امرأة المدينة تتخبط في أغوار العبودية الغائرة. في حين أن المرأة ضمن الجماعات التي تعيش في شروط البداوة والترحال، والحاملة بين طياتها الآثار المتبقية لديها من النظام المشاعي البدائي؛ لا تزال تلقى الاحترام والتقدير.

وبالتدريج يصعب تعريف مكانة المرأة تحت وطأة نظام التسلط والمُلكية. فالمرأة في راهننا تعيش حالة أنقاض وأطلال، كمعطاة من معطيات ممارسةٍ دامت آلاف السنين. فحتى التأثير المُغوي والمفسِد للنظام الرأسمالي، بعيد كل البعد عن الانعكاس والظهور على حقيقته. إنها – المرأة – العضو الأصلي القابع في نواة التخلف السائد في المجتمع الشرق أوسطي. والرجل الشرق أوسطي الفاشل في كل الميادين، يفجر سخطه بفشله هذا على رأس المرأة. فبقدر تعرضه للإهانة والازدراء في الخارج، يُفرغ جام غضبه على المرأة، سواء بوعي أو بشكل تلقائي. والرجل المغتاظ والمشحون بالنقمة لعجزه عن حماية مجتمعه، وعن إيجاد منفذ له؛ يصب جام حنقته على المرأة والأطفال كالمجنون داخل الأسرة، ويفرِّغ عنفه الصارم عليهم. وما ظاهرة "جنايات الشرف" في حقيقتها سوى عملية يقوم بها الرجل الذي يطأ شرفه وكرامته في كافة الميادين الاجتماعية، فيُفرِغ نقمته، وبشكل معكوس، على رأس المرأة. وهو يعتقد بأنه بذلك قد حل قضية الشرف بتظاهر بسيط ورمزي، ولكنْ باهتٍ وفانٍ. إنه يطبق نوعاً من العلاج النفسي*. ما يتوارى تحت المعضلة أصلاً هو تاريخٌ وقضيةٌ اجتماعية مفقودان. من أهم المشاكل التي تواجهنا هي إفهام هذا "الرجل" وإقناعه باستحالة خلاصه من تلطخ شرفه، ما لم يواجه تلك القضية التاريخية الاجتماعية، وما لم يقم بواجباته تجاهها. يجب، وبكل تأكيد، تعليمه أن الشرف الحقيقي لا يمر من عذرية عضو المرأة الجنسي، بل من تأمين العذرية التاريخية والاجتماعية؛ وأن نحثه على تطبيق هذا المبدأ.

إني على قناعة تامة بأنه، وعبر هذا السرد التاريخي الموجز، ظهر لدينا بشكل أوضح، أن المشاكل المعاشة في الأسرة الشرق أوسطية في راهننا، لها من الأهمية ما للمشاكل المعاشة في الدولة منها. فالكبت والقمع والمشاكل الثنائية الاتجاه، تزداد في حدّتها فيها. أما انعكاسات مجتمع الدولة ونظام السلطة الأبوية عليها على مر التاريخ من جهة، وانعكاسات القوالب الحديثة للحضارة الغربية عليها من الجهة الثانية؛ فلا تشكل تركيبة جديدة، بل تخلق معها عقدة كأداء. فالانسداد المخلوق في الدولة يزداد تعقيداً داخل الأسرة. ويُقحِم عجزُ الشبان اليافعين عن إيجاد عمل لهم، الأسرةَ في شلل حقيقي. باتت الأسرةُ المضبوطة حسب الدولة والاقتصاد، عالقةً في درب مسدود لا يمكن السير فيه، عبر هاتين الرابطتين القديمتين. فلا طراز العائلة الغربية متوطد، ولا طراز العائلة الشرقية. هكذا يتحقق التآكل والنخر في جسد الأسرة ضمن هذه الشروط.

يتأتى حفاظ الأسرة على قوَّتها قياساً بالأواصر الاجتماعية المنهارة والمتفككة بسرعة أكبر، من كونها المأوى الاجتماعي الوحيد. علينا بالتأكيد ألا نستخف بالعائلة أو نستصغرها. والانتقادات التي طرحناها لا تستوجب رفض العائلة أو دحضها جذرياً، بل تطرح ضرورة إكسابها معناها وإعادة بنائها.

من المهم طرح مشكلة الرجل أيضاً، والتي هي أكثر وطأة من مشكلة المرأة. فتحليل مصطلح الهيمنة والسلطة في الرجل، لا يقل أهمية عن تحليل عبودية المرأة. بل وقد يكون أكثر صعوبة. فالذي لا ينحاز إلى التحول بالأغلب هو الرجل، لا المرأة. ولو تركنا رمز الرجل المهيمن وشأنه، سيشعر بذاته كالحاكم المفتقد لدولته، فيتخبط في عواطف الفشل والهزيمة. في الحقيقة، علينا أن نُظهِر له بأن هذا الشكل الأجوف للهيمنة والتسلط هو الذي أفقده حريته، وجعله متزمتاً بشكل كلي.

إن القيام بتناول مشكلة الدولة أولاً، ومن ثم مشكلة الأسرة؛ هو موقف خاطئ. يجب دراسة هاتين الظاهرتين المرتبطتين ببعضهما بروابط جدلية، ومعالجتهما بشكل متداخل معاً. والنتائج التي أسفر عنها الاعتقاد السائد في الاشتراكية المشيدة بحل مشكلة الدولة أولاً ومن ثم معالجة المجتمع، إنما هي ظاهرة للعيان. لا يمكن حل المشاكل الاجتماعية بإيلاء الأهمية لواحدة منها دون الأخرى. بل إن الأسلوب الأصح والأسلم هو النظر إلى المشاكل الاجتماعية ككل متكامل، وإيلاء المعاني لكل واحدة منها ضمن روابطها مع الأخريات، وإتباع الأسلوب عينه لدى العمل على حلها. فبقدر ما يبرز النقص لدى تحليل الدولة دون تحليل الذهنية، أو تحليل الأسرة دون الدولة، أو تحليل الرجل دون المرأة؛ فسيبرز النقصان عينه لدى الهرع نحو الحل دون القيام بخلاف ذلك.

 من المهم عدم غض النظر عن المؤسسة السلالاتية، باعتبارها تشكل بؤرة متينة في التطور الدولتي بقدر التطور الاجتماعي. والحضارة الشرق أوسطية، بمعنى من معانيها، تُحمَل وتُنقَل عبر السلالات. نخص بالذكر هنا سلالات الدولة كأمثلة تركت بصماتها على التاريخ أكثر من غيرها. فبينما تتميز السلالات الخارجة عن نطاق الدولة بثقلها الراجح في الحضارة الغربية، تبرز نجومية وشهرة السلالات المرتبطة بالدولة أكثر في الشرق. السلالاتية في الوقت نفسه مدرسة، ونموذج اجتماعي. فبعد حدوث التطورات المهمة في مدرسة أو أنموذج السلالة، يتم نقلها إلى المجتمع. وحتى المجموعات الإثنية والشعوب، كثيراً ما تُعرَف بأسماء السلالات. والحوادث التي تلعب فيها الأدوار الرئيسية، ليست بقليلة العدد. فأقوى الإثنيات والشعوب يتم ذكرها بذكر اسم أو قوة السلالات التي أبرزوها من ضمنهم. فالأمويون، العباسيون، الأيوبيون، السلاجقة والعثمانيون والبرامكة؛ إنما يعنون في الوقت نفسه الشعب العربي أو التركي أو الكردي أو الفارسي.

الأهم من ذلك هو تحليل ثقافة العنف في الحضارة الشرق أوسطية. بالإمكان القول أنه تكاد لا توجد أي مؤسسة أو ثغرة (مسام)، إلا ودخلها العنف وحدَّد إطارها في مجتمع الشرق الأوسط. بشكل عام، يُجمَع على الرأي القائل بأن العنف لعب دوراً مصيرياً في البنى السياسية والاجتماعية، بل وحتى الاقتصادية. كما يُجمَع على أن السلطة والعنف توأم حقيقي. لكنه لم يكن مصيرياً في دوره بقدر ما كان عليه في البنية الفوقية والتحتية على السواء في المجتمع الشرق أوسطي، بحيث من الصعب مصادفة مؤسسة متشكلة دون أن تقبع تحت تأثير العنف.

لا أرى جدوى في اللجوء إلى الأطروحات البيولوجية، بل وحتى الطبيعية، لدى تعريف العنف. فجذور العنف الاجتماعية علنية وعارية. كما أن أواصرها مع التمايز الطبقي المرتكز إلى فائض الإنتاج والقيمة الزائدة، ومع سلطة الدولة أيضاً واضحة للعيان. يتم تشاطر هذه الخواص كآراء مجمَع عليها عموماً في علم الاجتماع.

هذا التعريف الصحيح عموماً، تبرز صحته من أجل الواقع الاجتماعي للشرق الأوسط بشكل خاص. تُبَيِّن الأمثلةُ الشعبية من قبيل "العصا من الجنة" (من غرفة الحكام)، و"العنف أحلى من العسل" مصدرَه بكل جلاء. للعنف دوره المعيِّن في بقاء المجتمع مكتوم الأنفاس وضالاًّ تائهاً. لقد تشكلت المواقع وحُمِيَت المؤسسات بدروع الحصانة في كل أنظمة المجتمعات الهرمية والدولتية، بالاعتماد على العنف. وأي مؤسسة لم يطوِّقها العنف، لن تجد فرصتها في الحياة أبداً.

أما في العائلة، فتُكتَم الأنفاس أكثر فأكثر، باعتبارها خلية سفلى قابعة تحت وطأة التقاليد المقتاتة على العنف في المجتمع. بل وتُشَكِّل حالةً من الحرب الخفية والمستترة على المرأة بشكل خاص. وكأنه لا تبقى خلية في وجود المرأة إلا وترتعش من وطأة العنف. وحال الأطفال مثيلة لها. فالأسلوب التعليمي الأساسي الملقَّن لهم هو العنف. بيِّنٌ تماماً أن الطفل المروَّض والمربَّى على العنف، سيُنتَظَر منه السلوك ذاته عندما يكبر، حيث يتفاخر بهيمنته المعتمدة على العنف ويتباهى ويتلذذ بها. وبينما يتوجب النظر إلى عاطفة القوة المعتمدة على السلطة والعنف كأخطر مرض اجتماعي، يُعلَن عنها بأنها أسمى العواطف وأكثرها بعثاً على الغبطة. هكذا تُقدَّم الظاهرة التي تتوجب لعنتها، على أنها الفضيلة الأسمى.