Kurdî  |  Tirkî

حقيقة العائلة والمرأة في نظام الزيقورات

ما قام به الرهبان السومريون لدى توجههم نحو بناء تمأسس أشبه بالدولة، يزوِّدنا بمعلومات، ربما تكون الأكثر واقعية من أجل فهم الدولة. حيث قاموا أولاً بتشييد معابدهم المسماة بالزيقورات، وسَمَوا بشأنها إلى السماء

، وقاموا بإعداد العبيد في الطبقة السفلى لتسخيرهم في خدمة الإله في الطبقة العليا. وتركوا المساحات الوسطى مفتوحة أمام ممثلي الطبقة الوسطى. والبيوت والأراضي المحيطة بالمعبد، لم تكن سوى ملحقاً به. كانوا يُوْدِعون تكنولوجيا الإنتاج في قسم من المعبد، ويقومون بحسابات الإنتاج المثمر بكل دقة وعناية. جلي أن هذا التكوين هو مجتمع جديد. بل وحتى أنه كاختصار لعناصر المجتمعين الهرمي والطبيعي السابقَين له. حيث يأخذون من هذين المجتمعين ومن المجتمع الجديد ما يمكن أن يفيدهم في تأسيسه، ويهمِّشون ما هو معيق لهم من الأجزاء. إنهم ناشطون وكأنهم يبنون مجتمعاً مقدساً. وبعد تكوين الوسيلة والأداة، يكون الجميع سعداء وممنونين في البداية، وكأنهم في عيد. لقد صُنِعَت عجلة ضخمة، وكأنهم بتدويرها في مياه دجلة والفرات يخلقون، ولأول مرة، أوفر النتاجات والمحاصيل في التاريخ. وهل ثمة عيدٌ أفخم من هذا لأجل الإنسانية؟ وإذا لم يكن هذا الإجراء هو القدسية العظمى، فما هو إذن؟

بينما يُخَصِّصُ الراهبُ الطابقَ العلويَّ مِن الزيقوراتِ للآلهةِ (التي يتناقص عددها طردياً)، يَقومُ بالمقابل بالتَّكَتُّمِ على هذا الطابق لأقصى الحدود، ويُوثِّقُ تعليماته في السجلاتِ بعدمِ صعودِ أحدٍ غيرَهُ (غير رئيس الرهبان) أَيَّاً كان. هذا التكتيكُ هامٌّ لأجلِ التطور الديني الجديد، حيث يُزيد به مِن تبجيلِ الناس وفضولِهِم، ويُوَطِّدُ مِن تَبَعِيتهم وانصياعهم. ويُثابِرُ رئيسُ الرهبان على نشرِ أقواله بين المجتمع بِكَونِهِ التقى الإلهَ وتَكَلَّمَ إليه في هذا الطابق. بالتالي، فمَن يَرغَبُ سماعَ كلامِ الرب، ما عليه سوى النظرُ إلى "كلامِ" رئيسِ الرهبان. ذلك أنه الناطقُ والمفوَّضُ الوحيدُ باسمِ الرب. وقد انتقلَ هذا التقليدُ كما هو عليه إلى الأديانِ الإبراهيمية أيضاً. فسيدنا موسى  كان قد تكلمَ مع الرب في جبلِ طورِ سيناء لينهلَ منه "الوصايا العشر". والاسمُ الآخر لسيدنا عيسى هو "الناطقُ باسم الرب". وهو أيضاً شَرَعَ بمحاولةِ الكلامِ مع الرب مراتٍ عديدةً، إلا أنّ الشيطانَ كان يُفرِغُ محاولاتِهِ تلك ويُفشِلها. ولكنه كان سينجح في مُرادِهِ في النهاية. أما الإسراءُ  والمعراجُ  لدى سيدنا محمد، فيشير إلى استمرارِ التقليدِ عينه في الإسلام أيضاً. وسيتم ترتيبُ وتنسيقُ الطابقِ العلوي على شكلِ مجمعِ الآلهة بشكلٍ أكثرَ عظمةً وإبهاراً في الديانة الإغريقية الرومانية. أما في الديانات الإبراهيمية، فسيُعاد تنسيقه وترتيبه مجدداً على شكلِ الكنيسد والكنيسة والجامع لتزدادَ عظمته وأُبَّهَتُه. إنَّ الدورَ المتضاعفَ للطبقةِ الدينية في صفوفِ المجتمع واضحٌ بجلاء.

رئيسُ الرهبان هو الشخصُ الناجحُ في تركيزِ فكرِهِ في طابقِ (بيتِ) الرب. فلكي يكونَ تنظيمُ المجتمعِ الجديد مؤثراً، مِنَ المهمِّ للغاية أنْ يسيرَ وفقَ الكلامِ الدائر في المحادثةِ بينه وبين الرب. ولأولِ مَرةٍ تُوضَعُ بعضُ التماثيل في هذا الطابقِ لتمثيلِ الرب. فهذا الابتكارُ يثيرُ فضولَ الإنسانِ أكثر، ولذلك وُجِدَت الحاجةُ لِمِثلِ هذه الأصنامِ والهياكلِ الرمزية للإلهِ الاصطلاحي. ذلك أنّ ذاكرةَ الإنسانِ في ذاك الزمانِ أَقرَبُ عموماً لِمِثلِ هذه التصوراتِ الذهنية المتجسدةِ في الهياكل، أكثرَ مِنَ التفكيرِ بذاك النمطِ من المصطلحات التجريدية. ومن العسيرِ جداً إدراك الفكرةِ الشفهية أو المجردة، أي، غيرِ المدعومةِ برمزٍ أو هيكل. فالجماعاتُ البشريةُ تَشهَدُ تأثيراً كاسحاً لِلُغةِ الإشارات (ضربٌ من ضروبِ لغةِ الرموز والمُجَسَّمات). بالتالي، مِن المفهومِ تماماً دوافعُ اللجوءِ لاصطلاحاتِ الإلهِ المُجَسَّدِ في الرموز والأصنام. في حين أنّ التماثيلَ الجمةَ للمرأةِ البدينة، والمتبقيةَ من عهدِ الإلهة – الأم، أكثرُ تواضعاً، وتَرمُزُ للمرأةِ – الأم المعطاءةِ والخيِّرةِ والمبدعة.

إذن، فكَوْنُ أولُ بيتٍ للرب في الطابق العلوي من الزيقورات على شكلِ مجمعِ الآلهة، الكنيسة، الكنيسد، الجامع، والجامعةِ أمرٌ منيرٌ وتربويٌّ لأبعدِ الحدود. فهذه السلسلةُ المتعاقبةُ من التشكيلاتِ التاريخيةِ المترابطةِ تعني ذاكرةَ المجتمعِ وهويتَهُ المقدستَين.

- الوظيفةُ الثانيةُ الهامة للراهبِ هي هندسةُ المجتمع. فهو يَقومُ بنفسه بالتخطيطِ للمجتمع الجديد وتشييده من جهة، وبتَدَبُّرِ شؤونه بنفسه من جهة ثانية. هذه المَهَمة تُسَيَّر في الطابق الثاني من الزيقورات، أي، في طابقِ الرهبان أنفسِهِم. وهكذا سيتكاثر الرهبانُ كمفوَّضين عن الرب، ليُشَكِّلوا طبقةً مقدَّسةً تحت إشرافِ رئيسِ الرهبان. بالتالي، سَيَرمُون لِتَشكِيلِ أولِ هرميةٍ (الإدارةِ المقدسة) مِن حفنةٍ إداريةٍ لِكُلِّ مدينة. ولهذا السببِ لَم نَقُلْ عبثاً بأنّ الرهبانَ هم الرسمُ التخطيطيُّ الأولُ للمُعَلِّمِ المُتَمَرِّس. فبينما يُشرِفُون على إنتاجِ القيمِ المادية عبر تشغيلِ رعاياهم في الطابق الأول (بدايةُ الاستعباد والرِّق)، يَنكَبُّون هُم بِمَعِيَّةِ الإلهِ على الانشغال بالعلم وتنظيمه. هكذا شَهِدَت غُرَفُ الرهبان في الطابقِ الأوسط وَضعَ اللَّبَناتِ الأساسيةِ لعلومِ الكتابة، الرياضيات، علمِ الفلك، الطب، الآداب، وبالطبع، علمِ اللاهوت أيضاً. إذن، فالطابقُ الأوسط هو في نفسِ الوقت أولُ مُسَوَّدَةٍ لمشروعِ المدرسة والجامعة. أي أنّ طابقَ الرب نموذجٌ مصغَّرٌ للمعابد، وطابقُ الرهبان نموذجٌ مُصَغَّرٌ للمدارس. لا جدالَ في أنّ إدارةَ شؤونِ مجتمعِ المدينة هي المؤثرُ الأوليُّ في تسييرِ هذه الفعاليات المتعاظمة. إذ، يتوجبُ الإدراك جيداً أنّ الفعالياتِ الماديةَ لم تُسَيَّر على نحوٍ تلقائيٍّ البتة، أي، لم تُمارَس من طرفِ "الكادحين الأحرار" حسبَ تعبيرِ ماركس. ذلك أنه لا وجودَ لكادحينَ أحرارٍ تابعين لأصحابِ المُلكيات، العامة منها والخاصة، في أيِّ مجتمعٍ طبقي، بما فيه مجتمعُ المرحلة الرأسمالية. فأيُّ إنسانٍ غير مُستَعبَدٍ بالقمع والشرعنة، لا يمكن أنْ يعملَ بحريةٍ في مُلكيةِ الآخرين!

يُؤَمِّنُ الرهبانُ النسبةَ العظمى من شؤونهم الإداريةِ عبر المشروعية. وأَفتَكُ فنونِهم هنا تكمن في النطقِ باسم الرب، واحتكارِ العلم. فتمثيلُ الرب، والاكتشافاتُ العلميةُ تَمنَحُهُم قدرةً إداريةً عظمى. ولا ننسى أنّ العلمَ قوة، حتى في الرأسمالية. ولنُذَكِّر أيضاً أنّ لَبَناتِ هذا العلمِ قد وُضِعَت في المجتمعِ النيوليتي، وبالأخص في عهدِ تل حلف (6000 – 4000 ق.م). ومساهماتُ إلهاتِ المرأة – الأم أمرٌ محدِّدٌ في هذه المرحلة. إذ يجب استيعابُ الدورِ التعليمي الأول والأصلِ للنساء – الأمهات في كافةِ المواضيع المعنيةِ باكتشافِ النباتات، تدجينِ الحيوان، صنعِ جِرَار الفخار، آلاتِ النسج، الطاحونة، بناءِ المنزل، وبيوتِ القداسة. فإصرارُ الإلهةِ الأم إنانا بعناد في معمعانِ نزاعها مع أنكي بأنها هي صاحبةُ الاكتشافاتِ العظمى (الماءات) المائةِ والأربعة (104)، وأنه سَرَقَها منها؛ إنما يشيرُ بكلِّ سطوعٍ إلى الحقيقةِ المستترة تحت قولها هذا. أيْ أنّ أغلبَ الاكتشافاتِ قد حصلَت على يدِ النساء – الأمهات، وأنّ الرجالَ الإداريين قد سرقوها منهن. وسنرى لاحقاً كيف أنّ مرحلةَ الحضارةِ المدينية قد تَمَّ تشييدُ صرحِها على هذا الأساس لِحَدٍّ ما.

لا يمكن استصغار مساهماتِ الرهبان في الاكتشافات. فَدَورُ اختراعِهِم للكتابةِ وعِلمِ الفلك والرياضياتِ والطب واللاهوتِ أمرٌ أكيدٌ في ترسيخِ الأسسِ العلمية للحضارة. وسيكون القولُ بأنّ للرهبانِ السومريين مكانةُ الصدارة في مرحلةِ البدءِ بالعلمِ أمراً في محله.

وكما هو معلوم، فقد سُمِّيَ ملوكُ سومر الأوائلُ بالرهبان – الملوك.  وحقيقتُهم بائنةٌ في هذه التسمية. فالرهبانُ – الملوك هم أوائلُ ملوكِ مجتمعِ المدينة. فلكلِّ مدينةٍ في البداية راهبٌ – ملك. والشرعيةُ المتحققة عبر العلمِ واللاهوتِ هي الدافعُ الأوليُّ وراءَ إدارتهم المَلَكية. ولكنّ هذا الأمرَ يُمَثِّلُ جانبَهم الضعيفَ في الوقتِ عينه. فَبَعدَ مرحلةٍ معينةٍ يتم الانتقالُ إلى مرحلةِ السلالاتِ والأُسَرِ الحاكمة. ويَعودُ الدورُ الأكبرُ في ذلك إلى الحاشيةِ العسكريةِ الملتفةِ حول "الرجلِ القوي" المتحالفِ مع زعيمِ السلالة. وهكذا، فسيتغَلَّب العنفُ على "لعبةِ الراهب" ويُفشِلها.

يتواجدُ طابقُ العاملين في الأسفل. علينا بالاستيعابِ الحَسَنِ لهؤلاءِ "العاملين في الطابقِ الأول" لأنهم – ربما – يُشَكِّلون الخطوةَ الأولى على دربِ ظهورِ أوائلِ العبيدِ والأقنان والعُمال. مِن أين، وكيف تَمَّ تأمينُهُم؟ ما دورُ الإرغامِ والإقناعِ في ذلك؟ مِن أيِّ جماعاتٍ أتَوا، ومقابلَ ماذا؟ هل ثمةَ نساءٌ بينهم؟ ما دورُ النساءِ والعائلة بينهم؟ إنّ الردَّ على هذه الأسئلةِ سيُحَقِّقُ استنارةً هامةً لدينا.

مِن المحتملِ أنْ تَكُونَ قوةُ إقناعِ الراهبِ في الصدارةِ في تشكيلِ أولى مجموعاتِ العمل. من الممكنِ الافتراض بأنهم قاموا في مُستَهَلِّ ترتيبِ وتنظيمِ الإنتاجِ بتغذيةِ العاملين بنسبةٍ أفضلَ مِن المكانِ الآتين منه من القُوتِ المتزايدِ مع بدءِ الري. فالمتعارضون وغير المتفاهمين مع قبائلهم حصيلةَ الاشتباكاتِ القبائلية الناشبةِ مع زيادةِ تعدادِ السكان والهجرات، ربما رَأَوا المعبدَ ملاذاً لخلاصِهِم. المؤثرُ الآخر، والذي ربما لعبَ دوراً أهمَّ بكثير، هو قدسيةُ العملِ في تشييدِ المعبدِ والمشاركةِ في إنتاجياته. فلطالما نصادفُ في الشرقِ الأوسطِ تقليدَ منحِ كل عائلةٍ وقبيلةٍ أولادَها لخدمةِ المعبد ضمنَ حدودٍ معينة. فَعَمَلُ السُّخرة الإرغاميُّ في المعبدِ يَشمَلُ فئةً عامةً، بل ويُمنَح مَرتَبَةَ الشرف. والعاملون في المعبد يَستَقبِلُهم المجتمعُ بالتشريفِ والعِزّة. إنه أَشْبَهُ بِالدِّيرِ المسيحي. كما له جوانبٌ مُشابِهةٌ للطرائقية أيضاً، فالعملُ في مُلكيةِ الشيخ شرفٌ وثواب.

تَلفُتُ الزقوراتُ الأنظارَ من حيثُ كونِها أولَ نموذجٍ شفافٍ للعمل الجماعي. فعلى سبيل المثال، ثمةَ بعضُ علماءِ الاجتماع (ماكس فيبر) يُقَيِّمونها كـ"الاشتراكية الفرعونية". فمِن الواضحِ جلياً أنها أولُ نموذجٍ للتطبيقِ الشيوعي. وتجمعاتُ الحِرَفِيين الأحرارِ أيضاً تَندَرِجُ في مجموعةِ العمل هذه. إنها أَشبَهُ بإنتاجِ المعملِ الجَمعِي. أما الفائضُ من الإنتاج، فَيَتُمُّ تخزينه. ساطعٌ تماماً أنه نظامٌ فاضل لمواجهةِ القحطِ والجَدب. فهذا النمطُ من الإجراءاتِ يُضاعِفُ مِن قوةِ الرهبان بشكلٍ خارقٍ تَعجَزُ عن الوصولِ إليه أيَّةُ عائلةٍ أو قبيلة. إنه تجمعٌ وقوةٌ تتفوقُ على كافةِ العوائل والقبائل. ولا يمكننا العثورُ على نموذجٍ أفضلَ من الزيقوراتِ من جهةِ كونِها تُشَكِّلُ رُّشَيْمَ وجَنِينَ المجتمع والدولةِ الجديدَين.

مكان هذا المجتمع العلوي هو المدينة. ومثلما هي الحال بالنسبة للعقلية الإنسانية، فقد أحدث هذا المكان – المسمى أيضاً بالمجتمع المديني أو المدني أو الحضاري – تغييرات ثورية عظمى مماثلة في البنية المادية للإنتاج. أو بالأحرى، إنه شكَّل ركيزة ثورة مضادة كبرى تجاه المجتمع الطبيعي. ما برحَت عقلية المدينة والدولة بعيدة عن التحليل. لقد طوَّرت نظام العقل، الكتابة، والعديد من الحِرَف والصناعات، ولكن بأي ثمن؟ لا تزال ضرورة التفكير الشمولي الجاد على الحُكم: "هل هي ثورة المدينة أم ثورة مضادة؟" تحافظ على أهميتها. يجب ألا نتناسى أن العديد من الانطلاقات البارزة في التاريخ، وفي مقدمتها الأديان التوحيدية الكبرى، صُعِّدت لمناهضة هذه التكوينة. إن المِكبَس الذي أَقحَمَت فيه الإنسان أشبه بجهنم، لا الجنة. بل والأصح أنها جلبت له حياة تندر فيها الجنة، وتكسحها جهنم. والأمثلة المستمرة حتى راهننا ذات ماهية إيضاحية كافية. يتكون مجتمع المدينة الدولة بمضمون يدعو إلى الحاكمية والمُلكية والقمع، من جميع النواحي. لذا، لم يكن سهلاً تعويد إنسان المجتمع الطبيعي على هذا النظام وأقلمته به. ويتمثل الشرطان الأوليان اللذان لا غنى لهذا النظام عنهما في: التحكم بعقلية أناس المدينة برمتهم بوساطة الآلهة المرعبة من جانب، وعرض المرأة كأداة مثيرة ومغرية (أو فحوش) من جانب آخر. فالإقناع بالعبودية وهضمها غير ممكن، سوى بهاتين المؤسستين الجذريتين، إلى جانب المراقبة اليومية بالطبع. وكلا المؤسستين تتسمان بالمزايا المخدِّرة كلياً، كالأفيون.

الرجل بذاته هو المسؤول الظالم عن المرأة المتصفة بأنها محتالة ومتردية وفاحشة وغيرها من الصفات. إذ ما من امرأة ترى حاجة للجوء إلى الحيل أو الفحوش، إن تُرِكَت وشأنها. فلا جسدها، ولا كيانها البيولوجي ملائمان لذلك. الرجل هو المبتكِر الحقيقي للحيل والدسائس والفحوش. كلنا نعرف أن أول بيت دعارة مشهور افتُتِح في نيبور، عاصمة السومريين، في أعوام 2500 ق.م، تحت اسم "مصاقدين". وكانت سلطة الرجل هي التي افتتحته. مع ذلك، فالرجل لا يخجل من التذكير دوماً بالفحوش، وكأنه من ابتكار المرأة. بل ولا يُنقِص من عصا الضرب وممارسة المجازر على المرأة ولعنها وسبّها بكل ما يخطر على البال من وسائل؛ بعد أن يرمي بأثره وبالجُرم الذي ابتكره هو على عاتق المرأة، ويطوِّر – بناءً عليه – مفهوم الشرف المزيف. النتيجة التي يمكننا استخلاصها من هذا التعريف الملحَق، هي ضرورة الوقوف أولاً في وجه الهجوم الأيديولوجي للرجل. على المرأة أن تتسلح بأيديولوجيتها التحررية المتجاوزة لنطاق الفامينية بمصدرها الرأسمالي؛ وأن تكافح تجاه الأيديولوجية الذكورية المهيمنة. علاوة على أنه يتوجب الإدراك جيداً لكيفية تعزيز قدراتها الذهنية الطبيعية والتحررية في الميدان الأيديولوجي أولاً، إزاء الذهنية الرجولية السلطوية الحاكمة. ولا ننسى هنا أن الاستسلام الأنثوي التقليدي ليس جسدياً، بل هو اجتماعي. وهو يأتي من العبودية المعششة فيها والمقبول بها. ما دام الأمر هكذا، فمن المهم التغلب على الأفكار والعواطف الاستسلامية في الميدان الأيديولوجي أولاً. مِن المهمِّ التساؤل: ما الذي حَلَّ بأوضاعِ المرأة والعائلةِ في نظامِ الزيقورات؟ كثيراً ما نَتَعَقَّبُ في المُؤَلًّفاتِ السومرية آثارَ مناهَضةِ ومعارَضةِ دينِ الإلهةِ – الأم لدينِ راهبِ الزيقورات. وتَتَبَدَّى هذه المعارَضةُ بأشكالٍ مختلفة. فالراهباتُ يُشَيِّدنَ المعابدَ بِثِقَلِ نفوذِهِن، بحيث يكادُ يكون لِكلِّ مدينةٍ إلهتها الأنثى التي تَصونُها وتحميها. وخيرُ مثالٍ على ذلك مغامراتُ إينانا، إلهةِ أوروك . فمدينةُ أوروك (لَربما أنّ اسمَ العراقِ اليوم يأتي مِن أوروك)، التي تُعتَبَرُ أولَ دولةٍ – مدنيةٍ سومريةٍ في التاريخ، مثالٌ يستحقُّ البحث. كما أنها مشهورةٌ بِكَونِها مدينةُ أولِ مَلكٍ رجل، ألا وهو گلگامش. ومن المحتملِ أنْ تكونَ أوروك مثالاً لأولِ مدينةٍ – دولة. ويَذكُرُ التاريخُ أنّ السنواتِ ما بين 3800 ق.م إلى 3000 ق.م تُعتَبَرُ عهدَ أوروك. وكونُ الإلهةِ إينانا مؤسِّستُها، فهذا يعكسُ مدى قِدَمِها ومدى دورِ المرأة – الأم الرئيسيِّ فيها. ونزاعُ أوروك تجاه أريدو (مدينةِ الإله أنكي، وربما تكون دولةَ الرهبان الأولى) نزاعٌ ملحميٌّ يَبرُزُ فيه المثالُ الملموسُ بقوةٍ لصراعِ المرأةِ والرجل متجسداً في شخصيتَي إينانا وأنكي. ولكنَّ أشكالَ الإلهةِ المرأة تتضاءلُ معَ الزمن، وكأنها تتعرضُ لهزيمةٍ نكراءَ في العهدِ البابلي، حيث تغدو المرأةُ عبدةً بقدرِ ما تصبحُ عاهراً رسمياً على الصعيدَين العام والخاص.

مِن المعلومِ أنّ النساءَ لَعِبنَ دورَهُنَّ كموضوعِ Nesne عشقٍ في قسمٍ من أقسامِ الزيقورات. بل إنّ تأديةَ دورِ موضوعِ Nesne العشق أمرٌ مشرِّفٌ لأجلِ فتياتِ صَفوَةِ العوائل وأنبلِها. حيث تُؤخذُ الفتياتُ المنتقَياتُ والمتميزاتُ إلى المعبد، ليكونَ منحُ المرأةِ ذاتَها مذهلاً في نظامِ الرهبان. وتَمُرُّ هذه الفتياتُ بجميعِ ضروبِ دروسِ الجمالياتِ في نظامِ سرايا الزيقوراتِ إلى أنْ تَتَمَرَّسها وتَحتَرِفَها في بعضِ الأنشطة (الفن والموسيقى). كما يُعرَضنَ على صَفوَةِ الرجالِ الآتينَ من المناطقِ المجاورةِ لِنَيلِ إعجابهم، حيث يُزَاوِجون بينهم في حالِ التفاهمِ والاتفاق. وبهذه الشاكلةِ يُزيدُ المعبد مِنْ وارداتِهِ ومِن تأثيرهِ أضعافاً مضاعفة. فالحظيُ بامرأةٍ من المعبدِ لا يَكُونُ إلا مِن نصيبِ رجالِ العوائل النبيلة. فضلاً عن أنّ تلك النساءَ يُجَسِّدنَ قوةَ تأثيرِ المعبدِ بين صفوفِ القبائل الجديدة، ويَربُطنَ أنفسَهن بمجتمعِ الدولةِ الجديد لأنهن قد تَلَقَّينَ تدريبَ المعبد. إنهن أَشبَهُ بالعملاءِ الأكثرِ إنتاجاً وعطاءً لمجتمعِ دولةِ الرهبان الجديد. وهو أسلوبٌ لا تبرَحُ الدولُ تَتَّبِعُهُ بشكلٍ مؤثر، وفي مقدمتها إسرائيل. وتحقيقُ جماعيةِ المرأةِ على هذا النحوِ يُعَدُّ نموذجاً أوَّلِيّاً لفنِّ "بيتِ الدعارة". وكلما زاد انحطاطُ المرأة وتهاويها، تحولَت مِن إلهةِ المعابد النبيلةِ الفاضلة، ومن أنثى العشقِ والهيامِ إلى أسوأِ "عاملةٍ" يائسةٍ بائسةٍ تَمنحُ نفسها في "بيتِ الدعارة". والمجتمعُ السومري صاحبُ الشرفِ، أو الذلِّ واللا شرف، بكونِهِ أولَ نموذجٍ في هذا المضمار...