Kurdî  |  Tirkî

أول عملية ...

روزا كاني روج

بعد مرور فترة طويلة على انضمامي إلى الحزب، وتعرفت على الحياة الحزبية ـ الأنصارية في جبال كردستان، أصبحت صاحبة تجارب كبيرة من الناحية الحياتية والممارسة العملية، لأنني قمت بالكثير من المهمات الكبيرة التي كانت المنبع الذي أستمد منه تجاربي الحياتية. التجارب العسكرية التي تعلمتها في ظروف الحرب والجبال...

أصبحتْ مرجعي ومصدري الأساسي الذي قمت من خلاله بتطوير ذاتي من كافة النواحي.

 

لهذا بعد كل هذه التطورات التي حققتها في ذاتي؛ أردتُ الانضمام إلى عملية عسكرية ولو مرة واحدة في حياتي. لذا في كل مرة حين كان الرفاق يقومون بالتخطيط لعملية ما، كنتُ أصر للانضمام إليها وأفرض نفسي للذهاب. لكن الرفاق دائماً كانوا يقولون لي:

ـ الانضمام إلى العملية ما زال باكر جداً من أجلك. إلا أن الذهاب إلى عملية ما، ومقاتلة العدو انتقاماً لروح رفاقي كان قد أصبح هدفي الأساسي في الحياة. وكثيراً ما كانوا يقولون لي؛ اتركي الموضوع لنا علينا التفكير بهذا الصدد. لكنني على الرغم من كل شيء كنت أحاول الانضمام، ومحاولاتي كانت تكثر في كل المرات.

بعد أن شنَّ الرفاق عملية عسكرية على قوات العدو في وادي الزاب الذي يدعى باسم ( Gelyê zap) انتقاماً لرفاقنا الشهداء، وانتهى بالنصر والنجاح، قرر الرفاق القيام بعملية أخرى للانتقام من العدو الفاشي الذي دخل يده في دماء رفاقنا؛ الذين استشهدوا في الفترة الأخيرة. يعني العملية التي كانت ستنفذ على مرصد العدو؛ كانت عملية انتقام.

القيام بعملية ما في تلك الفترة كان أمراً هاماً وأساسياً بالنسبة لنا، وذو معنى كبير. ومع بدء الفعاليات والتحضيرات الأولية للعملية، قرر الرفاق إرسال مجموعة من سريتنا للانضمام إليها. وهذه المرة أيضاً كجميع المرات أصريتُ من أجل الذهاب والانضمام إلى العملية، وبهذا الشكل وافق الرفاق على انضمامي إلى العملية.

كانت مجموعتنا تتألف من أربعة رفاق، ذهبنا معاً لدعم العملية من الجانب النوعي والكمي. وقبل الذهاب قمنا بكافة تحضيراتنا التي كان يجب علينا القيام بها قبل تنفيذ العملية. أخذنا معنا سلاح دوشكا، 12\5 والأسلحة الفردية التي كانت عائدة لنا.

ذهبنا إلى حيث هدفنا، لم يحدث أي أمر طارئ أو وضع سيء في الطريق، يعني لم يخرج أي خطر في طريقنا. مجموعتنا التي كانت تتألف من أربعة رفاق كانت سعيدة جداً وفي غبطة كبيرة وهي في طريقها إلى قلاع العدو المحصنة، وكأنها تذهب إلى حفلة سوف تعبر فيها عن أحاسيسها ومشاعرها التي تعيشها في داخلها. أثناء السير والتوجه نحو الهدف كل الرفاق والرفيقات كانوا على أتم الاستعداد من كافة النواحي، جميعهم كانوا يتحلون بالغبطة والسعادة. وكأنه زرع بذور الفرحة والسعادة في قلوبهم في تلك اللحظات التي كانت تعبر لهم عن حجم هائل من العواطف الجياشة التي كانت تتأجج في فؤادهم. سرنا في طريق ضيق ووعر يحيطه من أربعة أطراف صخور عالية، بعد أن صعدنا الطريق، خلال ساعة من الوقت، رويداً رويداً انحدرنا نحو وادٍ عميق، هبطنا في الوادي العميق الذي تحول كل شيء فيه إلى أشباح مخيفة، أثناء السير، كنا ننتبه إلى حركات أقدامنا كي لا تتدحرج أي حجرة من تحت أقدامنا أثناء الانحدار نحو الوادي، لأننا كلما كنا نتقدم في السير، كنا نقترب أكثر من الهدف المطلوب...

الوقت كان ليلاً والظلام يحيط من جميع الجهات، الليل كان قد لبس ثوبه الداكن، والمصابيح الكهربائية العائدة للقرية القريبة منا؛ كانت تلمع من أمامنا، وكأن تلك القرية الصغيرة الحجم قد تحولت إلى صندوق من الألماس في أعيننا، يشع نوراً أبدياً في قلوبنا. استطعنا بصعوبة جمة الانحدار نحو الوادي الذي كان يجري فيه نهر كبير، كان يصدر من خرير الماء أصوات عجيبة، لهذا كان المرء يتعجب لذلك الصوت. بعد أن قطعنا مسافة طويلة، كانت مصابيح القرية الصغيرة تغيب عن أعيننا رويداً رويداً وتخفي نفسها من وراء قمم الجبال العالية لتشكل من نفسها درع واقي لتحمي القرية من نيران طلقاتنا. وصلنا إلى المكان الذي كان يجب علينا الذهاب إليه، بعد أن وصلنا إلى نهاية الوادي هذه المرة بدأنا الصعود نحو القمة التي كان يجب علينا التمركز فيها، ونحن نلهث من شدة التعب والعطش صعدنا القمة التي كانت قريبة جداً من مرصد العدو، وكل الرفاق كانوا يساعدون بعضهم البعض في الحمل أثناء الصعود إلى قمة المرصد، والمكان الذي سنتمركز فيه.

فإذ ما كنا خرجنا أي صوت ضئيل كان سيحس بنا العدو. لهذا التزمنا بكافة القوانين والقواعد العسكرية للوصول إلى مواقعنا بشكل سليم. وصلنا إلى قمة المرصد وقد أهلَكنا التعب والعرق. تجرَّعَ كلُّ رفيق ورفيقة ما يحتاجه من الماء ليسدَّ به عطشهُ، وتعبه. استرحنا قليل من الوقت ومن ثم بدأنا بالتمركز كمجموعة في الأماكن المناسبة والصالحة للقتال في مواجهة العدو.

قبل ذهابنا إلى القمة قال لنا الرفاق:

ـ يجب أن لا تقوموا بالعملية قبل أن يأتيكم نبأ البدء بها، فسنخبركم بساعة العملية فيما بعد. وكما يعلم الجميع، فإن لحظات انتظار القيام بإطلاق الطلقة الأولى هي لحظات مليئة بالهيجان لا يستطيع المرء التعبير عنها بسهولة... تمركز كل رفيقين في خندق، وبهذا الشكل أخذنا وضعية الاستعداد للبدء بالعملية، وكنا جاهزين وعلى أتم الاستعداد. كلفني الرفاق أنا ورفيقة أخرى كي نحرس الموقع ونراقب الوضع في المنطقة بشكل جيد، كي نتمكن من وضعها تحت حاكميتنا. انتظرنا نداء الرفاق من تمام الساعة الثامنة مساءً حتى الثانية والنصف من منتصف الليل. لم يدخل النوم في تلك اللحظات ثانية واحدة عيني؛ لأنها كانت عمليتي الأولى، التي كنتُ سأنضمُّ إليها بين صفوف الكريلا. وقلت في نفسي:

ـ لربما أرتاح أكثر أثناء حدوث العملية، لأن الرفاق كانوا قد حدثوني كثيراً عن حقيقة الحرب؛ إلا أن عيش هذه اللحظات في الواقع، حقةً تكون مختلفة جداً.

كانت أيادينا على الزناد، ننتظر الأوامر الصادرة من رفاق الإدارة. مجموعتنا التي كانت تتألف من رفيقين ورفيقتان، كانت سعيدة جداً لأنها ستنفذ هذه العملية، فكل منا كان ينتظر بلهفة كبيرة تلك الساعة التي سننتقم فيها لروح رفاقنا الذين قتلوا على يد العدو بوحشية كبيرة. لم يكن يمر الوقت بسرعة من أمام أعيننا، ولم نكن نستطيع التحدث في ما بيننا حتى بصوت خافض، لأننا كنا قريبين جداً من العدو..! وقد تمركزنا في مكاننا وجاهزين للقيام بتحطيم الهدف. المكان الذي كنا فيه كان محاط بصخور كبيرة من جميع الجهات. رغم إننا كنا قريبين من العدو إلا أنه لم يحس بنا إلى أن بدأت العملية.

أثناء المناوبة تذكرتُ أحاديثي التي أجريتها مع الرفاق في الطريق أثناء مجيئنا إلى المرصد للعملية، عندما كنا نسير ونتوجه نحو الهدف قلتُ للرفاق:

ـ أنا لا أخاف من الطلقات أو القذائف؛ إلا أني أخاف من أن أصيب بشظايا أسلحة الهاون. من أين تأتي الطلقة فلتأتي، ولتأتي الطلقة على رأسي وعيني، فنحن ضمن ثورة تعيش دوماً ثنائيتي الموت والحياة معاً، وفي مثل هذه الظروف يتطلب منا الحرب مع العدو وجهاً لوجه، وصدراً بصدر، فهذه هي حقيقة الحياة الثورية؛ لكن الإصابة بشظايا الهاون هو أمرٌ صعبٌ بالنسبة لي. لذا الرفاق كانوا يمازحوني ويقولون لي:

ـ يا رفيقة روزا، إن قامتك قصيرة ونستطيع أن نحملك على ظهرنا... أما أنا فكنتُ أقولُ لهم:

 ـ أنا سوف آخذكم إلى النقطة، كان الرفاق الثلاث طويلي القامة، أي أنا من كنت الأقصر فيما بينهم في القامة والحجم.

في تمام الساعة الثانية والنصف ليلاً نادانا الرفاق وقالوا:

ـ لقد بدأت العملية يجب عليكم القيام بالدور الذي يقع على عاتقكم...

بدأنا العملية بإطلاق طلقات خطاطة من سلاحنا BKC الذي حول ظلام الليل الدامس إلى نهارٍ مشمس من حولنا، كنا قد قمنا بتثبيته في الخندق، وسلاح RBC7 في خندق أخر، لكن السلاح الثقيل دوشكا الذي كنا قد جلبناه على ظهرنا إلى مكان العملية لم يعمل أثناء بدء العملية، هذا الأمر كان قد أزعجنا بعض الشيء، لأننا كنا قريبين جداً من العدو، وإن كان سلاح الدوشكا يعمل لربما كانت النتيجة مختلفة جداً.

كنتُ أصرخ على السلاح وأقول:

ـ هيا يا سلاحي يا قلبي وكبدي أبدئي بالعمل، فالعدو قريب منا. وفي تلك الأثناء تذكرتُ ذلك الرفيق الذي كان يصرخ على سلاحه الدوشكا في فيلم الشهيدة بريتان.

طبعاً بدءً من ساعة العملية قمنا بتشغيل سلاحنا BKC على خندق العدو وحولنا القمة التي كانت تتمركز فيها العدو إلى خراب ودمار، وبدأ لهيب النيران يرتفع ويتصاعد نحو الأعلى ونحن ننظر إليه. كان العدو في حيرة وتعجب ماذا حدث وكيف تجرأ الأنصار في هذه الليلة الداكنة من الهجوم علينا؟!... من أين جاءوا إلى هنا؟ وكيف لم نسمع بهم وهم متمركزين في الخنادق على مسافة قريبة منا؟!!.. فقد دبَّ الرعب والحيرة في قلبوهم في تلك الليلة الخريفية التي طالت ساعاتها ونحن ننتظر ساعة بدء المغامرة مع العدو.

بعد أن انتهينا من تنفيذ العملية أخبرنا بالجهاز اللاسلكي آمر المجموعة الأولى ( المجموعة التي كانت تقف في الطرف الثاني من الهدف، وهي التي كانت قد قامت بفعاليات الكشف وجمع استخباراتها الأساسية...) بأن نترك الموقع الذي نتمركز فيه وننسحب إلى الوراء لنذهب إلى النقطة التي حددناها للتراجع بعد تنفيذ العملية.

حملنا أسلحتنا، عتادنا وحقائبنا العسكرية وبسرعة البرق تركنا المكان، وتوجهنا صوب النقطة التي حددناها فيما بيننا. وأثناء الانسحاب والتراجع إلى الوراء، عشنا مغامرات عجيبة في الطريق، حيث الفرح وغبطة النصر الذي حققناه رغم الكثير من الصعوبات والعوائق التي خرجت في طريقنا. على الرغم من الإمكانيات المحدودة والعوائق التي خرجت، إلا إننا لم نتركها تؤثر على تنفيذ عمليتنا. استطعنا من خلال الإرادة القوية التي تحلى بها الرفاق الوصول إلى النصر الذي وضعنه أمام أعينا.

أثناء السير، حين كنا نتابع سيرنا بفرح النصر والنجاح الذي حققناه، تزحلقت قدماي من فوق صخرة زلقة في حفرة صغيرة، وما إن رفعت رأسي ونظرت من حولي ماذا أرى، وإذ بي أنادي من وسط أغصان الأشجار والأشواك. ناديت الرفاق وقلت لهم:

ـ لا أرى سلاحي؟ والرفيقة التي كانت معي تنادي:

ـ رفيقة روزا ... رفيقة روزا ماذا جرى لك؟!..

ـ صرخت فوراً وقلت لها:

ـ تعالي حالاً، فوضعي ليس جيد.

قالت: ماذا جرى لك وماذا حدث لسلاحك؟

- لقد تزحلقتْ قدماي من فوق الصخور والآن كما ترين بأم عينك فأنا ضمن الأشواك التي تغمس في جلد الإنسان.

ضحكت علي كثيراً... ومن ثم مسكت بيدي وسحبتني من تلك الحفرة الصغيرة التي كانت قد أيقظتني من النوم الذي أحاط بأجفاني من جميع النوحي.

أنا والرفيقة التي كانت معي، كنا نسير في الأمام من أجل استطلاع المنطقة وكشف أحوال الطريق. لكن حدث العكس، بدل من أن نراقب الطريق ونكشفه، وقعنا في الفخ الذي كان قد نصبه لنا عناصر الحية بين الطبيعة. بعد ذلك تابعنا سيرنا ونحن نطير من الفرح، والغبطة كانت تداهم كل عضوٍ من جسدنا وروحنا. لأننا حملنا بطاقة النصر والظفر في أيدينا في هذا اليوم. فقد حققنا عمليتنا التي أصبحت وسيلة للإفراج عن النفر ورح الانتقام الذي كنا نعيشه في داخلنا في مواجهة الأعداء.

ومع حول الصباح بدأت الشمس بإرسال أولى خيوطها لتدفأ أجسادنا الباردة من ليلة الأمس، وها هو النوم يداعب خلايا عيوني الناعسة من جديد، عيوني التي لم يدخلها النوم منذ الليلة البارحة. وما أن بقيت إلا مسافة قصيرة للوصول إلى النقطة حتى بدأت عيناني تغمض وأنا أسير في الطريق. بعد أن وصلنا إلى نبع ماء الذي كان على طريقنا تجرعنا منه بعض الماء، واسترحنا هناك مدة نصف ساعة من الزمن، ونمنا قليلاً من الوقت لأننا كنا قد تعبنا من السير ولم ننام من شدة البرد. كل رفيق ورفيقة وضعت نصيتها العسكرية تحت رأسها وتغطينا بوشاحاتنا (كفية) العسكرية، وحزام الذخيرة الذي لا شيء أغلى منه بالنسبة لنا، كان مشد على ظهورنا، ونحن قد مددنا على الأرض التي أصبحت كقماش من السندس لنا في تلك اللحظات الممتعة.

وعندما استيقظنا من النوم قلت للرفاق:

ـ يا للعجب وكأننا لم ننم من أيام وأسابيع!.. كم كان طعم النوم جميلاً بالنسبة لنا في تلك اللحظات، فإحياءها مرة أخرى أمرٌ صعبٌ بعض الشيء. قمنا بتحضير أنفسنا للرحيل إلى حيث ديارنا ومأوى أحبائنا، توجهنا نحو النقطة التي كان يجب علينا الذهاب إليها، الرفاق الذين كانوا في النقطة، كانوا قد اصطفوا في صف واحد لاستقبالنا، وما إن وصلنا إلى النقطة حتى استقبلنا الرفاق بكل ما كانوا يعيشونهُ في قلبوهم من الفرح والمحبة. بعد أن صافحنا جميع الرفاق، باركونا على العملية التي قمنا بها، ومن ثم تناولنا طعام الغذاء مع الشادي الذي حضره لنا الرفاق. بعد كل ذلك لأننا كنا متعبين جداً ومنهكين؛ خلدنا في النوم ونمنا ساعات عدة. أي حتى حلول ساعات المساء.

نعم كنا قد بدأنا العملية بأمل تحقيق النصر، وقد حققنا النصر ولم يصيب أي رفيق بمكروه. ورجعنا سالمين إلى رفاقنا. فقد انتصرتْ في هذه العملية إرادة الحياة الحرة على ذهنية الدولة الفاشية التي تفرض علينا الخنوع والاستسلام وانتقمنا من العدو. والكل كان في فرحة لأننا وصلنا إلى هدفنا المقدس. وحطمنا مركز قوات العدو الذي يسعى دائماً للقضاء على شعبنا وعلى أبنائه الكريلا بكل وحشية.

هذه العملية التي قمنا بها، كانت قد خلقت فيَّ روحاً رفاقية عالية، لأنها كانت المرة الأولى التي أنضمم فيها إلى عملية، لذا كان هيجان وغبطة العملية مختلفٌ بالنسبة لي جداً. فقد بعثت فيَّ الثقة والإيمان الكبير. ولن أنسى أبداً أجمل الذكريات الجميلة التي عشتها في تلك الأيام. إنها حتى هذه الساعة التي أتحدث فيها لكم عنها مازالت حية بداخلي. تلك الأيام التي قضيناها مع الكثير من الرفاق أصبحتْ عشقاً وحباً للحياة بالنسبة لي. وزادتْ من عزمنا وإصرارنا وبعث فينا القوة والجسارة الكاملة. لنسير على أثر رفاقنا الشهداء الذين استشهدوا في سبيل إنارة دربنا ووصولنا إلى حياة حرة. لذا يترتب علينا القيام بالنضال الذي كانوا يخوضونه في مسيرة الحرية...