Kurdî  |  Tirkî

احتمالاتُ الحلِّ في القضية الكردية

القائد آبو

reber apo4استقرارُ هيمنةِ الحداثةِ الرأسماليةِ في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ اعتباراً من بدايةِ القرنِ التاسعِ عشر، قد أَوصَلَ القضايا الاجتماعيةَ واحتمالاتِ حلولِها إلى مستوى جديد. حيث أنّ القضايا الخاصةَ بالعصورِ الأولى والوسطى، وسُبُلَ حلِّها قد تَكَوَّنَت مجدَّداً، ولكن على يدِ عناصر جديدةٍ ومع تغييرٍ في المركز؛ ودَخَلَت ثانيةً أجندةَ التاريخِ من قِبَلِ المدنياتِ الغربيةِ المهيمنة. حيث أنّ قضيةَ الشرقِ الأوسطِ عموماً المُسَمّاةَ بقضيةِ الشرق، والتي بإمكاننا نعتها مضموناً بسياقِ تَمَزُّقِ وتشتُّتِ الإمبراطوريةِ العثمانية، قد باتت حديثَ الساعة، ودخلَت جدولَ الأعمالِ في كلِّ مجتمعٍ وشعبٍ وأمةٍ بخصائص مختلفةٍ إلى جانبِ خصائصِها المتشابهة. هكذا بدأَت القضايا تُعاشُ بكثافةٍ متزايدةٍ طردياً، سواءً على أساسِ الأقوامِ يتصدرُهم العربُ والعجمُ والأتراكُ والكردُ والأرمنُ والرومُ والسريانيون واليهود، أو على أساسِ الأديانِ والمذاهبِ يتصدرُها الإسلامُ والمسيحيةُ والموسويةُ والعلمانية، علاوةً على أرضيةِ المجالاتِ الطبقيةِ والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ والأيديولوجيةِ والعسكرية. وبإضفاءِ المضامين والأشكالِ الجديدةِ على القضايا القديمة، أصبَحَت – أو جُعِلَت – المنطقةُ تعاني من حالةِ أزماتٍ ونزاعاتٍ وحروبٍ مستمرة. موضوعُ الحديثِ هنا كان التفوقَ الجذريَّ للمدنيةِ الغربية. وكلما نَضَجَ هذا التفوقُ واستتب، كلما صار لا مفرَّ من تكاثُفِ القضايا وازديادِ عملياتِ البحثِ عن حلولٍ لها داخلَ كلِّ بلدٍ وأمةٍ ومجتمع.

 

لا يتمخضُ التاريخُ عن القضايا فحسب؛ بل إنّ المراحلَ والأماكنَ التي تُعاشُ فيها المشاكل، إنما تَحملُ بين طياتِها أيضاً احتمالاتِ الحلِّ في كلِّ زمان. المهمُّ هنا هو التعريفُ الواقعيُّ والمعقولُ للمصادرِ الأوليةِ للقضايا الموجودة، ولسُبُلِ حلِّها المحتمَلةِ بناءً على الظروفِ الزمانيةِ والمكانيةِ القائمة، والانتقالُ بها إلى التطبيقِ على أرضِ الواقع. والمُداولاتُ الكافيةُ والتنويراتُ الوافيةُ اللازمةُ من أجلِ ذلك، إنما تتسمُ بأهميةٍ حياتية. وإلا، فقد تتحولُ المداولاتُ والمساعي المبذولةُ من أجلِ الحلِّ إلى عِراكٍ عقيمٍ في حالِ العكس. وقد حَصَلت – أو فُرِضَت – المعاناةُ من نوعٍ يَدنو نوعاً ما إلى العِراكِ الأعمى والعقيمِ في واقعِ الشرقِ الأوسطِ الملموسِ في غضونِ القرنَين الأخيرَين المنصرمَين اللذَين مَرَّا تحت كنفِ هيمنةِ الحداثةِ الرأسمالية. ولَم يبقَ فردٌ أو شريحةٌ اجتماعيةٌ إلا وعَلِقَ بشبكةِ الصيد، حصيلةَ تطبيقِ مختلفِ الأساليب، بدءاً من سياساتِ "فرقْ – تَسُدْ" عموماً، وصولاً إلى التكتيكاتِ اليوميةِ الهادفةِ إلى نشرِ الهيمنةِ في كافةِ المجالاتِ والحقول.

أرضُ كردستان والمجتمعُ الكرديُّ أيضاً يتصدران الأوطانَ والمجتمعاتِ التي تأثرَت بالأكثر سلبياً من هيمنةِ الحداثةِ الرأسمالية، وتَمَزَّقَت وتجزَّأَت، وغرقَت في معمعانِ القضايا والإباداتِ والتمردات. ومثلما مرَّ الكردُ وأسلافُهم بلداً ومجتمعاً بسياقاتٍ شبيهةٍ خلالَ العصورِ الأولى والوسطى أيضاً، فبالإضافةِ إلى القمعِ والاستغلالِ اللذَين عانَوه في عهدِ الحداثةِ الرأسمالية، بدؤوا يَشهدون لأولِ مرةٍ سياقاً، تعرَّضَ فيه وجودُهم للخطرِ والهلاكِ بنحوٍ جادٍّ ومنهجيّ. فالمرحلةُ المولوجُ فيها كانت عهداً خطيراً للغاية، نظراً لبدءِ تسييرِ عملياتِ التطهيرِ والإبادةِ الثقافيةِ والجسديةِ مِراراً وتكراراً خلالها. بالتوازي مع تصاعُدِ وتعاظُمِ قضيةِ الكردِ وكردستان ضمن هذا الإطارِ العام، فإنّ احتمالاتِ الحلِّ التي حملَتها بين ثناياها في كلِّ وقتٍ قد أحرزَت التطورَ ومرت بالتحولِ أيضاً.

بالمقدورِ تقييم التطوراتِ والتحولاتِ الجاريةِ وفق ثلاثةِ أشكالٍ رئيسية:

  حل الإبادة القومية لدى هيمنةِ الحداثةِ الرأسمالية:

 طرازُ الحلِّ هذا هو النموذجُ الأكثر تطرفاً، والذي يعتمدُ على العنفِ في متروبولاتِ ومستعمَراتِ النظامِ الرأسماليّ. ونظراً لأنّ احتكاريةَ العناصرِ الثلاثةِ الأساسيةِ للحداثةِ الرأسمالية، أي الدولة القومية والرأسمالية والصناعوية، تُكَوِّنُ نموذجَ المجتمعِ التَنميطيِّ المتجانسِ في بنيةِ كلِّ مجتمعٍ قوميٍّ تتغلغلُ فيه؛ فهي ترى الحاجةَ مِراراً وتكراراً إلى اللجوءِ إلى سياساتِ الإنكارِ والإبادة. وتتخذُ هذه السياسةُ أو شكلُ الحكمِ والتوجيهِ أشكالاً مختلفةً تتغيرُ وفق مستوى مقاومةِ الظاهرةِ الاجتماعيةِ التي تواجهُها. فقد تبلغُ حِدّةُ العنفِ درجةَ الإباداتِ العِرقية، في حالِ رامَت إلى القضاءِ على الكيانِ الاجتماعيِّ الذي تواجِهُه، أو إلى صهرِه في بوتقةِ عناصرِ حداثتِها الرأسمالية. وأحياناً يُستَبعَدُ المجتمعُ المُستَهدَفُ من وطنِه إلى أراضٍ محاصَرةٍ ومناطقِ منفى تتسيرُ فيها عمليةُ الصهر. فما الجَرُّ من القرى والأريافِ إلى المدن، سوى شكلٌ آخَر من أشكالِ العنف. في حين أنّ المُجَمَّعاتِ السكنيةَ القَسريةَ والسجونَ والمجازرَ الجماعيةَ ممارساتٌ يتركزُ فيها العنفُ أكثر. وتجزيءُ الوطنُ الأمُّ أيضاً شكلٌ مختلفٌ من أشكالِ العنف، يُطَبَّقُ بُغيةَ التوجيهِ بسهولةٍ أكبر. كما أنّ ممارساتِ الصهرِ تندرجُ في لائحةِ العنفِ أيضاً، إرغاميةً كانت أم مَدعومةً بظروفٍ ملائمة. هذا وتُعَدُّ حملاتُ الاعتقالِ والبطالةُ وتَدَنّي الظروفِ الصحيةِ والأشغالُ الشاقةُ وكافةُ أنواعِ الحظرِ، أشكالاً قائمةً في الأجَندةِ من أشكالِ العنفِ الممنهجِ والنظاميّ. وإذا كانت الجماعةُ أو المجتمعُ المُستَهدَفُ لا يزالُ صامداً رغمَ كلِّ ذلك، وإذا كان لا بدَّ من القضاءِ عليه وتسويةِ أمرِه؛ فيُتَمَّمُ هذا المسارُ بالإبادة الجسديةِ والثقافيةِ معاً.

شَهِدَ الكردُ وكردستان في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ كافةَ أشكالِ العنفِ المذكورةِ في مختلفِ الظروفِ الزمانيةِ والمكانية، وذلك على يدِ عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية، ومن قِبَلِ حُكّامِها وإداراتِها الاحتكارية، وبالأخصِّ من قِبَلِ الدولِ القومية. إنّ عَزوَ هذه الممارساتِ إلى الحُكّامِ الأتراكِ والعَربِ والعجمِ ودُوَلِهم القوميةِ فحسب، يُعتَبَرُ تناوُلاً ناقصاً. ذلك أنّه، ومن دونِ دخولِ هيمنةِ المركزِ الرأسماليِّ المِحوَرِيِّ في الأجندة، ما مِن إدارةٍ استبداديةٍ أو دولةٍ قوميةٍ تَمتَلكُ القدرةَ على تطبيقِ عنفِ الإبادةِ القوميّةِ بمفردِها. حيث لا تستطيعُ إبداءَ استطاعتِها بهذا الشأنِ حتى لو شاءت، ما لَم يَسمَحْ النظامُ بذلك؛ وفي حينِ أَبدَتها، فلن تَكُونَ راسخةً مستَتِبّة. فمنذُ مطلعِ القرنِ التاسعِ عشر حتى عامِ 1945، كانت الإمبراطوريةُ البريطانيةُ طرفٌ منحازٌ في كافةِ الممارساتِ الاستعماريةِ الخاصةِ بالدولِ القوميةِ المحليةِ (التركية، الإيرانية، والعربية)، والتي طبَّقَتها على الكردِ وكردستان من حروبِ الإبادةِ القوميةِ إلى المجازرِ الجماعيةِ إلى التجزئةِ والتقسيم. أي، ما كان بالإمكان رسمُ إطارِ الوضعِ القائمِ بشأنِ الكردِ وكردستان أو تطبيقُه خلال القرنَين الأخيرَين، ما لَم تَكُن بريطانيا وقوى الهيمنةِ الأخرى. إلا أنّ هذا لا يُفيدُ بأنّ المسؤوليةَ كلَّها تقعُ على عاتقِ المتروبولاتِ الإمبريالية؛ بل إنّ عناصرَ الحداثةِ الرأسماليةِ المحليةَ المُشادةَ ضمن نطاقِ نظامِها، أصبحت أكثر تَعَسُّفِيّةً وإبادة. ورأسماليةُ الدولةِ ودولتيتُها القوميةُ وصناعويتُها من الطرازِ الفاشيِّ والرجعيّ؛ هي التي أَقحَمَتها في هذا الوضع. ذلك أنّ تَعَرُّفَها المتأخرَ على الحداثةِ الرأسمالية، وهشاشةَ الخبرةِ الثقافيّةِ لديها، غالباً ما أَرغَمَ هذه العناصرَ على اتِّباعِ الإنكارِ والإبادةِ القوميةِ في طرازِ الحُكم. إنها مُرغَمةٌ على سلوكِ طرازِ الحُكمِ هذا، نظراً لِكَونِ الرأسماليةِ المُطَبَّقةِ قد تصاعدت على شاكلةِ احتكاريةِ الدولة، ونظراً لطابعِها الاستيلائيِّ والنّهّاب، ولِعَمَلِها أساساً بالربحِ والاستغلالِ دون تطويرِ حتى القوةِ العاملةِ المأجورة.

هذا وتَفرضُ ممارسةَ الطرازِ عينِه أيضاً في القطاعِ الخاصِّ الذي تُضَخِّمُه وتُسَمِّنُه. ساطعٌ بجلاء أنه لا يُمكنُ للرأسماليةِ أنْ تُطَبِّقَ هذا الشكلَ من الدولةِ والقطاعِ الخاصِّ بسهولة، ما لَم تُبقِ على الإبادةِ والصهرِ الإرغاميِّ في الأجندة. وما الدولةُ القوميةُ في كَنَهِها سوى بمنزلةِ أكبرِ ربِّ عملٍ رأسماليّ. لذا، فتعريفُ الدولةِ القوميةِ على أنها الشكلُ الأكثر تنظيماً وكثافةً للرأسمالية، إنما يتحلى بأهميةٍ مصيريةٍ على صعيدِ فهمِ السياق. و"هندسةُ المجتمع" لدى الدولةِ القومية، تَنشطُ بلا رحمةٍ كعجلةٍ للتنميطِ الشاملِ باسمِ الأثنيةِ الوطنيةِ الحاكمة، إلى أنْ يُقضى على الشرائحِ المُعَرَّضةِ للإقصاء. والدولُ القوميةُ العربيةُ والتركيةُ والعجميةُ المُنشَأَةُ والمُسَلَّطةُ بأكملِها على الكردِ وكردستان، إنما هي مُثقَلَةٌ بهذه الوظيفة.

هذا وينبغي الإدراك أنّ الصناعويةَ أيضاً ممارسةٌ احتكاريةٌ ذاتُ إبادةٍ قومية. فهي تتصدرُ بمفردِها أفظعَ ممارساتِ الحداثةِ في الإبادةِ المجتمعية، من خلالِ تدميرِها لمجتمعِ الزراعةِ والقرية. تتعدى الصناعويةُ نطاقَ الإبادةِ لتغدوَ مصدرَ هَلاك، نظراً لأنها تعتمدُ على الطاقةِ المائيةِ والفحميةِ والنوويةِ التي تؤدي إلى إفراغِ آلافِ المناطقِ السكنيةِ بكلِّ ما فيها من إرثٍ ثقافيٍّ غنيّ، وتُلَوِّثُ البيئةَ وتُسَمِّمُها وتُعَرِّضُها للإشعاعات، وتُخِلُّ توازُنَ المناخ. وتخريبُ البقايا التاريخيةِ في كردستان ونَهبُها، وعجزُ الكردِ عن التعبيرِ بحريةٍ عن ثقافتِهم، وظواهرُ الحظرِ المفروضةُ على القيمِ الثقافية، وغيابُ حريةِ التعليمِ والتعلم؛ كلُّ ذلك يشيرُ إلى جوانبِ الإبادةِ الثقافيةِ لحُكمِ العنف، والتي هي خطيرةٌ بقدرِ الإبادةِ الجسديةِ بأقلِّ تقدير.

طرازُ الوحشيةِ الاجتماعيةِ هذا، والمسمى بالحلِّ العسكريِّ أو حلِّ القوة، على صِلَةٍ بالداروينيةِ الوضعيةِ التي تتخذُ من حقِّ القويِّ في الحياةِ أساساً لها. والكردُ يتصدرون المجتمعاتِ التي تعاني حتى النخاعِ من حلِّ القمعِ والإبادة، الذي يسلكه حُكّامُ القوةِ العسكريةِ الذين يُسنِدون ظَهرَهم إلى عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية. وقد أصبحَ الأرمنُ والرومُ والسريانيونُ والبدوُ والتركمانُ أيضاً ضحايا حلولٍ مشابهة. إنّ خلقَ أمةٍ حاكمةٍ متجانسة، هو كارثةٌ بكلِّ معنى الكلمة. فكلُّ أمةٍ نمطيةٍ تعني إبادةَ الآلافِ من القيمِ الثقافية. أما المقاوماتُ والتمرداتُ المتطلعةُ إلى الدفاعِ عن الوجودِ وصونِ الكرامة، والتي تُبدى في وجهِ الحداثةِ الرأسمالية، وبالأخص إزاءَ الدولتيةِ القومية؛ فعادةً ما انتهَت بالمجازر، بسببِ اختلالِ موازينِ القوى. وكلُّ مجزرةٍ اعتُبِرَت خطوةً على دربِ الحلِّ العسكريّ. والتجزُّؤُ الذي شَهِدَته كردستان بَعدَ تقسيمِها في معاهدةِ قصر شيرين (1639) رغمَ الميثاقِ الملليّ، فقد زادَ من تفاقُمِ الكارثةِ أكثر، وأفسَحَ المجالَ أمام تطبيقِ حلولِ القوةِ العسكريةِ بكثافةٍ أكبر. هكذا أُبقِيَ على كلِّ جزءٍ من أجزاءِ كردستان في وضعٍ، باتَ فيه كطاولةِ عملياتٍ تُجَرَّبُ عليها الحلولُ العسكريةُ على مدارِ تسعين سنةٍ تقريباً. كما وابتُدِعَت صورةُ "الكرديِّ العاقِّ والمتخلف" ورُوِّجَ لها عن وعي، لتَكُونَ ذريعةً في شنِّ حروبِ السحقِ والإبادةِ عليه.

القوةُ الاجتماعيةُ الأساسيةُ الكامنةُ خلفَ حلِّ القوةِ العسكرية، هي بورجوازيةُ وبيروقراطيةُ الطبقةِ الوسطى المتشكلةِ على يدِ عناصرِ الحداثة. فهذه الطبقةُ قد فَتَحَت عَينَيها على أساسِ إنكارِ الكرد. وتعاظُمُها يَمُرُّ من تحقيقِ استغلالِ الكردِ وسَكبِ دمائِهم بلا مَقابل. ويُعتَبَرُ الكردُ وكردستان أحدَ المواردِ الطبيعيةِ للمادةِ الخامِ بالنسبةِ لهذه الطبقة، فلا يُنظَرُ إليهم بعينِ الذاتِ الفاعلةِ في أيِّ وقتٍ من الأوقات، بل يُعَدّون دوماً موضوعاً شيئانياً، ويُبقى عليهم في وضعِ عبوديةٍ أسوأ بكثير مما يُطَبَّقُ على المرأة. بالتالي، فانتفاضُ تلك الطبقةِ في وجهِ قوى الهيمنةِ الغربيةِ التي تُطَبِّقُ سياسةً استعماريةً أكثر رخاوةً نسبياً، لا ينبعُ من هَيامِها بالاستقلالِ والحرية، بل قَلَقاً وخوفاً من خروجِ المادةِ الخامِ من قبضةِ يدِها، والتحكمِ بها ضمن ظروفٍ أنسب، والتسببِ بالتالي في احتمالِ تمردِها عليها هي.

موضوعُ الحديثِ هنا هو تحالفٌ رباعيٌّ ضمنيٌّ ومَستورٌ ضد الكردِ وكردستان تحت كنفِ الهيمناتِ الغربيةِ منذ عشرينياتِ القرنِ الماضي، وذلك مقابلَ التنازلاتِ المُقَدَّمَةِ إليها. فالهيمناتُ الغربيةُ اعتَبَرَت التلاعبَ من وراءِ الستارِ بالكردِ وكردستان حكمةً ونَباهةً منها، بُغيةَ توجيهِ تلك الدولِ القوميةِ الأربع كما تشاء (إيران، تركيا، سوريا، والعراق). حيث تظاهَرَت بدعمِ الكردِ إلى أنْ بَلَغَت مرامَها، لتتخلَّى عنهم في منتصفِ الطريقِ لأنّ ذلك يتوافقُ ومصالحَها. لَم تُستَخدمْ القوةُ العسكريةُ ولَم تُحبَكْ المؤامراتُ والألاعيبُ بهذه الدرجةِ على أيِّ شعبٍ أو وطنٍ آخر في أرجاءِ المعمورة. الأرمنُ والرومُ والسريانيونُ أيضاً كانوا ضحايا هذا النوعِ من ممارساتِ الحداثة. هذا وإنّ انهيارَ الدولةِ القوميةِ في العراقِ عامَ 2003 قد أدخَلَ الرعبَ والذُّعرَ في قلوبِ حُكامِ سوريا وإيران وتركيا، وآلاَ بهم إلى تَركِ كافةِ مشاكلِهم وتناقضاتِهم جانباً؛ فتناسَوا الأخوّةَ الدينيةَ التي طالما تَشَبَّثوا بها والتَحَفوها، واستَحدَثوا تحالُفَهم الرباعيَّ المقدسَ ضد الكرد. هذه القوى التي عجزَت عن عقدِ التحالفاتِ تجاه أيِّ عدوٍّ كان، لَم تتوانَ عن إبرامِها بسرعةِ البرقِ فيما بينها ضد الكردِ وكردستان.

أما الكرد، فإلى جانبِ تمردِهم في ظلِّ غيابِ حليفٍ أو مُحامٍ لهم ضد هذه الهيمناتِ والتحالفاتِ المضاعَفة، فلم يتمكنوا أيضاً من تطويرِ الحلولِ الدولتيةِ القومية، ولا حلولِ الأمةِ الديمقراطيةِ مثلما حالُ أترابِهم ومُعاصِريهم. وعلى الرغمِ من أنّ انهيارَ الدولةِ العراقيةِ القوميةِ قد أَتاحَ المجالَ أمام بعضِ القوى الكرديةِ لإنشاءِ كيانِ دولةٍ فيدراليةٍ على دربِ حلِّ الدولةِ القومية، إلا أنه ليس في وضعٍ آمِنٍ ومستَتِبٍّ كثيراً. فهذا الكيانُ ليس خَلاصاً بالنسبةِ للكرد، بل تَدورُ مساعي القوى المهيمنةِ والاستعماريةِ لاستثمارِه كوسيلةِ تَحَكُّمٍ ومراقبة. ذلك أنّ سياسةَ الحلِّ العسكريِّ أو القوةِ العسكريةِ لَم تَعُدْ تتمتعُ بمَتانَتِها السابقة، رغمَ أنها لَم تتخلَّ عن طموحِها في بلوغِ مآربِها التقليديةِ وحساباتِها المرسومةِ على شعبِ كردستان وعلى كلِّ جزءٍ من أجزائِها. هذا وإنها تَخسَرُ بسرعةٍ خلفياتِها وأزلامَها المتواطئين معها بسببِ انكشافِ أمرِهم بدرجةٍ ملحوظة. وإلى جانبِ كونِ المتواطئين الكردِ التقليديين يُشَكِّلون الشريحةَ الاجتماعيةَ التي غالباً ما يستندُ إليها حلُّ القوةِ العسكريةِ للدولتيةِ القومية، إلا أنّ أقنِعَتَها سقطَت تماماً بسببِ المقاوماتِ الدائرةِ في غضونِ العقودِ الثلاثةِ الأخيرة، مما أدى إلى انكشافِ وفضحِ أمرِها أيضاً. أي أنّ التضَعضُعَ أو التفَسُّخَ المُعاشَ في الأرضيةِ الاجتماعيةِ للتواطؤِ والعَمالةِ الكردية، قد لعبَ دوراً كبيراً في خُسرانِ الحلِّ العسكريِّ لقِواه.

ومع توطُّدِ الهيمنةِ الأمريكيةِ في العراق، زالت بدرجةٍ كبيرةٍ أرضيةُ الاستمرارِ بالممارساتِ التقليديةِ لشبكةِ غلاديو التابعةِ للناتو، أي بالشكلِ القديمِ لأساليبِ الكونتر كريلا المُسَلَّطةِ على الكردِ وكردستان. أما التوترُ القائمُ بين الجمهوريةِ التركيةِ وأمريكا بسببِ الموقِفِ المُتَّخَذِ إزاءَ PKK والدولةِ الفيدراليةِ الكردية، فقد انتقلَ إلى مرحلةٍ جديدةٍ مع الوفاقِ الحاصلِ بينهما في واشنطن عامَ 2007. حيث يُفهَمُ أنّ الوِفاقَ تمحورَ عموماً حول المواقفِ التي تَقتَرحُ الحلَّ في الحقولِ الاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ والثقافية، دون أنْ تَعتَرفَ بالدورِ الرئيسيِّ للحلِّ العسكريِّ في كنفِ الدولةِ القومية؛ وذلك مقابل تَخَلّي PKK عن الكفاحِ المسلح. ومحاكماتُ أرغانكون متعلقةٌ بهذا الوفاق. هذا وينبغي البحثُ أيضاً عن دورِ هذا الوفاقِ في الانتقالِ إلى عقدِ علاقاتٍ طبيعيةٍ مع الدولةِ الفيدراليةِ الكردية. هكذا اضطرَّت الإدارةُ الدولتيةُ القوميةُ التركيةُ إلى إطراءِ التحولِ على ممارساتِها المُطَبَّقةِ بحقِّ الكردِ وكردستان. هذا وقد أثرَت في ذلك بنسبةٍ كبيرةٍ أيضاً الدعامتان الأخريَتان للحداثة؛ أي، نِسَبُ الربحِ المَحصورِ لرأسِ المال، والمصالحُ الصناعيةُ المرسومةُ على الاقتصادِ العراقيّ. بالتالي، فقد خَرجَت سياسةُ الجمهوريةِ التركيةِ الجديدةُ بشأنِ الكردِ وكردستان من طابعِها الذي يطغى عليه الحلُّ العسكريّ، لتُباشِرَ بالانسياقِ وراءَ السياساتِ المنفتحةِ على الوفاقِ في الميادين الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ والثقافية. ما من ريبٍ في أهميةِ هذا التطور؛ لأنه حدثٌ سيُثمِرُ عن نتائج هامةٍ سيتبدى تأثيرُها على كلِّ الكردِ وكردستان، وبالتالي على الشرقِ الأوسطِ بأكملِه.

سيتبع فيما بعد