Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461
خلف الديار - YJA STAR
Kurdî  |  Tirkî

خلف الديار

روناك مراد

أيها الساكنون في أرض الأجداد، ارفعوا رؤوسكم لحظةً، انظروا للأعالي مع الشفق الأحمر، ربما تجدوا في يومٍ من الأيام صورة بناتكم وأبنائكم وهم يتهيئون لإحدى معارك الحقيقة؛ يلفون قاماتهم بعزم الإرادة وصبر الاشتياق، يمضون في سيرهم الجبلي الليلي لإحدى المعارك التي تعيد الحق والعدل

إلى أرضٍ تاهت فيها الأماني، وشردتْ الأحلام...

 

 

سأحكي لكم عن رفيقتي التي عشتُ معها أيام خلف ديار أهلنا في ماردين؛ الذين لم يعرفوا إلى الآن ما حصل رغم مضي اثنا عشر سنة...

زاد العدو من هجماته في ولاية ماردين خلال ذلك العام، تتالت التمشيطات علينا في جبل باكوك. كنتُ أنا و بنفش؛ ابنة منطقة باكوك، رفيقتان بين كيريللا المنطقة. كم أعُجبنا بتلك الجبال، وما عاشت فيه جماعات وأقوام من الكرد والأرمن والعرب... يظهر على أحجارها وذرات ترابها براعم الجهد البشري؛ ففي كل بقعة من أرضها المعطاءة زرعتْ شجرة مثمرة، أو كرم عنب... حتى تحولت كل أطراف الجبل إلى خمائل، تزرع الهدوء والسكينة في النفس البشرية، بجمالها الخلاب.

إنها حقيقةُ شعبٍ كادح، وأرضٍ معطاءة. كلما وجدتْ حفنة تراب بين صخرتين، ترى شجرة مزروعة فيها، وكلما وجدت منطقة صخرية، ترى فيه أثار بئرٍ محفور لحفظ مياه الأمطار والثلوج... كانتْ بنفش تتحدثُ لي عن تاريخِ المنطقة، وطبيعةَ شعبها في الكثير من المرات، مبديةً حبها وتعلقها بهذه الأرض الخيرة وشعبها الوطني.

اشتبكنا مع قوات العدو على مبعدة نصف ساعة من كنيسةٍ للأرمن؛ على الرغم من الحرب الدائرة في كردستان، بقي الأرمن في أماكنهم بين الكرد. دامَ الاشتباك أسبوعاً كاملاً خلف الكنيسة. في نهاية الأسبوع أخذنا طريقنا إليهم. لقينا راهبات الدير، سألناهنَّ:

ـ هل سمعتنَّ بالحرب؟

ـ أجل، نعرف أنَّ هناك حرب دائرة بين الدولة التركية والكرد...

لاحظنا بين راهبات الدير فتاتان كرديتان من إحدى مناطق باكوك. كانت معنا الرفيقة بنفش، وهي من بيت سليمان أغا القاطنين في نصيبين. كانت فتاة متعلمة، شقراء في حوالي العشرين من العمر، تزين بشرتها شامة... على ما أعتقد بأنها تطوعت لهذه الحرب خلال عام 1992، بقيت ضمن النشاطات العسكرية في ولاية ماردين. وبعد فترة من النضال  في الولاية، ذهبت في عام 1994 لتلقي التدريب الأيديولوجي في ساحة القيادة. بقيت في التدريبات مدة، بعدها شاركت في فعاليات الشعب في منطقة الجزيرة.

بعد عودتها ثانية إلى ماردين في عام 1996 حملت مسؤولية الرفيقات في الولاية. حاولت أن تدون صفحات من النجاح بنضالها. كنا نرى التطورات الحادثة في شخصيتها الطموحة والمنفتحة للتجديد. كانت تكتب مذكراتها في دفترها الخاص. دونت فيه عن الأم والقائد والقمر... قرأته لي مرات كثيرة. لم تكن هناك فرحة تضاهي فرحتها بالقمر في أوضاعه المختلفة؛ الهلال، البدر، وكأن القمر يلهمها لتكتب.

كلما صعدنا ذروة في ليلة قمرية، تخرج دفترها وتكتب عن الأم والقائد والقمر والتراب..." مثلما يظهر القمر مضيئاً عبر الظلام... كذلك هو القائد، جهد القائد وعطائه، يشبه إيثار الأم وعطائها...

خلال تلك الفترة جاءتْ قوات السرية المتحركة من ولاية بوطان إلى ولاية ماردين. قامتْ تلك القوات بعدة عمليات ناجحة. انسحبوا بعدها في حركة تشبه العاصفة، اقتلعت كل ما وضعته أمامها من أهداف العدو. وبعد خروجها من الولاية، في صباح إحدى الأيام الربيعية، وجدنا أنفسنا في حصار قوات العدو في جبل باكوك.

نشب اشتباك فيما بيننا وبين قوات العدو، تمركزنا على التلال الصغيرة المحيطة بنا. حاربنا حتى الساعة الثانية عشرة ظهراً. كان عددنا قليلاً، لكننا لم ندع المجال للعدو للتقدم ودخول منطقة تمركزنا حتى ذلك الوقت. لم تكن الجغرافيا ملائمة للاشتباك، ولم يكن في  المنطقة إلا بعض الغابات المتفرقة.

بعد تقدم الدبابات والمصفحات، تقدمت خلفها قوات المشاة، وقد باتوا على مقربة عشرين متر أسفل خنادقنا. حاربت الرفيقة بنفش طوال الوقت، وعندما رأت تقدم الدبابات والمشاة إلى مقربة منا، والوقت ما يزال نهار، ولا يمكن أن يحدث انسحاب في ذلك الوقت؛ أرادت أنْ تلفتَ بال العدو، حتى نتمكن من الانسحاب.

خرجت من خندقها بروحها الفدائية وإيمانها بالنصر، هجمت على الدبابة... صارت في المواجهة المباشرة، أصابتها شظية بين حاجباها. سقطت على الأرض.

أخذناها إلى خلف التل، واستمر الاشتباك. ولقرب المسافة بيننا وبين الدبابات، باتت قذائفها تطير فوقنا، وتسقط خلفنا.

 كنتُ أفهم بعض الشيء من التمريض، حاولت التدخل، قلت للرفاق:

 ـ سأخرج الشظية.

رد الرفاق بعاطفية، قالوا:

 ـ لا، فربما تستشهد على الفور إن حاولتِ إخراج الشظية، انتظري، ربما نجد فرصة لعلاجها...

 استمرَّ اشتباكنا حتى المساء، والرفيقة بنفش بقيت معنا، والشظية مستقرة في عظم جبهتها.

كنا ننتظر طيف المساء لاستغلال الفرصة في الانسحاب، فقد قرر الرفاق ترك المنطقة مؤقتاً، للخروج من طوق حصار العدو، الهادف إلى تصفية قواتنا، بعد إيجاد مكانٍ خفي وآمن للرفيقة بنفش ولرفيقٍ شاب جرح في قدمه، على أنْ أبقى معهما للمساعدة.

سرنا مسافة ثلاث ساعات، مبتعدين عن موقع الاشتباك. حملنا الجريحان طوال الطريق.

 كانت بنفش تتحدث، ثم تغيب عن وعيها، تتألم كثيراً؛ فالقطعة الحديدية تضرب أعصاب رأسها، وتحدث موجات كهربائية في المخ. أخذنا الرفيقان إلى مخبأ صغير تحت الأرض. لم أرى أية إمكانية في إخراج الشظية خلال عتمة ذلك الليل.

 ترك الرفاق المنطقة، بينما بقينا نحن الثلاث في المخبأ.

في صباح اليوم التالي بعد الاشتباك، حاولتُ إخراج الشظية، لكنني وجدتها مختفية في عمق الجمجمة، والرفيقة بنفش تتألم، تنتابها نوبات تشنج. تضربُ رأسها بالأرض والحجارة... وأنا أمسك بها، أحاولُ ضمها إلى صدري، أمنعها من حركاتها العنيفة... لو كان لدي أدوات طبية متطورة ربما تمكنتُ من إخراج الشظية، ولكنني بقيت عاجزة عن التصرف، والشظية تنزل إلى عمق الجمجمة...

خمس أيام أمضيناها معاً في ذلك الجحر، أرى رفيقتي تذبل أمام عيناي، تلتهمها الآلام، وأنا عاجزة ليس لدي حتى قطرة ماء أبلل بها شفتاها الناشفتان، أو أمسح بشرتها الشقراء المخضبة بالدم.

كلما ضربت رأسها بحجر، ينزف جرحها من جديد... ربطتها معي بعد أن أنهكني التعب. كلما غفلت عنها لحظة، أراها وقد عادتْ تضرب رأسها هنا وهناك، بعد أن يتجاوز الألم حدود تحملها. طالت ساعات الليالي. رطوبة الجو، وبرودة الهواء، وليس لدينا ما نغطي به الجريحان، بعد ما فقداه من دم... كل ما كان عندنا قطعة من المشمع، وجهاز لاسلكي صغير، مع بندقيتي.

كانت بنفش فتاة طموحة ذات خيال واسع. تحلم أن تكون تلميذة نجيبة للقائد آبو. لم تغفل لحظة واحدة عن تكرار أقوالها:

 ـ دربني القائد كثيراً، بذل معي جهداً كبيرا؛ إن استشهدت بهذه السرعة لن يعفو عني... أعطاني الكثير من التدريب، عرفني على نفسي... لن يصفح  القائد عني... لم أحمي نفسي... بعد هذا التعب لم أعمل شيء...

مضت أربع أيام بلياليها المظلمة، وحالتها تسوء، وفي اليوم الخامس بقيت تتحدث وتقول لي:

 ـ هفال سوزدار، سوف أستشهد، أنا قريبة من نصيبين. كنت أريد كثيراً أن أرى أمي بعد عودتي. إن استشهدت دون أن أراها؛ أوصلي لها سلامي، قولي لها" استشهدت عندي"...

كان الحديث يتعبها، فأهدأ من روعها. لكنها تعرف بأن وضعها سيء، تقول كلماتها بصعوبة حتى تأخذها غيبوبة ثانية...

قالت لي في أحدى المرات:

ـ إن حل بي شيء، أرسلوا دفترا مذكراتي للقيادة... أنظري سوزي، سوف أستشهد، يجب أن لا تستشهدي أنت بسرعة... جئت إلى ماردين، لكنني لم أبق فيها سنة واحدة...

ما زالت كلماتها ترن في إذناي، وهي ترى حيرتي وقلقي عليها، فتقول:

 ـ هفال، سوزي، لماذا لا تزرقينني إبرة لتتخلصي من هذا العذاب، وأخلص أنا.

أجبتها بتأثر:

ـ لا يجوز، كيف أفعل ذلك؟

ـ في ذروة هذا الجبل، نحن رفيقتان تحت هذه الأرض، والعدو يحيط بنا، سوف يأت العدو...

كنت أخشى أن يحس بنا العدو، أحاول أن أهدأها، لكن صراخها أثناء النوبات كان يغلبني.

قلت:

ـ لا، لن أفعل، سوف تصحين...

كنت متأكدة من شهادتها، لكنني أحاول أن أرفع من معنوياتها وأعطيها الأمل حتى أخر اللحظات. لم أدعها لا ليلاً ولا نهاراً، أرفع يديها عن رأسها...

بقيت عاجزة أمام قوة إرادتها وهي تحتضر. ليس في يدي حيلة، إلا أن أضمها إلى صدري، أريد أن أمنحها شيئاً من روحي حتى لا تفارقني...

توقف تنفسها، وضربات قلبها، ارتخى جسدها بعد أخر نوبة تشنج. مددتها على المشمع. بقيت أشيعها بنظرات الوداع.

استشهدت بنفش، والرفيق الجريح في جوارنا لا يستطيع فعل أي شيء، فجراحه تثقل عليه، وهو شاب في مقتبل العمر، لم يقوى عوده على تجارب الحرب مثلي.

بقيت الجثة ممدة أمامي يوم كامل. لم يكن في وسعي دفنها وحدي. والعدو ما زال يحيط بنا.

 في الجهة المقابلة لنا على كتف الوادي كان هناك ديران، أحداهما فارغ، والآخر مسكون براهبات الدير. أتخذ العدو من الدير الفارغ مقراً له.

 أخذت المنظار وخرجت من المخبأ. نظرت في الجوار. رأيت حركة الجنود في الطرف المقابل لنا.

 عدت، وبقيت الجنازة عندنا في ذلك اليوم. خرجت في اليوم التالي. تفحصت الجوار بنفس ممزقة بين الحزن والألم والانتقام. كانت قوات العدو ما تزال موجودة.

 قطعت بعض فروع الأشجار؛ اتخذتها ستاراً للتمويه، وسرت من بين الأشجار. ابتعدت قليلاً عن المخبأ. رأيت حفرة على صخرة، تجمعت فيها مياه الأمطار الربيعية، شربت منها وأتيت ببعض الماء للجريح. تحدثت معه، حاولت أن أرفع معنوياته، وأفهمه طبيعة حياتنا، قلت له بعدها:

 ـ سوف أخذ الجنازة وأدفنها...

شككت فيما إذا رآني العدو أم لا؟ بقيت في حيرة من أمري؛ فهم في مواجهتنا على الطرف الأخر من الوادي، ومسافة النظر ما بيننا قصيرة.

 أبقيت الجنازة في مكانها، ونفسيتي تسوء مع مضي الوقت. بنفش جثة هامدة أمامي، وصدى صوتها يرن في أذناي طوال الوقت، يتكرر ندائها لي في لحظات الوداع، كانت تحبني وتثق بي... كلما أعدت النظر إليها، أحس بأنها تخاطبني...

 في اليوم التالي، توصلت إلى القرار، وقلت:

 ـ حتى لو رآني العدو، سأواريها الثرى.

لم يكن عندي شيء أحفر به القبر، ولم أكن أرى في نفسي القوة الكافية لأخرج الجثة وحدي. ولكن لا بد أن أقوم بالدفن، فانتظار عودة الرفاق ربما يستغرق وقت أطول، وقد مضى يومان على شهادتها، وأنا والرفيق الجريح والجنازة أمامنا في جحر صغير تحت الأرض.

خرجت وألقيت نظرة على الجوار، لفت بالي شيء عجيب؛ فوق المخبأ مباشرة رأيت مكان. كان غريباً؛ كأنه قبر مهيأ بأيدي بشرية. تساقطت فيه بعض الحجارة التي يسهل أخراجها.

أزلت الحجارة بسهولة، وقد أخذتني الدهشة، فهو قبر مستطيل، تحيط به الحجارة من الأطراف الأربعة... هيأت القبر، لكنني كنت أفكر كيف أواري جثمان رفيقتي التراب؟ كيف أضع بنفش تحت التراب بيدي؟... فأنا أعرف بأنني سألاقي الصعوبة في نقلها، ولكن أرجع وأقول في نفسي:

ـ يجب أن لا أدفنها تحت الأرض، بعد كل هذا العذاب، كيف أتركها تحت الأرض؟...

جمعت بعض القش من الجوار، فرشتها في جوف القبر. وضعت حجراً كوسادة مكان رأسها، فرشته بالقش. حضرت لها فرشاً من القش، ووسادة من القش، وكأنني أهيئ مكان نومها.

 عدت في المساء إلى الملجأ بهواجسي وهمومي، قلت للجريح:

ـ رأيت مكاناً، إنه قبر على ما أعتقد، سوف أخذها.

أجاب:

ـ ربما يكون قبر قديم، سوف تأكلها الحيوانات.

ـ لا، إنها محفورة بين الصخور، نظفتها، ولم أر فيها أثار تدل على إنها قبر قديم.

قال في لهجة تأسف:

ـ لا أستطيع مساعدتك، وأنت لا تستطيعين أخذ الجنازة وحدك؟

أخذت قطعة المشمع الممدودة على الأرض تحتنا. وضعت فوقها جثمان الرفيقة بنفش. فتحت حزامي القماشي( شوتك). لففت عليها المشمع جيداً، ربطت الشوتك على وسطها. خرجت من باب الملجأ. سحبت طرف القماش الباقي في يدي.

جرجرت الجثة للخارج حتى استقرت على الصخرة الموجودة أمام الملجأ. نزلت إلى أسفل الصخرة. حملت الجثة حتى استقرت على كتفي بصعوبة. سرت متوجهة بها نحو القبر.

         توقفت عند حافة القبر، وقد جفت دموعي، وحتى الدم في عروقي... توقف تفكيري... لا أريد أن أضعها في القبر... مضت دقائق من الحيرة، وأنا واقفة والجثة على كتفي...

 عندما كنت على وشك أن أنزلها القبر، تراءى لي وكأن شبحاً قدم من الخلف، ووضع يده على كتفي!

كنت متعبة نفسياً، كما كنت أتخيل كيف أضع الجنازة في القبر... أمور كثيرة اختلطت علي.

 عندما شعرت باليد على كتفي، صرخت لا إرادياً، سقطت الجثة في القبر. نظرت خلفي لم أر أحداً! كان مفتاح أمان سلاحي مفتوحاً، لأنني كنت أفكر بأن العدو لا بد إنهم رأوني، لأنني تجولت كثيراً في ذلك اليوم، لذلك وضعت سلاحي على مقربة مني في حالة التهيؤ.

سقطت بنفش في القبر. جلست على حافة قبرها، بكيت دماً على رفيقتي التي فقدتها، وها هي تغيب عني... بقيت هناك حتى الساعة السابعة مساءً.

كان الجريح ينتظرني في المخبأ، وعندما فكرت به، نظرت إلى الساعة، وجدت بأنني غبت عنه أكثر من ساعتان، لكنني لم أكن أستطيع أن أقنع نفسي بأن أطمر الجثة. بقيت أبكي، وأخيراً قلت لنفسي:

 ـ سوزدار، هذا لا يجوز، العدو أمامك، والجريح ينتظرك في المخبأ؛ هيا، واريها التراب...

جلبت ألواح صخرية رقيقة. بعد أن أخفيت الجثة تحت القش، وضعت الألواح الصخرية فوقها. بعدها أحضرت بعض التربة الحمراء، رششتها على الحجارة. أخفيت أثار القبر جيداً؛ خوفاً من أن يقوم العدو بإخراجها والمثول بها.

عندما أنهيت مراسم الدفن وحدي، بلغت الساعة الثامنة ليلاَ. عدت أدراجي. وجدت الرفيق ملهوفاً، يفكر فيما حل بي، سألته:

ـ  كيف هو وضعك؟

ـ لا بأس. ماذا فعلت؟

ـ دفنتها...

 كانت الظروف فوق قوة تحملي، ولم أستطع أن أمنع نفسي من البكاء.

قلت:

ـ لن أستطيع التحمل أكثر، سأتصل بالرفاق.

 حملت سلاحي وجهاز اللاسلكي، خرجت ثانية، ذهبت إلى القمة. طلبت الرفاق. قلت لهم عن طريق الرموز:

 ـ استشهدت الرفيقة بنفش.

أخذت مجموعة منهم طريقها إلينا على الفور. كانوا يبعدون عنا مسافة يومان، لحقوا بنا في اليوم التالي.

 مضى علينا ثمان أيام لم يغمض لنا فيها جفن، ولم نتذوق أي طعام. شهادة الرفيقة بنفش تركت أثرها علينا، ولم أكن أستطيع الإفصاح عما في نفسي للجريح في أن يكون العدو رآنا. طوال الوقت وأنا أحاول أن أرفع من معنوياته.

بلغت الساعة قرابة السابعة والنصف ليلاً، سمعت صوت طقطقة فوق المكان. تأكدت في نفسي بأنهم العدو، قلت للجريح في هيجان:

 ـ هناك طقطقة على الملجأ، بعد شهادة الرفيقة بنفش، وبعد كل هذا العذاب، وهذا الجهد، والدم والعرق، مهما كان؛ إن جاء العدو، لن ندعهم ينالون منا. سأخرج رأسي من الملجأ، أبق أنت في الداخل؛ معي قنبلتان، نستطيع استخدامهما...

أجاب في قناعة:

 ـ  تمام.

سحبت حلقة أمان الرمانة اليدوية، رفعت رأسي من الملجأ، صرخت بصوت عال:

ـ من أنتم؟

أجابوا:

ـ نحن رفاق.

 بمجرد معرفتي بقدوم الرفاق ودخولهم المنطقة، غبت عن وعيي، كما غاب الجريح. كنت أحس بالرفاق يطوقوننا، يجبرون بخاطرنا، يقولون:

ـ لا بأس، تحدث مثل هذه الأمور في الثورة...

وأنا أجيبهم:

ـ لا، لا...

بعد أن عدت إلى رشدي خلال نصف ساعة، أعطانا الرفاق الماء والطعام، لكننا لم نستطع شرب الماء ولا تناول الطعام. غبنا عن وعينا مرة ثانية.

 بعد ثمان أيام من السهاد، طبق الكرى أجفاننا. لم نفق إلا في الصباح. عندها خرجت برفقة الرفاق، بينما بقي أحد الرفاق مع الجريح هناك.

         ذهبنا إلى حيث الرفاق، وأنا متأثرة بالعذاب الذي لاقته الرفيقة بنفش، كنا سنمشي ما بين ساعتين أو ثلاث ساعات على الأغلب، لكننا سرنا ثمان ساعات.

عندما حل الصباح، وجدت الخضرة تحيط بنصيبين، ضجيج الناس، صراخ الأطفال، خواء الماشية... كان الأطفال في طريقهم إلى مدارسهم، والحياة طبيعية، وكأن شيئاً لم يحدث، فكرت في نفسي كثيراً، تقدم مني أحد الرفاق عندما رأى حالتي وأنا جالسة وعيناي معلقتان في الأفق البعيد، سألني:

 ـ بماذا تفكرين؟

ـ أفكر في نصيبين.

ـ لماذا تفكرين بها؟

أشرت بيدي نحو البلدة، وأنا أقول:

 ـ أنظر أبناء هذا الوطن، يحاربون خلف ديار آبائهم. كنا على بعد ساعتان من هذه الديار. كل أهل بنفش يسكنون ذلك الحي. بنفش استشهدت هنا، دفتها تحت هذه الصخور... لا أحد يعرف.

 لو كان ذلك في وطن أخر، وفارق الحياة فرد في مثل سنها، كان يجب أن يحزن كل من في هذا البلد لفقدان شابة في مثل عمرها وينتقموا...

ـ صحيح.

ـ كيف لعائلة ذا علم وجاه هنا، ونحن خلف ديارها، ولا أحد يعرف أية بطولة عاشت في أرض بلدتهم.

نظرت في السهل الأخر أمامي، والبرج القابع فيه، قلت بقلب مفعم بالغليان:

 ـ كان يجب أن يبكي هذا البلد في هذا اليوم، يحزن... ولكن ما يظهر أمام ناظري لا يعطي ذلك الانطباع، فمعنوياتهم عالية، وليس لهم علم بهذه البطولة، وهذه الصعوبات.

أجاب الرفيق بتأثر:

ـ صحيح.

نزلت دمعات سخية من عيني الرفيق، قمت من مكاني وسرنا سوية في طريقنا إلى مكان الرفاق.