Kurdî  |  Tirkî

أهمية حل القضية الكردية

ocelan reberلو أنّ جمهوريةَ تركيا الشابةَ آلَتْ بالقضيةِ الكرديةِ إلى الحلِّ الديمقراطيّ، لَكان مسارُ التاريخِ مختلفاً. إلا أنّ مشاريعَ التعميةِ قد رَسَمَتها عناصرُ الحداثةِ الرأسماليةِ تأسيساً على تعريضِ الكردِ للعاقبةِ نفسِها التي حلَّت بالأرمن.

والأجواءُ العالميةُ والوهنُ الأيديولوجيُّ والتنظيميُّ للكردِ قد جَعلَ أصحابَ ذلك المشروعِ يتجاسرون على ذلك.

 

حل القضية الكردية سيفتح الطريق أمام تدفق التاريخ بحرية أكبر

لقد كانوا واثقين من أنّ ما أُحرِزَ النجاحُ فيه بشأنِ الأرمنِ سوف يتكررُ على الكردِ أيضاً. فبورجوازيةُ وبيروقراطيةُ الطبقةِ الوسطى المترعرعةِ على خلفيةِ محوِ تاريخِ ما قبلَ الجمهوريةِ من ذاكرتِها، كان الكردُ بالنسبةِ إليها لا يَعنون شيئاً سوى أنهم موضوعٌ شيئيٌّ مطمورٌ في صفحاتِ التاريخِ منذ دهرٍ بعيد، وأنهم لَم يَعُودوا وجوداً قائماً، بل لا يتَعَدَّون كونَهم عناصراً مُفسِدةً رَعناء. وكان بالمقدورِ تسيير سياسةِ صهرٍ لا عدَّ لها ولا حصر بشأنِ الكرد، وتعريضهم للتصفيةِ الثقافيةِ بدلاً من التصفيةِ الجسديةِ التي شَهِدَها الأرمن. موضوعُ الحديثِ هنا كان جيلاً لا يُشبهُ أبداً القياديين الأتراكَ الذين عقدوا شراكاتٍ استراتيحيةً مع الزعماءِ الكردِ في كلِّ اللحظاتِ الحرجةِ من تاريخهمْ. ولَطالَما غذَّت الجمهوريةُ هذا الجيل. ذلك أنّ إنكارَ الكردِ كان بمثابةِ القانونِ الفولاذيِّ الصامتِ والخفيِّ من أجلِ التحولِ إلى رجلٍ ذي منصبٍ وشخصية. وكان ما مِن مرتبةٍ لا يُمكنُ الوصولُ إليها بناءً على التخلي عن الكردايتية. وما كان لهم احتلال مكانهم ضمن ردهاتِ كافةِ احتكاراتِ الحداثةِ إلا بناءً على ذلك.

مقابلَ نزعةِ الإنكارِ والتطهيرِ والإبادةِ الثقافيةِ التي كان يُعتَرَضُ عليها بأصواتٍ خافتةٍ سقيمةٍ إلى حينِ ظهورِPKK، فقد نُظِرَ دوماً إلى هذا الأخيرِ على أنه خطرٌ مُهَدِّدٌ وصاعق. ما كان يجبُ أنْ يَكُونَ كذلك، ولكنه حصل. وربعُ القرنٍ الأخيرُ الذي لا يُمكنُ وصفُه إلا بكلماتٍ من قبيلِ "الطارئ" و"المُرَوِّع"، كان قد بَرهَنَ كفايةً أنّ الطريقَ المولوجَ فيها لا تُشَكِّلُ فقط مصدرَ جريمةٍ تجاه الإنسانية، بل وهي طريقٌ تتسببُ بالخُسرانِ والإفسادِ المفرطَين للغاية مادياً ومعنوياً. ولا نصر لهذه الطريقِ بتاتاً. في حقيقةِ الأمر، تأسسَت الجمهوريةُ اعتماداً على التحالفِ القويمِ بين العناصرِ الديمقراطية. والكردُ أيضاً كانوا أعضاءً مؤسِّسين لهذا التحالف. إلا أنّ مشروعَ الحداثةِ الاحتكاريةِ الذي كان يُنَفَّذُ بِيَدِ الدولة، كان مُصِرّاً على محوِ الحليفَين الآخَرَين، أي الاشتراكيين والإسلاميين القوميين، ومسحِهم من صفحةِ النظامِ القائم. إذ جرى البحثُ الطائشُ عن مفهومِ الأمةِ النمطية، وعُمِلَ على تطبيقِه بجنون.

وعلى النقيضِ مما يُزعَم؛ فباني هذا المشروعِ لَم يَكُن مصطفى كمال، بل الكوادرُ الاتحاديون. فمثلما استثمروا عبد الحميد، هكذا حاولوا استثمارَ مصطفى كمال أيضاً بتكتيكاتٍ مشابهة. لذا، فالبحثُ ضمن الكوادرِ الاتحاديين عن مخططِ التطهيرِ الثقافيِّ بحقِّ الكرد، يُعَدُّ تشخيصاً هاماً على صعيدِ الحقيقة. وتحالفُ "التفاحة الحمراء"، الذي لا تزالُ الجبهةُ القومويةُ تَسيرُ عليه، هو ذو طابعٍ فاشيّ، وطُوِّرَ كأطروحةٍ مضادةٍ للتحالفِ الديمقراطيِّ الذي كان قائماً أثناء تأسيسِ الجمهورية. ذلك أنّ الانقلابَ وحُكمَ الطغمةِ كانا الأسلوبَين الأساسيَّين داخل أروقةِ الدولة. وكانوا قد عثروا على حامين وأوصياء جيدين لدى أمريكا ومن قَبلِها الإمبراطورية البريطانية. وكانوا جعلوا المجتمعَ يتقيأُ دماً في غضونِ العقودِ الستةِ الأخيرة، وذلك بالاستنادِ إلى شبكةِ غلاديو التابعةِ للناتو. ومحاكماتُ أرغانكون قد أَنزَلَت الضربةَ القاضيةَ – ولو رمزياً – على فرصةِ كينونتِهم كدولةٍ داخل الدولة. الوضعُ شبيهٌ بحالةِ تصفيةِ الآغويةِ الانكشاريةِ التي تواجدت في عهدِ السلطان محمود الثاني. حيث أنّ الانكشاريين، الذين لَم يُفيدوا في شيءٍ عدا الإطاحةِ بالمَلِكِ وإعدامِ الصدر الأعظم على التوالي، كان قد قُضِيَ عليهم تماماً بتصفيةٍ دمويةٍ عامَ 1826. ولَم يُفسَح المجالُ إلا بهذا المنوالِ أمام عهدِ المَلَكِيّة الدستورية والإصلاحِ الاجتماعيّ.

إنّ الاتحاديين الانكشاريين العصريين الذين يمتدُّ ماضيهم إلى مائةِ عامٍ بأقلِّ تقدير، لَم يَقتصروا على جرِّ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ نحو الدمارِ والانهيار، بل ولَم يتوانَوا أيضاً عن تحويلِ جمهوريةِ تركيا ذاتِ الشرعيةِ الديمقراطيةِ إلى حُكمٍ استبداديٍّ تعسفيٍّ في أقصر وقت. لكنّ الذهنيةَ والبُنى نفسَها، والتي لاذَت بحمايةِ الإمبرياليةِ البريطانيةِ والأمريكيةِ بدلاً من حمايةِ الإمبرياليةِ الألمانية، عجزَت هذه المرةُ عن الخروجِ منتصرةً من الحربِ التي شَنَّتها داخلَ أروقةِ الدولةِ خلال السنواتِ العشر الأخيرةِ باسمِ أرغانكون وبالطابعِ القومويّ، وذلك من خلالِ المؤامراتِ والدسائسِ والاستفزازاتِ التي يَندرُ مثيلُها. والسببُ واضح: فالحامي الرئيسيُّ لها، أي أمريكا، كانت قد تخلّت عن مؤازرتِها ودعمِها. في حين لَم تَلقَ بحوثُهم عن الدعمِ والمؤازرةِ في الصينِ وروسيا وإيران، ولا ألاعيبُ التظاهُرِ بالأوراسيةِ اهتماماً يُذكَر. أما تظاهُرُهم بالكمالية، فما كان سوى تطبيقاً على المستوى الكاريكاتوريّ. وعلى الرغمِ من افتقارِهم إلى القدرةِ الكافيةِ للمقاومةِ والتصدي، إلا أنه يجب عدم استصغارِ بقاياها وممثليها السياسيين على صعيدِ الذهنيةِ والبنيةِ البيروقراطية. فرغمَ عدمِ بسطِهم نفوذَهم وهيمنتَهم مجدداً ضمن الدولة، إلا إنهم قد يُلحِقون الضربةَ بالانفتاحاتِ الديمقراطيةِ في تركيا، ويُفرِغونَها من مضامينِها بإخراجِها من مسارِ الحلِّ لتذهبَ سُدى. ذلك أنّ خبرتَهم وقوتَهم تكفيهم لذلك.

لا يُمكنُ تخطي المستجداتِ والأزماتِ المُعاشةِ في الشرقِ الأوسطِ وتركيا وما أَسفَرَت عنه من قضايا وإشكاليات، إلا بالانفتاحاتِ الديمقراطيةِ الشاملة. وتركيا تمتلكُ الفرصةَ التي تُخَوِّلُها لتَكُونَ مثالاً نموذجياً في هذا المضمار، سواءً ذهنيّةً أم بُنيةً. موضوعُ الحديثِ هنا هو الظروفُ الشبيهةُ بتلك التي مهَّدَت السبيلَ أمام ولادةِ الجمهورية، بحيث أنها صالحةٌ هذه المرة من أجلِ تحقيقِ الجمهوريةِ لتحولِها الديمقراطيِّ وانفتاحاتِها الديمقراطية. هكذا يُثبِتُ التاريخُ مسارَه الحلزونيّ مرةً أخرى، ولكن بنحوٍ مُستَحدَث. هذا وبالإمكان قول ما يُشبه ذلك بخصوصِ الكردِ أيضاً. حيث أنه وجهاً لوجهٍ أمام لعبِ دورٍ آخَر من بين أدوارِهم التي أدَّوها في جميعِ تحالفاتِ بلادِ الأناضولِ – ميزوبوتاميا التاريخية. أي أنهم – هم أيضاً – لَم يَعودوا الكُردَ القُدَماء. بل جدَّدوا ونظَّموا أنفسَهم، ونَشِطون ميدانياً. كما وسيسعى التخلفُ الداخليُّ والتزمُّتُ والتآمرُ في كِلا المَيدانَين للاستمرارِ بأدوارِهم التاريخيةِ أيضاً.

أمريكا باعتبارِها قوةً مهيمنةً عالمية، تَعلمُ جيداً استحالةَ نجاحِها عبر شبكةِ غلاديو التابعةِ للناتو. إذ لَم يَبقَ أيُّ معنى لشبكة الغلاديو، بعد انهيارِ الحلفِ السوفييتيّ. وحصيلةَ الجهودِ الحثيثةِ للحُكّامِ الأتراك، قُبِلَ بإرضائِهم بالإبقاءِ على وجودِ شبكةِ الغلاديو في تركيا حتى شهرِ تشرين الثاني من عامِ 2007. وفي الحقيقة، فالسنواتُ الخمسُ والعشرون الأخيرةُ من تاريخِ PKK قد مَرَّت مليئةً بالاشتباكاتِ مع شبكةِ غلاديو التركيةِ المنضويةِ تحت شمسيةِ الناتو. البُعدُ الخطيرُ في الأمرِ يتجسدُ في أنه يتمُّ الاستيعابُ للتوِّ أنه تمّ المرورُ بنكبةٍ أرمنيةٍ ثانية. ومصالحُ أمريكا وإسرائيل والاتحادِ الأوروبيِّ بشأنِ الشرقِ الأوسطِ وكردستان كانت على تناقضٍ مع طرازِ شبكةِ غلاديو القديم. والوفاقُ الجديدُ المُبرَمُ مع مؤسساتِ الجمهوريةِ التركيةِ وحكومتِها، كان يستَندُ إلى أرضيةٍ مُضادةٍ لطرازِ غلاديو القديم، ويعتمدُ على تجاوُزِه. وهكذا كان يَضعفُ العائقُ الخارجيُّ المُعَيِّنُ المزروعُ على دربِ الانفتاحاتِ الديمقراطيةِ في تركيا. وكان الدعمُ الذي يتلقّاه الانقلابيون والمتآمِرون سيَقِلُّ عما كان ماضياً. ولكن، ينبغي عدم الإغفالِ أنهم سيُبقُون على أزلامِهم وحيثياتِهم في أهبةِ الاستعداد، لاستثمارِهم حينما تدعو الحاجة. فكيفما دارت المساعي أولاً لعرقلةِ الجمهوريةِ بحيثياتٍ مشابهةٍ في الماضي، ومِن ثمَّ سُخِّرَت مثلُ هذه البنى للاستفادةِ منها في كبحِ جماحِ نموِّها بعدَ تأسيسِها؛ فهناك احتمالاتٌ مشابهةٌ منتصبةٌ على دربِ الدمقرطةِ أيضاً. ولَئِنْ كان التاريخُ خزينةً نفيسةً لا مثيلَ لها لاستخلاصِ العِبَرِ منها بالأغلب كفرصةِ حريةٍ للحاضرِ الماثلِ أمامَه، فبالمستطاعِ الاستفادة منه إلى آخرِ درجة.

حملةُ KCK، التي أَطلَقَها PKK الذي مرَّ بالتحولِ الديمقراطيِّ والكردُ المُستَحدَثون والمستعدون لانفتاحاتِ الحضارةِ الديمقراطية، هي الوسيلةُ الأنسبُ للسلامِ المشرِّفِ والسياسةِ الديمقراطية، وليس للحرب. وماهيتُها الأساسيةُ هذه تعني أيضاً كونَها الضمانُ السليمُ من أجلِ تركيا ديمقراطية. والتحالفُ التاريخيُّ بين بلادِ الأناضولِ وميزوبوتاميا، إنما يَمرُّ في راهننا بمخاضاتِ عودةِ تحقيقِه كاتفاقٍ على شاكلةِ "تركيا ديمقراطية وكردستان حرة". يَكفي أنْ نُصغيَ ملياً للتاريخ، كي لا نتيحَ المجالَ أمام المُفسِدين والمُخَرِّبين الداخليين والخارجيين. فالتاريخُ بالنسبةِ إلى مُتقِني الإصغاءِ إليه، هو بوصلةُ الحقيقةِ التي لا تُخطِئ. أما الاعتمادُ على مجتمعِ وشعبِ الوطنِ الديمقراطيِّ والحر، فهو بالنسبةِ للنشطاءِ الماهرين منبعُ الإلهامِ والعزمِ الذي لا ينضب.

في حالِ تطبيقِ "نموذجِ الانفتاحِ الديمقراطيِّ وحلِّ القضيةِ الكردية"، القادرِ على أنْ يَكُونَ جواباً للوقائعِ التاريخيةِ في تركيا ولظروفِها الراهنةِ على السواء؛ فهو لن يبقى محدوداً بمعنى تدفقِ التاريخِ بحريةٍ أكبر بالنسبةِ لها، بل وسيُصبحُ سبيلَ تطورِ شعوبِ الشرقِ الأوسطِ أيضاً على دربِ الديمقراطيةِ والمساواةِ والحرية. وتطوُّرُ عناصرِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ في وجهِ الاستعمارِ والاحتلالِ المُطَبَّقين على ثقافةِ المنطقةِ بِيَدِ عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية؛ سوف يَكتَسبُ الإمكانياتِ والقدرةَ التي تُمَكِّنُه من التحولِ إلى نظامٍ ملائمٍ للوقائعِ التاريخيةِ في المنطقة. ولَربما سيتخلصُ التاريخُ لأولِ مرةٍ من تدوينِه كتاريخِ الاحتلالِ والاستعمارِ وتاريخِ شتى أنواعِ الغزوِ والفتح، ليُكتَبَ بوصفِه تاريخَ المجتمعِ المتشكلِ من حياةِ المواطنين الديمقراطيّين والمتساويين والأحرار.

  15 آب 2009

إمرالي