Kurdî  |  Tirkî

العسكرتارية هي النزعة المعادية للمجتمع

تُشكِّل مشاركة القوى الحضارية لأول مرة في مرحلة الغزو والاحتلال والاستيلاء والنهب على كردستان، تطوراً نوعياً، حيث تتحقق أسفار وحروب النهب والاستعباد للقوى الدولتية على المجتمعات الإثنية...

 

كالعشائر والقبائل والكلانات. فبينما كانت الصراعات في المراحل السابقة تنشب بغرض الدفاع عن الذات أو الحظي بالمياه الجارية والتحكم بها، واكتساب الأراضي الخصيبة؛ غدت في المرحلة الحضارية تهدف إلى الاستعباد والنهب قبل كل شيء، بحيث يكون القتل المخطط والعمد للإنسان، أو أَسْره، البؤرة النواة فيها. ويغلب الظن باستمرار التدفقات المتبقية من المراحل السابقة من الجهات الأربعة إلى المنطقة، ونقل الثقافة السائدة في المنطقة إلى الخارج. تسلط اللقى الأثرية (الآركولوجية) المتبقية من الهوريين الضوء على حقيقة الصراعات والحروب المندلعة في تلك الحقبة. وما الأنظمة الدفاعية وقصص البطولات، سوى براهين على وجود تلك الصراعات والحروب وسيادتها. حيث تتدفق المجموعات الغازية والاستيلائية على الدوام في أعوام 2000ق.م، عن طريق إيران وقفقاسيا والأناضول والساحة العربية. أما أسوار المدن السومرية، والقلاع الهورية؛ فبُنِيَت بغرض الحماية منها. في حين كان اللجوء إلى الجبال منطلِقاً من ملاءمة تلك الجبال الطبيعية الشاهقة للحماية والإيواء. هذه هي بالذات حقيقة كون "الجبال = مأوى تمركز الكيانات الإثنية الكردية". لقد سعى جميع أسلاف الكرد – تقريباً – إلى حماية أنفسهم في ذرى جبال كردستان القلاعية المتسلسلة، ليكون ذلك مهنة لهم يمتهنونها لآلاف السنين، تجاه شرور قوى الاحتلال والاستيلاء والنهب المتدفقة كالسيل الجارف عليهم. وعدم تطويرهم الزائد للحضارات المدينية في المناطق السهلية، يَمُتُّ بِصِلة وثيقة بهذه الحقيقة التاريخية.

 

 

 

وانطلاقاً من هذا أقول: لا الدول تزول من الوجود في يوم أو عشر سنين، ولا مواقف الشعوب الديمقراطية يمكن قطعها من جذورها أو تغريبها عن ترابها. وبما أن الحروب الدائمة تجلب الدمار الكبير للطرفين معاً، فالطريق الوسط يتمثل في رجحان كفة العيش المشترك، واللجوء إلى مبدأ الحرب حين تدعو الحاجة فقط. وفي المرحلة المقبلة، علينا التمكن من ضبط الحياة والصراع بموجب هذا المبدأ، في كافة مناطق كردستان. لا جدال في أن الدولة ستجنح في البداية إلى تطبيق مبدأ "إما الكل، وإلا فلا". لكن، بالإمكان إفراغ جميع الهجمات من محتواها بالمقاومة الديمقراطية المرتكزة إلى الدفاع عن الذات. وإيجاد سبل ذلك يجب أن يكون من أولويات مهام نضالنا الديمقراطي وحربنا في الدفاع عن الذات.

ولكي لا ندع مجالاً للفهم الغلط، علينا القيام مجدداً بتناول مقتضب لدور العنف في كردستان. فوضعية كردستان، كوطن ومجتمع، قد حُدِّدت بقانون "الفتح". ترجع تقاليد "الفتح" هذه إلى عهود السومريين، مستندة إلى دعامة المبدأ "ما تحكمتَ به هو لك"؛ والذي يرى في الهيمنة والعنف مقومة لكل الحقوق. فمن "فتح" في الأخير، يكون ذاك الوطن والشعب له هو. والديانة الإسلامية بالذات قد ربطت هذا المبدأ بأمر ديني مقدس. والقومية البورجوازية أيضاً تشبثت بأظافرها بمبدأ "الفتح". ولا يتبقى على الشعب سوى الخضوع لفتوحاتها، والامتثال لكل كلمة تنطقها. أما بالنسبة لمبادىء الثوريين، فتُعرِّف الحرب على نحو مغاير. فمشروعية الحروب الممهدة للاستعمار، وبالتالي لحق "الفتح"، ليست إلا خداعاً ورياء يعكس إرادة الظالمين المجحفين. لذا، فعدم الخنوع لها، بل مقاومتها والتحدي لها، يُعَد مهمة مقدسة. إذ لا يمكن تخطي السفالة والانحطاط الناجم عن الحرب، إلا بوضع الحد الفاصل للخنوع والذل. أي أن حرب المسحوقين مقدسة. وإذا ما تطلب الأمر، فهي وسيلة الخلاص الرئيسية الواجب اللجوء إليها، للخلاص من الانحطاط الذي أُوقِعوا فيه.

وحكام الدول في كردستان ينظرون إلى ذواتهم كـ"فاتحي" زمانهم لهذا الوطن. حيث يشكل حق الفتح دعامة أبديتهم ونفوذهم. لذا، فهم لا يعتبرون أنفسهم مسؤولين عن السفالة والرزالة التي يعانيها الشعب، أو حالته التي يكاد ينسى فيها وجوده، أو حتى عن افتقاره لكل أشكال المساواة والحرية. جلي أنه ثمة معضلة كبرى ترتكز في مضمونها إلى العنف. فالشعب العامل على هذه الأراضي على مر آلاف السنين، والذي نسميه بالكرد؛ لم يَرتَجِ أحداً بالقول: "تفضل وأقحمني في هذه الحال". ورغم إدراك سمات عصرنا كفاية، فكيف سيتم تجاوز هذا الوضع العصيب؟ لهذا طريقان "إما بالوفاق الديمقراطي، وإلا – في حال عدمه – بالعنف تجاه العنف. والعيش بشكل مغاير، لا يعني سوى التناقض كلياً مع ركب العصر. إنه يعني المجاعة، البطالة، الخَرَس، والتردي الثقافي. ولو أن الآلية الديمقراطية الكاملة سادت في الدول المحتوية لأجزاء كردستان، لربما ما بقي مكان لمبدأ العنف فيها.

سيمهد صب مواقف الشعوب ومسيراتها الديمقراطية في أقنية خاطئة تنتفع منها الدولة وتفرغها من محتواها، إلى فقدانها مضامينها. فممارسات يومنا الراهن، التي تحول الدولة إلى معبد للزهد والعبادة، عبر ألاعيب الانتخابات المتكررة كل أربع أو خمس سنوات؛ لا تمت بأي رابط للديمقراطية. وسواء كان هناك تعددية حزبية أم لم تكن، فما يتحقق في الانتخابات ليس إلا إضفاء المشروعية على الدولة، وتحويل إدارة الشعب عامة إلى خداع وزيف. ترتبط هذه الألعوبة بأواصر وثيقة بقوة الإعلام العظمى للنظام الرأسمالي المسمى اليوم بمنبع الديمقراطية. وهي ثمرة حملة مخادعة وأكذوبة أشبه بالقول أربعين مرة للعاقل بأنه مجنون، ليظن بدوره أنه كذلك حقاً.

 

من هنا، بالإمكان تعريف الانتفاضات والحروب الشعبية للمرحلة الجديدة، بأنها لا تكون هادفة إلى الدولة، بل إلى التفعيل التام للديمقراطية، شكلاً ومضموناً. هكذا يمكن رسم أدوارها الرئيسية. فالانفصال لن يجد معناه، إلا إنْ كان لا مناص منه. يستدعي خيار الشعوب على الدوام الانحياز للتكامل الديمقراطي. مهما فرض أصحابُ النعرات القوموية المفرطة الانفصالَ والعنف لدى كلا الطرفين، إلا إنه من الضروري أن يكون التكامل الديمقراطي وأقلُّ درجة من العنف هو خيار الشعوب في هذه الظروف. فبقدر ما يكون اللجوء إلى الانتفاضات والحروب قبل نضوج ظروفها وزمانها المناسبين أمراً خطيراً؛ فعدم اللجوء إليها مُحِطّ من القدر ومميت بنفس النسبة من الخطورة، لدى انعدام كافة الخيارات الأخرى.

تتعلق المسألة العملياتية الهامة الأخرى بالنسبة للديمقراطيات بكيفية التصرف في حالة الدفاع المشروع. يجد الدفاع المشروع معناه في ظروف الاحتلال فقط. فإذا ما سُلِّط على الشعب نظام محتل مستعمِر أو قمعي بشكل مختلف، فهذا معناه أنه ثمة احتلال. وكما أن قوة خارجية بمقدورها أن تكون منفردة في احتلالها، ففي بعض الأحايين قد تلجأ في ذلك إلى المتواطئين المحليين. هنا تبرز مهمة الدفاع عن الذات بهدف دحر الاحتلال وتأسيس الديمقراطية. لكن، بما أنه ثمة ظاهرة غريبة (خارجية) في الوسط، فسيكون من الأصح نعته بالدفاع المشروع، أو الدفاع الوطني الديمقراطي. وتكون في هذه الحالة تولدت شروط الحرب والانتفاضات مرة أخرى. لا تؤخذ الحرب التحررية الوطنية الكلاسيكية أساساً هنا. فمن الأنسب القول بأنها حرب الدفاع في سبيل التكامل الديمقراطي الشامل، كضرورة من ضرورات العصر الراهن، حتى وإن كان لها بُعدها الوطني. بالإمكان تطوير مثل هذا النوع من الانتفاضات والحروب في المدن والقرى على السواء، إما بشكل منفرد أو متزامن. وقد جُرِّبَت كافة الأشكال في العديد من البلدان الآسيوية والإفريقية والأمريكية. وعوضاً عن الهدف إلى الدولة، فسيكون من الأنسب الهدف إلى الديمقراطية في واقع الحل الراهن. ورغم وجود البُعد الوطني، إلا أن الأصح هو أن تحارب الشعوب بالتحالف مع بعضها البعض في سبيل تحقيق التكامل الديمقراطي تجاه المحتلين وأذيالهم وأعوانهم المتحركين معاً في القمة. من الضروري في هذه الحالة تطبيق الأشكال العملياتية السلمية الأخرى لآخر درجة. يجب أن يكون الأساس هنا هو تنظيم وتسيير الدفاع المشروع بغرض مؤازرة دمقرطة الشعب، وتطويرها وصونها. يجب عدم النسيان أنه ثمة معنيون بالحل الديمقراطي، حينما يكون الجناح الخفي للقتاليين القمعيين هو المستهدَف. إذ لا يمكن أن تكون مواجهة الدولة برمتها والوطن المعني بكامله استراتيجية صائبة. وعلى الصعيد التكتيكي أيضاً، ليس من الصحيح استهداف كل قوة أجنبية غريبة أو مؤسسات وأفراد القومية المحتلة بأجمعهم. الأساس هنا هو الحد من نطاق القوى المستهدَفة قدر الإمكان، للحصول على النتيجة المرجوة، وزيادة فرص الحل الديمقراطي للشعب، وصون وجوده وكيانه. قد تكون الوسيلة الأولية للخروج من الأزمة الحالية هي التكثيف والاستمرارية في حركة الدفاع المشروع، وتنظيمه إلى أن تقتنع القوى المتسببة في الاحتلال والعقم باستحالة استمرارها في الحرب الباطلة التي تشنها، وإلى أن تُجذَ‍ب إلى درب الحل الديمقراطي اللازم.

من غير الممكن غض الطرف عن مشكلة الشعوب في الدفاع الذاتي في الظروف الاعتيادية، عدا الحالات الطارئة. يتسم الأمن الذاتي في ظروف الأزمات بأهمية تضاهي ما للأمن العام منها. ليس بمقدور معايير الأمن الكلاسيكية للدولة تلبية احتياجات الأمن لدى الشعب من جهات متعددة. واستيلاء الطغمة الأوليغارشية والقوى الديكتاتورية على سلطة الدولة، يفند الضمان القانوني المحدود الموجود، ويقضي عليه. وتتقطع الدولة إلى أقسام وأجزاء. ويتكاثر في أقصاها عدد ضخم من أصحاب المافيا والعصابات التابعة للبؤر الدولتية. وتهُبّ نفحة الإرهاب التام على رؤوس الشعب. ويحصل الانفجار في الجرائم المرتكبة. وكلما جرت البحوثات فيها تُصان القوى الناطقة والمتحركة باسم الدولة، عوضاً عن سلوك الطرق القانونية. ويتحول القانون إلى حالة أشبه بالسلعة، وتغدو قوى أمن الدولة بذاتها مشكلة أمنية. مقابل مثل هذه المشاكل الأمنية المعاشة اليوم في العديد من البلدان في مراحل الأزمة، يغدو الدفاع عن الذات ضرورة لا مهرب منها؛ حيث يتطلب – بالتأكيد – تشكيل قوات الدفاع الذاتي.

من الأصح النظر إلى وحدات الدفاع الشعب كقوات تقوم على تلبية الحاجات الأمنية الأولية التي لم تحققها الدولة، أو بقيت ناقصة فيها، أو حتى تسببت بها؛ عوضاً عن النظر إليها كقوة مناهضة للدولة أو بديلة لها. قوات الدفاع الشعبية ليست جيشاً أنصارياً كلاسيكياً، ولا جيشاً تحررياً وطنياً. فأنصار التحرر الشعبيون، أو جيش التحرير الوطني، يهدفون بالأرجح إلى الدولة والسلطة، ويسعون لحل مشكلة السلطة. في حين لا يمكن أن تهدف وحدات الدفاع الشعبية بشكل خاص إلى الدولة والسلطة (عدا الضرورات الموضوعية). وظيفتها الأساسية – باختصار – هي العمل على حماية الحقوق القانونية والدستورية للشعب لدى تعرضها للانتهاك، أو عندما لا يقوم القضاء بوظائفه؛ وأن تكون الضمان الأولي لمساعي الدمقرطة، والريادة للمقاومة إزاء الاعتداءات، وحماية وجود الكيان الثقافي والبيئي للشعب.

بمقدور وحدات الدفاع الشعبية الانتظام على شكل وحدات مناسبة في المدن والجبال والضواحي. ويمكن وصفها بضرب من ميليشيات الدفاع عن الشعب. بإمكانها تأدية دورها في المهام التي تعجز قوى الأمن المحلية عن القيام بها. كما أن حلها الدائم للبنى الاجتماعية في ظروف الأزمة، يُزيد من حيوية الموضوع بالنسبة للأوساط المشوشة المتزايدة، والدفاع عن الذات وعن وجود الشعب، وإدارته المحلية. ولدى البحث عن الخروج من الأزمة عبر سبل الحل الديمقراطية، بالإمكان النفاذ من أوساط الانفلات الأمني المتزايد، عبر وحدات الدفاع الشعبية، وضمن تكامل والتحام رصين مع هذه المرحلة.

ومن جانب آخر يمكننا تعريف العسكرتارية بالنزعة الاحتكارية المُطَوَّرةِ بالنحو الأكثر عداءً للمجتمع. وبالمقدور الافتراض أنها تطورت حصيلة ميول "الرجل القوي الماكر" وعقله التحليلي المتأتي من تقاليد الصيد، ومساعيه لتأسيس أولِ سلطةٍ بهدف بسطِ القمع والاستغلال على الطبيعة الاجتماعية. وأكثر مَن تكفيه قدرتُه على ذلك، يَعمَلُ على بسطِ نفوذه أساساً على المجموعتَين الأساسيتَين: على مجموعةِ الصيد التي بجانبه، وعلى المرأة التي يَجهَد لِحَبسِها في المنزل. وبالمستطاع الملاحَظة أن العناصر الشامانية (الراهب المُصَغَّر) والجيرونتوقراطية (مجموعة الشيوخ) تُشارِك في المرحلة، كي تؤسِّسَ على الفور أول سلطةٍ هرميةٍ في العديد من المجتمعات وبشتى الأشكال. نُشاهِد أنه مع العبور نحو تاريخ المدنية، يقوم الرجل الماكر القوي وحاشيته بمأسسةِ ذاته كسلطةٍ رسمية بوصفه الجناح العسكري للدولة (أول احتكارٍ مُسَلَّطٍ على الاقتصاد استناداً إلى السطوِ على فائض الإنتاج). وسلالاتُ أور الأولى والثانية والثالثة البارزة بعد عهد الرهبان – الملوك مباشرةً في المجتمع السومري؛ إنما تَعكِسُ تَحَقُّقَ ذلك. ويمكن الحديث عن وقائع مشابهة في العديد من المجتمعات. وحتى في ملحمة كلكامش، بالإمكان متابعة كيفية انتزاع المُلوكية من تقاليد الإلهة إينانا (التقاليد الرهبانية للإلهة الأنثى)، وكيفية حبسِ الراهبة في المنازل (العامة منها والخاصة) بعد تهشيش قوتها خطوةً خطوة، وبكل علانية. إذا ما رَمَزنا إلى كلكامش على أنه القائد العسكري الأول في التاريخ، فسوف نستطيع تحليل تَكَوُّنِ التقاليد العسكرية (العسكرتارية) بنحوٍ أفضل. انحصرت أعمالهم في السفر بغرض اقتناصِ البشر العبيد اللازمين لأجل المدينة.

مما لا جدال عليه أن المجتمعات دافعت عن نفسها بكثافة تجاه التطور العسكرتاري للمدنية، وبمختلف الأشكال على مرِّ سياقِ المجتمع الطبيعي والتاريخ المُدَوَّن بأجمعه. والتقاليد المسماة بالدفاع الذاتي قد تمأسَسَت على شكلِ جيوشِ المقاومة والتصدي، الانتفاضة والتمرد، حرب الأنصار، وجيوشِ الدفاع الشعبي؛ وخاضت حروبَ الدفاع العظمى. لا يمكننا بتاتاً النظرَ بعينِ المساواة بين حروب الدفاع وحروب الاحتكار العسكرتاري. إذ ثمة فارق الماهية والمضمون بينهما. فإحداهما ذات طابع مناهِضٍ للمجتمع (استعماري، مُفسِد، ومُبيد)، والأخرى ذات طابع مجتمعي (صائنٌ للمجتمع، ومُحرِّرٌ لكفاءاته الأخلاقية والسياسية). وما الحضارة الديمقراطية سوى الحفاظ على المجتمع والدفاع عنه على أساس منهجية الدفاع الذاتي ضد العسكرتارية التابعة للمدنية المركزية.

 

وإذا ما سَقَطَ المجتمع ما في حالةٍ من العجز عن تشكيلِ مؤسساته الأخلاقية والسياسية اللازمة للاستمرار بكينونته، وعن تفعيلها وتوظيفها؛ فهذا يعني إقحامَه في مكبس القمع والاستغلال. وهذا الوضع هو "حالة حرب". من هنا، بالإمكان تعريف التاريخ على أنه "حالة الحرب" تجاه المجتمع. عندما لا تَقومُ الأخلاق والسياسة بوظيفتها، فهذا يعني أنه لم يَتَبَقَّ سوى شيءٌ واحد فقط باستطاعة المجتمع القيام به، ألا وهو الدفاع الذاتي. فحالة الحرب هي حالةُ غياب السلام. بالتالي، لا يمكن للسلام أن يَكتَسِبَ معناه، إلا بالتأسيس على الدفاع الذاتي. والسلامُ الخاوي من الدفاع الذاتي، تعبيرٌ عن الاستسلام والعبودية، لا غير. أما الألعوبة المسماةُ بالسلام الخالي من الدفاع الذاتي، بل وحتى الاستقرار الديمقراطي والوفاق، والتي تَفرضُها الليبراليةُ في راهننا على الشعوب والمجتمعات؛ فلا تُعَبِّرُ سوى عن حالةِ طمسِ وإخفاءِ حاكميةِ الطبقة البورجوازية المُسَيَّرَةِ بالقوةِ المُسَلَّحَةِ حتى حلقِها بنحوٍ أحادي الجانب. أي أنها ليست سوى التسيير المُقَنَّع لحالة الحرب. وتعريفُ السلام على هذه الشاكلة، إنما يَظهر أمامنا كمساعٍ عظمى لهيمنةِ رأس المال الأيديولوجية. لا يمكن لاستتباب السلام أن يكتَسِبَ معناه الحقيقي، إلا في حال صونِ وضمان طابع الدفاع الذاتي للمجتمعات، أي طابعها الأخلاقي والسياسي منها نصل الى صيغة المجتمع المحارب فالمجتمعُ المحارب: هو الشكلُ الذي يتحققُ فيه نهبُ القيمةِ الاجتماعيةِ بالعنفِ بدل الإقناع. فالحربُ هي أكثر أشكالِ الاغترابِ تَطَرُّفاً ووحشيةً داخل الحياةِ الاجتماعية. فهي تَجرَحُ الطبيعةَ الاجتماعيةَ من الصميمِ وتَجعلها معلولة. وفي هذه الحالة، تنتعشُ ردودُ أفعالِ المجتمعاتِ لحمايةِ ذاتِها، مُتَّخِذَةً شكلَ حربِ الدفاعِ الذاتيِّ لحمايةِ الوجودِ الاجتماعيِّ في وجهِ حربِ الاغترابِ المفروضة حينها تكون حرب صون الوجود الاجتماعي بشعار "ستنتصر كرامة الإنسانية!".

 

ولو عُدنا مرة أخرى إلى الموضوع الأُساسي، فمن دونِ استيعابِ العلاقاتِ بين المرأةِ والرجل، لا يُمكنُ إدراكُ أو حلُّ أيةِ مشكلةٍ اجتماعيةٍ بالدرجةِ الكافية. إذ تتخفى وراء القضايا الاجتماعيةِ إشكاليةُ العلاقاتِ بين الجنسَين. فلدى قيامِ مؤسسةِ الزواجِ – المفروضةِ على المرأةِ في المجتمعِ الهرميِّ ومجتمعِ المدنيةِ بمنوالٍ أحاديِّ الجانبِ – بإنشاءِ حاكميةِ الرجلِ المتعددةِ الجوانب، يَكُونُ بذلك قد رُصِفَت أرضيةُ مؤسسةِ عبوديةٍ وتبعيةٍ خاصّةٍ بالمجتمعِ البشريّ، وربما لَم يَشهدْها أيُّ كائنٍ حيٍّ آخر في الطبيعة. وكلُّ تمايُزٍ مجتمعيٍّ وطبقيٍّ وقوميٍّ بين الساحقِ والمسحوق، إنما يرتفعُ دوماً على هذه الأرضية. كما ويتسترُ هذا الواقعُ خلفَ جميعِ أشكالِ النزاعاتِ والمشاحناتِ والحروب. بينما ما حَجَبَه تاريخُ المدنيةِ ووارَته الحداثةُ الرأسماليةُ بالأكثر بوصفِها آخرَ مراحلِه، هو ذاك الواقعُ المعنيُّ بوضعِ عبوديةِ المرأةِ المبنيةِ على تلك الأرضية. فالمرأةُ التي طُوبِقَ بين اسمِها والشيطانِ في مجتمعِ المدنية، هي حسبَ سلوكِ الامتثالِ في سوسيولوجيا الحداثة، أُمُّ الطفلِ ذاتِ الشخصيةِ الأكثرَ طاعةً، والعاملةِ مجانياً في المنزل.

إدراكُ كافةِ أشكالِ ومضامينِ مستوى العبوديةِ التي شُرِّبَت حياةُ المرأةِ بها على مدى آلافِ السنينِ بِيَدِ الرجلِ وبعَقلِه الظالِمِ والاستغلاليّ، أمرٌ كان يتوجبُ اعتبارُه أولَ خطوةٍ على دربِ سوسيولوجيا الحقائق. ذلك أنّ معالِمَ العبوديةِ والاستغلالِ في هذا الحقلِ نموذجٌ بِدئيٌّ مُصَغُّرٌ عن كلِّ أشكالِ العبوديةِ والاستغلالِ الاجتماعيَّين. والعكسُ صحيح. أي أنّ كفاحَ الحريةِ والمساواةِ إزاء العبوديةِ والاستغلالِ المُضَمَّنَين في حياةِ المرأة، ومستوى المكاسبِ المُحرَزةِ في هذا الكفاح، يُشَكِّلُ أرضيةَ كفاحِ الحريةِ والمساواةِ تجاه العبوديةِ والاستغلالِ في جميعِ الميادين الاجتماعية. من هنا، فالعجزُ عن الفهمِ الكافي لمؤسساتِ وذهنياتِ العبوديةِ والاستغلال، والتي طُعِّمَت حياةُ المرأةِ ورُسِمَت ملامحُها بها، وعدمُ اتخاذِ الكفاحِ ضدّها أساساً؛ إنما يُعَدُّ العاملَ الأوليَّ الكامنَ وراء عدمِ التمكنِ من تطويرِ النضالِ بخُطىً سديدةٍ على دربِ الحريةِ والمساواة، ووراء العجزِ عن الانتهاءِ بذلك النضالِ إلى نصرٍ مؤزرٍ طيلةَ تاريخِ المدنيةِ عموماً والحداثةِ الرأسماليةِ خصوصاً. ألا يَقولون أن السَّمَكَ يَفسدُ من رأسِهَ! إذن، وعندما لا تَكُونُ الأرضيةُ قويمةً سليمة، فالبناءُ الذي سيُشادُ عليها لن يتخلصَ من الانهيارِ مع أيِّ ارتجاجٍ صغير. والواقعُ المُعاشُ تاريخياً وراهننا، مليءٌ بعددٍ لا حصر له من الأمثلةِ الدالّةِ على ذلك.

بناءً عليه، فالتركيزُ على ظاهرةِ المرأة، والانتهالُ من حياةِ المرأةِ كمصدرٍ أوليٍّ لمساعي الحريةِ والمساواةِ لدى الشروعِ بتحليلِ القضايا الاجتماعية؛ ينبغي أنْ يَكُونَ أسلوباً بحثياً رئيسياً من جهة، وأرضيةً للجهودِ العلميةِ والأخلاقيةِ والجماليةِ المبدئيةِ من الجهةِ الثانية. ذلك أنّ أسلوبَ البحثِ الذي تَغيبُ فيه حقيقةُ المرأة، وكفاحَ الحريةِ والمساواةِ الذي لا يتَّخِذُ من المرأةِ مِحوراً له؛ لن يَقدرا على بلوغِ الحقيقة، ولا على نيلِ الحريةِ وتوطيدِ المساواة. فالسلطة الرجولية المتمثلة في سلطةِ الدولةِ القومية، تحَوِّلُ كوكبَ الحياةِ إلى مقبرةٍ للحياة. ينبعُ الانحرافُ هنا في المجتمع، أي المجتمعِ الرجوليّ المهيمن. ذلك أنّ الهيمنةَ التي يُسَلِّطُها الرجلُ المسيطرُ على حياةِ المرأة، قد آلَ بكوكبنا إلى حالةٍ لا يُطاقُ العيشُ فيها. لا يجري بلوغُ هذه النتيجةِ بالتطورِ البيولوجيِّ الطبيعيّ، بل بالسلطةِ المهيمنةِ ذاتِ الحاكميةِ الرجولية. تأسيساً عليه، يتوجبُ إنقاذُ الحياةِ مع المرأةِ من ظاهرةِ السلطةِ المهيمنةِ ذاتِ الحاكميةِ الرجولية....