Kurdî  |  Tirkî

شقيقتان ورفيقتان

biraninegerila

إعداد روناك مراد

بيني وبين أختي فاطمة الأصغر مني، ثلاث سنوات. كانت أقرب المقربات إلي، أرادت أن تتطوع معي، لكنها كانت ما تزال صغيرة. تطوعتُ قبلها مع اثنان من أبناء أعمامي، وواحد من أبناء خالي. لم أودع أحد من عائلتنا الوطنية غيرها. ودعتها هي وحدها، وكنت أعرفُ أنها ستلتحق بنا. كنا ثلاث أخوات، ولنا أخان، وأنا أكبرهم. انتقلتْ عائلتنا إلى اسطنبول من ظلم الحكومة التركية. ولم يحالفنا الحظ في الذهاب إلى المدارس أنا وأختي فاطمة. بعد أن ذهبتْ أخوتنا الصغار إلى المدرسة، علمتْ فاطمة نفسها معهمْ. كانت ذات شخصية مميزة، واثقة من نفسها، فإن أعطتْ قرارها في شيء ما، ليس بإمكان أي شخص أو أي شيء أن يعيقها. قبضَ عليها العدو مرات كثيرة أثناء نضالها السياسي، وقاموا بتعذيبها، لكنها لم تتراجع، بل عملتْ على تطوير نفسها أكثر.

لم تنقطع أخبارها عني، وبعد سبع سنوات، قالوا: " أختكِ فاطمة تطوعتْ والتحقت بالأنصار في ولاية آمد، وحملت اسم ماريا بين الأنصار". كنتُ أنتظر مجيئها، وأسمع أخبارها بين الحين والأخر، يقول عنها رفاقها بأنها ناشطة في التنظيم المحلي. وصرتُ أنتظرْ أول لقاء بها بين الكيريللا بفارغ الصبر.

بقيت أختي ماريا في ولاية آمد أول عهدها بحياة الكيريللا. وبعد فترة قصيرة انسحبت قوات الأنصار من الشمال إلى الجنوب في عام 1999، قلت" لا بد أن تأتي مع القادمين". وصرت أتتبع أخبار القادمين من آمد.

كنت في مقر PAJK، رغبتُ في الذهاب إلى مكاني في معسكر التدريب، فرغم إصرار الرفيقات في أن أبقى عندهنَّ في تلك الليلة، إلا أنني لم أستطع منع رغبتي في العودة إلى مكاني. كان هناك دافعٌ نفسي يدفعني للعودة. وكنت أحس بشيء في قلبي، لكنني لم أتبينه. شاركت الرفيقات فرحتي بتطوع أختي. وأخبرتُ الرفيقات اللواتي جئنا معاً إلى المعسكر، قلت لهن" أنها قادمة".

بعد عودتي إلى المعسكر بيوم أو أثنين، ما بين الساعة العاشرة والحادية عشرة ليلاً، كانت الرفيقات تتفرجن على التلفزيون في المكتب. بقيت أنا مع رفيقة أخرى في المهجع، كنت متعبة بعض الشيء. كان المهجع كبير، وضوء اللمبة الخافت لم يكن كافيا لينير كل المهجع. جاءت واحدة من الرفيقات طلبت منا الذهاب إلى المهجع الثاني، لأن مهجعنا كان أكبر، أرادوا تفريغه من أجل الأنصار القادمين.

بعد أن ذهبت أنا ورفيقتي إلى المهجع الثاني. فجأةً تذكرتُ، وكأنني عدتُ إلى وعي للتو، سألتُ إحدى الرفيقات: " من أين جاء رفاقنا؟.." أجابت: " من الشمال."

قمت على الفور، وفي نيتي أن أذهب لأسألهم عن أختي المتطوعة، ربما التقوا بها. قالت لي الرفيقة: " ولما العجلة، لقد جاءوا للتو، وسيقضون الليلة هنا." في اللحظة التي كنت أتحدث مع تلك الرفيقة، سمعت واحدة من الرفيقات تناديني بصوتٍ عال:" رفيقة مزكين جاءت أختكِ، أنتي لم تتعرفي عليها". قلتُ في نفسي:" لأنني تحدثت لهن عن أختي، ربما هي تمزح معي". رفعت صوتي وقلت:" لا تمزحي يا رفيقة". قالت" أقول الحقيقة، أختك في الأعلى، تسأل عنك".

ذهبت للأعلى بلهفة كبيرة. ظهر إنها هي أيضاً كانت تسأل عني وتتبع أخباري كلما ذهبت إلى مكان ما. عند وصولها إلى آمد، كانت قد سألتْ عني. كان هناك بعض الأنصار ممن يعرفوني، قالوا لها: " نحن نعرفها، هي في ولاية بوطان". وعندما وصلتْ إلى بوطان، كانت قد سألتْ عني مرة أخرى، إلا أن جواب الرفاق كان: " نحن نعرف الرفيقة مزكين، لكنها ذهبت إلى الجنوب." وعندما وصلت إلى معسكرنا، سألت الرفيقات، قالوا لها: "إن أختك مزكين هنا..." وعندما قالوا لها هي هنا، صرخت" أختي". وفي هذه اللحظة صرختْ إحدى الرفيقات بأعلى صوتها، وهي تناديني.

عدت إلى مهجعنا الكبير، القليل الإضاءة، رأيتُ عدداً كبيراً من القادمين من ولاية آمد. ظهر إنهم قالوا فيما بينهم:" سنرى إذا كانت ستتعرف الرفيقة مزكين على أختها ماريا، أم لا؟..."

مع دخولي إلى المهجع، بدأت بالسلام عليهم بداية الأمر، وسرتُ نحو الجالسين في آخر المهجع، أي نحو المكان الأكثر والأشد عتمة. كاد قلبي أن يقفز من صدري، وأنا أمدُّ يدي للرفيقات، وأصافحهنَّ واحدة بعد الأخرى، وأجول بنظري في الوجوه كلها. لاحظتُ تململ واحدة في أخر المهجع، ظهر إنها تريد أن تتمالك نفسها، لكنها لا تتحمل الصبر حتى أصل إليها، وكانت تريد أن تجاري الرفيقات، فيما إذا كنتُ سأتعرف عليها أم لا.

عرفتها على الفور.

لكنني تابعتُ مصافحة الرفيقات. بعد كل تلك السنوات، وفي أول لقاء بيننا، ارتمت في حضني، ولم نعد نستطيع منع عباراتنا التي حبسناها حتى هذا الوقت. تأثر الحاضرون بلقائنا. سهرنا الليل كله، وبقينا مع بعضنا حتى الصباح.

وفي الصباح شاركت ماريا في اجتماع قواتهم، استمر الاجتماع حتى ساعات الليل. وافترقنا بعد هذا اللقاء، بقيتُ أنا في معسكر التدريب، وذهبتْ ماريا إلى معسكر قواتهم. كانت المسافة بعيدة بين معسكرنا.

بعد مدة، ذهبت إلى مقربة من معسكرهم، جاءت هي للقائي. وتكررت لقاءاتنا، وتبادلنا الزيارات.

بقيت ماريا في قنديل، وكان حلمها الذهاب إلى الشمال. في عام 2004 ذهبت إلى ولاية زاغروس. لكنها لم تتنحى عن رغبتها وعزمها في المضي أكثر، والذهاب أبعد في عمق الشمال، والوصول إلى ولاية ديرسم. حتى تحقق حلمها في عام 2007 بالذهاب إلى ولاية غرزان، حيث أنها لم تتمكن من الذهاب إلى ديرسم. نجمتْ رغبتها في الذهاب إلى ديرسم نتيجة صداقتها برفيقات ديرسميات قبل التحاقها بالأنصار، وكانت تريد أن تذهب من أجل الشهيدة زيلان. رغم رغبتها في الوصول إلى ديرسم، لكن هدفها الأساسي كان الوصول إلى شمال الوطن.

أردتُ رؤيتها قبل ذهابها إلى الشمال، وهي أيضاً كانت تريد رؤيتي، لكن ظروف الحرب والنضال حالت دون ذلك. تحدثت معها في اللاسلكي من خنيرة. ولم يكن خبر ذهابها غريباً علي، كنت أعرف إنها ستذهب. كانت تقول لي:" إن لم أقطع الحدود لن أصدق بأنني ذاهبة". كلما كانت تقترح، لم تكن الرفيقات تسمحن لها بذلك.

عندما تحدثنا عبر اللاسلكي كانت الفرحة بادية من لهجة كلامها، قالت: " كنتُ أريد الذهاب إلى ديرسم، ولكن المهم أن خيالي يتحقق، ورغم رغبتي الشديدة في القيام بعملية ما، إلا أنها لم تتحقق بسبب البعض من الظروف؛ إلا أني سأعوض عن ذلك بالمشاركة الفعالة في ساحة الشمال، لأتحول إلى الجواب الصحيح للقائد وللمرحلة التي نمر منها... "

بعد ذهابها إلى الشمال بقيتْ في ولاية غرزان. أرسلتْ لي رسالة، أعلمتني فيها عن وجود الإمكانية للتحدث معها عبر اللاسلكي. لم تتوفر الإمكانية عندنا في البداية. تحدثتُ معها عام 2009. أسعدني سماع صوتها، حتى لو كان من بعيداً.

عندما تحدثت معها، كنت أعرف إن الرفيقات يجتمعن كلهن في مثل هذه الظروف، إن كانوا مجموعة أو أكثر. تحدثنا بعض الشيء، سألنا عن أحوال بعضنا. سألتها عن أحوال الرفيقات والرفاق عندها. كنت أتحدث بشكل مختصر، وغير مباشر، تحسباً للظروف الأمنية. فلا يمكن أن يقول الإنسان كل ما يريد عبر الجهاز اللاسلكي، لأن الصديق والعدو يستمع للاتصالات.

أثناء حديثي مع ماريا، قالت لي:" كل رفيقاتنا جالسات، يستمعنَ إلينا". قلتُ لها: " بلغيهنَّ سلامي". في هذا الوقت مرَّ في فكري شيء، قلت في نفسي:" أنا أخت ماريا ورفيقتها، وحتى لا يقال بأنها تحدثت مع أختها وحدها." لذا قلت لماريا: " ليس لدي إمكانية التحدث مع كل الرفيقات، لكن أعطي اللاسلكي لأقرب رفيقة جالسة بالقرب منكِ، أريدُ أن أتحدث معها باسم كل الرفيقات". فأجابتني:" الرفيقة توبراخ (Toprak) جالسةٌ بالقرب مني..."

تحدثت مع الرفيقة توبراخ سيرت، لم أكن أعرفها، وكانت المرة الأولى التي أتحدث معها كممثلة عن الرفيقات.

بقيت الرفيقتان ماريا وتوبراخ مع بعضهما في ولاية غرزان، شاركتا معاً في العمليات والنضال. وأمضتا الشتاء معاً. كان بينهما رفاقية متينة. عند شهادة الرفيقة ماريا عام 2010 حدث خطأ في تثبت شهادة الرفيقة ماريا؛ لأن الرفيقة توبراخ أيضاً كانت قد انقطعت عن وحدتها، ولم يعرف أحد شيء ما عن انقطاعها، فكروا بأنها مستشهدة، وأعلنوا عن شهادتها.

بعد دخولهم الاشتباك في السابع عشر من شهر أيار، انقطعتْ الرفيقة توبراخ. عرفتُ أن الرفيقة توبراخ كانت مع الرفيقة ماريا حتى آخر اللحظات. حاربتْ إلى جوارها، وحملتْ سلاحها، وجرحتْ عندها، وبقيت وحيدة. بعد مرور تسع أيام، تمكنتْ من الالتحاق بوحدتها.

بعد التحاقها بوحدتها صحح الرفاق الخبر، وأعلنوا عن شهادة الرفيقة ماريا، وعن خطأهم في الإعلان عن شهادة الرفيقة توبراخ.

بعد سماعي خبر شهادة الرفيقة ماريا، فكرت في الرفيقة توبراخ. لأنني عندما تحدثت مع ماريا لأول مرة، وقلت لها أعطي الجهاز لأقرب رفيقة إليك، أجابتني ماريا: " الرفيقة توبراخ عندي". فكرت أن تكون الرفيقة توبراخ، من المقربات إليها. وفي الاشتباك، وأثناء الشهادة، كانتا معاً. كم رغبتُ في معرفة التفاصيل في شهادة الرفيقة ماريا. كيف دخلوا الاشتباك؟ في أي ساعة؟ ومن كان عندها... آخر كلماتها، أين كان جرحها... أسئلة كثيرة صارتْ تدور في رأسي، وأنا أتخيل الموقف، وأتوقُ إلى لقاء الرفيقة توبراخ، لتجيبني على الأسئلة التي شغلتْ تفكيري.

بعد شهادة الرفيقة ماريا بمدة، أرسلت لي الرفيقة توبراخ رسالة. قالت فيها: " سوف أنتقم للرفيقة ماريا..."، لم أكتفي بما جاء فيها، ولم يشبع فضولي، وبقيت آملة في أن ألتقي بالرفيقة توبراخ، لأعرفها عن قرب، وأسألها عن تفاصيل شهادة الرفيقة ماريا.

بقيتُ أسأل عن الرفيقة توبراخ. حتى سمعتُ خبر شهادتها.

عندما أرسلتْ لي الرفيقة توبراخ الرسالة، كانت رسالتها أدبية مؤثرة، وعرفت إنها قوية من ناحية الكتابة. توقعتُ في أنها تدون يومياتها. كذلك الأمر بالنسبة للرفيقة ماريا، كانت تكتب يومياتها.

كان القلبُ تواقاً للقاء بالرفيقة توبراخ، لذلك بقيت أتقصى أخبارها حتى بعد شهادتها، وأسأل على الدوام ممن يعرفونها عن دفاتر يومياتها. وصلني آخر خبر، بأنها أرسلتْ دفتراً من دفاتر يومياتها إلى الرفيقة كولان، ما زلتُ أبحث عن تلك الرفيقة وأسأل عنها.

وعلى أساس أن يوميات الرفيقة ماريا يتم إعدادهُ للطبع، حضرتُ إلى مركز إعلام وحدات المرأة الحرة ستار (STAR YJA)، وأحضرتُ معي دفاترها القديمة التي تتمم يومياتها.

عرفتُ بأن الرفيقة ماريا قدمت تقريرها للقيام بعملية فدائية في عام 2006. كانت ترغب في القيام بشيء من أجل القائد، والضغوط المسيرة عليه. لكنني لم أكن أعرف أنها تفكر في القيام بعملية فدائية.

حيث أنها كانت قد وصلتْ إلى المكان الذي ستنفذ فيه عمليتها، لكنها وبعد تلقيها لتعليمات التنظيم في الانسحاب، اضطرتْ في الرجوع من مكان العملية، وذلك بسبب استسلام واحد ممن كان يعرف مخطط عمليتهم.

وعندما سألتُ الرفيقات في الإعلام عن دفاتر الرفيقة توبراخ. كم كانت فرحتي كبيرة، عندما حصلتُ على ما كنتُ أبحث عنه. أخبروني عن وصول دفتر واحد من دفاتر الرفيقة توبراخ قبل أيام، بين دفاتر الرفيقات المستشهدات في الفترة الأخيرة في ولاية غرزان.

قرأتُ الدفتر بنهم، مرت الكلمات من أمام عيني بسرعة، حتى توقفت على اسم ماريا. كتبتْ الرفيقة توبراخ في دفتر يومياتها عن بعض الأمور التي شغلت تفكيري، رغم إني كنتُ أرغب في اللقاء بها، لتجاوبني بنفسها، لكني قرأت يومياتها، ووجدت بعض الأجوبة المكتوبة للأسئلة التي شغلتْ تفكيري وعواطفي.

جاء في مذكرات الرفيقة توبراخ ملاحظة تقول فيها: (هذه هي الكتابة الأولى التي أكتبها حول فترة انقطاعي في دفتر مذكراتي الذي أكتبه للرفيقة كولان، إلا أني سأعيد كتابته في هذا الدفتر أيضاً، لأنه كان بالنسبة لي يومٌ من الأيام التاريخية التي لن أنساها أبداً.)

" أجل رفيقتي، إلى هنا، كتابتي في هذا الدفتر. الدفتر لم ينتهي، ولكن أنا انتهيت. كتابتي التي لم أنهيها كتبتها قبل ثلاث أيام. قطعتُ الكتابة، بسبب مجيء العدو. ليس العملية، ولا أي شيء، لستُ في وضعٍ يخولني لتعريف أي شيء. بدأتُ الكتابة عن عمليتنا في الرابع عشر وحتى السادس عشر من أيار.

اللعنة، دخلنا الاشتباك مع العدو في مرصد هربس في السابع عشر من أيار. كنا ست أشخاص، عزيزتي ماريا، روحي وكل شيء بالنسبة لي، رفيقتي الجميلة، وقائدتي استشهدتْ. انسحب الرفاق، وحتى أشغلَ العدو بعض الوقت، بقيتُ مستمرة في إطلاق النار. قائدتي ماريا كانت تحتضر : ( جُرحت، اللعنة، ضربت قبضتها على الأرض. وجرحت للمرة الثانية.) في هذه المرة انهارت. وقفتُ عند رأسها وصرختْ، رفيقة ماريا، رفيقة ماريا. ولكن رحلتْ عني وعيناها مفتوحتان. تركتني وحيدة. تمزق جسدها.

وأنا صار لي يومان وحدي في الأراضي. أنا في حالة متجمدة. حملتُ سلاح وجهاز قائدتي ماريا، وتركتُها بجسدها الفتي لوحدها هناك. صرخت: " رفيقة ماريا، رفيقة ماريا"، ولكن ليس هناك ما يمكن القيام به. كنت أحبها كثيراً، بقدر ما أعطيك القيمة يا كولان، لها أيضاً أعطيها القيمة.

يومان وأنا أرتجف من البرد، ومن التفكير بهيئة قائدتي ماريا، وعدم قولها لآخر أقوالها. يدي عاجزة عن مسك القلم. جُرحتُ بجرحٍ بسيط في كتفي، ولكن ليس هذا هو سبب عدم مقدرتي على الكتابة. في داخلي رعشة، أكادُ أجنْ. ماذا أفعل؟ لا أعرف. لستُ متحكمة في هذه الأراضي بشكلٍ كامل. منظار قائدتي ماريا عندي، يفيدني. ولكن ليس عندي زاد. وقعتْ حقائبنا وكل شيء لنا في يد العدو. كنتُ قد وضعتُ قطعة خبر في جيبي من باب الاحتياط. عندما كانت قائدتي ماريا تعمل الخبر، هي والرفيق صبري خبزوا. لأنها حُضرتْ بأيديهمْ، ولمستها أيديهم، لذلك لا أرغب في إنهائها. وفي الأصل لن أشبع بها.

الآن جاء صوتٌ ما. مهما كان لي أمل، ربما أستشهد اليوم أو غداً. أنا متشوقة لمعرفة وضع الرفاق. هل هم أيضاً مثلي وحيدين، أم استشهدوا، لا أعرف.

اختلطت الأفكار في رأسي. لا أريد أن أكتب. ولكن رغم ذلك، حتى لو كان سطراً أو أثنين أكتبها بيدي المرتجفة. الآن مرةً أخرى يأتيني صوت المروحيات الناقلة (السيقوسكي). أغلقوا كل الأطراف. البارحة مرَّ العساكر من الطريق المار من أسفل المكان الذي كنتُ فيه. قلتُ بأنهم رأوني. والآن كأن السيقوسكي تقوم بعملية إنزال. أنا لا أراها. من صوتها، أعتقد إن هذا ما يحدث.

انفجر رأسي من التفكير في الذهاب أو عدم الذهاب إلى القرية. ليس من أجل الخبز وحدهُ، بل من أجل الالتحاق بالرفاق بسرعة. ولكن لا أعرف إن كانوا سيخبرون عني أم لا؟ القرى التي أعرفها بعيدة جداً، والقريبة نصبوا عندها الكمائن. أعجز عن السير بسبب ركبتي. هدها التعب. نفسيتي لا تساعدها.

عزيزتي ماريا أمام عيني على الدوام. رفيقتي كولان، لا أعرف إن كان سيقع دفتري هذا في يدكِ أم لا، ولكن إن استشهدتْ، يعني إن دخلتُ بين العدو، سوف أحارب لآخر طلقة أحملها. عندما كنت عند رأس قائدتي ماريا، أخرجتُ قنبلتي فجأةً، أردتُ أن أفجرَ نفسي عندها في الحال.

غير معلوم ماذا يحدث في هذه الليلة. في الليلة الأولى زحفتُ حتى الصباح. تقل سرعتي مع مضي الوقت. ولكن رغم كل شيء لن أتراجع. ما زال لي أملٌ في النجاة. وبشكل خاص يجب أن أعيش من أجل الانتقام لرفاقنا الشهداء. الكلاب تنبح كثيراً في الأسفل، عجباً هل جاء الجنود؟... ليأتوا، لا يوجد طريق غيره، سوف أمرُّ من بينهم مثل الليلتين السابقتين.

إن نزلتُ إلى قريةٍ ما، واستشهدتُ بيد شعبي، أو حدث وأخبروا العدو، سوف يؤلمني هذا كثيراً، لأننا نحارب من أجلهمْ، من أجل لغتنا، وثقافتا. في كل يوم يعتدون عليهم. من أجل هذا نريق الدم.

الشمس تغيب رويداً رويداً. لفت البرودةُ جسدي من جديد. وتقترب ساعات المشي في عتمة الليل. كانت تدفئني وشاحة (كفية)  قائدتي ماريا من الصبا، تلفُّ جسدي. حتى الآن لم تنزل الدموع من عيني. رغم إنني ذاتَ أعين باكية.

كنتُ قد قلتُ، إن استشهدت أدفنوني في جودي، ولكن هذا صعب. لذلك إن استشهدت أدفنوني بالقرب من قائدتي ماريا. وضعوا على قبرها زهور سماوية، وعلى قبري زهور بيضاء. واكتبوا على شاهد قبرينا: ( رفيقتان لا تفترقان)، من أجل الوطن بكل تأكيد.

أجل، رغم كل شيء، أحبُّ حياة PKK، أحبها، أحبها. أحب الإنسانية والأطفال. أحبُّ نضال المرأة. كم أنا فخورة لوجودي في مثل هذه الحياة، وإعطاء الروح من أجلها.

أجل، يأتيني صوت قائدتي ماريا، ألا تسمعون. سوف أغلق الدفتر، لأنني سأتكلم معها..."

                                                                                   توبراخ جان فدا (Toprak CANFEDA)ـ 18ـ أيار ـ 2010 بتليس.