Kurdî  |  Tirkî

احتمالات الحل في القضية الكردية (2)

reber apoهذا الحلُّ الذي يرتكزُ إلى جنوبِ كردستان وكُردِها، إنما يَعكسُ أساساً طرازَ الحلِّ لدى القوى الغربيةِ المهيمنة. فنظراً لعدمِ وثوقِها من مدى نجاحِ الحلولِ الدولتيةِ القوميةِ الفاشيةِ المحليةِ على المدى الطويل، ولعدمِ مواءَمتِها على صعيدِ استقرارِها في المنطقة؛ فإنّ الحلَّ الدولتيَّ القوميَّ الفيدراليَّ يَغدو ضرورةً اضطرارية. وهكذا، سيؤدي دورَ الرافعةِ الأكثر متانةً اعتماداً على كُردِ الجنوب، سواءً في استقرارِها في بلدٍ ما، أم في إخضاعِ الدولِ القوميةِ وعناصرِ الحداثةِ الأخرى في المنطقةِ بذاتِها وتطويرِها وفق ذلك. فالدولةُ القوميةُ الكرديةُ المستقلةُ كلياً ليست مناسِبةً من هذه الناحية، ولا يتمُّ تفضيلُها لعجزِها عن أداءِ دورِ الرافعةِ نفسِها. وقد باشرَت عناصرُ الحداثةِ الرأسماليةِ الكرديةِ أيضاً بإطراءِ التحولِ على ذاتِها في وِجهةِ الحلِّ الفيدراليّ، سواءً بسببِ انكشافِ سياسةِ التواطؤِ التقليديةِ بما فيه الكفاية، أم بدافعٍ من كونِ تلك السياسةِ باتت قاصرةً عن تلبيةِ وتغطيةِ مصالحِها بالدرجةِ الوافية. هذا ويجب النظر إلى الدولةِ الفيدراليةِ الكرديةِ في شمالِ العراق (جنوب كردستان) على أنها تحولٌ بورجوازيٌّ للطبقةِ المتواطئةِ في كافةِ أرجاءِ كردستان، وليس تحولاً بورجوازياً منحصراً في تلك البقعةِ فقط. فجذورُه ضاربةٌ في القِدَم، ولَطالَما رُسِمَ الحلُّ في هذا المنحى هدفاً نهائياً في كلِّ العصياناتِ وداخلَ التنظيماتِ القوموية. وعلى الرغمِ من كلِّ هذا التبعثرِ والتجزؤِ فيما بينها، إلا أنه بالمستطاعِ تقييم الوضعِ الجديدِ لتلك القوى على أنه حداثةٌ رأسماليةٌ كردية.

 

2- حل الدولة القومية الفيدرالية الكردية

ونخصُّ بالذِّكرِ أنّ المقاومةَ التي أبداها PKK خلال العقودِ الثلاثةِ الأخيرة قد حَفَّزَت تلك القوى أيضاً على التعاضُدِ فيما بينها، ودَفَعَتها للبحثِ في الحلِّ الفيدراليّ. وعلى الرغمِ من تشرذُمِها، وتعددِ الرؤوسِ المتحكمةِ بها، ومعاناتِها من الوهنِ أيديولوجياً وسياسياً؛ إلا أنها ستُصِرُّ على نموذجِها في الحلِّ المتمحورِ حول الدويلةِ القوميةِ الفيدراليةِ الكردية. ومهما عارَضَت ذلك الدولُ القوميةُ المجاورةُ في المنطقة (تركيا، إيران، سوريا، بل وحتى الدولة القومية المركزية في العراق)؛ إلا أنه تَرجحُ كفةُ احتمالِ توطيدِها لوجودِها بدعمٍ ومؤازرةٍ من الهيمنةِ الرأسماليةِ العالمية. حيث أنّ الهيمنةَ العالميةَ ستَجِدُ أنّ هذا النموذجَ من الحلِّ هو الأنسبُ لمصالحِها، وينبغي تطبيقه في عمومِ الشرقِ الأوسطِ أيضاً. من هنا، فمصيرُ نموذجِ الحلِّ الفيدراليِّ متعلقٌ بمدى إدراكِ بورجوازيةِ وبيروقراطيةِ الدولةِ القوميةِ المسيطرةِ للهويةِ الكرديةِ بمنوالٍ صحيح، وبمدى إبدائِها التقديرَ والاحترامَ لهذه الهوية. إلا أنّ التجربةَ القائمةَ في العراقِ تشيرُ إلى أنه لم يتمّ وصولُ هذا المستوى بَعد. أما موقفُ الدولةِ القوميةِ العربيةِ السورية، فهي تَعتَبِرُ الكردَ خارجَ نطاقِ مجتمعِ الدولة. بل ولا تَجنحُ إلى قبولِهم حتى كمواطنين. في حين أنّ القومويةَ الشيعيةَ الصارمةَ في إيران غريبةٌ عن الظاهرةِ الكردية، وغيرُ صالحةٍ لصهرِ الكردِ في بوتقتِها. وإسنادُ إدارةِ الإقليمِ التقليديةِ للعناصرِ النموذجيةِ سيتطلبُ قدراً من الزمن. فالإدارةُ الحاليةُ بعيدةٌ عن الفيدرالية. هذا وربما يَكُونُ خلاصُ بورجوازيةِ وبيروقراطيةِ الطبقةِ الوسطى التركيةِ من ذهنيةِ الإنكارِ والصَّهرِ باكراً أكثر. ذلك أنّ تحالُفَ الغالبيةِ الكرديةِ مع الطبقةِ التركيةِ العليا في عهدِ الجمهوريةِ وفي كياناتِ الدولةِ الأسبق منها، قد يُمَهِّدُ السبيلَ أمامَ ثورةٍ ذهنية.

علماً أنّه ليسَ عسيراً استذكارُ شراكتِهم الاستراتيجيةِ القائمةِ أثناء تأسيسِ الجمهورية. وكلما استُوعِبَ التاريخُ المشتركُ بشكلٍ صحيح، كلما صارَ لا مفرَّ من إحرازِ التطورِ على دربِ الاعترافِ بالكردِ الذين في كنفِ الدولة. ذلك أنّ الأتراكَ بوصفِهم قوماً قد جَرَّبوا زيادةً عن اللزومِ في المراحلِ الحرجة، وعَلِموا أنّ غيابَ الكردِ سيصبحُ كارثةً استراتيجية. كما أنه لن تَكُونَ عسيرةً تجاربُ الحياةِ المشتركةِ في الأوضاعِ الاعتياديةِ أيضاً، وضمن حالةِ الاعترافِ والقَبولِ هذه؛ حتى وإنْ لَم تَكُن فيدراليةَ الطابع. وبمقدورِهم كمجتمع تقييم التداخلِ المتقدمِ في مستواه لصالحِ إرادةِ الحياةِ المشتركة. وفي حالِ فضحِ الأيديولوجيةِ القوموية، والاستفادةِ من الجذورِ التاريخيةِ الغائرةِ لمفهومِ الأمةِ والقومِ لصالحِ الديمقراطيةِ المحافِظة؛ فستَقومُ الطبقةُ الكرديةُ المتواطئةُ التقليديةُ بتفضيلِ هذا الطرف. والواقعُ المُعاشُ يَنحو هذا النحو. وبالرغمِ من إبقاءِ الحلِّ العسكريِّ على الأبوابِ دوماً، إلا أنه بالمقدورِ النقاشُ حول الفيدراليةِ ضمن إطارِ حريةِ الفكرِ والتعبيرِ بأقلِّ تقدير.

الآفاقُ الاجتماعيةُ لحلِّ القوةِ العسكريةِ ولحلِّ التواطؤِ الفيدراليِّ على السواءِ ضيقة. فكلٌّ منهما ليس حلاً يتناغمُ ومصالحَ الكردِ أو مصالحَ جميعِ المجتمعاتِ المجاورةِ لهم. فهذان النموذجان يَعكسان نماذجَ المساومةِ والوفاقِ فيما بين الطبقةِ العليا وعناصرِ الحداثةِ الرأسمالية، والتي تدنو من فكرةِ ضرورةِ الحلِّ أكثر، بالتناسبِ طردياً مع مدى خوفِها وتَحَسُّبِها من شرائحِ المجتمعِ السفلى. إنّ الحلَّ القائمَ لدى كافةِ الحركاتِ التحرريةِ الوطنيةِ ونقاباتِ الطبقةِ العاملة، هو حلُّ الطبقةِ الوسطى. والعجزُ عن حلِّ القضايا العالقةِ مرتبطٌ بهذه البنيةِ الطبقية. إذ، لكلِّ طبقةٍ آفاقُها في الحلّ. لذا، فدخولُ عناصرِ المجتمعِ الديمقراطيِّ التي تبقى خارجَ إطارِ عناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ جدولَ الأعمال، وأداؤُها دورَها التاريخيَّ شرطٌ لا بدَّ منه على دربِ الحلِّ الجذريِّ للقضايا الاجتماعية. إلا أنّ التاريخَ لا يُقَدِّمُ الآفاقَ أو الطاقةَ الكامنةَ الكافيةَ من أجلِ الحداثةِ الرأسماليةِ الكردية. بينما بحوثُ الحلِّ الدائرةُ على مسارِ الدولةِ القوميةِ غيرُ قادرةٍ على تجاوُزِ نطاقِ الفيدرالية. هذا ولا يُمكنُ للفيدراليةِ أنْ تَفيَ بمفردِها من أجلِ حلِّ القضايا الاجتماعيةِ الكرديةِ المتخبطةِ في معمعانِ الأزمةِ الحادة. إلا أنه بمقدورِها لعب دورٍ إيجابيٍّ في حلِّ الأمةِ الديمقراطية، متلافيةً بذلك المخاضاتِ المتولدةَ من نُقصانِها.

3- حلّ الأمة الديمقراطية:

الميزةُ المُعَيِّنةُ للحلِّ القوميِّ الديمقراطيّ، هي بحثُه عن الحلِّ خارجَ نطاقِ الدولة. والبحثُ خارجَها لا يعني هدمَ الدولةِ وتشييدَ أخرى جديدةٍ محلَّها، ولا يُفيدُ بالانصهارِ في بوتقةِ الدولةِ القائمةِ كامتدادٍ لها. فالمجتمعُ يبحثُ عن الحلِّ في دواخلِه، وفي إرادتِه الديمقراطية. وهو لا يتطلعُ إلى الدولة، إيجاباً كان أم سلباً. بَيدَ أنّ الحلَّ المألوفَ للقضايا الاجتماعيةِ وللشريحةِ العليا ومصالحِها الطبقيةِ مرتبطٌ بكينونةِ الدولةِ، سواء على مدارِ تاريخِ المدنياتِ جمعاء، أم في عهدِ الحداثةِ الرأسمالية. في حين، يستحيلُ أنْ يتواجدَ هكذا احتمالٌ للحلِّ بالنسبةِ للديموس (Demos) أي الشعب. أما حلُّ دولةِ البروليتاريا أو دولةِ الشعب، والذي طرحَته الاشتراكيةُ المشيدةُ باسمِ الكادحين والشعوب، فهو محضُ خداعٍ وضلال. وقد أكدَت الحياةُ مصداقيةَ هذه الحقيقة. ذلك أنّ الحروبَ الدائرةَ كرمى لأجلِ السلطةِ والدولة، انتهَت دوماً لصالحِ منافعِ حفنةٍ نخبويةٍ ولصالحِ رأسِ المال. من هنا، فعدمُ تطويرِ الحلولِ القوميةِ الديمقراطيةِ كثيراً على طولِ مسارِ التاريخ، إنما هو من ضروراتِ منافعِ النُّخَبِ السلطويةِ واحتكاراتِ رأسِ المال. والواقعُ نفسُه موضوعُ حديثٍ بشأنِ حلِّ القضايا الراهنةِ أيضاً.

عجزُ PKK، الذي ظلَّ متأثراً بالاشتراكيةِ المشيدةِ مدةً طويلةً من الزمن، عن تخطي براديغما الدولتيةِ القومية، هو العِلةُ الأوليةُ في انسدادِه. وهذا الوضعُ يُشبهُ سدَّ منافذِ جمهوريةِ تركيا أيضاً على يدِ عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية. ذلك أنّ الهدفَ كان تحويلَ جمهوريةِ تركيا إلى دولةٍ اشتراكية، وتشييدَ جمهوريةٍ اشتراكيةٍ فيكردستان، ومن ثمّ خَلْقَ اتحادٍ أمميٍّ بين كلتَيهما. لَم يَكُن هناك حيزٌ واسعٌ للديمقراطيةِ وللمجتمعِ الديمقراطيِّ في تلك البراديغما. ولَم يَكُن يُلاحَظُ التناقضُ الطبقيُّ الكائنُ في طبيعةِ السلطةِ والدولة. وكيفما كان كارل ماركس يؤمنُ بإمكانيةِ بناءِ مجتمعٍ رأسماليٍّ خالص، فقد كان يؤمنُ أيضاً بإمكانيةِ تشييدِ دولةٍ طبقيةٍ خالصة. في حين أنه لا الدولةُ الطبقيةُ الخالصةُ ممكنةٌ ظواهرياً، ولا المجتمعُ الرأسماليُّ الخالص. وبعضُ الانتقاداتِ الصائبةِ والمُحِقِّةِ التي وجَّهَها الفوضويون في هذا الشأن، عجزوا عن إبداءِ الصوابِ عينِه فيما يتعلقُ بهدفِ المجتمعِ القوميِّ الديمقراطيّ.

استيعابُ PKK للمجتمعِ القوميِّ الديمقراطيِّ سياقٌ مليءٌ بالمخاضات. وهو في الوقتِ نفسِه ولادةٌ من جديد، ورفضٌ لكينونةِ الحزبِ الكلاسيكيِّ المؤمنِ بالاشتراكيةِ المشيدة. وهو تراجُعٌ عن مِحوَرِ التطلعِ إلى الدولة. وهو يتصدرُ الأحزابَ الشبيهةَ التي مرّت بالتحولِ في هذا الاتجاه.

لا يُطرَحُ الحلُّ القوميُّ الديمقراطيُّ كحلٍّ محتَمَلٍ خاصٍّ بكردستانِ وبالشعبِ الكرديِّ فحسب. بل يُعرَضُ كحلٍّ كونيٍّ من أجلِ كافةِ المجتمعاتِ تتقدمُها مجتمعاتُ الشرقِ الأوسط. أما السقفُ السياسيُّ الجامعُ للحلِّ القوميِّ الديمقراطيّ، فهو الكونفدراليةُ الديمقراطيةُ للمجتمعِ المدنيّ، والتي هي ليست بدولة. فالكونفدراليةُ الديمقراطيةُ لا تتطابقُ ولا تتكافأُ مع فيدراليةِ الدولةِ أو كونفدراليتِها اللتَين تُعَدّان ظاهرتَين مختلفتَين.

الوحداتُ Birim الكوموناليةُ (المشاعية) هي النموذجُ الاقتصاديُّ والاجتماعيُّ للحلِّ القوميِّ الديمقراطيّ. فوَحَداتُ المجتمعِ الأيكولوجيِّ والاجتماعيِّ والاقتصاديِّ لا تَبغي الربح. بل ترتيبُ الاحتياجاتِ الأوليةِ هو الأساس. وحتى لو تواجدَت السوق، فستَكونُ تحت الرقابةِ الأخلاقيةِ للمجتمع، وستُحَجَّمُ النزعةُ الاحتكاريةُ المُسَلَّطةُ عليها. ذلك أنّ القِيَمَ الأخلاقيةَ والسياسيةَ داخلَ المجتمعِ تتقدمُ القانونَ منزلةً. أي أنّ أسسَ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ تتمتعُ بالأولويةِ على مجتمعِ القانون. ومعاييرُ الديمقراطيةِ المباشرةِ هي الساريةُ في دراسةِ الشؤونِ والمشاكلِ الاجتماعية. ذلك أنّ الديمقراطيةَ المباشرةَ تتماشى مع الوعيِ العلميِّ المعاصِر. وحريةُ المجتمعِ والفردِ تتحققُ بعيشِ الوعيِ العلميِّ والفنِّ والجمالياتِ وفنِّ السياسةِ بشكلٍ متداخل. ومقياسُ الفردِ الحرِّ مرتبطٌ بمستوى الحريةِ داخلَ الوحداتِ الكوموناليةِ التي يحتلُّ مكانَه فيها. ذلك أنّ الانقطاعَ عن المجتمعِ لا يعني الحرية.

وإلى جانبِ هذه الخصائصِ العامة، بمقدورِنا إعادة ترتيبِ بعضِ المبادئِ الأساسيةِ لحلِّ الأمةِ الديمقراطية:

أ) الأمة الديمقراطية:

وتُعَبِّرُ عن حالةِ الأمةِ في المجتمعِ الديمقراطيِّ الذي لا يستندُ إلى لغةٍ أو أثنيةٍ أو طبقةٍ معينة، ولا يرتكزُ إلى الدولة، بل هو متعددُ اللغاتِ ومتنوعُ الأثنيات، ولا يتيحُ المجالَ للتمايزِ الطبقيِّ أو لامتيازِ الدولة، بل يعتمدُ على الأفرادِ الأحرارِ والمتساوين. فالأمةُ الديمقراطيةُ تتكونُ من المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطية. وهي تعمَلُ أساساً ببراديغما الأمةِ المرنةِ المتألفةِ من الهوياتِ الثقافيةِ المنفتحةِ الأطراف.

ب) الوطن المشترك (الوطن الديمقراطيّ):

ويُعَبِّرُ عن مجموعِ الأوطانِ التي تتمُّ مشاطرتُها بحريةٍ ومساواة، بحيث لا يُقصي شخصٌ شخصاً آخر، ولا تُقصي مجموعةٌ مجموعةً أخرى.

ج) الجمهورية الديمقراطية:

وتُعَبِّرُ عن انفتاحِ الدولةِ على المجتمعِ الديمقراطيِّ والفردِ الديمقراطيّ. فتنظيمُ الدولةِ ظاهرةٌ مختلفةٌ عن التنظيمِ الديمقراطيِّ للفرد. بالتالي، فهي تتَّخِذُ من احترامِ كلٍّ منهما شرعيةَ الآخرِ أساساً لها.

ح) الدستور الديمقراطيّ:

وهو الدستورُ المُعَدُّ بتوافقٍ اجتماعيٍّ يعملُ أساساً بحمايةِ المواطنِ الديمقراطيِّ والجماعاتِ الديمقراطيةِ في وجهِ الدولةِ القومية.

خ) التحام الحقوقِ والحريات الفردية والجماعية:

كيفما أنّ المجتمعَ المتكونَ من الأفرادِ أمرٌ مختلفٌ عن إجماليِّ أو مجموعِ أولئك الأفراد، فالحقوقُ الفرديةُ والجماعيةُ أيضاً تُعَبِّران عن وجهَين مختلفَين للمجتمعِ نفسِه، رغمَ أَوجُهِ الاختلافِ بينهما. فمثلما ما مِن ميداليةٍ بوجهٍ واحد، كذا لا وجودَ لمجتمعٍ ذي حقوقٍ جماعيةٍ فقط، ولا وجودَ لأفرادٍ ذوي حقوقٍ فرديةٍ فحسب.

ق) الحريةُ الأيديولوجية والاستقلالُ الأيديولوجيّ:

محالٌ تطبيقُ حلِّ الأمةِ الديمقراطية، من دونِ تخطّي الهيمنةِ الأيديولوجيةِ الوضعيةِ للحداثةِ الرأسماليةِ والعبوديةِ الليبراليةِ المُعادُ إنشاؤُها في هيئةِ الفردية. والوعيُ الذاتيُّ بخصوصِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ للذات، إنما هو شرطُ وعيِ الحلّ القوميِّ الديمقراطيّ.

ك) التاريخانية والحاضرية:

الوقائعُ الاجتماعيةُ وقائعٌ تاريخية. فالوقائعُ المُعاشةُ في التاريخِ تُعاشُ أيضاً في الحاضرِ وفيما هو يوميٌّ راهن، مع فارقٍ بسيطٍ جداً. ومن دونِ عقدِ الأواصرِ بين التاريخِ والحاضرِ بمنوالٍ صحيح، لا يُمكنُ تخطّي الفرديةِ المُجَرَّدةِ من التاريخِ في الحداثةِ الرأسمالية، ولا تجاوُز ذهنيةِ المجتمعِ النمطيةِ واللحظيةِ والحاضرية. من هنا، فالاستيعابُ السليمُ للتاريحِ والحاضر، شرطٌ ضروريٌّ من أجلِ حلِّ الأمةِ الديمقراطية.

ل) الأخلاق والضمير:

مستحيلُ البلوغُ بأيةِ قضيةٍ اجتماعيةٍ إلى حلٍّ صائبٍ وقويم، ما لَم يُلجَأْ إلى الأخلاقِ والضمير. وحلولُ الحداثةِ في القوةِ والقانونِ بمفردِها، لن تُثمرَ عن نتيجةٍ أبعد من طمسِ القضايا وتشويهِها. إنّ التقمصَ العاطفيَّ والشعورَ بالآخر، والذي ينبعُ من الأخلاقِ والضمير، شرطٌ أوليٌّ في حلِّ الأمةِ الديمقراطية.

م) الدفاعُ الذاتيُّ في الديمقراطيات:

كيفما أنه لا وجود لكيانٍ بلا دفاعٍ ذاتيّ، كذا فالمجتمعاتُ الديمقراطية التي تُعتَبَرُ الكيانَ الأرقى في الطبيعة، لن تتحققَ ولن تستمرَّ بوجودِها من دونِ دفاعٍ ذاتيّ. لذا، يجب تلبية متطلباتِ مبدأِ الدفاعِ الذاتيِّ بالتأكيد، في الحلولِ القوميةِ الديمقراطية.

هذه المواقفُ المبدئية، التي ينبغي تطويرها أكثر، تُؤَمِّنُ تعرُّفَنا على حلٍّ الأمةِ الديمقراطيةِ عن كثب. هذه المبادئُ التي يَضَعُها الاتحادُ الأوروبيُّ أيضاً في جدولِ أعمالِه دوماً بنحوٍ طبيعيٍّ وتدريجيّ، هي حقاً بمثابةِ العلاجِ الشافي، سواءً بالنسبةِ للقضايا الاجتماعيةِ في الشرقِ الأوسطِ عموماً، أم من أجلِ القضيةِ الاجتماعيةِ الكرديةِ بالأكثر. والحلُّ الديمقراطيُّ، الذي سيُصاغُ ويُطَبَّقُ في كردستان على أرضيةِ هذه المبادئِ وعلى مسارِ تعريفِ الحياةِ القوميةِ الديمقراطية، يتيمزُ بأهميةٍ تاريخية.

ولوجُ تركيا سياقَ الدمقرطة، والحلُّ الديمقراطيُّ في القضيةِ الكردية، هما بمثابةِ وجهَي الميدالية. حيث لا وجهَ من دونِ الآخر. سيَكونُ الأمرُ منيراً أكثر، فيما لو حاوَلنا إسقاطَ أبعادِ الحلِّ على تركيا بنحوٍ عينيٍّ أكثر. قبل كلِّ شيء، لا يمكن غضّ النظرِعن الموقفِ المبدئيِّ المذكورِ والمُكَرَّرِ أعلاه باقتضاب. ذلك أنّ الحلولَ المجردةَ من المبدأِ والنظام، لن تَكُونَ مفهومة، ولن تُسفِرَ عن نتيجةٍ أبعد من كونِها مُداواةً بالتضميدِ اليوميِّ المؤقت. إنّ الحلَّ الذي يُعتَقَدُ به، هو حلٌّ محتمَلٌ يُدافَعُ عن تطبيقِه وعيشِه على مدارِ هذا السياقِ البنيويِّ برمته، سواءً تبعثَرَ النظامُ الرأسماليُّ الغربيُّ المهيمنُ أم استمر.

الخاصيةُ الأولى: إذاً؛ يتمُّ هنا اقتراحُ حلٍّ يَدومُ طيلةَ سياقِ المدنيةِ الغربية، بل وقابلٍ لتجاوُزِها.

الخاصيةُ الثانية: إنه يَعترفُ بوجودِ المجتمعِ القوميِّ الديمقراطيّ، وبالتالي بشرعيتِه وقدرتِه على الحلّ؛ أياً كانت الكياناتُ البُنيويةُ والمؤسساتيةُ لعناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخلَ جمهوريةِ تركيا، وأياً كانت الاحتكاريةُ الأيديولوجيةُ الكائنةُ فيما بينها. عناصرُ الحلِّ الديمقراطيِّ المطروحِ هنا، لا تَقترحُ القضاءَ بالثورةِ على عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية (الدولتية القومية، الرأسمالية، والصناعوية)، ولا تَقبَلُ أيضاً بالإبادةِ والصهرِ على يدِ سياسةِ القوةِ العسكريةِ التي تَتَّبِعُها تلك العناصر. هذان الكيانان والوجودان الأوليان، اللذان يعترفان بشرعيةِ بعضِهما بعضاً، يَقتَرحان ويعمَلان أساساً بالحياةِ المشتركة والتنافُسِ الخالي من النزاعِ والتصادم.

الخاصيةُ الثالثة: إنه يَطرحُ تأسيساً على الخاصيتَين السابقتَين فكرةَ استحالةِ الاستغناءِ عن مؤسسةِ السياسةِ الديمقراطية. ذلك أنّ السياسةَ الديمقراطيةَ تُشَكِّلُ أرضيةَ الحلِّ لكافةِ القضايا التي ستَظهرُ للوسط، أو تلك الموجودة أصلاً. هذا وتُدرَجُ المفاوَضاتُ والدبلوماسياتُ الديمقراطيةُ أيضاً في لائحةِ السياسةِ الديمقراطية، التي يَقتضي تفعيلُها وتنشيطُها إزالةَ كلِّ العراقيلِ الموجودة. فحضورُ حريةِ الفكرِ الشاملة، والأحزابِ والنقاباتِ والتعاونياتِ ذاتِ البنيةِ الديمقراطيةِ وشتى أشكالِ المجتمعِ المدنيّ؛ أمرٌ غيرُ ممكنٍ إلا بتذليلِ العراقيلِ المنتصبة. أما تخفيضُ مستوى حاجزِ العشرة في المائة 10% في نظامِ الانتخاباتِ بنسبةٍ كبيرة، أو إزالتُه كلياً؛ فهو بمنزلةِ الضرورةِ التي لا غنى عنها.

الخاصيةُ الرابعة: ينبغي تطوير الأنظمةِ التي تُلبي ضروراتِ حقِّ الدفاعِ الذاتيِّ بشأنِ كِلا الوجودَين والكيانَين. في الحقيقة، كنا قد حاولنا صياغةَ تعريفٍ شاملٍ أكثر لجميعِ هذه الخاصياتِ في فصلِ "بعض المصطلحات والنظريات والمبادئ" من خريطة الطريق أو تقريرِنا هذا. موضوعُ الحديثِ هنا هو مجردُ عرضِ إمكانياتِ إحياءِ ذلك في الواقعِ العمليِّ على شكلِ نموذج.