Kurdî  |  Tirkî

سطرت أرزروم مقاومة تاريخية

grila

الإبداء: أكري كوجر

أرزروم "Erzurum"، ربما أن الكثير منا حين يُذكر اسم منطقة أروزروم يتخيلها وكأنها منطقة جرداءٌ عارية، ونادرة المياه والأنهار. لكن كل امرءٍ إن زار هذه المنطقة، وتعرف على تاريخها وعلى تفاصيل جغرافيتها

، ستتغير آراه تجاه أرزروم بكل تأكيد. فهذه الجغرافية الفائقة الجمال، المشهورة بهوائها البارد، تكون حارة وقريبة إلى القلوب بالدفء الذي استمدتهُ من قلب الكريللا المتوحد مع جبالها وروابيها.

 

  كانت أرزروم ذات مركز أثري تاريخي عريق، ومياهه البرية تدهش بال من يقصدها. حين ينظر المرءُ إلى جبالها العالية سوف يلاحظ كم أن هذه الجبال متباهيةٌ بجمال وروعة أرزروم. كانت جبال باندوزا أقصاها ارتفاعاً. وحين يرفع المرء رأسه وينظر إليها؛ أول كلمة ينطق بها هي: "لا يمكن تسلق هذه الجبال". لكن إرادة الكريللا كانت أعلى من كل الجبال حين تجاوزتْ كافة القواميس المحتويةِ على كلمة المستحيل. لأن الأنصاريون (الكريلا) هدفوا دائماً القمم والذرى العالية طيلة مسيرتهم النضالية. فالسمو إلى الأعالي والتوحد معها كان أقدس شيء على درب الحرية بالنسبة لنا نحن الكريلا. أما الشيء الذي كان ينسينا كلَّ إرهاقنا بعد تسلق هذه القمم العالية، هو شرب قدحِ ماءٍ من ينابيع أرزروم الباردة والتي كانت تطيب لها كل نفس.

كان ما زاد جمال أرزروم، هي أسطورتها التاريخية المشهورة التي كانت قد تحولت إلى رمز على شكل ثلاثة جبال تُدعى بـ (سْتار، تاري وسُلْبُزْ). فقد قيل في زمنٍ ما بأنَّ ستار كانت فتاةٌ جميلة في ريعان شبابها تُذهلُ بها الأذهان، كما أنها كانت فضيلة الأخلاق يفتخر بها كل سكان البلدة. وحقةً هذا ما كان يتراءى للمرء عندما ينظر إلى قمة ستار، فهي قمةٌ شكلُها يشبهُ شكلَ فتاةٍ عاليةٍ رفيعة القامة، ترتدي تنورة مزينةٌ بأروع الألوان المتواجدة في مواسم السنة، فقد كانت تجذب بالَ من ينظر إليها. أما تاري، فقد كان شاباً ولهاناً بجمال ستار ويعشقها عشقاً لا نهائياً. إلا أنَّ سلبز يقع فيما بينهما ويغدرُ بعلاقتهما الصادقة تلك. لذا كان قد تحول كلٌّ من ستار وتاري إلى رمزٍ للحب والوفاء... وكل من كان يسمع بهذه الأسطورة كان يقصد هذه المنطقة ليزور جبال ستار، تاري وسلبز.

أجل... رحلاتنا نحن الكريلا كانت أشبهُ برحلة ستار وتاري، طويلةٌ أبدية، رحلاتٌ مليئة بالعشق والتوق لحياةٍ حرةٍ أبدية. وصارت كل بقعة من أرزروم شاهدةٌ على مغامرات وذكريات الكريلا المليئة بالألم والفرح. مغامراتٌ كانتْ تتصارعُ فيها ثنائيتا (الموت، الحياة) معاً وبشكلٍ دائم. وأنا كإحدى الأنصاريات التي قصدتْ هذه المنطقة الجميلة ومارست فيها النضال، أرغبُ في أن أتقاسمَ معكم إحدى الذكريات التي عشتها هنا.

العام كان عام 2008، أما الفصل كان فصل الخريف الذي يُدعى بفصل الوداع والانقطاع. إلا أنهُ كان فصلاً للإحياء والتجديد بالنسبة لنا؛ خاصةً أن جميع فصول السنة تعبر لنا عن الإحياء بشتى أشكالها. كما أننا حققنا في هذا الفصل انتصاراً كبيراً. في هذا العام كنا نمر بمرحلة حساسة جداً من كافة النواحي، فقد كانت الضغوطات قد ازدادت على قيادتنا وعلى الشعب بشكل عام. كما أن الشهادات التي عاشت في تلك الفترة كانت تنادينا بالانتقام واستخدام حقنا المشروع تجاه القوى المستعمرة التي كانت تهاجم شعبنا وقيادتنا ورفاقنا بوحشية لا تصدقها الأعين.

ففي الثالث من شهر شباط استشهد مجموعة من رفاقنا في منطقة (دلي تبة) نتيجة ممارسةٍ وحشية قام بها العدو. حيث أنه كان قد سمم جميع رفاقنا بداية الأمر ومن ثم قبض عليهم باليد. طبعاً الهدف من القبض عليهم بهذا الشكل كان كالعادة محاولة استسلام الرفاق والاعتراف بكل شيء. وللوصول إلى هدفه هذا، كان قد قام بقتل كل رفيقٍ أمام الرفيق الآخر وذلك لإجبارهم على الاعتراف بكلمة الاستسلام. لكن، وبسبب ارتباط جميع الرفاق بأهدافهم السامية وإيمانهم الكبير بهذه المسيرة التي بدؤوا بها وهم على وعي لكافة المخاطر والهجمات التي ربما تواجههم وتأخذهم حتى مرتبة الشهادة. وهذا ما أدى بهم إلى إبداء مقاومة كبيرة أدهشت العدو كثيراً. فقد كانت إحدى أعظم المقاومات التي شهدها التاريخ.

كل هذه الأسباب كانت كافية بالنسبة لنا للانتقام لروح رفاقنا الشهداء، والتحول إلى جواب تجاه الضغوطات التي يمارسها العدو على قائدنا وشعبنا.

فبدأنا برسم خطة عمليتنا، وتعيين الهدف الذي سنتخذهُ أساساً لنا أو حتى كيفية الهجوم على العدو في المكان والزمان المناسبين...الخ. كان الهدف، مقرٌ عسكري متمركز في منطقة كغي، يُدعى بـ تزباس (Tızbas) وكانت تقع فوقها قلعة كغي مباشرةً. هذا ما كان قد أدى إلى تحكم العدو على كل مكان من حوله، ويزيد من مخاطر عمليتنا أكثر. تم كشف المعسكر بشكلٍ دقيق جداً بدءً من مراقبة حركة العدو ووصولاً إلى ماهية الأسلحة التي يستخدمها. قمنا بالكشف بحذرٍ كبير جداً وذلك كي لا نقع في غفلة ما. كان جميع الرفاق ذوي هيجان وإصرارٍ كبيرين، لأن روح الانتقام كانت قد تسامت فيهم كثيراً، والجميع كان مستعداً للفداء بأغلى ما لديه دون أي تردد.

تم تحضير مجموعة مؤلفة من خمسة عشر رفيقة ورفيق. هيجانُ هؤلاء الرفاق كان قد وصل إلى الذروة، خاصة أنهم قد حصلوا على فرصة يتمكنون من خلالها الانتقام من سياسات العدو القذرة التي مورست وما تزال تمارس بحق قائدنا، شعبنا ورفاقنا...

مخطط العملية كان كالتالي: المجموعة بشكل عام مؤلفة من خمسة عشر رفيق ورفيقة. الرفيق قهرمان هو قائد العملية، جبهة الهجوم مؤلفة من أربعة رفاق وهم؛ (الرفيقة زين التي كانت قائدة المجموعة، الرفيق سفقان، الرفيق لقمان والرفيق منذر)، جبهة الحماية مؤلفة من خمس رفاق، جبهة الحماية هي أيضاً مؤلفة من خمسة رفاق وهم (أنا، الرفيق قهرمان، الرفيق أوزكر، الرفيقة سما والرفيقة رونيا). أما الرفيقان المشرفان على العملية؛ هما الرفيق ياشار والرفيقة هيزل درسيم.

توجهنا إلى مكان العملية، كنا سنبدأُ بالعملية في اليوم التالي. عندما كنا في أسفل المرصد ننتظرُ ساعةَ القيام بالعملية، فجأةً سمعنا من الراديو بأن اليوم هو الأول من أيلول أي يوم السلام العالمي. كانت كافة الشعوب قد تظاهرت طالبة للسلام والأخوة، لهذا تم تأجيل العملية إلى اليوم التالي، لأن حركتنا أيضاً هي حركةٌ تناضل وتحارب من أجل سلام الشعب الكردي وجميع الشعوب وحريتها. لذلك ونحن كثوار هذه الحركة واحتراماً لكافة الشعوب التي كانت قد خرجت طالبة للسلام وأخوة الشعوب، قمنا بتأجيل العملية.

في اليوم التالي تمركزنا في أسفل معسكر العدو، ننتظر ساعة القيام بالعملية. رفيقنا أوزكور (Özgür) الذي كان في صبا عمره (استشهد فيما بعد)، لم يكن يستطيع التوقف في مكانه لشدة الهيجان، وبالرغم من أنه لم يبقى في ساحات الحرب كثيراً، كان صاحب منطقٍ عسكري قوي، حيث يحسبُ حساب كل شيء، جسور حتى النهاية ولا يهاب المغامرات الخطيرة أبداً. كان يذكر بين الحين والأخرى، بسبب إصرارنا وادعائنا الكبير هذا، سوف نتمكن من تحقيق النصر مهما كان الهدف صعباً. أما الرفيقُ قهرمان (كان المسؤول عن إيالة أرزروم) كان يذكرُ دائماً؛ "علي الانتقام لرفاقي"... فعندما استشهد رفاقه العشرة معاً نتيجة تسميم العدو للرفاق وممارسة أبشع أنواع التعذيب بأبدانهم، كان الرفيق قهرمان قد نجا من هذا التمشيط مع رفيق آخر. كما أن الرفيق قهرمان كان هدف العدو الأساسي. فالعدو كان قد قال للقرويين، في أنهم إنْ تمكنوا من القبضِ على الرفيق قهرمان، سيعطيهمْ مبلغاً كبيراً من النقود.

بدأت عمليتنا في الساعة السادسة مساءً، لم يتوقع العدو في أننا سنهاجم في هذه الساعة أو حتى في هكذا ظروف، لهذا في الأثناء التي هاجمنا فيها على المرصد، لم يعد العدو يعرف يديه من رجليه، ووقع في حيرة كبيرة لا يعرف ماذا سيفعل وكيف سيتحرك.

لم يتوقع العدو في أن عددنا مؤلفٌ من خمسة عشر رفيقة ورفيقٍ فقط. حيث كان جميعهم يصرخون من شدة الخوف ويقولون فيما بينهم في أنه لم يبقى لديهم فرصة النجاة، لأن الإرهابيون قد طوقوا كافة الأماكن. وقد كانوا ينادون قائدهم قائلين: " لماذا لا تقوم بإرسال التقوية إلى هنا، لقد حوصرنا من كافة الجهات". لكن دون جدوى، لأن الجواب الذي كان قد جاء من المرصد، هو أننا لا نستطيع دخول مكان العملية فقد حوصر المكان بشدة من جميع الجهات. فيما بعد جاءت التقوية جوياً، لكننا قمنا بإمحاء تلك الطائرة، وهذا ما زاد من خوف العدو أكثر...

هاجم رفاقنا العدو بجسارة كبيرة، دون أن يهابوا من كافة أسلحتهم المتقدمة، لأن اتخاذ الحذر دائماً كان قد أسس فينا جرأة كبيرة. جُرحَ الرفيق قهرمان في تلك العملية، وكي لا يقع في أيدي العدو فجر رمانتهُ بنفسه، بعد أن أنبأنا بأمر التراجع للخلف عبر الجهاز اللاسلكي. وفي الأثناء التي كنا نناقش فيها كيفية قيامنا بالمناورة على العدو سمعنا صوت انفجار قنبلة. فيما بعد عرفنا بأن الرفيق قهرمان قد فجر قنبلته بنفسه كي لا يقع في أيدي العدو، وهو يهتف بشعارات النصر والانتقام.

تراجعت كافة قواتنا للخلف بعد إصدار الرفيق قهرمان أمر الانسحاب قبل أن يستشهد. وبهذا الشكل كانت العملية قد انتهت مُسفرةً عن مقتل خمس وثلاثين جندياً، واستشهاد الرفيق قهرمان بعد أن قدم روحاُ فدائية عالية. كانت لعمليتنا هذه صدىً كبير على الرأي العام أيضاً.

إن ما مددنا بالقوة، هي تلك الروح الآبوجية التي كانت قد أسست الرعب في قلوب العدو. وانتقامنا هذا إنما كان من النظام السلطوي بأكمله، ذلك النظام اللاإنساني الذي لا يعرف أي مكان لحقوق الشعوب المشروعة. لذا، فإن كل طلقة تطلق من سلاحنا؛ إنما تكون في سبيل حرية الشعوب وتأمين حياة حرة بالنسبة لهم، ليس في سبيل أي شيء يخدم السلطة أو التحكم على إرادة الشعوب. لهذا فإن القيام بمثل هذه الخطوات المنتصرة، إنما تكون خطوات تخدم في كتابة تاريخ الحرية بشكل صحيح. وبهذا الشكل أفدت كل رفيقة ورفيق من رفاقنا الشهداء بروحه في سبيل حياة حرة كريمة، ونُقشتْ ذكرياتهم في قلوبنا وقلب كل مناضلي الحرية. لهذا فإن الانضمام بروحهم الثورية هذه إلى المرحلة الراهنة، إحياء ذكراهم والانتقام لروحهم، هي من أقدس المهام بالنسبة لنا.