Kurdî  |  Tirkî

ذكرى مسيرةَ طريق

رابرين منذر

خلف الصخور أشعة الشمس الحمراء كانت تضرب وجوههم حزماً حزماً. كانت قد أحبت أورق الأشجار المهتزة مع نسيم الرياح والغيوم الكثيفة المتناثرة ضمن تلك الحرارة. إلا أن فرصة الاستراحة على صخرة

أو على عشبة ما، كان أكثر ما أحبته في هذه المسيرة الطويلة.

 

كانت الرياح داعبة باردة؛ تنشر معها أوراق الأشجار، ليتراءى بينها شعاع الشمس المختبئ والذي كان ليضرب أوجه الأنصاريين الخمسة الذين كانوا جالسين تحت ظل الشجر. لتخترق تلك الأشعة الحارة أجسادهم الباردة...

 كانت زين تنتظر هذه الاستراحة منذ فترة طويلة...

" قاومي يا زين، لم يبقى إلا القليل، سوف نعطي مهلة الاستراحة بعد مرور هذا الطريق... و..." هذه الجمل جعلتها أن تسير حتى هذا المكان. يا ترى، هل كانت ستبقى إن تركها الرفاق؟!... إن لم تخف، لكانت سترمي نفسها على الأرض في مكان ما من هذه الجغرافية الكبيرة ولن تقوم مرة أخرى أبداً. فهذا ما كانت قد حاولت القيام به في العديد من المرات؛ إلا أن الرفاق بعد أن ساعدوها وبقوا معها عدة مرات، كانوا قد قرروا فيما بينهم في أنهم لن ينتظروها لأنها ستخاف وتضطر على المشي. وزين التي كانت تسرح في مكان ما من الأماكن التي استراحوا فيها، في النهاية كانت تُجبر على الالتحاق بالرفاق بعد أن يقطع عليها النفس من شدة خوفها. إلا أنها حين رأت في أنهم لم يعودوا ينتظروها، كانت تقول لهم:

" أنتم اذهبوا، سأبقى هنا ولن آتي معكم " إلا أن رفاق المجموعة كانوا يشاهدوها من بعيد، حين يرون بأنهم تجبر على السير مرة أخرى، يستمرون في السير وهم يضحكون فيما بينهم. لذا فإن عنادها الذي لم يكن يفيد شيء ما، قد انكسر في النهاية. فإن عرفوا في أن خطتهم هذه ستنجح، لكانوا يقومون بها منذ البداية، فكم كانوا يفقدون الكثير من الزمن وهم ينتظرون مجيء زين. فكثيراً ما كان عليهم اجتياز مكان ما في الليل؛ إلا أنهم كانوا يضطرون على اجتيازها مع حلول الشمس رغم كافة المخاطر. وسبب ذلك، طبعاً هي زين...

الطرق لم تكن تعرف النهاية، وهذا ما كان يترك في مخيلة زين سؤال: لما كان الرفاق مجبرين على فتح هذه الطرق والجبال الوعرة؟... فلم تكن تستطيع السير رغم أنها لم تكن تحمل أي ثقل ما، فحتى سلاحها كان حمله الرفاق. كانت قد تورمت قدماها وتؤلمها كثيراً. فكانت تلاقي صعوبة كبيرة في حمل قدميها من الأرض لتقول:

" اللعنة، ما الذي أتى إلى هذه الجبال، وهل كانت أمي ثورية أم أبي؟ فكنت سأجلس الآن في البيت لا هم لي ولم أكن سألاقي صعوبة بهذا القدر..." بقدر أنها كانت مشغولة باللعنة لنفسها، كانت تلعن الأحجار، مجرد صعود صغير، الرفاق، حتى تصل في النهاية إلى لعنة قدر الشعب الكردي المؤلمة جداً. أي أنها كانت مشغولة بلعنة كل ما كان يخطر على بالها.

" كانت قد ندمت جداً بسلكها لمثل هذه الطريق والمغامرة الصعبة، بقولها: " ما هو عملي في هذه الجبال؟ "

فحين اختارت هذه الطريق وانضمت إلى صفوف الكريلا، كان قرارها عاطفي لأبعد حد، أي أنه كان قرارٌ ينبع من مشاعر الشباب المغامرة. فلم يكن قد جاء إلى بالها أي شيء آخر حين قررت تسلق طرق الجبال الوعرة. لذا لم تكن قد فكرت بأي تفصيل آخر، سوى شوقها لعائلتها. إلا أنها حين كانت تفكر بقوالب العائلة المحدودة، كانت تملكها فرحة كبيرة لأنها تحولت إلى فتاة مستقلة وبعيدة عن كافة قوانين ودساتير العائلة. كانت زين قد عاشت حياة مريحة جداً ضمن عائلتها التي لبت لها كل ما كانت ما ترغبه، إلا أنها كان تغضب من عائلتها من ناحية ما، لأن ما كانوا يقولونه هو الذي كان الأساس في المنزل، لذا فإن هذا التقرب قد زرع فيها شعور الانتقام منهم من خلال إعلانها لاستقلالها تجاههم.

كما أنه كان سيكون لها ذكرى في كل مكان تمر منه، كما كانت ستمر في كل يوم من مغامرة مختلفة وتسير ضمن هذه الطبيعة الروعة من الجمال وفي يدها سلاحها ليس بإمكان أحد التقرب منها.

إلا أنها كانت مترددة في تفكيرها، وذلك في أن هذه المسيرة طويلة جداً وربما لن تستطيع تحمل كل هذه الصعوبة في أعالي الجبال، وهذا ما كان يجعلها تأتي وتروح بين سؤال: هل أستمر في هذا المغامرة أم لا؟ كما أنها كانت تستغرب للرفاق الآخرين، لأنهم كانوا قد ساروا وما يزالون يسيرون منذ سنين طويلة وقطعوا المئات؛ بل الآلاف من الساعات، دون أن يملوا من سيرهم هذا. بل وكانوا ينظرون إلى كل ما يصادفونه في طريقهم وكأنهم قد رأوه لأول مرة، إضافة إلى كل هذا فإن الابتسامة لم تكن تفارق وجوههم أبداً.

حين كانت تفكر زين بكل هذا، كان غيظها قد ارتفع أكثر...

لأنها لم تكن تقوم من على الأرض أبداً، فكانت تقع كثيراً لدرجة أنها كانت تضيع فرصة مشاهدة مناظر الطبيعة الخلابة. أما في وقت الاستراحة، فمن شدة التعب والإرهاق، كانت ترمي بنفسها على العشب، وتبقى لديها طاقة التطلع إلى ما حولها.

كانت قد ملت من السير كثيراً، لتقول: " لا توجد في هذه المسيرة أية مغامرة ولا هيجان، فإنك تسير وتسير ولا تنتهي الطرق أبداً."

وحين كانت تبقى في نقطة تمركز الرفاق، هناك أيضاً كانت تمل من شدة الانتظار والتحدث عن موضوع ما، كما أنها كانت تمل من الحراسة ومن جمع الحطب ومن طبخ الطعام و... ليأتي كل شيء تكراراً لها ضمن فترة قصيرة. كانت عينيها ضعيفة بقدر أنها لا ترى أبعد من عدة أمتار. كما أنها لم تكن تعرف أن تنظر إلى شيء ما بقلبها وليس فقط بعينيها المجردة. فقد كانت غريبة إلى صوت قلبها.

حين كانت تستريح تحت ظل شجرة ما، كانت مرهقة بقدر أنها لم تكن تفكر بشيء آخر سوى أن الاستراحة على هذه الأحجار والأعشاب هو أجمل شيء في هذه الجبال. ولتوها كانت تكتسب كلمات الإرهاق والاستراحة معنى مختلف بالنسبة لها. لأنها لم تكن قد تعبت بهذا القدر في أي وقت ما، كما أنها لم تكن قد غضبت وغاضت وأحبت شيء ما. لم تكن قد عاشت تلك الفرحة الفريدة من نوعها التي تجمع وتحصل على شيء ما بجهدها وعرق جبينها. ولم تذق طعم ألم عميق من أجل شيء ما. أي أنها كانت غريبة للحياة، بقدر أنها لم تكن مشاعرها واضحة في موضوع ما. كما أنها لم تمتحن نفسها في أي وقت ما؛ فقد كانت قد غرقت ضمن الحياة المتوسطة في كل شيء. أما نظرتها إلى شيء ما، فقد كانت رؤية مكسورة تسير مفقودة الأمل من كل شيء. لذا فإنها لن تتمكمن من تجاوز سطحيتها هذه، إلا بعد أن تنتصر في النظر إلى الحياة بقلبها وفكرها بشكل صحيح.

كانت قد شكلت أحاديث الرفاق، وصوت قهقهاتهم، ونسيم الرياح وصوت البعوضة وشعاع الشمس البراق الذهبي اللون قد شكلوا معاً توحداً مدهشاً، لتشكل في العقل لوحة مليئة بالأمل والحياة. فتحت عينيها بشكل خفيف، لترى زرقة السماء الصافية والغيمات الكبرى تصبح عليها نهارها، كانت ذروة الجبال التي تقابلهم بيضاء، وفي بعض الأماكن بنية اللون، أما سهولها فكانت خضراء تحوي في داخلها الألوان الحمراء أيضاً. فحين كنت تنظر إلى صخورها كانت تتراءى لك وكأنها وعرة مخيفة وصعب التسلق إلى أعاليها، إلا أنه كانت تمتد فيما بينها سهول خضراء واسعة، والغابات كانت كثيفة وكأن أشجارها كانت تتحدث مع بعضها البعض.

حين كانت تبتسم لهذه المناظر الجميلة، تلاقت عيناها مع عيني رفيق آخر، فازدادت الابتسامة لتكبر أكثر وأكثر... أحبت زين هذا الشعور كثيراً، فرغبت في أن تملكه في قلبه وألا تضيعها أبداً. أغمضتْ عينيها واستندت إلى جذع شجرة تقع خلفها فوراً؛ إلا أنها مدت قدميها مرة أخرى، لتنظف كافة الأوراق المتجمعة تحت الشجرة.

طالت الاستراحة، لذا تهيأ الجميع للبدء بالسير؛ إلا أن زين لم تكن ترغب في النهوض أبداً، وكانت ترجح الموت بدلاً من السير مرة أخرى.

" هيا يا رفيقة زين لم يبقى إلا القليل من أجل وصولنا إلى مكاننا، فلا نستطيع الوقوف هنا، هيا فلننهض ولنسير رويداً رويداً " قالت لها الرفيقة ساكنة. كانت الرفيقة ساكنة قديمة جداً ضمن صفوف الأنصاريين وقد توحدت مع هذه الجبال ومع هذه الطبيعة. كان للرفيقة ساكنة وجه قاس، وكأن قد نقشت برياح الجبال. كانت في السابعة والعشرين من العمر، رغم وجهها القاس، كان لها صوت رقيقٌ جداَ، كما أن حرارتها ونقاشاتها الطبيعية تلفت نظر الإنسان كثيراً. لكن رغم ذلك لم تتمالك زين نفسها من الغضب مع الرفيقة ساكنة أيضاً.

" طبعاً، إن السير لا يشكل أي مشكلة بالنسبة لك، فأنتِ قد تعودتِ على هذه الظروف الصعبة " تحدثت معها الرفيقة ساكنة بعض الشيء، وذكرتها بأنه لم يبقى سوى طريق قصير أمامهم؛ إلا أن زين في هذه الأوقات لم تستمع إلى أي كلمة قالتها الرفيقة ساكنة، لترتفع موجات الغيظ مرة أخرى، فتضيف زين قائلة:

" من الآن وصاعداً لا تقولوا لي بقيَ القليل، فإني أنزعج كثيراً حين أسمع هذه الجملة، كما أنه لا يهمني إن بقي القليل أم لا..." أنهت جملتها هذه وهي مغمضة العينين، ولم يكن لها نيةٌ في التحرك من مكانها.

" لما لا نبقى هنا، فقد مليت وتعبت من السير"

فأجابتها الرفيقة ساكنة بكل هدوء: " لأن لنا عدو، لا يعفو أي شيء"

بدأ الرفاق بالسير مرة أخرى، ما إن انقطعت صوت أقدام الرفاق من الرفيقة زين، بدأت تتكلم فيما بينها بغضب مرة أخرى. كانت تسير وهي مستندة على عصى صغيرة، فكل عظامها كانت تؤلمها بشدة، إلا أنها كانت مضطرة للوصول إلى الرفاق بسرعة، لأنهم قد أوشكوا على الضياع خلف الصخور البعيدة...

انغمرت زين في النوم مع وصولها إلى نقطة تواجد الرفاق. نهضت فوراً من نومها العميق، وكان الظلام يحل رويداً رويداً. رأت نفسها عديمة الطاقة، وتحس بأنها جائعة كما أنها بردت كثيراً؛ بعد أن نهضت جيداً، تهرولت باتجاه النار التي أشعلها الرفاق، كيفما لاحظ الرفاق قدوم زين، فتحوا لها المكان لتتدفأ، لتقول زين: " لقد بردت كثيراً "

وضع الرفيق سنان طبق الجبن والخبز أمامها، أما الرفيقة ساكنة فقد أمدت إليها كأساً من الشاي. أحست بالحرارة التي انتشرت في وجودها مع شربها للشاي. وحينها عرفت زين بأنها تحب النار والحرارة كثيراً.

ضمن هذه الأشهر الثلاثة، كانت قد بدأت زين في فرق ومعرفة الكثير من الأشياء. فالأشياء التي كانت تحبها والتي لا تحبها كانت مرتبطة ببعضها كثيراً. مثلا: لم تكن تحب السير في هذه الجبال؛ إلا أنها كانت تجنُّ لتلك الاستراحة التي كانت تعطى بعد سير طويل مرهق. لم تكن تحب التعطش أبداً؛ لكن شرب قدح ماءٍ بادر كان أجمل من كل شيء بعد التعب وقطع الأنفاس. كانت تغضب جداً من قول رفيق ما بأنه توجد الحاجة لجمع الحطب؛ إلا أنها كانت تستمع بحيرة ودهشة كبرى على نفس الصوت حين كان يتحدث عن ذكرى ما أو يغني أغنية ما إلى جانب النار... الخ فقد كانت زين أشبه بتلك الورقة التي تتناثر مع نسيم الرياح وتشع مع شروق الشمس.

في تلك الليلة نامت وهي تفكر في أنها لن تستطيع الاستمرار أكثر، وقررت في النقاش مع الرفاق بخصوص عدم بقائها في الجبال.

نهضت بشكل آني في منتصف الليل، خوفها هذا كان قد أدهش الرفيقة كوجرين أيضاَ.

" اهدئي يا زين، فلا يوجد شيء "

قالت زين: " ما الذي حصل؟"

" لقد كنتِ ترتجفين من شدة الرد، وحين حاولت أن أضع الوشاح (الكفية) عليك، نهضتِ فوراً، ربما قد خفت من ذلك..."

رأت زين بأنه يوجد وشاح آخر وضع من على وشاحها.

لتقول: " ههههههمممم..." وتنسرح في النوم مرة أخرى.

حين نهضت في الصباح، رأت بأن الرفيقة كوجرين قد تجمدت من شدة البرد، فقد كانت قد وضعت يداها فيما بين ساقيها كي تتدفأ قليلاً. وحين رأت بأنه لا يوجد شيء على الرفيقة كوجرين، علمت في أنها قد وضعت كفيتها على الرفيقة زين في الليل.

تأثرت زين بهذا الموقف كثيراً، وقررت أن تؤجل النقاش مع الرفاق، وقد اضطرت على خلق العشرات من الحجج كي تؤجل ما ترغب أن تتقاسمه مع الرفاق.

*********

بعد مرور أسبوع

حين عادوا إلى مكانهم بعد مسيرة ماطرة، لم يكن لديهم فرصة إشعال النار وغلي الشاي في هذه المرة، لأن العدو كان قد خرج للتمشيط، وكان يبحث عن الرفاق تحت كل صخرة وكل شجرة. فالتجأ الرفاق إلى مكان آخر كان آمناً جداً، لم يكن يأتي إليه العدو بكل جسارة، وإن حاولوا المجيء، فإن الرفاق هم الحاكمين على المنطقة وسيضربون العدو ضربات كبرى.

اختبأ الرفاق تحت الصخور كي يحموا أنفسهم من الأمطار التي كانت تهطل بشكل غزير. إلا أنه في مثل هذه الأوقات تكون الصخور باردة جداً، لكن لم يكن لديهم حظ آخر في التدفء. كانوا سيتدفؤون من خلال الاستناد إلى بعضهم البعض. كانوا قد وضعوا زين فيما بينهم؛ إلا أن زين التي كانت تضرب أسنانها ببعضها البعض، قالت:

" لما أنا هنا فما عملي هنا، كنت سأكون الآن في فراشي الحار" قالت جملتها هذه إلا أنها كانت مرهقة بقدر أنها لا تستطيع الغضب أيضاً، فقد أحست بأن طاقتها لا تكفي لذلك...

لم ينهض الرفاق زين من أجل الحراسة، كي تتدفأ بعض الشيء في حضن الرفيقات. كانت قد تأثرت كثيراً من الرفيقة ساكنة التي كان همها أن تدفئ زين فقط. كانت تنهض في كل مرة في أثناء تغير الحراس؛ إلا أنها كانت تسرح للنوم مرة أخرى.

كانت الشمس قد بدأت بالشروق حين نهضت زين. حين قامت لم ترى أحداً من الرفاق حولها، فالجميع كان قد قام ويحاول القيام بشيء ما، إلا أن الجميع كان مضطراً لانتظار الرفيقة روكن وساكنة اللتان ذهبتا إلى المرصد من أجل كشف حركة العدو.

جاءت الرفيقة ساكنة لتقول: " لا يوجد أي شيء، بإمكاننا إشعال نار صغيرة، ليتدفأ الرفاق بعض الشيء. بعد أن أشعل الرفاق النار، نادوا الرفيقة زين أيضاً، فجاءت بسرعة كبرى لتحتضن مع حرارة النار.

********

حضر الرفاق أنفسهم، ليقوموا بعملية ما ضد العساكر الذين بدئوا بالانسحاب من المنطقة. كانت خطة العملية هي نصب كمين للعدو، لذا كانت ستفترق مجموعة من الرفاق عنهم. المجموعة كانت مؤلفة من خمسة رفاق إحداهم الرفيقة ساكنة والرفيقة روكن وثلاثة من الرفاق الآخرون. مُلِئ قلبُ زين بالحزن والألم لهذا الوداع. وضعت الرفيقة ساكنة يداها الصلبتان على كتفي زين:

" ستتحولين إلى أنصارية قوية؛ وسيأتي يوماً ما نذهب فيه معاً إلى العملية " ودعتها الرفيقة ساكنة بهذا الشكل. صوتها كان رقيقاً كالعادة، كان مليئاً بالحب، وحين رأت زين إلى عينيها السوداويتين المليئتان شعاع الشمس؛ عرفت في أنها ليس صلبة وقاسية أبداً.

" تعالوا بسرعة..." قالت زين بصوت خافت، وتحركت لتبتعد من الرفاق، لأنها كانت تعلم بأنها دموع عينيها لن تتمالك نفسها، فقد حاولت الضحك بكل صعوبة، وقالت:

" إن لم تأتوا، نادوني سوف آتي إليكم بسرعة فائقة لأساعدكم في العملية، فأنتم تعلمون بأني أسير جيداً..."

" الإنسان لا يسير بقدميهِ، بل بإرادته، فالإيمان والحب هما اللذان يوصلا الإنسان إلى هنا. فالإنسان يقوم بكل شيء من أجل شيء ما يحبه، ويضحي بنفسه في سبيله أيضاً. فلا تأكلي الهم من أجل قدميك، بل سيري معنا بقلبك وفكرك..."

كما أن الرفيقة ساكنة تابعت قائلة: " حين يكون الإنسان ذو وجهين أو ذو قرارين في موضوع ما، فإن طاقته تضيع وتفقد ضمن هذين القرارين؛ إلا أنه إن توضح في قراره، فإن قلبه سينبض بشكل قوي."

زين: " قلبي ينبض بكل قوته من أجل النضال، إلا أني امرأة بلا قوة "

الرفيقة ساكنة: " لا، أنتِ قوية جداً، إلا أنك لم تتعرفي على قوتك بعد، ذلك لأن النظام السلطوي الحاكم، قد أثر في شخصيتك أكثر من المجتمع الكردي."

هكذا قالت الرفيقة ساكنة، وابتعدت المجموعة إلى حيث البعيد رويداً رويداً...

إلا أنه لم يعود أحدٌ منهم أبداً... فقد انضموا إلى صفوف الشهداء، ليحلقوا في عالم الخلود.

********

بعد مرور شهرين

في هذه المرة كان قد وصلت قبل جميع الرفاق إلى ذروة الجبل، وصارت ترى جمال الجبال بقلبها... وتوحدت في هذه المرة مع مناظر الطبيعة الخلابة. لتتسلق القمة بإرادتها، وعنادها وبإيمانها وليس بساقيها. وصارت تسير لكشف قوتها الحقيقية ضمن حقيقة الحرب والحياة في أعالي الجبال.

نادت الرفاق الذين لم يصلوا بعد إلى القمة:

" هيا، تعالوا بسرعة، توجد هنا مناظر خلابة، جميلة جداً"

حملت سلاحها إلى حضنها، ذلك السلاح كان عائداً للرفيقة ساكنة.

كانت تحسُّ بشكل قوي بألم فقدان شيء ما، وحماية شيء ما في سبيل هذه الحياة المقدسة، وكان قلبها قوياً ويتعرف على كافة المشاعر والأحاسيس، لتعرف كيف تفرِّق بين الجميل والقبيح، بين الصح والخطأ، بين الحياة والموت...