Kurdî  |  Tirkî

الأسرة في الحضارة الشرق الأوسطية

serokapo9منذ خمسة عشرة ألف سنة تقوم بدور الأم وتخلق كل شيء للإنسانية، ومن ثم تقع في وضع عبد لا حول له ولا قوة..! وتكون الوطن الذي خلقت فيه أولى الإلهات، وتخلق كل ما يلزم الإنسانية ثم يتم رميك في زاوية كقطعة قماش مستعملة..! تخلق جميع الآلهة والعظماء،

ثم تصبح عبداً لا حول ولا قوة لك تجاه هذه الآلهة..!  وتخلق جميع المهن التي تشبع العالم، وتبقى جائعاً فيما بعد..! وتبني البيوت في كل مكان، وتبقى بدون مأوى فيما بعد..! تكون شمعة تنير درب الجميع، ولا تنجو من الظلمة فيما بعد..! تكون صوتاً من أجل كل الناس وتؤلف الشعر والموسيقى، ثم تصبح صم بكم..! تخلق العلم والتقنية والاحترام من أجل الجميع وتبقى جاهلاً فيما بعد..! تبنى القصور والخانات للجميع وتحتاج إلى شبر من الأرض فيما بعد..! فحضارة الشرق الأوسط هي اسم لهذا التناقض المأساوي والكبير، ويكمن سر احتراق الحب وتحويله إلى رماد في هذه التناقضات. تنمو على هذه القيم ومن ثم تتحول إلى قزم..! لا يمكن تطهير ذلك إلا بالاحتراق. تخلق لقاء الإله ـ الآلهة لأول مرة ومن ثم تصبح أحط رجل وامرأةً بموقع المتسولين، ولا يمكن أن يطهر ذلك إلا الاحتراق.

تبكي شعوب الشرق الأوسط كثيراً، بلا ريب لابد أن تبكي بعد فقدانها جميع القيم التي خلقتها. ففي الألفية الأخيرة بشكل خاص والشرق الأوسط يبكي على صمت الأموات، فإن الآذان والأغاني والآلات الموسيقية مفعمة بالحزن وتنادي بالموت، وكل ذلك ليس صدفة؛ لأنه يعبر عما جرى، ولو تم القيام بعكس ذلك لكانت ستعتبر بدون معنى. وبات مفهوماً بشكل أفضل لماذا لم يؤثر ما جرى في العالم على هذه المنطقة، فالذين تكون أسسهم وقبورهم كبيرة وعميقة لهذه الدرجة، لا يمكنهم أن يفهموا الآخرين. هم دائماً سكارى بدون شراب أو كالموتى عند ولادتهم. ولا يمكن العفو عن هكذا ماض، وسبب ذلك واضح، إذ لا يمكن ترك هذه الحضارة على هذا الشكل في أي مكان. فالذين يتركونها يرتكبون خيانة كبيرة، ولا يمكن العفو عن الذين يرتكبون هذه الخيانة، إن خيانة الحضارة شيء كبير وهناك الكثير ممن خانوها. لذلك فإن حركات الانتقام كثيرة وكبيرة، لكن ماذا بوسعها أن تنقذ..؟ متَ وأَمت لن يؤدي ذلك سوى إلى توسيع المقابر؟! يتم سفك الدماء في الشرق الأوسط نتيجة الصراعات الدينية والأسرية و قضايا الشرف والممتلكات لأتفه الأسباب. فكل ذلك صحيح؛ بينما تكمن الخسارات والخيانات في أساس سفك الدماء، إذ إن الميراث الانتقامي ليس سهلاً، لأنه يمتد إلى ماض كهذا، يستمد منه أساسه. فكانت تسود الجرائم الناجمة عن العادات والتقاليد بكثرة. إن أساسها أيضاً هو التاريخ الملعون. لقد تم الاستيلاء على جميع قيم الحضارة وهتكت أعراضها كما هي في الكثير من الأمور، فهذه الحقيقة تجد تعبيرها في الفتاة والمرأة كرمز. أي إذا ما أصاب الرمز شيء ما حينها تعتبر القدسية الكبيرة قد تلطخت، وتكون عقوبتها قاسية جداً، ومن هذا التاريخ تستمد المأساة جذورها.

إن مجتمع الشرق الأوسط (ودوله) يعبِّر بكل معنى الكلمة عن ركام متكدس من المشاكل العالقة. فالمشاكل المتنوعة المكبوتة والمتراكمة منذ الماضي الغابر، قد تركت المجتمع مقطوع الأنفاس. أما الأنظمة المفروضة عليه من قِبَل النظام الرأسمالي بغرض إيجاد الحلول لها، فقد أضحت بحد ذاتها منبعاً لخلق المشاكل. فلا الدول المعنية قادرة على إيجاد الحل، ولا هي تفسح المجال للقوى الممتلكة للحلالداخلية منها والخارجيةبأن تقوم بدورها. إن تسمية المشاكل بأنها مجرد أزمة إسلامية، هو تعبير خاطئ للغاية. حيث ثمة ذهنيات سائدة تتخطى نطاق الأديان التوحيدية، وتمتد بجذورها لتصل إلى العهد النيوليتي.

تشكلت الكثير من النُّسُج والأنظمة الاجتماعية التي لا يمكن تفسيرها بالظاهرة القومية. إذ تكاد كل عائلة، وليس كل عشيرة وحسب، تتضمن اختلاطاً وتعقيداً أشبه بمشكلة الدولة. تعاني الهوّةُ الشاسعة بين المرأة والرجل اغتراباً حاداً، بقدر ما تعانيه الهوة الكائنة بين المجتمع والدولة. وكأنه ثمة فوضى يعج فيها حشر من الصُّمُّ والبُكم والعميان الذين لا يتفاهمون فيما بينهم، وقابعون في قاع برج بابل، مثلما تقول الأسطورة. وكأن تلك الأسطورة انتعشت مرة أخرى في نفس المكان. حيث تَبذل ما يناهز السبعين من القوى القومية جهودها ومساعيها. لكن الخلل يتفاقم يوماً بعد يوم. فالصراع العربياليهودي المتبقي من أيام الفراعنة، لم يفقد من وتيرته شيئاً. كذلك تسير التمشيطات المرتبة تجاه الكورتيين (الكرد) بنفس الهمّة والسرعة منذ أيام الملوك السومريين.

يكمن الرد على هذه التساؤلات في حقيقة الحضارة الأم. فكيفما يشبه الابنُ أمَّه بالضرورةولا تشبه الأمُّ ابنَهافالحضارات الوليدة من الحضارة الأم، لا يمكنها أن تشَبِّه أمها بنفسها. بل هي مرغمة على التشبُّه بحضارتها الأم من بعض النواحي بأقل تقدير. إذا ما رجعنا ثانية إلى مثال الخلية النواة، نجد أنه من الممكن العثور على البنى الجينية (الوراثية) الموجودة في جميع الخلايا المتكاثرة ضمن الخلية النواة. في حين أنه من المحال العثور على كافة جينات (مورثات) الخلية النواة في الخلية المتكاثرة منها. لا شك في أن المقارنة المفرطة للظاهرة الاجتماعية بالظواهر البيولوجية تتضمن أخطاء فادحة. لكنها، مع ذلك، تزودنا بالسهولة المتوخاة لتَفَهُّم الاتجاهات الموجودة بشكل صحيح. لذا، جلي للعيان مدى ضرورة أن تتقرب حضارة النظام الرأسمالي بعمق وخصوصية أكبر إزاء الحضارة الشرق أوسطية.

يجب النظر أولاً إلى البنية الذهنية، لدى البدء بتحليل الحضارة الشرق أوسطية. فنشوء وتوطد بنى الأديان التوحيدية الثلاثة في هذه المنطقة، يشكل أحد أهم حقائقها. ثمة العديد من المواضيع الأساسية التي يتوجب على السوسيولوجيا الدينية تحليلها في هذه المنطقة. هذا ومن اللازم تحديد خطوط هذه المحاولات عبر السلوكيات الأدبية والفنية الأخرى أيضاً. علاوة على أن رسم الخريطة الذهنية فيها دون تمييزِ أو فصلِ قيم المجتمع النيوليتيالذي لا يزال مؤثراً في المنطقةعن غيرها؛ سيتضمن أخطاء حقيقية. من جانب آخر، لا تزال ظواهر المذاهب والقبائل والعائلة، حقيقة معاشة فيها كوحدات سفلى لظاهرتَي الأمة والدين الملتحمتَين مع السلطة. أما القوالب الذهنية الناجمة عن الرأسمالية، فلا تجد معناها في المنطقة إلا بعد انكسارها وتحطمها.

إن تناول ودراسة جذور القوالب الذهنية ضمن بدايات التاريخ، بل وحتى قبلها في التعددية الألوهية، وفي العالم الميثولوجي، وخاصة ضمن نطاق العلاقة مع الميثولوجيا السومرية؛ سيساعدنا على الفهم الأمثل لخصال الذهنية المتداخلة فيما بينها. إن ثنائيات القول والعمل، المصطلح والظاهرة، الحقيقة والوهم، الدين والحياة، العلم والأيديولوجيا، الفلسفة والدين، وكذلك الأخلاق والقوانين تشهد تخالطاً وتشابكاً وخراباً وفساداً ولا تمايزاً حاداً في راهن منطقة الشرق الأوسط. حيث تكاد جميع الشرائح الذهنية التي شهدتها البشرية مخزَّنة على شكل ركام متكدس من المشاكل العالقة، مع ما نجم عنها من تلوث. ولا تتوانى البنى اللغوية أيضاًالقديمة منها والحديثةعن عكس الحالات الذهنية القائمة وتصويرها بكل ما تحتويه من تزمت وتصلّب. هذا وتعاني مصطلحات المماليك والأوطان والقوميات والدول المُبَيَّنة حدودها، والمتأسسة في غضون القرن الأخير؛ من جهالة مركَّزة وضيق أفق حاد.

ثمة تزاوج مشحون بالشوائب والعيوب بين عناصر الذهنية المعاصرة من جهة، وعناصر ذهنية العصور الوسطى والأولى من الجهة الثانية. لذا، فأي قصف للبنى الفيزيائية الطبيعية (على الصعيد السياسي والاجتماعي والقانوني والاقتصادي)، دون قصف البنى الذهنية في واقع الشرق الأوسط؛ لن يُسفِر في مضمونه إلا عن ممارسات وحشية قصوى للمجازر والإرهاب والتعذيب، الرسمية منها وغير الرسمية، مثلما شاهدنا ذلك في يومنا الراهن.

تتضمن مؤسسات البنى الاجتماعية، وبشكل خاص ظاهرة الأسرة، تشابكاً وتعقيداً، يماثل ما عليه في ظاهرة السلطة، بأقل تقدير. فالرجل والمرأة الشرق أوسطيَّين يتميزان بتشابك يستلزم بالضرورة تحليلاً خاصاً بهما. وأي تحليل للأسرة والمرأة والرجل الحاكم، من خلال القوالب السوسيولوجية العامة، سيحتوي نواقص مهمة جداً. فالواقع السياسي والأيديولوجي والأخلاقي ينعكس على الرجل والمرأة، بأكثر جوانبه قساوة وحِلكة. والتناقضات القائمة في مؤسسة الأسرة، ليست أقل مرتبة من تلك التي في مؤسسة الدولة. فالأسرة هنا أبعد من أن تكون مؤسسة اجتماعية، وأدنى إلى أن تكون "الثقب الأسود" للمجتمعات. إذا ما وضعنا المرأة تحت عدسة المجهر، لربما تَمَكّنّا من قراءة جميع دراميات الإنسانية فيها

تُعبِّر أقوال فرعون ونمرود عن أقوال الملوك الآلهة في ثقافة الشرق الأوسط، بكل ما للكلمة من معنى. ومصطلح المَلك الإله هو من مبتكرات منطقة الشرق الأوسط. وهو أبعد من كونه مجرد شخص، بل إنه يمثل ثقافة ومؤسسة. ومكانة كافة أعضاء المجتمع تجاه شخصية المَلك الإله، أشبه بمثال النمل الحمّال. لقد بولِغ في الفرق الكامن بين المَلك الإله من جهة، والمجتمع "الآخر" من جهة ثانية. وقُلِبَت موازينه بدرجة برز فيها نَسَبان في نهاية المطاف: الملوك الآلهة الخالدون، والناس الفانون. أََولى المكرُ الميثولوجي (أو الكفاءة الميثولوجية) عنايةً فائقة لعدم اعتبار الشريحة المتدولة من نسل "الإنسان العادي". والديمومة التي تطلبتها الدولة (كمؤسسة) من أجل حياة الحكام، هي التي لعبت الدور البارزحسب اعتقاديفي تشكل صفة "الخالدون" تلك. فالأواصر الكائنة بين مصطلح "الخلود" في فكرة الإله، وبين الديمومة والسيرورة في مؤسسة الدولة، جلية جلاء النهار. حيث كان يُعتَقَد بوجود الموت لأجل الآلهة أيضاً قبل ظهور التدول. وكانت ثمة أيام خاصة من العام، يموت فيها الإله ويحيا، لدى آلهة الحقبة النيوليتية والتعابير الرامزة إليها. وكانت تُقام مراسيم الحداد أو الاحتفاء المنتشرة آنذاك عبر الطقوس والشعائر الدينية. لكن، ومع اكتساب مؤسسة الدولة صفة الديمومة (الأشخاص مؤقتون، ولكن الدولة دائمة)، أصبح الملوك أيضاً خالدين أبديين.

هنا يبرز الدور المهم الامتيازات التي حظيت بها أنساب الملوك الآلهة وسلالاتهم. فخلودهم وعدم تصنيفهم ضمن الناس العاديين، يزوِّدهم بعظمة خارقة وتمايز واضح. ولدى تأليه طبقة الدولتيين (أصحاب الدولة) على هذا النحو، وتحويلها إلى نَسَب خالد؛ لم يبتقَّ أمام الناس "الآخرين" (كافة أناس المجتمع الآخر) سوى تعبدها.

يختلف هذا التعبد أشد اختلاف عن أشكال التبعية اللاحقة في العبودية الإغريقية والرومانية، تماماً كالفرق بين التبعية للسيد والتبعية للإله. حيث هناك تكامل وطيد للعبادة والعقيدة في التبعية الإلهية. وقد رُتِّبَت التبعية للدولة كمَلِك إله في تقاليد الرهبان، بدهاء حاذق ومكر خارق، لدرجة أن جيش العبيد والرقيق قد تَنَمَّل (تحول إلى نمل) ليغدو خادماً قزماً وحمّالاً للعبء.

يُشار في الميثولوجيا السومرية إلى أن الإنسان خُلِق من براز الآلهة، أوفي مرحلة متقدمةمن التراب (الطين). وزادت دقة خلق الآلهة للإنسان بأكثر الأساليب دناءة وخفية، لتستمر حتى يومنا هذا. فالمرأة هنا منسية لدرجةٍ لا يمكن أن تُخلَق من الإله. بل إنها مخلوقة من ضلع الرجل، وهذا هو نصيبها.

إن هذه السرود مهمة من حيث الإشادة بالنظام الأيديولوجي العظيم الذي ساد أثناء بداية نشوء شريحة الدولة. فتقسيم الناس معمول به لدرجة لا تقتصر فيه الأغلبية الساحقة من المجتمع على المصادقة على ألوهية شريحة الدولة على مر الأجيال، بل وتعبدها أيضاً. وترى في العمل من أجلها أمراً إلهياً مقدساً. هكذا يتوطد العمق الأيديولوجي في هذا الخصوص. وما جرى هنا في الحقيقة، ليس سوى تحويل خاصية مؤسساتية معتمدة على الاستبداد والكذب والرياء، إلى ميتافيزيقيا أو إلى فَتَشية تجريدية تستحق العبادة والقيام بكل شيء من أجلها.

تُشَكِّل الذهنية والسلوكيات الاجتماعية المتشكلة حول المرأة والأسرة، مشكلة تساوي في ثقلها ما عليه مشكلة الدولة بأقل تقدير. الدولة في الأعلى والأسرة في الأسفل. كلاهما يشكلان تكاملاً جدلياً أشبه بثنائية الجنة والسعير. فبينما تطبِّق الدولة نموذجها المصغر في الأسرة، تكون الدولة نموذجاً مكبَّراً لمتطلبات الأسرة المتعاظمة. كل عائلة تجد الحل الأمثل في التدول. وانعكاس استبداد الدولة على الأسرة هو الرجل "رب الأسرة"، الذي يظهر كـ"مستبِد صغير". وبقدر ما يسعى المستبد الكبير في الدولة لإضفاء نظام معين على العالم عبر صلاحياته ومواقفه المؤثرة والمزاجية، يقوم الرئيس الصغير بالانهماك في أعمال نظامية مطلقة مماثلة، ليطبقها على حفنة من النساء والأطفال.

سيبقى أي تحليل اجتماعي قديرٍ شديدَ النقصان، بدون تحليل الأسرة في الحضارة الشرق أوسطية على أنها نموذج مصغر للدولة. وإن كانت مشكلة المرأة متفاقمة بقدر مشكلة الدولةعلى الأقلفي مجتمعنا الشرق أوسطي الراهن، فالسبب في ذلك يكمن في تاريخ عبوديتها الطويل والمعقد بقدر تاريخ الدولة. لذا، وبدون وضع البنان على مثلث برمودا "المرأةالأسرةالرجل" في الخريطة، لن تنجو سفينة أي حل اجتماعي مارٍّ بجانبه من الغوص في أغواره. إذاً، فالأسرة (كدولة مصغرة) في الشرق الأوسط هي مثلث برموذا السابح في المحيط الاجتماعي. ولدى تصاعد الدولة والهرمية، محال ألا تتركا آثارهما على مؤسسة الأسرة بشكل مطلق. وأي هرمية أو دولة لا تعكس صداها على الأسرة، لن تعزز من فرص حياتها، ولن تؤمِّن سيرورتها. يتم تلمس هذه الثنائية الجدلية وتناولها بعناية فائقة، ودون أي إهمال، داخل الحضارة الشرق أوسطية.

من المهم بمكان وضع مشروع تخطيطي يتناول تاريخ عبودية المرأة وتحليلها من الناحية السوسيولوجيةولو بشكل محدودباعتبارها الجنس والنَّسَب والطبقة الأقدم في تعرضها للأَسْر والاستعباد؛ وإلا فمن الصعب تفهم الأسرة والرجل، وبالتالي الدولة والمجتمع من الجوانب الأخرى. وسيتضمن فهمنا لها عندئذ نواقص حقيقية لا تُغتَفَر.

هكذا حصل انكسار جنسي من النوع الذي ربما سيمهد الطريق لأكبر التغييرات في حياة المجتمع على مر التاريخ. يمكننا تسمية هذا التغيير الأول المعني بالمرأة والجاري في الثقافة الشرق أوسطية بـ"ثورة الانكسار الجنسي المضادة الكبرى الأولى". إننا نقول بأنها ثورة مضادة. بالتالي، فهي لا تساهم في حصول التغييرات الإيجابية في المجتمع. بل، وعلى النقيض، إنها تجلب النفوذ والهيمنة المجحفة للسلطة الأبوية على المجتمع، وتُخرِج المرأة من دائرة المجتمع وتُهَمِّشها؛ لتمهد السبيل بالتالي لسيادة حياة مجدبة وقاحلة. إنها تقود إلى المجتمع الرجولي الأحادي الصوت، بدلاً من المجتمع الثنائي الصوت. ولربما كان هذا الانكسار الحاصل في الحضارة الشرق أوسطية، الخطوة الأولى للسقوط والتهاوي. فنتائجه تزداد دِكنة وحِلكة مع تقدم المراحل. لقد تم العبور إلى ثقافة المجتمع الذكوري المفرط الأحادي البُعد. وبينما يضيع ويخبو ذكاء المرأة العاطفي، صانع المعجزات والحيوي والإنساني إلى أبعد حدوده؛ يتولد الذكاء التحليلي اللعين (أصحابه يصفونه بعكس ذلك) لثقافة ظالمة مستسلمة للدوغمائية، منقطعة عن الطبيعة، تَعتَبِر الحرب فضيلة نبلى، وتتلذذ من سفك دماء البشر حتى الركب، وترى في ذاتها الحق بمعاملة المرأة والرجل المستعبَدين كيفما تشاء وتهوى. وهذا الذكاء (أو نوع التفكير) يتميز ببنية مناقضة كلياً لذكاء المرأة العادل والمتمحور حول الطبيعة الحية والإنتاج الإنساني.

يُلاحَظ بروز جمود وسبات حقيقي في الخلاقية والإبداع، بعد تصاعد البنية الذكورية المهيمنة في المجتمع. فبينما حصلت الآلاف من الاكتشافات والاختراعات في الحقبة ما بين 6000 – 4000ق.م (عهد المرأة الأم)، لوحظ أنه ثمة عدد ضئيل جداً من الاكتشافات المأخوذة على محمل الجد بعد أعوام 2000ق.م. إلى جانب ذلك فقد شهدت هذه الحقبة بروز ثقافة السلطة القتالية ببنيتها التي عمت الأرجاء، واعتَبَرت الفتوحات أسمى مهنة (مهنة الملوك)، وهدفت فيها الدول أساساً إلى الفتح. باختصار، تزامَنَ وتشابَكَ تهميش المرأة مع إيلاء القيمة الكبرى للسلطات ذات البنية الرجولية القتالية والفاتحة. وبينما تُكتَسَب مؤسسة الدولة كبُدعة من بُدع الرجل بكل معنى الكلمة، غدت الحروب الهادفة إلى النهب والسلب وجمع الغنائم، ضرباً من ضروب الإنتاج. وحَلَّ النفوذ الاجتماعي للرجل، والمعتمد على الحروب والغنائم، محل نفوذ المرأة الاجتماعي المستند إلى الإنتاج. ثمة أواصر كثيبة بين أسْر المرأة وبروز ثقافة المجتمع القتالي (المحارب). لكن الحرب لا تنتج، بل تستولي وتنهب وتسلب.

غالباً ما يكون دور العنف سلبياً ومدمِّراً، فيما عدا بعض الظروف الخاصة التي يكون فيها محدِّداً لوجهة التطورات الاجتماعية، مثل شق الطريق إلى الحرية، والتصدي للاحتلال أو الغزو أو الاستعمار. تتغذى ثقافة العنف المهضومة في المجتمع على الحروب. و"سيف" الحرب المسلَّط بين الدول، هو تمثال الهيمنة والنفوذ في "قبضة" الرجل، يسلِّطه داخل العائلة. يتواجد المجتمعان الفوقي والتحتي في مكبس "السيف وقبضة اليد". حيث يُغدِق المديح الدائم لثقافة الهيمنة والتسلط. وتَعتَبِر أشهر الشخصيات أن مَدحها بسفكها الباطل للدماء، وافتخارها بذلك؛ هو أسمى فضيلة لديها. نخص بالذكر هنا الملوك البابليين والآشوريين الذين يَعتَبرون جمع جثث البشر كمحصول لهم، وبناءهم القلاع والأسوار بها؛ مدعاة للفخر الأعظم والشرف الأكبر. وظاهرتا ثقافة العنف الاجتماعية وإرهاب الدولة، اللتان لا تزالان متفشيتان في يومنا الحالي، تستمدان منبعهما من هذه الثقافة.