Kurdî  |  Tirkî

تجيش المرأة ضرورة من ضرورات الاشتراكية

reber artesa jinلم تنضم المرأة إلى أداة التحكم والبطش هذه إلا بنسبة تكاد تكون معدومة على مر التاريخ. والأمثلة الاستثنائية لا تغير من هذه القاعدة شيئاً. فعدا احتلال البعض منهن أمكنتهن في الجيش أثناء الحروب الصليبية أو حروب العهود الوسطى كحرم الباشا أو المَلكِ، لا نشاهد للمرأة وجوداً فيها، وهذا الشكل بحد ذاته ليس إلا مؤشراً على مدى التبعية والانتفاع المفروض على المرأة من قبل الرجل. نرى في العصور الحديثة احتلال المرأة مكانها في الثورات المعاصرة وفي جيوش العديد من الدول، لكن في الجبهات الخلفية وليس في الصفوف الأمامية أو بالمستويات العليا. فالمنطق الذكوري المتسلط، ينيط المرأة بأدوار في الجبهة الخلفية حينما يزجُّ بها في الجيش. في يومنا الحالي أيضاً، وحتى لو تواجدتْ المرأة في مستويات قيادية في العديد من البلدان الامبريالية، إلا أنها بعيدة كل البعد عن التحلي بوجهة نظر المرأة أو تبني هويتها، بل وحتى أنها تتقمص سمات الرجل وتبدي مشاركتها على هذا النحو. أي، لا مكان في الجيوش التي هي ثمرة المنطق الذكوري المهيمن، إلا للمرأة المسترجلة. ومنه لا يمكن الحديث عن وجود أية مساواة بين الجنسين في أوساط الجيوش المنتمية إلى جنس واحد لا غير.

 

من الواضح بكل جلاء أن توازن القوى سينقلب ضد المرأة في المجتمع الذي يحتكر فيه الرجل كل الأسلحة حتى ولو بمعناها الفظ. وعلى الصعيد الدولي أيضاً تشكل الجيوش مصدر القوة السياسية الرئيسية التي تتألف تماماً من الرجال.

تألُّف الجيوش من الرجال فقط دليل على مستوى تبعية المرأة وخضوعها عامة، وتعبير عن حاكمية الرجل في الجيش. ولا يحق لأحد إنكار ذلك والزعم بأنه لا علاقة للأمر بذلك. فتقزم شخصية المرأة لهذه الدرجة متعلق عن كثب بمفهوم الجيش الذكوري. كذلك الأمر بالنسبة للشعوب المسحوقة، إذ لا وجود لمصطلح "جيش المساواة"، حيث تغيب الجيوش تماماً عن الأماكن التي تسودها المساواة، وتظهر في أماكن التفاوت وانعدام المساواة. ويعتبر أحد الطرفين جيشاً ساحقاً، والآخر جيشاً للمسحوقين. وفي مكان تواجد جيش الرجل تتواجد المرأة المسحوقة والمضطهَدة بكل معنى الكلمة. والحياة بذاتها برهان قاطع على صحة ذلك. مادام الأمر كذلك، إذن يتحتم النظر إلى تجيش المرأة صحة ذلك. مادام الأمر كذلك، إذن يتحتم النظر إلى تجيش المرأة على أنه ضروة قيّمة وأساسية لسيادة المساواة. هذه هي الحقيقة العامة التي ارتكزتُ إليها في تجيش المرأة.

وهكذا عرّف الحل المرتقب لقضية المرأة؛ إذ آمن كل الإيمان بأن بلوغ المرأة حريتها سيكون عبر مساهمتها الفعالة في النضال، وإبداء مواقفها المعتمدة على قوتها الذاتية، والسمو بذاتها إلى مستوى التجيش كوسيلة مؤثرة في الحرب وتحقيق ثورة شاملة بمقتضى ذلك؛ ومنحها مكانها في صفوفه على هذا الأساس. هكذا خطت المرأة خطوة هامة في مسيرة التحرر بانتقالها من مجرد حركة نسائية عامة ضمن النضال إلى جيش نسائي، أي إلى تنظيم خاص بالمرأة.

لماذا تجيش المرأة؟ الجواب الساطع والشفاف لهذا السؤال هو "لأنه أداة أساسية للمساواة". لكن لم يقصد بذلك تجيشاً بالمعنى العسكري فحسب منذ البداية، حيث اعتمدنا باستمرار على الحقيقة القائلة بأنه لا يمكن إيجاد الحل السليم لمعضلة الحرية والمساواة المعقدة والعالقة، ما لم يتواجد تجيش المرأة، أي تنظيمها الخاص بها، في المجال الاقتصادي، وفي العديد من المؤسسات الاجتماعية والسياسية وحتى الثقافية. فتحرر جنس المرأة لن يتحقق إلا بترسيخ تنظيمها الأيديولوجي والسياسي والعسكري، أي تحقيق تجيشها، على أساس حقيقتها الجنسية وميزاتها الأصلية. من هنا تعد ظاهرة تجيش المرأة حقيقة صائبةً كخطوة تنظيمية أولى لفتح السبيل أمام حرية المرأة. تتسم هذه الخطوة بأهمية خاصة من حيث تحطيم القساوة والظلم في النظام الذكوري المهيمن ضمن حقيقة الجيش كأداة لتسيير الحرب التي هي تعبير مكثف عن السياسة؛ ومن حيث الكشف عن القوة الذاتية للمرأة وإبرازها إلى الوجود. يعبّر تجيش المرأة عن موقف مختلف ومميز حقاً إذا ما نظرنا إليه من زاوية المعايير الدولية القائمة حالياً، ومقاييس الرجل والمرأة الكلاسيكية الرثة والأعراف والأحكام الاجتماعية السائدة. والأهم من ذلك فإن معالجة حقيقة كهذه كموضوع للنقاش وبالتالي تطبيقها على أرض الواقع بما يوازي ذلك، يعتبر ظاهرة تتطلب بالفعل جسارة كبرى في اليوم الراهن. ذلك أن تجيش المرأة يعبر عن وجود المرأة التي قضت على الاستعمار والاضطهاد الجنسي، وقطعت أواصر التبعية العمياء للرجل، واستهدفت الحرية لذاتها بدلاً من طراز الحياة التقليدية. فالتحرر الاجتماعي لن يتحقق بتأسيس المنظمات السياسية فحسب، بل يستلزم التنظيمات العسكرية أيضاً في مسألة التحرر الجنسي؛ إذ من الضروري، بل والحتمي، تأسيس المنظمات المصبوغة بلون وطابع المرأة ضد الحقيقة الذكورية التي تترك بصماتها على السياسة والعسكرية مائة بالمائة.

أسس الشعب الكردي جيشه الأصلي "جيش التحرير الشعبي الكردستاني ARGK" ضد الاضطهاد والظلم الذي عاناه قروناً عديدةً. لم يكن القضاء على مواقف الرجل الحاكم والمرأة العبدة بالأمر السهل في واقع هذا الجيش. من هنا تتميز خطوة تأسيسنا تجيش المرأة - رغم هذه الحقيقة الموجودة– بأهمية تاريخية. حصلت العديد من الثورات البورجوازية أو البروليتارية في العالم، إلا أن المرأة – دعك من أن تكون سلطة فيها– لم تقدر حتى على مشاطرة الرجل فيها بالريادة. فكلها تحققت كجيوش رجالية وبهيمنة ذكورية. لم تقبل الثورة الكردستانية بهذا الجانب من التاريخ، ووجهت إليه انتقادات حادة، واستهدفت بالتالي الارتقاء بالمرأة إلى مكانة تخلق فيها التاريخ وتشارك في السلطة، باعتبارها تشكل منتصف المجتمع. إذاً، من المهم بمكان تداول تجيش المرأة بوجهة نظر علمية والتعبير عنه بحقائق تاريخية. فهذه الظاهرة في حركة التحرر الكردستانية، ومكانة المرأة ودورها في الحرب، اتخذت أبعاداً شاملة لا يمكن قياسها بأي ثورة أخرى، حيث أنها تعبر عن مستوى تنظيمي رفيع لا نصادفه في أية حركة تحررية نسائية أو كفاحات ثورية أخرى ظهرت في التاريخ.

من جانب آخر، فجذب المرأة الكردية المضطهدة بأضعاف تفوق آلاف المرات شقيقاتها الأخريات ضمن الواقع الشعبي المضطهد، إلى صفوف الحرب، وتأسيس تجيشها؛ إنما يدل على انطلاقة ثورية هامة تجاه كل المواقف والتقربات السائدة منذ أمد طويل. ذلك أن الجوهر الأصلي لتجيشها هو اجتماعي، وحتى ثقافي، ولا يمكن أن ينعكس على هذه الميادين ما لم تلعب المرأة دورها على الصعيدين العسكري والسياسي. وإلا فلا يمكن حصر معنى تجيش المرأة بمواقف عسكرية ضيقة أو بمجرد التواجد في صفوف الحرب الساخنة، بل يستلزم الإدراك أن التطور في النواحي الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية والثقافية هو الأرجح فيه، وكذلك مشاركتها في هذه الميادين، لأنه تنظيم الحرية. إذن، تجيش المرأة ليس مصطلحاً فظاً، بل على النقيض، هو انتقاد حاد لمنطق التجيش البارز منذ نشوئه وحتى حاضرنا، فالجيش ذو الطابع الرجولي يذكّرنا على الفور بمصطلحات لها علاقة وثيقة بالاستعمار والنهب، من قبيل الضغط، الشدة، التحكم، الاستيلاء. أما تجيش المرأة المتحقق في حركة التحرر الكردستانية فله دور بارز وحيوي في إضفاء لون المرأة وطابعها وجوهرها على الجيش الشعبي، وبالتالي إعاقة سيادة الخصائص الإقطاعية المتأتية من التكوينة الاجتماعية الكردية ضمن صفوف التجيش الشعبي، وإكسابه جوهراً ثورياً تقدمياً.

يستحيل لثورة ما أن تنهار إذا ما أنشئت على أساس المرأة كأكثر القطاعات اضطهاداً، ليسير فيها الشعب بمقتضى ذلك. لأجل هذا انهار الاتحاد السوفييتي، الذي غض النظر عن هذه الحقيقة فلم يضفِ الماهية الديمقراطية على علاقات المرأة والرجل، حتى قبل أن يتم مائة عام من عمره. يعد الاتحاد السوفييتي مثالاً صارخاً وجلياً على استحالة تطور الاشتراكية في طراز إداري لا يعترف بإرادة المرأة ولا تشترك فيه، أو في كيان اجتماعي يقبع فيه نصف البشرية تحت الاضطهاد والظلم. واستنبطنا دروساً عظمى من هذه التجربة التاريخية، تجيش المرأة كنشاط أساسي للحفاظ على الجوهر الاشتراكي لأيديولوجيتنا وتعظيمها وإغنائها. وبالتالي نُظرِ إلى تجيش المرأة على أنه ضرورة من ضرورات الاشتراكية.

في الحقيقة، يشير هذا النضال المسيّر بالإطاحة بالواقع التاريخي الذي طالما ساد لآلاف السنين. وبينما غدا تجيش المرأة انتقاداً وبديلاً عملياً لحقيقة الجيش الكلاسيكي الذي ما برح الرجل يراه عائداً له وخاصاً به لأنه الوسيلة التي أوجد بها ذاته على الأكثر؛ فالمعرض للاندثار والزوال هنا هو الطابع الذكوري المتسلط في الوقت ذاته. الجيش هو الواقعة التي أبرز فيها الرجل سماته إلى الوجود، نظمها بأكثر الأشكال صرامة، أسس فيها الشدة المدمرة للحياة، وكثف فيها قوته بأعتى الأشكال وأكثرها ضراوة. إنه البؤرة المولِّدة للقوة الذكورية المتسلطة التي تطبع الحياة بطابعها. ما دام الأمر كذلك، من المهم بمكان البدء بالتغيير المطلوب في الحياة أو النظام – أياً كان نوعه– من هذه النقطة. من الواضح تماماً أن فتح المجال لاحتلال المرأة مكانها في هذا الميدان الذي طالما وثقت فيه الهيمنة الذكورية (ونظام المجتمع الطبقي) بذاتها لأبعد الحدود، وسخرتها لسحق الشعوب والمرأة في أغلب الأحيان، ولجأت إليها بالأغلب للحد من الحريات وتهديدها وكبتها وقمعها؛ إنما يعني تأسيس جوهر المرأة وطابعها ولونها وإرادتها فيه بلا جدال، وزعزعة التفاوت والاضطهاد والإجحاف والظلم ودك دعائمه من الجذور، وإفساح المجال للسلام، لا للحرب. وإذا كان لا مفر من الحرب فلتكن حسب أصولها. إنه استرداد كل سُلبِ من المرأة والشعوب إليها. لو نظرنا من هذه الزاوية إلى المسألة فسنرى أن تجيش المرأة هو تماماً نشاط أيديولوجي يتضمن في جنباته إكساب تكوينة أيديولوجية وتنظيمية جديدة للمؤسسة التي رسخ فيها نظام المجتمع الطبقي ذو الهيمنة الذكورية المعتمدة على الحاكمية الأحادية الجانب ذاته وتحصن بها، وإلحاق الضربة القاضية به ونزع أسلحته منه في النقطة التي تمثل ذروة قوته ومنعته.

الهدف الآخر المرتقب من تجيش المرأة هو تطوير نهج الحرب الموازي للنهج الأيديولوجي المتبنى. إن النظر إلى مناضلية المرأة المتحققة على أنها القيمة الثورية الأسمى والأرقى، وأنها قوة التنظيم وسلاحه ضد انعكاسات المجتمع الطبقي من النواحي الأيديولوجية والحياتية والتنظيمية على صفوف النضال التحرري الوطني؛ ويُعتبر الضمانة لعرقلة تسربلها إلى نهج الحرب. من هنا يعد تجيش المرأة تدبيراً تنظيمياً وأيديولوجياً وعملياً متخذاً ضد نهج العصاة المتواطئين وميولهم ومساعيهم الانحرافية التي تُفرض على النهج الصائب للحرب.

في الحقيقة يعتبر تجيش المرأة نشاطاً يستهدف الإطاحة بالدعائم التاريخية لسمات الدولة القومية ونهجها وطابعها الغير مبالي بالجهود المبذولة لأجل السلام والديمقراطية، و النهج الذي رسمه المجتمع الطبقي والنظام الذكوري المهيمن وخلقه وجبله بدماء الشعوب ومجازر النساء لإطالة عمره. فبدون تحليل هذا النهج وانتقاده والتشهير به والقضاء عليه، يستحيل إحلال السلام والإخوة والمساواة والحرية بالتأكيد. إذن، يتحتم – لا محال- تنظيم القطاع الذي يستهدف تطوير هذه الظاهرات والمصطلحات المذكورة أخيراً وترسيخها في الحياة، والذي يهب كل ما لديه حتى حياته لأجل ذلك، والمتأثر أكثر من الجميع بوحشية وظلم وقساوة النظام الذكوري المهيمن، ويجتر آلام الحرب بأعمق درجاتها؛ وبالتالي حثه على الانخراط إلى النضال بكل همة ونشاط. وهذا ما تحقق مع تجيش المرأة.

لقد وثقتُ على الدوام باتسام المرأة بالجوهر والقوة والأصل الذي يخوّلها لجذب الرجل والميول الانحرافية والمفاهيم الخاطئة إلى نهج الحرب السليم. وبالتالي أوليتها مكانة تتسع وتتجذر باستمرار في نشاطات الجيش من خلال تنظيمها وتحليها بالروح المسؤولية العليا. لأجل ذلك شكّل نشاط تجيش المرأة – الذي يتميز بكونه تطور تاريخي هام سواء بالنسبة للمرأة أو حزبنا أو شعبنا– خطراً كبيراً يزعزع كيان النظام الامبريالي والنهج العصاتي التواطؤي ويهزه من الصميم بكل قوة، وكان رداً حاسماً عليهما من جهة، وأصبح منفثاً قوياً وحديثاً للحركة التحررية والشعب من خلال حملاته الثورية.

لقد وثقتُ على الدوام باتسام المرأة بالجوهر والقوة والأصل الذي يخوّلها لجذب الرجل والميول الانحرافية والمفاهيم الخاطئة إلى نهج الحرب السليم. وبالتالي أوليتها مكانة تتسع وتتجذر باستمرار في نشاطات الجيش من خلال تنظيمها وتحليها بالروح المسؤولية العليا. لأجل ذلك شكّل نشاط تجيش المرأة – الذي يتميز بكونه تطور تاريخي هام سواء بالنسبة للمرأة أو حزبنا أو شعبنا– خطراً كبيراً يزعزع كيان النظام الامبريالي والنهج العصاتي التواطؤي ويهزه من الصميم بكل قوة، وكان رداً حاسماً عليهما من جهة، وأصبح منفثاً قوياً وحديثاً للحركة التحررية والشعب من خلال حملاته الثورية.

النقطة الأخرى الهامة والتي برزت أثناء تطوير تجيش المرأة هي؛ تغيير المنطق القائل بأن المرأة ضعيفة جسدياً. وبالتالي يمكنها المساهمة في بعض الأنشطة بشكل محدود. قد يكون تجيش المرأة معجزة بالنسبة لمن يرفض أهمية وجود إرادة الإنسان في أراضي كردستان التي تتميز بظروفها الطبيعية القاسية والشاقة لأبعد الحدود، بسيادة نفوذ العديد من الدول المحطمة لإرادة الشعب. إلا أن تداولنا المرأة من خلال إرادتها الذاتية وقوتها الفكرية، وليس بجسدها فحسب، وإيماننا بأنه بتطوير هذه النواحي فيها ستقوى جسدياً أيضاً. وبذلك أخرجنا هذه المسألة من كونها معجزة لنُحوّلها إلى حقيقة مكرسة في الحياة. أدى حرمان المرأة من القوة، وتكبيل جسدها وأَسرِهِ، إلى تجذير العبودية فيها طيلة آلاف من السنين. وقد غدا هذا الضعف ذريعة لتعرضها للعديد من المواقف المستهترة والمستهزئة بها. مع العبور إلى المجتمع الطبقي استولى الرجل على كافة وسائل الإنتاج ليتحكم به، بينما راح من الطرف الآخر يصيغ الجانب الأيديولوجي المرتكز إلى الهيمنة الذكورية الأحادية الجانب، ومأسستها. كان الأسلوب الأساسي الذي اتبعه في ذلك هو استحقار جسد المرأة التي طالما خلقت الكثير من القيم المقدسة في التاريخ البشري، وإظهاره على أنه ضعيف هزيل وقبيح ويدعو للخجل منه. بالتالي ترتكز مشاعر الشعور بالخجل لتنشأ عليها المرأة منذ نعومة أضافرها، إلى فكرة كونها ناقصة جسدياً.

توجِّه أيديولوجية العائلة والمجتمع الكلاسيكية المرأة للتستر وارتداء الوشاح باعتبارها "امرأة ناقصة، مذنبة، عورة، حرام" من الناحية الجسدية، أي أن المرأة تُحرَم من حقها في التمتع بجسدها باستقلالية منذ صغر سنها. أي أنها تعرفت على العبودية وذاقت طعمها بادئ ذي بدء من الناحية الجسدية، ولأجل ذلك يتوجب أن تحطم أغلالها، من حيث التبعية الجسدية والهزل والضعف الجسدي، كأول حلقة في سلسلة العبودية. لا يمكن تداول المشكلة وكأنها مجرد اكتساب للقوة الفظة، أو المبارزة مع الرجل في هذا المضمار. فالصواب يكمن في أن جسد المرأة عائد لها وخاص بها، وإذا تحلت بالفكر الحر والإرادة الحرة سيتحول جسدها ذاك من منبع ضعف إلى مصدر قوة لامتناهية. يعد هذا أحد أهم المفاهيم التي يرتكز إليها تجيش المرأة المتحقق، أي البدء من ضعف المرأة وتبعيتها جسدياً لتحطيم عبوديتها وتأمين تحقيق الانطلاقة منها. وقد طُبِّق ذلك بنجاح عبر تجييش المرأة حيث تطورت لديها على الأقل فكرة "إذاً، أنا أيضاً يمكن أن أكون مسلحة، أستطيع التمتع بقوتي الذاتية للصمود والمسير، أستطيع التكلم، ويمكنني التحلي بالقوة". من هذا المنطلق يعد تجيش المرأة نشاطاً أيديولوجياً وتنظيمياً وسياسياً وثقافياً، وكذلك عسكرياً إذ يعلِّمها كيف تتعرف على الطبيعة وتبدع التكتيكات اللازمة وتحمي ذاتها وترد على الهجمات الاعتدائية التي تواجهها بحملات شاملة.

لا ريب في أن العسكرتارية واكتساب الخبرة والمهارة ليس بُعداً قائماً بحد ذاته ولا يحتل مرتبة الصدارة، إلا أنه يعد ساحة تكتسب أهميتها أكثر لتتسم المرأة مجدداً بالقوة التي تؤهلها لاسترداد وتطوير بدنها - الذي يعود لها ولكنها مغتربة عنه – وفكرها وردود فعلها. أسفر الخلل والتفاوت الكبير للقوى في عالم الهيمنة الذكورية المتعشعشة في الحياة، عن ادخار القوى والطاقات لصالح المرأة، وتمتعها بالقدرة على تحليل ظاهرة الشدة، التي طالما تعرضتْ لها طيلة حياتها، واختبار ذاتها في كيفية التغلب عليها.

خرجت المرأة – حتى في أوساط الحرب– من كونها قوة يمكن سحقها بسهولة كما كان في الماضي، وصارت قوة تنظيمية يهابها الجميع ويحسب لها الحساب أكثر من غيرها...