Kurdî  |  Tirkî

ظهور PKK وتمحوره حول الكيان الديمقراطي

 مع بدءِ طرازِ تدَخُّلِ نظامِ 12 أيلول بالتَمَخُّضِ عن نتائج لصالحِ الحركة، تمَّ العبورُ إلى سياقِ حالةِ الطوارئِ وعهدِ "قوات الدرك والاستخبارات ومكافحة الإرهاب JİTEM". بينما دَخَلَت شبكةُ غلاديو التابعةُ للناتو قيدَ التنفيذِ بنحوٍ

مؤثرٍ بزعامةِ ألمانيا اعتباراً من عامِ 1985. أما مؤامرتا اغتيالِ البابا وبالمه ، فكانتا على صِلةٍ مباشرةٍ وغيرِ مباشرةٍ مع انطلاقةِ الكريلا في كردستان، بقدرِ ما كانتا ضمن الحساباتِ العامة. تُعَبِّرُ مرحلةُ انطلاقةِ PKK خلالَ الأعوامِ من 1973 إلى 1983 عن وضعٍ يطغى عليه جانبُ التأثيرِ الأيديولوجيِّ والسياسيّ، بينما يؤدي الجانبُ المُسَلَّحُ فيه دوراً ثانوياً. أما انطلاقةُ عامِ 1984، فكان الجانبُ المسَلَّحُ فيها يَحتَلُّ مرتبةَ الصدارة، بالإضافةِ إلى أنها كانت تُواظِبُ على تَطَوُّرِها الأيديولوجيِّ والسياسيِّ أيضاً. دورُ حالةِ الطوارئِ و"قوات الدرك والاستخبارات ومكافحة الإرهاب"موضوعٌ يقتضي التوقفَ عنده مَلِيّاً. إذ معلومٌ أنه تمّ تنفيذُ العديدِ من العملياتِ التي تَؤولُ إلى الانحلالِ والرعونةِ داخلَ الحركةِ وخارجَها حينذاك. من هنا، فالعملياتُ المُنَفَّذةُ دون تمييزٍ بين امرأةٍ أو طفل، واستهدافُ الشرائحِ التي ينبغي ألا تَكُونَ هدفاً؛ يُمكنُ أنْ يُعزى إلى ميولِ المِزاجيةِ القصوى وعدمِ تَبَنّي الحدِّ الأدنى من المسؤولياتِ والمهام.

 

لكنّ الغريبَ في الأمرِ كان اكتسابُ PKK القوةَ كلما نُعِتَ بالشيطانِ ولُعِن. وهذا ما كان مؤشراً على العطشِ الشديدِ الذي أصابَ الشعبَ الكرديّ. فكلُّ شيءٍ انعكسَ إيجابياً لصالحِ خانةِ PKK، على الرغمِ من أنّ حركاتِ التهجيرِ الكبرى المُطَبَّقةَ على الكردِ تَزيدُ أضعافاً مضاعفةً على إجماليِّ ما طُبِّقَ منها على الأرمنِ والرومِ والسريانيين أجمع. ما من ريبٍ في أنّ الظروفَ التاريخيةَ والجغرافيةَ كانت مؤثرةً في ذلك. فتلبيةُ احتياجاتِ مَطلبٍ تاريخيّ، أي، صونُ الوجودِ الاجتماعيِّ وتَبَنّي كرامةِ وعِزّةِ الإنسانية، كان العاملَ المُعَيِّنَ والمصيريَّ الأساسيَّ في إحرازِ التقدم. من هنا، يجب عدم الاستخفافِ بالمسارِ التلقائيِّ للمطالبِ التاريخية.

سياسةُ رئيسِ الجمهوريةِ تورغوت أوزال التي اتَّبَعَها بشأنِ الكردِ اعتباراً من عامِ 1992، لَم تَكُن مُتَوَقَّعة. وقد انتَبَهنا لأهميتِها متأخراً قليلاً. ومن وجهةِ نظري، فسأستذكِرُ إفراغَ فرصةِ الحلِّ المتولدةِ من محتواها بنحوٍ جادٍّ بموتِه على أنها خسارةٌ تاريخية. ذلك أنه كان بالمقدورِ أنْ تَغدوَ فرصةَ الحلِّ الديمقراطيِّ في الجمهورية، لكنّ بعضَ قوى شبكةِ الغلاديو – حسبَ رأيي – لَم تُتِحْ المجالَ أمامَها بشكلٍ مقصود. والتصريحُ الذي أدلى به دوغان غوريش، رئيس هيئة الأركان حينها (بدايات التسعينيات)، لدى عودتِه من إنكلترا قائلاً "لقد أُضيءَ الضوءُ الأخضرُ لي من أجلِ الإبادة"؛ إنما يَعكسُ هذه الحقيقةَ نسبياً. كما أنّ انقلابَ تانسو جيللر، الذي تصاعدَ بُعَيدَ موتِ تورغوت أوزال، وحبكُ عددٍ لا يُحصى من المؤامراتِ داخلَ الجيشِ وخارجَه؛ إنما يُعَدُّ إحدى العُقَدِ الأوليةِ التي تستلزمُ التحليلَ والتفكيك. وتوثيقُ عضويةِ تانسو جيللر كعميلٍ في وكالةِ الاستخباراتِ الأمريكيةِ CIA، يُوَضِّحُ هذه العقدةَ قِسْمِياً. أما قَتلُ حشدٍ غفيرٍ من المتنورين الأتاتوركيين الحقيقيين والشخصياتِ الكرديةِ النابغة، والآلافُ من جناياتِ الفاعلِ المجهول، وإفراغُ القرى، واستفزازُ "حزب الله"؛ كلُّ ذلك يعني بالنسبةِ لي وكأنه أحدَ أفظعِ المؤامراتِ المُحاكةِ ضد الجمهورية. وهي تَجلبُ إلى الخاطرِ الفترةَ المشحونةَ بالمؤامراتِ والمكائدِ والتمرداتِ فيما بين عامَي 1924 – 1927 ضمن الجمهوريةِ في عهدِ مصطفى كمال. حيث سُوِّيَ أمرُ العناصرِ الديمقراطيةِ الكائنةِ في أرضيةِ الجمهورية، وقُضِيَ عليهم أيضاً في تلك السنوات. ولا يزالُ هذا الوضعُ بعيداً عن التنوير. ولكن، واضحٌ بسطوعٍ أنّ الرابحَ هنا هو الإمبراطوريةُ البريطانيةُ والحداثةُ الرأسمالية. هذا ولا يُمكنُ أيضاً استصغار دورِ قوى الهيمنةِ الخارجيةِ وأزلامِها المتواطئين المتشبثين بها شديداً في فرضِ العُقمِ على فرصةِ الحلِّ الديمقراطيِّ البارزةِ في مطلعِ التسعينيات، عن طريق مؤامراتٍ وتمرداتٍ وجناياتٍ وتصفيةِ حساباتٍ مشابهةٍ بحقِّ الكرد. نادرةٌ جداً هي الأمثلةُ التي بمستطاعِها إيضاحُ معنى مراقبةِ وتَحكُّمِ الهيمنةِ المُسَلَّطةِ على الجمهورية، بقدرِ ما هي عليه التعقيداتُ والفوضى والمجازر والاستفزازاتُ التآمريةُ التي سادت فترةَ ما بين 1993 و1997، إلى جانبِ الحركاتِ الديمقراطيةِ الموجودةِ حينها.

إننا نتحدثُ عن فترةٍ مثيرةٍ وتَندرُ مصادفةُ مَثيلٍ لها، قُضِيَ فيها كلياً على الكَنَهِ الحقوقيِّ والعلمانيِّ والاجتماعيِّ والديمقراطيِّ للدولة، فأُدرِجَت تحت رقابةِ وتَحَكُّمِ "الجيتام"، وحُفِّزَت فيها البنى الاحتكاريةُ القائمةُ ضمن كافةِ عناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ على الخدمة. في نهاياتِ تلك المرحلة، تمّ الردُّ إيجاباً على محاولاتِ عقدِ العلاقةِ معنا، والتي بادرَ إليها كلٌّ من رئيسِ الوزراءِ آنذاك السيد نجم الدين أربكان عن طريق الرئيسِ السوريّ، وقِسمٌ ممن في الجيشِ باسمِ "قسم العلاقاتِ الاجتماعية" عن طريق بروكسل. وتمّ إرسالُ الرسائلِ وتبادُلُ المعلومات. إلا أنّ هذا السياقَ أيضاً عُرِّضَ للفشلِ من خلالِ الإطاحةِ بنجم الدين أربكان وإخراجي من الشرقِ الأوسط. إني على قناعةٍ بضرورةِ عدمِ الاستخفافِ بدورِ المحيطِ التابعِ لشبكةِ غلاديو الداخليةِ والخارجيةِ في هذا الفشل. حيث كان بالإمكان إعاقة الأزمةِ الكبرى والاشتباكاتِ والحربِ المنخفضةِ الكثافة، التي لا تنفكُّ الجمهوريةُ تمرُّ بها وتَشهدُها. فوقفُ إطلاقِ النارِ الأحاديُّ الجانبِ من جهة، ووضعُ العلاقاتِ القائمةِ حينها من الجهةِ الأخرى، كانا يُفسِحان المجالَ أمام ذلك. لكنّ هذه المبادراتِ قُمِعَت وأُفرِغَ هذا السياقُ من محتواه عن وعيٍ ومعرفة، فأُزيلَت فرصةُ الحلِّ القائمةُ آنذاك من الوسط.

وخروجي إلى أوروبا فيما بعد، وبحثي عن حلٍّ سياسيٍّ أيضاً قد أُفرِغَ من فحواه علناً عن طريقِ إنكلترا. فاختطافي إلى كينيا بالطائرةِ الخاصةِ التي أَطلَقَتها إنكلترا المتحالفةُ مع شبكةِ الغلاديو في إدارةِ أثينا من مطارِ سويسرا؛ إنما يُنيرُ هذه الحقيقةَ بأفضلِ وجه. ما من جدالٍ في أنّ جميعَ الدولِ الأوروبيةِ أعضاءِ حلفِ الناتو كانت موجودةً في التمشيط، لكنّ إنكلترا كانت العَقلَ المُدَبِّر. وأمريكا كانت المُنَفِّذَ الرسميّ. في حين أنّ إسرائيل كانت في وضعِ المُرشدِإلى الطريق، حيث كانت القوةَ التي أعاقَت بقائي في موسكو، وكانت قبلَ ذلك بكثير، عندما كنتُ في كينيا، بل وعندما كنتُ في الشرقِ الأوسطِ أيضاً؛ قالت لي علناً بإمكانيةِ لجوئي إليها. لكني لَم أَثِقْ بها، ولَم أُفَكِّر إطلاقاً بالثقةِ بها. كان يُرادُ فرضُ الاستسلامِ على فرصةِ حريةِ الكردِ متجسدةً في شخصي. وكنتُ واثقاً كلَّ الثقةِ بموضوعِ ضرورةِ عدمِ تجرؤِ أحدٍ على فِعلِ ذلك أو التفكيرِ به، حتى لو كان ذاك الشخصُ هو أنا. لَكَم هو غريبٌ حقاً أنّ الألاعيبَ المَحبوكةَ على إدارةِ الجمهوريةِ كان يُرادُ حبكُها عليَّ وعلى الكردِ أيضاً عن طريقِ PKK. ومرةً أخرى ما كان قيدَ العَمَلِ أساساً هو عناصرُ الحداثةِ الرأسماليةِ المرتبطةُ ببعضِها بعضاً بألفِ قيدٍ وقيد.

إني هادئٌ وصابرٌ باعتباري استخلصتُ الدروسَ والعِبَرَ اللازمةَ من مُجرياتِ سياقِ إمرالي. وقد حافظتُ على موقفي هذا خلال سياقِ التحقيقِ والمحاكمةِ والسجن. أعتقدُ أنّ المُحَقِّقين تناولوا الأمرَ بتكتيكاتٍ يوميةٍ مؤقتة، وفسَّروا هدوئي وصبري بمنوالٍ خاطئ. هذا وكانت تُصاغُ التفسيراتُ الخاطئةُ نفسُها من داخلِ التنظيمِ وخارجِه أيضاً. لكني لم أتخلَّ عن موقفي هذا، رغم كلِّ التفسيراتِ الخاطئة. ولا أبرحُ الآن في عامي الحادي عشر من سلوكِ هذا الموقفِ بمفردي. وقد مررتُ بأربعةِ مستوياتٍ من الدفاعٍ خلال هذا السياق.

مستوى الدفاعِ الأول: كنت ُعملتُ أثناء المحاكمةِ على الإجهارِ بفكرةِ "مانيفستو الحلِّ الديمقراطيّ" على شكلِ كُتَيِّبٍ صغير. ولو أنه لَم يَلقَ رَواجاً كبيراً، إلا أنه كان بمثابةِ عرضٍ لأحجارِ الزاويةِ اللازمةِ من أجلِ الحلِّ الديمقراطيّ. أما عجزُ الحكومةِ والأوساطِ السياسيةِ عن الاستفادةِ منه، فهو خسارة. حيث تُرِكَ السياقُ يَسيرُ تلقائياً، للاعتقادِ بإمكانيةِ الحلِّ بهذه الشاكلة. في حين أنّ بعضَ الخطواتِ التي خَطاها رئيسُ الوزراءِ حينها السيد بولند أجاويد المَيّالُ إلى الحل، قد أُفرِغَت من محتواها على يدِ "حزبِ الحركة القومية MHP" الذي كان شريكاً في الائتلافِ آنذاك. أما "حزب العدالةِ والتنمية AKP"، فلم يَرغبْ في فهمِ القضيةِ قطعياً. ربما أنه كان يرى كفايةً وجودُ "خريطةِ طريقٍ" معيَّنةٍ مرسومةٍ سلفاً منذ زمنٍ بعيدٍ ومتمحورةٍ حولَ الإدارةِ في شمالِ العراق (جنوب كردستان). لذلك، لَم يَرِدْ أيُّ جوابٍ على الرسائلِ التي كتبتُها إلى الإدارةِ العليا، إلى السيد عبد الله غول عندما كان رئيسَ وزراء، وإلى السيد رجب طيب أردوغان، ولا على المرافعاتِ التي دوَّنتُها إزاءَ عقوبةِ العُزلةِ داخلَ العُزلة، التي اتُّخِذَت بحقي إحدى عشرة مرة. هكذا تمَّ هَدرُ الوقتِ حتى عامِ 2005، فباتَ لا بدّ من سياقٍ عملياتيٍّ جديد.

مستوى الدفاع الثاني: تمّ تدوينُ مرافعتي باسمِ "من دولةِ الكهنةِ السومريين نحو الحضارةِ (الجمهورية) الديمقراطية"، وتقديمُها في مُجَلَّدَين إلى الجلسةِ الأولى من جلساتِ "محكمةِ حقوقِ الإنسانِ الأوروبية". لقد كانت تجربةً أعمق على دربِ الحلِّ الديمقراطيّ.

مستوى الدفاع الثالث: من خلالِ الكتابِ المنشورِ باسمِ "دفاعاً عن شعب"، تمّت المشاركةُ في الجلسةِ المعقودةِ في "الدائرةِ العُليا لمحكمةِ حقوقِ الإنسانِ الأوروبية". لقد كانت تُشَكِّلُ المستوى الثالث، حيث حصلَ فيها بلوغُ شكلٍ أبرز وأوضح لكيفيةِ تَكَوُّنِ القضيةِ الكرديةِ ولاحتمالاتِ حلولِها.

مستوى الدفاع الرابع: أما السياقُ الذي لا أزالُ أمرُّ به، فأَعتَبِرُه مستوى الدفاعِ الرابعِ والأخير. حيث تمَّ الانتهاءُ من تدوينِ أربعةِ مُجَلَّداتٍ من مرافعتي المُعَنونةِ باسمِ "مانيفستو الحضارة الديمقراطية، والمؤلَّفةِ من خمسةِ مُجَلَّدات (1- المدنية، 2- المدنية الرأسمالية، 3- سوسيولوجيا الحرية، 4- الحضارة الديمقراطية في الشرق الأوسط، 5- حل الحضارة الديمقراطية في تركيا وكردستان). وسيُعمَلُ على الانتهاءِ من تدوينِ المُجَلَّدِ الأخير (المُجَلَّد الخامس) مستقبَلاً. أما التقييمُ الذي أَصوغُه حالياً بعنوان "خريطة الطريق"، فيُعَدُّ شكلاً تمهيدياً لذلك المُجَلَّدِ الأخير.

بالمقدورِ تقييم فترةِ الخمس وعشرين عاماً الأخيرة (1984 – 2009)، والتي لعبَ الكفاحُ المسلَّحُ دوراً رئيسياً فيها، بأنها حربُ الحقيقة. فهي تُعَبِّرُ عن سردِ وبَسطِ الحقائقِ للمَلأ، أكثر من تعبيرِها عن تحريرِ مجتمع. وهذا التحولُ الحقائقيُّ حَدَثَ على الصعيدِ العالميّ. فالقضايا التاريخيةُ والاجتماعيةُ تَلِجُ دربَ الحلِّ بالتناسُبِ طرداً مع مدى سردِ الحقائقِ المعنيةِ بها للعَيان. علماً أنّ الانتصاراتِ العسكريةَ تُشَكِّلُ مصدراً للمشاكلِ من الأساس، ما دامَت ليست دفاعاً مشروعاً اضطرارياً. أي أنّ المهمَّ هنا ليس الانتصارَ أو الهزيمة، بل مدى كَونِ صراعِ خمسٍ وعشرين عاماً أدى دورَه في الحلّ. ينبغي التساؤل هنا: ما جدوى حربِ المائةِ عام الدائرةِ بين إنكلترا وفرنسا، فيما خلا أنها بَرهَنَت إمكانيةَ أنْ يَكُونَ بحرُ المانش حداً فاصلاً بينهما؟ ورِبعُ القرنِ الأخيرُ المنصرمُ أصبحَ مصيرياً في إثباتِ وجودِ الكرد. أما تتويجُ وجودِهم بالدولةِ القومية، فكان من أهدافِ PKK في بداياتِه. لكن، وكلما ساهمَت مئاتُ التجاربِ المُعاشةِ في نموِّ المعرفةِ في أواخرِ تلك المرحلةِ والإدراكِ بأنّه لا داعي البتةَ لهذا التاج، بل على النقيض، فقد يَكُون مصدراً لقضايا وإشكالياتٍ جديدة؛ كلما ازداد معنى وقيمةُ الكيانِ السياسيِّ الديمقراطيِّ للمجتمع، وباتَ حَلاّلاً.

إنّ فهمَ مراحلِ التَطَوُّرِ والتَحَوُّلِ التي عايَشَها PKK، هي الدربُ السليمُ لفهمِه بالنحوِ الصحيح. كان اعتبارُ الذاتِ من معسكرِ الاشتراكيةِ المشيدةِ يَسري على PKK أيضاً في أجواءِ الحربِ الباردةِ لعالَمِ السبعينيات. أو هكذا كانت النيةُ على الأقلّ. والخنادقُ التي تَمَوقَعَ فيها كانت تُعَبِّرُ عن ذلك. لكنَ مستواه الفكريَّ لَم يَكُ يتعدى كثيراً مستوى المشاعرِ والمصطلحاتِ الثورية. كما أنّ الطبيعةَ الكرديةَ الاجتماعيةَ أيضاً لَم تَكُ موضوعاً قابلاً للإيضاحِ بالمصطلحاتِ والنظرياتِ المعاصرة. بل كانت الإرادةُ الثوريةُ هي المُحَدِّدةُ بنسبةٍ أعلى بكثير. كان يَستوحي إلهامَه من الحياةِ الحرةِ أكثر من الأيديولوجيا. ولهذا السببِ بالتحديدِ لَم يتأثرْ كثيراً لدى سقوطِ اعتبارِ الاشتراكيةِ المشيدة. لقد كان أَشبهَ بحركةٍ مبنيةٍ على أرضيةٍ أخلاقيةٍ وعقائدية، أكثر مما هو حزبٌ يساريٌّ حداثويّ. لَم تَكن النظريةُ غائبة، لكنّ القيمةَ التي يُلتَزَمُ بها أساساً كانت الأخلاقَ والعقيدة. ولَربما كان رأسُ المالِ الأكبرُ ضمن المجتمعِ الكرديِّ في سياقِ الحرب، هو ظروفُ الحياةِ العصيبة، التي لا تنفكُّ قائمةً إلى الآن، والتي تُحَدِّدُ مستوى قوةِ الأخلاقِ والجرأةِ وتَحَمُّلِ الشدائد. أما عدمُ تَبَنّي PKK كثيراً لنموذجِ الحزبِ اليساريِّ الحداثويِّ مثلما في الأمثلةِ الأخرى، فربما أنه كان أحدَ الأسبابِ الأوليةِ في كونِه مُبدِعاً وتَقَدُّمياً. ولَئنْ كان كلُّ انشقاقٍ شَهِدَه أو خسارةٍ تَكَبَّدَها لم يتمكنْ من عرقلةِ مسارِ تطوُّرِه، فأهمُّ عاملٍ في ذلك هو تَجَنُّبُه التعَلُّقَ الزائدَ بالحزبِ اليساريِّ الحداثويِّ وطرازِ حياتِه. لَم يَنتَعِشْ وجودُ المجتمعِ فحسب في شكلِ PKK، بل وشَهِدَ إلى جانبِ الواقعِ الاجتماعيِّ المتناقضِ أيضاً صراعاً داخلياً محتدماً عبر القوةِ التي مَدَّه بها السيرُ على دربِ الحرية. أي أنّ PKK عاشَ أشدَّ أشكالِ الصراعِ الاجتماعيِّ حِدةً وضَراوةً بين صفوفِه بالذات. ووضعُ الصراعِ الداخليِّ الذي يَعجزُ حزبٌ حداثويٌّ عن تَحَمُّلِه، أصبحَ مؤثِّراً أيضاً في تقويمِ مسارِ تطوُّرِه أكثر.

كان التحولُ الأصلُ في PKK يتجسدُ في خروجِه من المسارِ المتمركزِ حولَ الدولة والمتطلعِ إليها، ودخولِه في منحى متمحورٍ حول الكيانِ السياسيِّ الديمقراطيّ. لَم يَكُن تَغييرُ الوِجهةِ نابعاً من مصاعبِ تشييدِ دولةٍ قوميةٍ مبنيةٍ على أرضيةِ الاشتراكيةِ المشيدة. بل إنّ طرازَ الحياةِ الذي لا يختلفُ عن الحياةِ الرأسماليةِ الشائعةِ في عمومِ أرجاءِ العالَم، كان السببَ الأصلَ في هذا الانقطاع. فإما أنه كان سيَعثرُ على فرصةِ الحياةِ في عالَمٍ آخر، أو أنه كان سيتبَعثرُ كما انهيارُ الاشتراكيةِ المشيدة. والمساهمةُ الأهمُّ التي قدَّمَها سياقُ إمرالي، كانت تَعبيدَه ورَصفَه دربَ الحلِّ الديمقراطيِّ بمنوالٍ أعمق، بعدَما كان التركيزُ عليه محدوداً خارجَ السجن. والمرافعاتُ المدوَّنةُ والأحاديثُ الجاريةُ تَعكسُ مدى عُمقِ هذا الدربِ بشكلٍ لافتٍ وصاعق. لكن، لا الدولةُ ولا PKK استطاعا فَهمَ المستجداتِ الحاصلةِ في هذه الوِجهة، واعتقدا أنها مجردُ تغييراتٍ تكتيكية. ونظرَ إليها البعضُ على أنها بدايةٌ لضربٍ من ضروبِ مراحلِ التصفية. في حين أنه كان يُعاشُ عمقٌ غائرٌ جداً في النظريةِ السياسيةِ والمعرفةِ السوسيولوجية. كان PKK وجهاً لوجهٍ أمام تَحَوُّلٍ جدِّ شامل. إلا أنّ اللامبالين، وبالتالي المنحطّين أخلاقياً لم يتوانَوا عن تصييرِ لحظةِ التحولِ هذه ذريعةً للهربِ والفرار. أي أنّ العنصرَ المُعَيِّنَ في عملياتِ الهروبِ الحاصلةِ بعد عامِ الألفَين، هو التدني الأخلاقيُّ المُعاشُ تجاه جديةِ التحول.

كانت الدولةُ وبعضُ الأوساطِ اليساريةِ المهتمةِ بالأمر قد عقدت آمالَها على أنْ يقضي بنفسِه على نفسِه. كان هذا موقفاً خاطئاً ومشحوناً جداً باللامبالاة. ولو أنّ الدولةَ تناولَت الأمرَ بروحِ مسؤوليةٍ بعدَها، لَكان بالإمكان عيشُ تحوُّلاتٍ ديمقراطيةٍ تاريخية بعدَ عامِ 1999. فعدمُ الردِّ بجدارةٍ على المساعي الأحاديةِ الجانب، كان تبذيراً وهَدراً لفرصةٍ تاريخيةٍ بكلِّ معنى الكلمة. أما اليسارُ الهَشُّ والفرديةُ الليبراليةُ التي انغَمَسَ فيها، فقد اقترَبَ بلامبالاةٍ أفظع مما كانت عليها الدولةُ أيضاً. الفارّون لَم يكونوا آبهين بأيةِ ذريعةٍ أخلاقية. ومرةً أخرى تبيَّن في المجتمعِ الكرديِّ وبنحوٍ لَم يَكُن متوَقَّعاً، أنه محالٌ تضليلُ وخداعُ المجتمعاتِ مدةً طويلةً من الزمن. أي أنّ المخاضاتِ الأليمةَ المُعاشةَ كانت مُفيدةً ومُعَلِّمةً بشكلٍ مذهل. ووفاءٌ زهيدٌ كان يكفي لبقاءِ المجتمعِ صامداً من أجلِ الوحدةِ والحرية. وحتى لو قُضِيَ على PKK كتنظيمٍ وسُوِّيَ أمرُه، فقد كان أُنشِئَ مجتمعٌ مستعدٌّ للانتفاضِ في كلِّ لحظةٍ من أجلِ حريتِه وكرامتِه وعِزّتِه، وتَكَوَّنَ أفرادٌ أحرارٌ وشعبٌ حر.

وكنتيجة؛ فالقضيةُ الكرديةُ لَم تَكُ قد حُلَّت، ولكنّ إمكانياتِ وفُرَصَ الحلِّ تكاثرت إلى أقصاها. وكان المجتمعُ وكأنه مستنفرٌ ومنتفضٌ ينتظرُ الحل. وكان PKK يثابرُ على أنْ يَكُونَ منبعاً للحلِّ بنحوٍ أكثر رسوخاً وبشكلٍ أحاديِّ الجانب، ولو أنه لَم يَصُغْ الحلولَ التي كان يرمي إليها. كان حلُّ الدولةِ القوميةِ قد خرجَ من كونِه شرطاً حتمياً، ولكن، فُتحَ المجالُأمام الحلولِ السياسيةِ الديمقراطيةِ الغنيةِ جداً بمحتواها. والدولةُ أيضاً كانت قاصرةً عن فرضِ حلولِها الأحاديةِ الجانب. وكانت قد أدركَت جيداً استحالةَ استمرارِها بالإنكارِ الصارمِ لوجودِه كما كان سابقاً. في حين، باتَ الحلُّ العسكريُّ طرازَ حلٍّ بِطانتُه أغلى من قماشِه. والقوةُ التي لا حدودَ لها، قد تَقتلُ صاحبَها أحياناً. وكان قد بُلِغَ حالةٌ كهذه. حيث كانت قد شوهِدَت تضَعضُعاتُ وانشقاقاتٌ داخلَ الدولةِ أيضاً، شبيهةٌ بما جرى في PKK. كانت الدولةُ تتجرأُ على محاكمةِ ذاتِها لأولِ مرةٍ تحت اسمِ الأرغانكون. ولأولِ مرةٍ دخَلَت الجمهوريةُ التركيةُ السياقَ الأكثر جديةً من المساءلةَ والمحاسبةِ في تاريخِها. هكذا، فعددٌ لا يُحصى من الحقائقِ القائمةِ المُنكَرةِ سابقاً، باتَحديثَ الساعة.

ما من ريبٍ في أنّ أهمَّ حدثٍ جرى في هذه المرحلةِ الجديدة، هو لقاءُ الرئيسِ الأمريكيِّ في شهرِ تشرين الثاني من عامِ 2007 مع رئيسِ وزراءِ الجمهوريةِ التركية، والذي لَم يُصَرَّحْ عن مضمونِه تماماً إلى الآن. حيث تقَرَّرَ فيه وضعُ حدٍّ نهائيٍّ لإدارةِ شبكةِ الغلاديو بطرازِها القديم، وذلك مقابلَ تسويةِ أمرِ الكفاحِ المسَلَّحِ في PKK والقضاءِ عليه. ومحاكمةُ أرغانكون كانت تعبيراً ملموساً عن ذلك. كان ذلك يعني بشكلٍ ما الرجوعَ ثانيةً إلى عامِ 1923. كان يَسودُ التجرؤُ على العزوفِ عن أخطاءٍ دامت خمساً وثمانين سنة. والعناصرُ الأصليةُ المؤسِّسةُ للجمهوريةِ كانت تلتقي ثانيةً. كان يُعادُ العبورُ من تاريخٍ حرجٍ وحساس. فالكردُ المُشَتَّتون، كانوا يرغبون في الوحدةِ والتكامل، بل وتأسيساً على ميثاقٍ ملليٍّ مُستَحدَث. قد يعاني التاريخُ من عملياتِ ظلمٍ وجُورٍ كبيرة، ولكنه لا ينسى البتة. حيث يأتي يومٌ ما، تتواعدُ فيه الأطرافُ المعنيةُ ثانيةً لتَخَطّي عملياتِ الظلمِ والجورِ تلك. لَم يَكُ قد استَتَبَّ الحلُّ بعد، ولكنه تمّ ولوجُ سبيلِ الحل. وآمالُ الحلِّ المتفتحةُ في الآفاق، تتقوى أكثر فأكثر مع مرورِ كلِّ يوم. للجمهوريةِ طاقتُها الكامنةُ في تشكيلِ نموذجِها الديمقراطيّ. فإذا ما تمَّ تَبَنّي الإرثِ الزخمِ للمدنياتِ المُعاشة، والتصرفُ بما يليقُ بروحِ الوحدةِ التي أَسفرَت عنها أخُوّةُ ألفِ سنةٍ وكينونةُ الأمةِ والقوم؛ فإنّ تلك الطاقةَ الكامنةَ لن تقتصرَ فقط على عرضِ نموذجِها، بل وستُشَكِّلُ نموذجاً قُدوةً لكافةِ شعوبِ المنطقةِ البائسةِ والتعيسة. والبحثُ عن حلٍّ للقضيةِ الكرديةِ يَجعلُ من النموذجِ الديمقراطيِّ احمالاً لا مهرب منه.