Kurdî  |  Tirkî

أفضل جواب نعطيه ليوم الواحد من أيار

أفضل جواب نعطيه ليوم الواحد من أيار، العيد التقليدي لوحدة وتعاضد وكفاح الطبقة الكادحة، هو امتلاك القرار الحاسم والملموس بشأن المواقف الأساسية الواجب إبداؤها حسب الحاجة بصدد رؤية العالم وممارساته العملية الخاصة بهذه الطبقة.

والتحلي بالقدرة التطبيقية تظهر أمامنا كوظيفة مرتقبة.

 

كما أن الاحتفال بهذا اليوم بحشد جماهيري غفير شرط لا غنى عنه لنجاحنا في وظيفتنا تلك، وإضفاء المعاني المؤثرة أكثر للاشتراكية، خاصة بعد انهيار الاشتراكية المشيدة وتدني اعتبارها وتكاثف المحاولات للحط من شأنها. ومثلما لم يقل شأن تحديد المشاكل الأساسية الخاصة بالإنسان، سواء تاريخياً، أو حاضراً، أو إيجاد طرق الحل اللازمة لها؛ لربما أصبحت هذه الوظيفة إلى جانب ذلك تتسم بمعاني أفضل لإدراك فحواها مع مرور الأيام، وتغدو في صدارة المهام العاجلة التي لا يمكن التأخر عنها. لا شك في أن انهيار الاشتراكية المشيدة لم يقلل من مشاكل الرأسمالية، ولم يكن فوزها ونصرها كما يدعي البعض. بل على العكس من ذلك، فقد أصبحت تقف وجهاً لوجه أمام مشاكل أكثر ثقلاًَ بحيث تسحقها تحت وطأتها وتزج بها في طريق مسدود.

يمكننا القول أن علامات الانهيار تظهر على الرأسمالية القائمة بنسبة لا يمكن مقايستها بأي مرحلة سابقة. حتى أن أكثر المفسرين تفاؤلاً يصرّحون بأن التاريخ يكاد يتوقف عن الجريان. قد يسمي البعض ما يجري على أرض الواقع بأنه "ظفر لا نهائي للرأسمالية"، إلا أن كل المؤشرات تدل على حقيقة يُجمع بها الجميع على أن هذه "اللانهاية" قريبة من يوم القيامة. لقد زجت البشرية في مسننات الاستهلاك والهدر الضخم بنسبة لا قرين لها، وأوقعتها في وضع تكاد لا تستطيع فيه التقاط أنفاسها. ومن المستعصي تخمين المكان الذي ستصطدم به لتتابع بذخها وإسرافها ذاك. وهذا هو بالذات أصل الأزمة الخانقة والسوداوية واليأس المتفشي.

كل الطبقات الاستعمارية القمعية عامة، والطبقة الاستعمارية التعسفية العمياء بنظامها الرأسمالي – البورجوازي الذي تستند إليه خاصة؛ قد فقدت معناها وأهميتها تماماً. ومع ذلك صارت تشكل بلاء مسلَّطاً على المجتمع برمته منذ مدة لا بأس بها.

كثيراً ما قيل أن ثورة أكتوبر "تشرين الأول" بأنها قد أُجهِضت مبكراً، وبالتالي أسفرت عن اشتراكية مثقلة بآفات بنيوية شديدة الوطأة ومبنية عليها بحيث لن تستطيع النجاة من الانهيار.

بإمكاننا تطبيق هذا الوضع على الثورات المتحققة على مدى التاريخ القديم أيضاً.   فكل انقلابٍ في الأوضاع أو كل ثورة ثارت ، تكون الطبقة المشكّلة للأرضية الأساسية للسلطة الثورية اليسارية والراديكالية أكثر من غيرها، هي نفسها الطبقة القابعة في الأسفل والمناضلة في أحلك الظروف وأصعبها. وما العبيد والأقنان، ومِن بعدهم العمال، سوى طبقات كادحة يطرأ عليها التغير مع حصول بعض التغيرات في الظروف العامة.

كما أننا نعلم علم اليقين أن الطبقات الحاكمة أيضاً تغير من شكلها لتستمر في وجودها إلى يومنا الحاضر. وما أضافته الرأسمالية – الامبريالية لم يكن سوى فرض عدمية الشكلية على الطبقات، وإيصالها إلى حالة لا تقدر فيها على الكفاح بهذا الشأن. ولهذا السبب استُخدِمت التقدم التقني في الميادين الإعلامية لتوسع نطاقها إلى جانب الحرب النفسية والأيديولوجية والثقافية المنظمة تماماً لنفس الغرض. والأنكى من كل ذلك هو تعرض المجتمع لقصف مستمر كي تختنق  ولتتمكن بالتالي من إدارته وتوجيه.

إنه لأمر مدهش! في الماضي كان الحكام يسعون لفرض الخنوع والإذعان على المجتمعات عن طريق الأسلحة النارية والغارات الجنونية، إلا أن المتسلطين اليوم ليسوا بحاجة إلى مثل هذه الحروب كي يتمكنوا من إخضاع الشعوب، حيث حلت محلها الغارات الروحية والأيديولوجية والثقافية الأكثر تأثيراً. والتقنية الموجودة تساعد على ذلك بكل معنى الكلمة. لهذا السبب نرى أن الفرز الطبقي والأمور الواجب فصلها عن بعضها بأنواعها المتمايزة، إنما تتشابك وتتداخل فيما بينها، لتدخل في حالة تركض فيها وراء أوامر طبقة ما بشكل أكثر خبثاً ودهاءً واستغلالاً وقمعاً خفياً ومكراً.

وإذا كنا لا نستطيع التحدث اليوم عن حدود فاصلة وواضحة لطبقة ما، فهي نابعة من هذه النقطة بالذات. في الحقيقة، هذه هي ظاهرة الكدح والطبقة المعتمدة عليه مهما طرأت عليها تغيرات في الشكل والمضمون. إلا أنه يتوجب إيجاد تعريف سليم للطبقة الاستعمارية الحاكمة التي تغير من شكلها أكثر، وتوسع من نطاقها لتتسرب إلى كافة خلايا المجتمع.

لم تعد تكفي التسميات والتعاريف الطبقية الكلاسيكية من  قبيل "رب العبيد"، "رب الأرض"، "رب المعمل". كما لا يكفي إطلاق تعاريف مثل "البورجوازية الوسطى" أو "البورجوازية الصغيرة" على بعض الطبقات. وإذا كنا نود  أن نفهم الاشتراكية جيداً، يتحتم علينا إذاً صياغة تعاريف، والقيام بتحليلات طبقية تأخذ الواقع الحالي القائم بعين الاعتبار. ونخص بالذكر هنا وطناً مثل تركيا، حيث بنيت في البداية على أيدلوجوجية تزعم فيها على "نحن نستند إلى جماهير لا طبقية، ولا تمايزات أو امتيازات بينها". فهذا الوضع الجديد يتسم بأهمية أكبر في هذا المضمار.

حلت الأساليب الأيديولوجية والنفسية محل الأساليب القمعية والفظة منها، مما جذَّر ذلك التشابك وزاده تعقيداً. فالمحتكرون للامبراطورية الإعلامية والمعلوماتية يقومون على توجيه المجتمع وإدارته على نحو أشد خطراً من أعتى الحكام وأكثرهم ضراوة. لقد تطورت منزلة التقنية في الإنتاج هذه الأساليب القمعية أكثر من السابق. وعوضاً عن قوة العضلات الفظة ترك الإنتاج مكانه لإدارة التقنيات الجديدة -وإن كانت هي الأخرى تعتمد على ذلك بالأصل- ليشل من تأثير كدح القوة العضلية. أي أن السائد هو الإضعاف من الجانب المرتكز إلى القوة العضلية والكدح الفكري لدى الإنسان الكادح بنسبة ملحوظة.

وكأن الزمر الاحتكارية، وعبر الثورة العلمية – التقنية التي طورتها، تقول للإنسان "لم يعد لك لزوم جدي". وارتباطاً بهذه الخاصية الرأسمالية نرى بأن البطالة تتفشى في الأرجاء لدرجة تكاد البورجوازية تعلن صراحة أنه لا حاجة لوجود المجتمع ولا أهمية له، وبرغم من أن الرأسمالية القائمة عديمة الأهمية بطبيعة ذاتها، إلا أنها، وانطلاقاً من احتكارها للنفوذ الأكبر والهيمنة وقوة الإدارة وشبكات التأثير والتبادل، تقول للمجتمع "أنت عديم القيمة" وتعمل على ترسيخ قناعتها تلك بأساليب جرى.

هذا فضلاً عن أنها تطبِق الخناق على كوكبنا وتكاد تقطع أنفاسه. بمعنى آخر، فالقضاء على الطبقة الخضراء في الطبيعة ليس إلا كبتٌ لأنفاس الإنسان.

إنهم ينسفون سقف كوكبنا بشكل كلي.

 فالثقب الذي حدث لطبقة الأوزون يضع عالمنا في مواجهة شتى أنواع المخاطر والأهوال. ومن جانب آخر ثمة الخطر الذّري الذي بإمكانه إقامة القيامة في كل لحظة. لا شك بتاتاً في أن هذه المسؤولية تقع على كاهل الرأسمالية القائمة التي أدت إلى ظهور بعض الآفات والأوبئة الخطيرة من قبيل السرطان ومرض الإيدز،ولها يد في الانفجار السكاني المختل والمتضخم باستمرار بحيث لا يمكن حسم النهاية التي سيؤول إليها عالمنا والإنسانية بعد كل هذه الظواهر. إنها  "الرأسمالية" تزيد من وطأة هذه المعضلات طردياً لتصبح أزمة حادة وخانقة. أي أن أنفاس الإنسانية تُكبَتُ دوماً، سواء على الصعيد الروحي أو على الصعيد الفيزيائي.

يتم القضاء على تشبث الإنسان بالحياة ودواعيه الأساسية فيها، ونسف كل الجماليات، وشل تأثير دور كل من الدين والفلسفة في حياة الإنسان.  

تُشكِّلُ  حالة الإنسانية المصابة بالعمى، والإنسان المصاب بالتقزم المضطرد كحشد غفير من النمل القزم، خطراً جدياً حقيقياً. الرأسمالية المكورة هو النظام الذي يقف وراء كل هذه الأعمال.

ثمة حاجة ماسة لأيديولوجية جديدة وتعاليم أولية أما الاشتراكية المضادة تماماً لذلك فقد وقعت في النقصان. واليوم تدور النقاشات حول أسباب ذلك.

كيف يمكن تحقيق حاكمية أيديولوجية تستطيع التغلب على النظام الامبريالي – الرأسمالي ثانية؟

هذه هي الساحة الأصلية التي يجب أن تتركز عليها النقاشات. فالدفاع عن الرأسمالية الموجودة لا يعني سوى القبول بيوم المحشر لأجل البشرية والقضاء على غدها الآتي، والسقوط بها في نهاية مأساوية واهية لا يمكنها النضوج حتى بالمستوى الذي توصل إليه البشرية في بدابتها. إن نوبات الطيش الجنونية للمجتمعات الاستهلاكية الحالية تُسهّل علينا صياغة تعريف واضح للواقع القائم. وإذا كانت البشرية ستحيا لا محال – وهذا قانون ساري المفعول على البشرية بقدر صحته لقوانين الطبيعة على الأقل – يستحيل عندئذ القبول بهذا الوضع السائد. إن النقاش على هذا الوضع وبلوغ طريق الحل المرتقب، يدل على وجود حاجة ماسة لأيديولوجية وتعاليم أولية وتطبيقها على أرض الواقع، سواء أسمينا ذلك بالاشتراكية العلمية أم بالاشتراكية المتحققة.

إننا ندرك كل الإدراك بأن الاشتراكية العلمية لم تولد في يوم واحد، وهي ليست ثمرة تجربة عائدة لوطن واحد، بل حتى أنها ليست نتيجة للرأسمالية الأوروبية فحسب. فميول القطاعات الاجتماعية هي صاحبة أكثر التحولات راديكالية في كل المراحل الاجتماعية، وخاصة في فترات الارتجاجات والانقلابات الثورية؛ التي أدت على الدوام لظهور الميول والأفكار المؤدية إلى تطوير الاشتراكية. بمعنى آخر، إنها أفكار وممارسات عملية متطورة بالتوازي مع التحول الاجتماعي "المجتمعية". أما المرحلة الرأسمالية فقد أضافت على هذه الأفكار والعمليات قوة تعبيرية علمية للتعريف بها، ولتصل بالتالي إلى صياغة الاشتراكية العلمية مع مضي الزمن.

لا شك في أن للاشتراكية العلمية أخطاؤها ونواقصها مثلما هي الحال في كل الأنظمة الاجتماعية الأخرى. حتى في الثورة الفرنسية المتحققة في أعتى مراحل الرأسمالية وحشيةَ، كان اسم "الشيوعيون" يطلق على أكثر القطاعات راديكالية. هذا بالإضافة إلى أن الشرائح اليسارية للثورات البورجوازية اللاحقة لها أيضاً كانت تسمى بـ"الاشتراكيون، الشيوعيون". وفي كمونة باريس 1848 – 1870 كان الشيوعيون هم المؤثرون أيضاً ويستلمون دفة الحكم في ثورة أكتوبر. ومن ثم ينتشر هذا الوضع ليضم العالم بأجمعه فيما بعد. لا ريب في أن الاشتراكية اتسمت بالعلمية أكثر في هذه المرحلة، إلا أنه لا يمكن الادعاء بأنها الكلمة الفصل في صياغة الاشتراكية. لذا فإن تعريف الأوطان التي تحققت فيها الاشتراكية المشيدة وادعاءها بأنه "وصلنا إلى الشيوعية مبكراً" أمر بعيد عن الصحة والواقعية.

إننا ندرك الآن وعلى نحوٍ أفضل أنّ كل حركة انبثقت من هذه الثورات الكبرى، ونزعت إلى الكدح وتبنته؛ إنما تتضمن في أحشائها محتوى اشتراكياً نوعاً ما، أو أنها تتهيأ للاشتراكية وتمثيلها.

لنبدأ من انطلاقة سبارتاكوس التي تعد إحدى أهم التمردات الأساسية في العهد العبودي، وحتى كل المراحل الثورية الهامة على وجه التقريب، وسنرى أنها جميعها ساهمت لحدٍ ما في الكفاح، وبالتالي في تاريخ الكفاح الاشتراكي.

حتى الثورة الإسلامية، وحتى الصراع الدائر بين الإسلام الرسمي والإسلام المعارض، يتضمن خصائص كهذه. ويمكن تسمية ذلك بالصراع المذهبي بين السنية والعلوية. على سبيل المثال حتى أكثر الشرائح الموالية لسيدنا علي راديكاليةَ تعد – حسب تلك الظروف – اشتراكية أو يسارية.

الأمر كذلك سواء في ثورة أكتوبر أو الثورة الفرنسية، بدءاً من الفئات اليمينية وحتى اليسارية الراديكالية منها. كما أن ثورة أكتوبر أيضاً كان لها يمينيوها والمنتهجون للخط الوسط. أما القسم الراديكالي المسمى بالحزب البلشفي  فيشكل الشيوعيين.

الحقيقة الساطعة التي تتبدى هنا هي أن نضال الاشتراكية والشيوعية طويل بقدر التاريخ البشري. إلا أنه كثيراً ما تم الانزلاق في المواقف المغالطة المضخّمة للذات، كمرض إعلان تيار ما عن نفسه خلال مدة جد وجيزة بأنه التيار الحاكم والمتوجه قدماً نحو النصر المؤزر على الصعيد العالمي. وبما أن سياق التطور الاجتماعي ما فتئ يستمر في منحاه، فإن أحاديث كل مرحلة هامة إنما تمهد السبيل في الأصل إلى ولادة تطورات أخرى جديدة تتجاوزها وتتعداها. وهنا، دعك من أن تكون النهاية في كل شيء وآخر كلام، يصبح كلامك قديماً وبالياً. ولكن هذا لا يعني أن الأقوال والأحاديث المُقالة لا تحظى بأيةِ أهمية أو معنى، بل إن ما حصل هو أن الإسلام والليبرالية البورجوازية وحتى الاشتراكية قد أسفرت عن تطورات هامة لا يستهان بها حسب زمانها ومكانها الذي ظهرت فيه لتترك للتاريخ ميراثاً هاماً للغاية. أي أنها لم تذهب سدى، بل إن التطور الاجتماعي والحرية قد تطورا بفضل مثل هذه الكفاحات لدرجة ما. ونخص بالذكر هنا النضال الاشتراكي الذي يعد اسماً لأهم تطور حصل. ذلك أن كل التطورات الموالية للكدح والإنتاج والإبداع إنما حققت تقدم البشرية على ضوء وجهة النظر الأيديولوجية هذه على الأغلب.

بإمكاننا القول أنه ثمة فوضى وأزمة خانقة سائدة على العموم في يومنا الراهن. إن الرأسمالية تزعم أكثر من أي وقت مضى بأنها نظام كوني عام تماماً. وحصيلة النواقص البارزة في الاشتراكية المشيدة وانتهائها بانهيارها على يديها هي، إنما يمد الرأسمالية بالفرصة لتزداد ثقة وقوة في ادعائها هذا. لكن الحقيقة هي عكس ما تزعم أو تصرح به.

البقاء بلا اشتراكية يعني الحرمان من الهواء

يكمن الحل الأزمة المتزايدة في وطأتها أكثر من أي وقت مضى، وبالتالي لكافة المشاكل البارزة نتيجتها، في الاشتراكية التي تجد تعبيرها العلمي في المجتمعية. من المستحيل للرأسمالية أن تجد في داخلها حلولاً للدمار الفظيع الحاصل والمشاكل التي يستعصى عليها الخروج من تحت وطأتها.

ومن المستحيل حل هذه المعضلات عن طريق ثورات علمية – تقنية كهذه. ذلك أن الثورة العلمية – التقنية المسخرة في خدمة الرأسمالية ليس باستطاعتها فعل شيء سوى تجذير الأزمة الموجودة في النظام أكثر فأكثر.

الحل إذن، يكمن مرة أخرى في الواقع الاجتماعي ومساره الاشتراكي.

ولكن أي اشتراكية؟

ثمة حاجة ماسة لإرساء الاشتراكية وتكريسها سواء من الجانب النظري أو العملي. وبقدر الحاجة لإعادة النظر في النواقص الظاهرة في تاريخها وتخطيها، ثمة ضرورة حيوية لتقييم الأزمة الخانقة المتفشية في يومنا بعين موضوعية، وفرض قوة الحل اللازمة لها. وبدون إتباع سياسات جديدة بصدد كل المسائل، بدءاً من التحليلات الفكرية وحتى تحديد المواقف اللازمة كجواب للمعنويات النفسية، ومن كيفية تداول البنية الفوقية السياسية إلى إعادة ترتيب وتنظيم الاقتصاد؛ يستحيل إعطاء جواب حاسم وحازم على سؤال "أيّ اشتراكية؟".

ثمة مساعٍ حثيثة للإطباق على أنفاس عالمنا وخنقه بالمشاكل المنبثقة من الرأسمالية، وثَقْبِ غلافه الجوي أيضاً. هذا الخطر الذي يذكرنا بيوم الحشر يسفر عن آفاق اجتماعية استهلاكية مريعة، وظهور حشد غفير من أناس أقزام تحولوا إلى نمل صغير أو حبات رمل مصفوفة فوق بعضها.

هناك ضرورة حيوية قصوى لإرشادات وتحديد مواقف اشتراكية تعيد للإنسان اعتباره وكرامته، وتحقق الوئام بين وعيه وأخلاقه وبين الطبيعة، وتنبيهه إلى التناقض الكائن بينه وبين الطبيعة وتعميقه لحله.

بإمكاننا القول بكل ثقة وقوة، وأكثر من أي وقت مضى، أن التوازن الذي أسسه النظام الرأسمالي – الإمبريالي بين الإنسان والطبيعة يتحول إلى تناقض مدمر على نحو خطير ومرعب للغاية. مثلما يؤدي تنظيمه الاجتماعي بالإنسانية إلى علاقات استهلاكية مسرفة. أي أنه قد مهد الطريق لظهور هذين التناقضين المكوَّرين "العالميين".

وهنا بالذات، بإمكان الاشتراكية الموجودة التعريف عن ذاتها بشكل صائب من خلال إعطائها الجواب اللازم لهذين التناقضين الأوليين. كما أن فرض الحلول الثورية لمشكلة علاقات الإنسان مع الطبيعة- ويسميها البعض بالعلاقة مع البيئة- وتحليلها على نحو صائب، شرط حيوي لا مفر منه مقابل محاولات الحركات المعنية بشؤون البيئة والاخضرار وغيرها من الحركات التي تسعى لدراسة المشكلة على نحو إصلاحي.

وتجاه نموذج المجتمع الإمبريالي المتقزم في مضمونه كالنمل، من الضروري إعادة تخطيط النسل والإنتاج وتنظيم البنية الفوقية والتعريف مجدداَ بالجوانب النفسية والأخلاقية للإنسان. إن القدرة على إيجاد الحل اللازم لتناقض شامل كهذا، ستسفر عن تكييف الاشتراكية مع متطلبات العصر. لذا لا يمكن الاكتفاء بالتعريف الطبقي الضيق لها.