Kurdî  |  Tirkî

سأمضي على درب رفاقي

غربت سرخبون

gerila biraninلقد تطوعتُ قبل سنتان، لكن الرفاق لم يقبلوا تطوعي. كان أخي سرخبون كيريللا، وعائلتي وطنية. كنت أعتقد أنَّ أخي قائدٌ عسكري، سيفرح كثيراً عندما يراني مقاتلة في الجبال. شاركتُ مع رفيقاتي ورفاقي في المظاهرات والمسيرات في منطقتنا جولمرك. قبضتْ عليَّ الشرطة مرتين. لأنني كنت صغيرة، كانوا يقبضون عليَّ حتى الليل، بعدها يأتي أبي لأخذي. كنتُ طالبة في المرحلة الإعدادية، ترفعتُ إلى الصف الثالث. بعدها هددوني قالوا لي:" هذه هي المرة الأخيرة، لن ندعك بعدها إنْ قبضنا عليك مرة أخرى". كانوا جادين، وأنا لم أنتظر أن يقبضوا علي مرة أخرى.

 

الشباب المتطوعون من كفر يقولون:" قاتلنا العدو بالحجارة حتى تعبنا. بعدها قذفناهم بالمولوتوف كوكتيل حتى تعبنا، والآن جئنا لنضربهم بالنار." وأنا جئتُ لأحارب العدو. فهم لم يتركوا أمامنا طريقاً أخر.

بعد مرور شهرٍ ونصف على وجودي في الجبال، كنتُ ما أزال في دورة تدريب للمقاتلين الجدد عندما قصفتنا الطائرات الحربية التركية.

في ذلك اليوم عندما قمنا في الصباح الباكر للاجتماع، كانت طائرة التجسس الأمريكية من نوع "البريديتور" تطيرُ فوق معسكرنا. لم نذهب للاجتماع الصباحي. بقينا ننتظر ابتعادها، دون جدوى. كانتْ توسع دائرة طيرانها، نعتقد إنها تقوم بالتركيز على مكان أخر، لكنها تعود وتضيق الحلقة فوق ساحة معسكرنا مرة أخرى.

لم تترك تلك الطائرة التجسسية سماء معسكرنا. فلمْ نستطع إشعال النار لعمل الشاي، ولم نستطع التحرك، بقينا ننتظر ابتعادها دون أن نتناول طعام الفطور.

عندما حانَ وقتُ التدريب، أخبرنا مسئول معسكرنا الرفيق عدنان بأنْ نذهب حذرين إلى مكان التدريب على شكل وحدات، وأنا كنت مسئولة وحدتي في تلك الفترة.

ذهبنا إلى مكان التدريب الخفي. تلقينا تدريبنا في ذلك اليوم على تكتيكات الكيريللا. لأنَّ طائرة التجسس لم تبتعد عن سماء معسكرنا، بقينا في مكان التدريب. لم نخرج من مكاننا حتى في فترات الاستراحات. أخذتني غفوة خلال فترة الاستراحة. أعتقدُ بأنَّ أحد الرفاق ذهب إلى النبع ليشرب الماء، وقتها لاحظت طائرة الكشف حركته.

تناولنا طعام الظهيرة في الساعة الحادية عشرة. بعدها ذهبنا إلى التدريب متأخرين بسبب طائرة الكشف. كان الرفيق عدنان والرفيقة نودا ضمن لجنة التدريب في ذلك اليوم، وهما كانا واقفان أمامنا. بينما كنا جالسين على شكل صفوف. كنتُ أنا جالسة في المنتصف؛ في الصف الفاصل بين الرفيقات الجالسات في الأمام، والرفاق الشباب الجالسين في الصفوف الخلفية.

سمعنا صوت الطائرات الحربية القوي، عرفنا إنها طارتْ فوقنا، ولا بد أنْ تقصف معسكرنا. بمجرد سماعنا صوت الطائرات أخبرنا الرفيق عدنان الجالس أمامنا بأن نرتمي على الأرض. كنا جالسين أمامه، لكننا لم ننفذ ما قاله بسرعة، لم نعرف كيف نتصرف.

كانت المرة الأولى بالنسبة لنا، وقفنا في فوضى وتشتتْ، وقبل أن نرتمي على الأرض ضربتنا الطائرات. لأننا لم نرتمي على الأرض بقي الرفيق عدنان والرفيقة نودا واقفين يطلبون منا أن نرتمي على الأرض بسرعة. سقطتْ في ذلك الوقت قذيفة خلف مكان القومسيون، وواحدة خلفنا. كنت أحاولُ أنْ أرتمي أرضاً، لكن ضغط التفجيرات ضربني بعيداً، سقطتُ بعيداً عن مكان المكتب.

أصابتني بعض الشظايا في رأسي وساعدي. اعتقدتُ بأنني استشهدتْ... نظرت حولي لم أرى غير ضبابٍ من الدخان. قمتُ لأصعد إلى الأعلى. كنت أعرف كيف أحمي نفسي من التدريب الذي تلقيته. اعتقدت بأن بقية الرفاق توجهوا للأعلى، قمت لألحق بهم، لكنني رأيت الطائرات قادمة مرة ثانية. لذلك اختفيت تحت صخرة قريبة. بقيتُ تحت تلك الصخرة القريبة من النبع، رأيت الدم ينزف من رأسي وكتفي. لم أعرف أين هي جراحي بالضبط، نزل الدم على كتفي تلوثتْ ألبستي... قصفتْ الطائرات في الأعلى...

بعد أن اختفى صوت الطائرات، خرجتُ من تحت الصخرة. نزلتُ إلى النبع. شربتُ ماءً حتى ارتويتْ، ثم غسلتُ الدم عن ألبستي. أردتُ أن أشربَ من اللبن الموجود عند النبع، لأنني سمعتُ من الأهالي عندما كنتُ في جولمرك يقولون بأنَّ الجريح الذي يشرب اللبن، تطيب جراحه بسرعة. عندها سمعت صوت الطائرات تمرُّ من فوقنا مرة أخرى، هربتُ واختفيت تحت الصخرة مرةً ثانية. عندها قصفت الطائرات مناطق أخرى...

بقيتُ تحت تلك الصخرة. حاولتُ أن أكتب ذكرى عن القصف. لكنْ أقلامنا ودفاترنا طارتْ مع القصف. بحثتُ في جيوبي وجدتُ فيها دفتر وقلم. كتبتُ في الدفتر عن هذا اليوم، فذكرتُ فيه على أنَّ الطائرات التركية جاءتْ وقصفت معسكرنا...". فيما بعد أخفيتُ دفتري في جيبي، وتمددتُ تحت الصخرة طوالَ ما يقاربُ خمسَ ساعاتْ. اعتقدتُ بأنني سأستشهد، كنتُ أفكر طوال الوقت برفيقاتي ورفاقي، ماذا حلَّ بهمْ؟ لم أكن أعرف ماذا حل بهم. لم أتوقعْ أن يستشهد أحدٌ منهمْ، لأنَّ القذيفة سقطتْ عندي، وأنا لم أستشهدْ. منْ ارتمى أرضاً بسرعة لم يصبْ بأذى كبير، فقط أصابوا ببعض الشظايا الخفيفة.

بعد خمس ساعات، جاء الرفيق ولات، آمر الفصيلة. فرحتُ كثيراً عندما رأيتهُ، كذلك هو فرحَ لأنه كانَ يعتقدُ بأنني مستشهدة، سألني:

ـ رفيقة غربت هل عندكِ أحد.

لم ينضمْ الرفيق ولات في ذلك اليوم إلى التدريب، ولم يصب بأذى. أجبتهُ:

ـ لا، أنا لوحدي.

مسك بيدي، وأخذني إلى مكانٍ فيه أشجار جوز كبيرة. في الطريق رأيتُ الرفيقة دريا التي كانت تبحث عني، هي كانت قائدة فصيلتي. فرحتْ كثيراً عندما رأتني، وأنا كذلك فرحتُ برؤيتها.

بعد أن أخذوني إلى ذلك المكان، رأيتُ رفيقان جريحان، كانتْ جراحهم ثقيلة، ولم يكن يستطيعان المشي. مددوني أنا أيضاً بالقرب منهم، غطوني ببطانية، وذهبوا، بقينا نحن الجرحى الثلاث وحدنا.

عندها جاءتْ الطائراتُ مرةً أخرى، هربتُ إلى جهة الصخرة التي كنتُ مختفية تحتها منذ فترة القصف. بعدها أتتْ الرفيقة دريا، ساعدتني، وأخرجتني. سرنا على الطريق الذي كنا نستخدمه. أتتْ بي مرة ثانية لعند الرفيقان. ذهبتْ الرفيقة دريا والرفيق ولات للبحث عن بقية رفاقنا المفقودين.

طلبَ مني الرفيقان الجريحان أنْ أعطيهما ماءً. لكنني لم أقبلْ. كنتُ أعرفُ أنهما إنْ شربا الماء سيستشهدان. كان الماءُ قريباً، يجري في الأسفل. أصرَّ الرفيقان، حاولا التأثير علي، لكنني لمْ أطاوعهما، ولم أجلب لهما الماء كي لا يستشهدا.

بقينا في مكاننا، حتى جاء الرفاق من الشعبة الثانية لمساعدتنا. حملوا الرفيقان بين البطانيات، بينما أخذوا بيدي وسرنا على الطريق، عندها رأيتُ ثلاث رفيقات، فرحنَ برؤيتي، وتحدثنَ معي ليستفهمنَ ما إنْ كنتُ على ما يرام أم لا. الكل كان يعتقد على أني استشهدتُ.

بعدها جاء الطبيب لمعاينتنا في المغارة، نظفَ لنا جراحنا، وأخرج منها الشظايا. كما جاء الرفاق لزيارتنا. انتقلنا إلى مكانٍ آخر. كانت إيران تضربنا بالهاون. استمرت طائرةُ الكشف بالتجوال مدة ثلاث أيام متتالية. بقينا في مكان آمنْ. تعلمنا بعد تلك التجربة كيف نحمي أنفسنا من القصف الجوي.

لم يخبروني عن شهادة الرفاق. كنتُ أسألُ عنهمْ، إلا أنهم كانوا يقولون لي: " كلهم بخيرٍ وسلام". وأنا كنتُ أقول: "سقطتْ القذيفة بالقرب مني، وبما أنني لم استشهد، فهذا يعني بأنه لم يستشهد أحد".

في كلِّ ليلة كنتُ أرى الرفيقة نودم تأتي لزيارتي في الحلمْ، تقولُ لي: "سأعطيكِ سلاحي". عندما تكررَ الحلمُ لعدة مرات، قلتُ للرفيقة في إدارتنا: "أعرفُ أنَّ رفيقاتي ورفاقي مستشهدين، لماذا لا تقولون لي". عندها أخبرتني تلك الرفيقة بشهادة الرفيقة نودم عفرين، قائدة الفصيلة، والرفيق عدنان قائد السرية، والرفاق أندوك، ديرسم التي استشهدتْ بعد خمس عشر يوم في هولير.

لو كنتُ أعلمُ بخبر شهادتهم منذ البداية، لما ذهبتُ للاختفاء تحت الصخرة، كنتُ سأذهبُ إليهم. لو لم يقف رفاقنا وقتْ القصف، لما استشهد الرفيق عدنان، ولا الرفيقة نودمْ. ولكنْ لأننا لم نرتمي أرضاً بسرعة، بقينا واقفين، انشغلوا معنا، لم يفكروا بأنفسهم، حتى استشهدوا.

هكذا استشهد رفاقي. بعدها سمعتُ بأنَّ أخي أيضاً مستشهد منذ سنوات في زاغروس. شهادات رفاقي ورفيقاتي زادتْ من عزمي وإصراري في السمو من نضالي ضمن صفوف الكريلا. لذا أعاهدُ جميع رفيقاتي ورفاقي على أنني لنْ أدعَ أسلحتهمْ تبقى على الأرضْ، وسوفَ أحملُ سلاح أخي الشهيد كي أحققَ آماله وآمال جميع رفاقي الشهداء.