Kurdî  |  Tirkî

إحياء العشق هو أحد أصعب المهام الثورية

إنَّ موضوع العشق الذي تتداوله الأفواه كالعلكة في عالمنا الراهن؛ يشهد أكثر مراحله خزياً وافتقاراً للمضمون والمعنى. إذ لم تسقط مرتبة العشق تحت الأقدام بهذه الدرجة في أي مرحلةٍ أخرى من التاريخ. فحتى أخطر نماذج العلاقات وأقبحها، تسمى بالعشق...

بدءً من العشق اللحظي وحتى أكثر السلوكيات إباحية للجنس. لا يمكن تصوُّر علاقةٍ مطبِّقة لمفهوم حياة النظام الرأسمالي بأفضل حال، أكثر من تلك العلاقات. إنَّ ظواهر العشق الراهنة هي اعترافٌ صريحٌ لا غبار عليه للأحوال التي وقعتْ فيها الذهنية التي فرضها النظام الحاكم على المجتمع والفرد، حتى في أقدس الميادين.

 

 

 

إحياء العشق هو أحد أصعب المهام الثورية. إذ يتطلب الكدح العظيم والتنور الذهني والحب الإنساني. ومن أهم شروط العشق:

أولاً: النظر إلى العصر ضمن آفاق الحكمة، والحذو حذوها. ثانياً: فرض السلوكيات العظيمة إزاء طيش النظام وتهوراته. ثالثاً: القبول باستحالة تواجه الجنسين أو النظر إلى بعضهما البعض في حالة غياب الحرية والتحرر؛ وهضم ذلك كسلوك أخلاقي أساسي. رابعاً: أسْر الغريزة الجنسية وضبطها بموجب متطلبات النقاط الثلاث السابقة. بمعنى آخر؛ يجب الإدراك يقيناً بأنَّ أية خطوة تُخطى على درب العشق ستكون إنكاراً للعشق ما لم ترتبط الغريزة الجنسية فيها بالحكمة وبأخلاق الحرية وحقيقة النضال والصراع السياسي والعسكري.

إنْ كان لا بد من الحديث عن حقيقة العشق في راهننا، فهذا غير ممكن إلا باكتساب الشخصيات التي تتجاوز في عشقها ما كان عليه "ليلى ومجنون" بأشواط ملحوظة، وتتخطى كل أهل التصوف، وتتحلى بدقةِ وحساسيةِ رجل العلم، وتؤدي إلى الخروج من الأزمة الحالية والتوجه نحو الحرية الاجتماعية، وتبرهن على عشقها ببسالاتها وتضحياتها وانتصاراتها المظفرة.

بإمكان مشاكل المساواة الاجتماعية والمشاكل الاقتصادية للمرأة أن تلقى الرد اللازم لها بالنجاح الموفق في عملية الدمقرطة؛ عبر تحليل وتفكيك السلطة السياسية أولاً. إذ ما من شائبة في أن الحرية القانونية القحطة والمجدبة، لن تفي بشيء، ولن تكتسب معناها؛ ما لم يُحرَز التقدم على درب الحرية، وما لم يُعمَل بالسياسة الديمقراطية.

الأصح هو تناول موضوع المرأة كثورة ثقافية. إذ من العصيب إيجاد حل تحرري ذي معاني راقية بالثقافة القائمة؛ مهما كانت النوايا حسنة، ومهما بُذِلَت الجهود الدؤوبة. وذلك بسبب المشكلة القائمة في الظاهرة ذاتها، وبنية العلاقات فيها. واكتساب الهوية التحررية الأكثر راديكالية أمر ممكن فقط بالدنو من المرأة. أو بالأحرى باستيعاب النظام القائم في العلاقات بين الجنسين ككل متكامل، وتخطيه. يجب الإدراك جيداً أنه لا يمكن قطع مسافة، ولو بمثقال ذرّة، بمقارنة مسألة الحجاب بالتقاليد والأعراف، ومقارنة الإباحية الجنسية بالعصرية. إذ ثمة حاجة ماسة لاستيعاب أغوار الحرية وإكسابها إرادتها، بقدر التعمق في أغوار العبودية وتفهمها. على كل القاصرين عن قطع مسافة ملحوظة في درب حرية المرأة، وبالتالي في درب تحرير الذات؛ أن يعرفوا أنهم بذلك لن يكونوا قادرين على إبداء قدرة الحل والتحول في أي ميدان اجتماعي، ولا في مجال الحرية السياسية أيضاً. يجب العلم بأنَّ المفهوم القائل: "كل نضال تحرري عاجز عن تخطي ثنائية "الرجل الحاكم – المرأة العبدة" لن يتمكن من توطيد الهوية الحرة أو اكتسابها؛ كمعيار أولي للحرية. إذ لن تتحقق العلاقة الحرة بين المرأة والرجل، بدون تحطيم علاقة المُلكية والسلطة المسلَّطة على المرأة.

من الواقعي أيضاً اعتبار قرننا مرحلة اجتماعية ستتصاعد فيها إرادة المرأة الحرة. لذا، يتوجب التفكير في المؤسسات الراسخة اللازمة للمرأة وتأسيسها، ربما لأجل القرن بأكمله. وقد تتولد الحاجة لأحزاب حرية المرأة. حينها ستكون ذرائع تأسيس هذه الأحزاب ومهامها الرئيسية متمثلة في توطيد المبادئ الأيديولوجية والسياسية الأولية للحرية، وإدراجها حيز التنفيذ، والإشراف على ذلك وتسييره.

بالنسبة للجماهير النسائية، وبالأخص تلك القاطنة في المدن، يجب تكوين مساحات الحرية لها، لا دور الالتجاء والاعتصام. وقد تكون "منتديات الثقافة النسائية الحرة" هي الشكل الأنسب، والتي بإمكانها أن تؤدي دَور معابد المرأة العصرية كمساحات تشمل الوحدات التعليمية والإنتاجية والخدماتية للفتيات اللواتي تعجز عوائلهن عن تعليمهن. كما أنها تعد حاجة ضرورية وشكلاً ملائماً من أجل الفتيات والنساء، بسبب وجود البنى التعليمية المدرسية الحالية في النظام القائم.

يقال أنه لا حياة بدون المرأة. لكن، لا يمكن العيش مع المرأة الحالية أيضاً. فحسب قناعتي، إن العلاقة الذكورية – الأنثوية الغارقة في العبودية حتى حلقها، تُغرِق أصحابها معها أكثر من غيرها من العلاقات. ما دام الأمر كذلك، فما هو منتَظَر من أصحاب العشق الحقيقي للخروج من فوضى النظام الرأسمالي الأخيرة، هو خلق القدرة العظيمة المتمحورة حول المرأة، وتحقيق الانطلاقة بها. أظنُّ أن هذا من أقدس وأنبل الأعمال التي سيقوم بها أبطال العشق الحقيقيين، الذين وهبوا أفئدتهم وعقولهم للعشق بكل طواعية.

لا يشمل التكامل مع البيئة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية وحسب. فاستيعاب الطبيعة على الصعيد الفلسفي أيضاً يعد شغفاً لا يستغنى عنه. إنها مسألة متبادلة في حقيقتها. فبينما تبرهن الطبيعة على الفضول وحب الاستطلاع الكبير لديها، وعلى قدرتها في الخَلق لدى استئناسها؛ فالإنسان أيضاً يدرك ذاته ويعيها لدى استيعابه الطبيعة (إن رؤية السومريين للحرية "أماركي" في العودة إلى الأم "الطبيعة" أمرٌ يحثنا على التفكير فيه). ثمة علاقة العاشق والمعشوق بين كليهما. إنها مغامرة عشقٍ وهيامٍ كبرى. وأظنُّ أن إفسادها أو الانفصال عنها أكبرُ حرامٍ (حسب التعبير الديني). ذلك إنه من المحال خلق قوة معاني أسمى منها. ارتباطاً بهذه المسألة، فالمعنى الملفت للنظر، والذي أضفيناه على حيض المرأة بأنه إشارة إلى التمايز عن الطبيعة وإلى الانبثاق منها في الوقت نفسه؛ إنما يفرض ذاته هنا مرة أخرى، ويُشعِرنا بوجوده. تتأتى طبيعة المرأة من دنوها الكبير إلى الطبيعة. ويكمن لغز جاذبيتها الساحرة في هذه الحقيقة بالذات.

يمكن بتاتاً الدفاع عن أخلاقية أو عقلانية أيِّ نظام اجتماعي غير متكامل مع الطبيعة. لهذا السبب يتم تجاوز كل نظام يكون على خلاف أكبر مع البيئة الطبيعية؛ سواء على الصعيد الأخلاقي أو العقلاني (العقلي). نستخلصُ من هذا التعريف المقتضب أنَّ العلاقة جدليةٌ بين الفوضى التي يمر بها نظام المجتمع الرأسمالي، وبين الكوارث البيئية القائمة. لا يمكن تخطي تلك التناقضات الجذرية مع الطبيعة، إلا بالنفاذ من ذاك النظام وتجاوزه. والعجز عن حل تلك التناقضات عبر الحركات المعنية بالبيئة لوحدها؛ إنما يتأتى من طبيعة ومزايا تلك التناقضات ذاتها. من جانبٍ آخر، يستدعي المجتمع الأيكولوجي تحولاً أخلاقياً بالضرورة. ولا يمكن التخلص من مناهضة الرأسمالية للأخلاقيات، إلا بالسلوك الأيكولوجي. تتطلبُ العلاقة الكامنة بين الأخلاق والضمير (الوجدان)، روحانية تعاطفية واعتناقاً (تقمصاً) عاطفياً. وهذه بدورها لن تكتسب قيمتها الحقيقية، إلا بالتعبئة الأيكولوجية القديرة. تعني الأيكولوجيا صداقة الطبيعة، والاعتقاد بالدين الطبيعي. وهي بجانبها هذا تفيدُ بالالتحام مجدداً، وبوعي يقظ وحساس، مع المجتمع العضوي الطبيعي المتناسق والمتكامل.

المشاكل العملية للحياة الأيكولوجية أيضاً هي مشاكل راهنة. تتمثل المهام والوظائف العملياتية في هذا الشأن في توطيد كمٍّ كبيرٍ من المنظمات المؤسَّسة بغرض الحد من كوارث البيئة الطبيعية، وجعلها جزءً لا يتجزأ من المجتمع الديمقراطي، والتعاون والتعاضد مع الحركات النسائية الفامينية والتحررية. يُعَد ترسيخ التعبئة والتوعية والتنظيم بصدد البيئة، أحد أهمِّ النشاطات الأولية للدمقرطة. إننا مضطرون لترتيب حملاتِ توعيةٍ مُرَكَّزة بصدد الديمقراطية والبيئة، مثلما كانتْ عليه الحال في وقت من الأوقات بالنسبة للتوعيات الطبقية والوطنية والقومية المُرَكَّزة. والعمليات الهادفة إلى رعاية حقوق الحيوانات، وحتى حماية الغابات، والعمل على نشر الغابات وتشجير كل الأماكن والأرجاء بسرعة؛ يجب أن تكون جزءً لا يستغنى عنه في العمليات المجتمعية. كل من يفتقد إلى الحساسية البيولوجية، تكون حساسيته ونباهته الاجتماعية معتلة وناقصة. أما الحساسية والنباهة الحقيقية، فتمرُّ من رؤية الأواصر الكثيبة بين كلتا الظاهرتين. يجب أنْ تشهد – وستشهد – أيامنا المستقبلية نضالات شاملة ومحاولات ستُبذَل بغرض تحويل طبيعتنا إلى غطاء أخضر معشب وزاهٍ، ترعى فيه الحيوانات؛ بعد أن غدت الآن صحراء مجدبة. يجب إفساح الفرصة لنشر الغابات في الطبيعة وتشجيرها. وأظنُّ أن شعار " تمر الوطنية المثلى من التشجير ونشر الغابات"، سيكون من أثمن الشعارات وأقدسها. وسيُدرَك بجلاء أكبر، أنَّ من لا يحب الحيوانات، ومن لا يرعاها أو يحميها، لن يقدر على حبِّ الناس أيضاً. وكلما أدركنا أنَّ النباتات والحيوانات هي أمانة اؤتُمِن عليها الإنسان، ستزداد حينئذ قيمة الإنسان مرتبة أخرى.

لن تنجو أية تعبئة اجتماعية مفتقرة للوعي الأيكولوجي، من الانهيار والتردي، مثلما لوحظ ذلك بكل سطوع في ظاهرة الاشتراكية المشيدة. الوعي الأيكولوجي هو وعي أيديولوجي أولي. وهو أشبه بالجسر الرابط بين حدود الفلسفة والآفاق الأخلاقية. والسياسة الهادفة إلى الخلاص من الأزمة العصرية الراهنة، لن تفضي إلى نظام اجتماعي صحيح، ما لم تكن سياسة أيكولوجية. ومثلما هي الحال في معضلة حرية المرأة، فمفهوم السلطة الأبوية الدولتية المهيمنة هو الذي لعب دوراً أساسياً في الحياة المشحونة بهذا الكم الهائل من الأخطاء والإمهال في حل المشاكل الأيكولوجية. كلما طورنا من الأيكولوجيا والفامينية، فستختل كافة توازنات نظام السلطة الأبوية الدولتية الحاكمة. لنْ يتسم أي نضال أو صراع حقيقي في سبيل الديمقراطية والاشتراكية بالتكامل، إلا لدى تطلعه إلى حرية المرأة وتحرر البيئة كمأرب أولي. وصراع نظام اجتماعي جديد متكامل على هذه الشاكلة، إنما هو أحد أشكال النفاذ من الفوضى الحالية بأسمى المعاني.

مقابل ذلك، يجب أن تُعزَّز السلوكيات المشاعية والديمقراطية التي سلكتها الشعوب بالأرجح طيلة التاريخ، بتحديثاتٍ نظرية وتكتيكية تخولها لتخطي الفوضى القائمة. فالمفاهيم "اليسارية" القديمة المُسفِرة عن الاشتراكية المشيدة، وكذلك الحركات "اليسارية الحديثة" و"الأيكولوجية" و"الفامينية" واجتماعات "بروتو آللاغرا" البارزة في الماضي القريب؛ تفتقر جميعها للكفاءات والقدرات التي تمكِّنها من استيعاب الفوضى وتخطيها. وبدون إنكار تلك الحركات، ثمة احتياج شديد لحلول ونقاشات مكثفة على الصعيد العالمي، بحيث تكون معنية بالتكتيكات المحلية الخاصة، وبالإرشادات النظرية العامة حول "المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي والتحرري الجنسوي". أولَ الشروط الأساسية الواجب تأمينها أثناء القيام بذلك، هو قول "الوداع" للمواقف والسلوكيات القديمة، النظرية منها والتكتيكية، والمتمحورة حول الحلول الهادفة إلى السلطة؛ والتي مفادها "إما هدم الدولة أو الاستيلاء عليها". فإنْ لم يتم التخلي عن الأساليب والذهنيات التحررية الإنمائية المتمحورة حول الدولة، لن يكون ثمة نجاة من خدمة النظام الرأسمالي – مثلما شوهد في الاشتراكية المشيدة – وبأسوأ الأشكال. هذا بالإضافة إلى أنه من المحال تلبية متطلبات الشعوب في الحرية الحقيقية والمساواة الحقيقية، عبر شنِّ الحروب أو استنهاض الجماهير بمناهج وشعارات تتخذ من الدولة والاشتراكية والقومية، ومن تحرير الوطن والدين أساساً لها، على خلفية المصطلحات القديمة التي يطغى عليها الجانب الأيديولوجي التجريدي والتعميمي؛ من قبيل: الوطن، القومية، الطبقة والدين. وحتى لو لُبِّيَت تلك المتطلبات، فإنها في نهاية المطاف لن تذهب أبعد من الانصهار في بوتقة النظام الرأسمالي أو تعزيزها إياه أكثر فأكثر.

إذا ما وضعنا نصب العين الإمكانيات الاقتصادية والعسكرية والعلمية العملاقة التي تنفرد بها الرأسمالية العالمية؛ فإنَّ كلَّ أنواع العمليات القانونية الديمقراطية، وكذلك الانتفاضات المنظمة، والحروب الأنصارية المعتمدة على الدفاع الذاتي؛ يمكن اعتبارها أساليب للرد على النظام القائم، في حال الإخلال بالتطبيق المتساوي والعادل للقوانين، وفي حال العمل بالنظام الاستبدادي.

لا استغناء عن التحرك وفق نظرية وممارسة عملية أخلاقيتين، كمبدأ وسلوك أولي مصيري، لدى إنشاء المجتمع الديمقراطي والأيكولوجي المستند إلى حرية المرأة؛ ذلك لأن المجتمع الرأسمالي تأسس بناءً على إنكار الأخلاق ودحضها.

لذا؛ فإنَّ التوجه نحو "حضارة الشعوب العالمية الديمقراطية" مقابل إمبراطورية الفوضى العالمية للرأسمالية، إنما يعني إبداء التقدير والتبجيل لتقاليد المقاومة الماضية، بقدر ما يؤدي إلى بناء عالمٍ مستقبلي ديمقراطي حر ومتساوٍ، أكثر من أي وقت مضى.