Kurdî  |  Tirkî

في ذاكرتي و مخيلتي...‍‍‍‍‍‍ (2)

هيزل أوزكور

في البداية أريد أن أذكر بأن الحياة وخاصة ضمن ثورة ما، إنما هي ذكرى عظيمة تكتب في صفحات التاريخ من جديد، الذكريات التي تتحول إلى تاريخ بالنسبة للشعوب، وخاصة إذا كانت ثورة الشعب الكردي في سبيل الحرية هي موضوع النقاش، لأنه شعب شعر دوماً بتذوق طعم الحرية والاستقلال، وأيضاً بلذة الوطنية والهوية الإيديولوجية.

كما أن التراب التي يعيش عليها على مر التاريخ، إنما كانت أمة كافة الحضارات الإنسانية وكانت المنبع الأم لجميع الثقافات العريقة. وحين يذكر اسم كردستان، فإن أول ما يخطر على بال المرء هو جمال جغرافيتها الخارق، من حيث جبالها الشامخة وطبيعتها الخلابة ومياهها العذبة النقية.... هذا بشكل عام، ومن الجانب الآخر كل منطقة من كردستان تمثل جنة صغيرة... لذا سيكون موضوع رحلتي التي سأجول بها كافة ذكريات مخيلتي هي الجنة المسماة بـ (متينا)....

 

 

 

تقع منطقة متينا في وسط القرى والمدن الجنوبية في كردستان، وتعرف هذه المنطقة الصغيرة بجمالها الساطع أيضاً كبقية المناطق والجبال والقرى والمدن الكردستانية الأخرى، لذا فإن منطقة متينا كانت تقع في وسط القوى العدوة لنا. وكانت تحصل كل يوم اشتباكات مع قوات الـ KDP...

في عام 1997 قامت قوات الدولة التركية وقوات الحزب الديمقراطي الكردستاني KDP بتمشيط على قوات الكريلا، دام هذا التمشيط أكثر من شهر وبعدها بدأت هاتان القوتان بالانسحاب، لذا صارت المبادرة بيد رفاقنا. فخطط الرفاق للقيام بعملية عسكرية تهدف المراكز التي يتمركز فيها العدو بشكل عام، وخاصة المخفر الخاص العائد لهم.

فعندما كانت تحين فترة القيام بالعمليات، كان يضع رفاق الإدارة مخططاً جديداً مع حلول الربيع لتلقي العدو أكبر الضربات في العمليات التي تقام. وبعد القيام بعدة عمليات في المنطقة بشكل عام، تم التخطيط للقيام بمحاصرة مدينة (بامرنة ) التي كانت تضج بالحياة وتنتعش بالربيع في داخلها من حيث كثرة الأشجار والأراضي الخضراء والأزهار والبيوت الجميلة... لكن تَمركزْ قوات العدو في قلب هذه المدينة الجميلة، كان قد أضحل هذا الرونق بالسواد. فقد كانت توجد قلعة قديمة في منتصف ساحة المدينة، كانت هذه القلعة عائدة لصدام حسين قديماً، وقد كانت هذه القلعة متينة جداً. تم تحضير مجموعة مؤلفة من أربعة وحدات، كانت مهمتها الأساسية كشف مكان العملية التي تم تثبيتها، وتفحص مراكز العدو ورسم تخطيط كامل عن مكان العملية. بعد الكشف الذي أجري ضمن ثلاثة أيام، عادت المجموعة إلى نقطة تمركزنا، وتم البدء بفرز الرفاق الذين سينظمون إلى هذه العملية بشكل عام... وهنا أريد التطرق إلى كتيبتنا والوظيفة التي كانت قد وقعتْ على عاتقها ضمن هذه العملية. كانت مهمة وحدتنا هي الهجوم من طرفين على العدو؛ لذا لم تكن تفارق البسمة وجوهنا لتبشرنا أعيننا بالانتصار المؤكد.

بدأت كافة المجموعات بالتحضير بشكل عام... كتحضير الذخائر، تنظيف الأسلحة وجلب القنابل لكافة الرفاق... و... وبهذا الشكل أشارت الساعة إلى أوان الظهيرة، وجاء ( الضابط اليومي) وبلغنا بالاجتماع وفي الحال قمنا بتنفيذ الأمر، بدأ الرفيق حسن بالحديث... طبعاً لن أنسى أن أعرفكمْ بالرفيق حسن، الرفيق حسن هو قائد الكتيبة، مارديني الأصل و يُعرف بـ ( HASEN QIVIRCQ). كان موضوع الاجتماع قد تمحور حول القيام بالعملية والنقاط التي تتطلب الدقة والحذر فيها عند البدء بالعملية والتقربات التي يجب أن تتم بروح المسؤولية وكامل الجدية، فكلمة الرفيق حسن كانت مؤثرة و أعطت القوة المعنوية و الثقة والأمل لإحراز النصر الأكيد. أما الكلمة الأخيرة التي ألقاها قد كانت: " أن تحقيق الانتصار في هذه العملية بالنسبة لنا هو كسب الشرف و الكرامة" بانتهاء الاجتماع مع قراءة الفرز، ذهب الرفاق إلى تشكيل حلقات الدبكة و إلقاء الشعارات عالياً، وهنا أريد وصف اللحظات التي يعيشها الكريلا قبل كل عملية هجومية تقوم بها... فقد بدأت الدبكة الفلكلورية التي كانت تعني دبكة الانتصار بالنسبة للرفاق والعواطف والمشاعر كانت تتغلغل في قلب كل رفيق و رفيقة، وتكون الفرحة والسعادة بادية على وجوههم جميعاً، وطبعاً لا بد أنني وصفت القليل القليل من ما يعيشه الكريلا من مشاعر. بعد إتمام الفرحة قام جميع الرفاق بتحضير أنفسهم. وقمنا بإشعال النار وتبادلنا حولها الأحاديث وخاصة حول كيفية تنفيذ عمليتنا بنجاح كبير، حقيقةً كانت لحظات جميلة ومليئة بالسعادة، وكان الانتصار يدور في عقولنا ولا نستطيع تخيل أي شيء آخر. الرفيق حسن كان يتجول على المجموعات لزيارتهم و طبعاً كالعادة يضحك ويمزح معهم. أما الرفاق الذين لن ينضموا إلى العملية قاموا بتحضير حفلة صغيرة معنوية لأجلنا، كانت فيها الكثير من تعليقات الكريلا على بعضهم البعض وحول حياتنا الطبيعية. وأيضاً المسرحيات المتعلقة بما يجري في الحياة اليومية. بعدها ودعَ كل رفيق رفيقه الآخر وهكذا بدأ المسير نحو الهدف المترقب. هذه المسيرة كانت مسيرة الحرية والانتصار بالنسبة لنا. بعد السير خلال ساعات معدودة أصبحت المدينة تتراءى منا وكل مجموعة ذهبت إلى مراكزها لتنتظر الكلمة وإشارة البدء بالهجوم. الجميع ينظر إلى الساعة  بتقربها من الرابعة و النصف عَصراً وبانتهاء الثانية التي تؤكد نهاية الدقيقة الثلاثون من النصف، أعطى الرفيق حسن إشارة الهجوم وهكذا بدأت المجموعات بالحركة والتقرب أكثر من المدينة. بدأت النيران تخرج من أفواه البنادق والعواطف كانت جياشة، فبهذه الروح تمكنا من وضع المدينة تحت حصارنا، ما عدا القلعة التي كانت في منتصف الساحة، ألقينا ضربات قاضية بالعدو من حيث كثرة الجرحى والموتى والأسرى. فالرفاق دخلوا في نشوة النصر ولا أحد يستطيع وضع الحاكمية على عواطفه. فجأةً شاهدنا الرفيق حسن وهو يتسلل حاملاً بندقيته ويركض باتجاه المدينة والفرحة تملأ قلبه، وتمكن من أن يصل نفسه إلى بوابة القلعة خلال خمسة عشر دقيقة، وصار يصرخ بأعلى صوته و ينادي قوات الـ KDP للاستسلام وبدأ التعداد إلى الخمس، ولكن مع الأسف الشديد كان الخطأ الذي وقع فيه الرفيق حسن هو تقربه بكل جسارة وعنفوان الإنسان الثوري وحصل الشيء الذي لم يكن في الحسبان، التعداد وصل إلى الــ ثلاثة ولكن قوات البيشمركة كانوا بالمرصاد، وبسبب دخول الرفيق حسن إلى القلعة دون أن يحمي نفسه، بدأت الرشاشات كالمطر ترش طلقات الـ BKC الموجهة للرفيق حسن، فسقط جريحاً على الأرض فجرحهُ كان عميقاً أدى إلى النزيف الداخلي. كان الجانب الذي تأثرنا به، هو أن الرفيق حسن حتى في حالته هذه، كان يسأل عن وضع الرفاق، حين كان يقول أثناء فترة الانسحاب: "عليكم عدم ترك أي رفيق في المدينة، هل خرج جميع الرفاق؟" وكان يحس من أعماقه باقتراب موعد الشهادة. لذا و بكل ما فيه من قوة كان ينادي: " إنني مديون للقائد ولأجل أن أوفي هذه الديون لا أريد الاستشهاد بهذا الشكل".

بالطبع هذه الكلمات كانت تفتح جروحاً عميقة في قلوبنا جميعاً،  في هذه اللحظات بدأت الدموع تسيل من عيون الرفاق ولا أحد يريد تصديق هذه الحقيقة. لكن بعد مرور نصف ساعة وبعد ألم كبير، قال الرفيق حسن كلمته الأخيرة التي خرجت بصعوبة كبيرة من بين أشداقه: "سلموا على جميع الرفاق" وبهذا الشكل استشهد الرفيق حسن بين أحضان الرفاق. بعد ذلك حملنا الجنازة إلى النقطة التي تمركزنا فيها قبل البدء بالعملية، و بسبب تأثر الرفاق الكبير بشهادة الرفيق حسن ومحبة الجميع له، قام الرفاق بدفن الرفيق بموكب يتشكل من رفاق أربعة كتائب، بعدها قمنا بتغيير النقطة...

رغم انتصارنا الكبير في العملية، إلا أن فُقدنا لرفيقنا وقائد كتيبتنا الرفيق حسن، كان قد أثر علينا بشكل عميق، لأننا لم نستطع تقبل هذه الحقيقة المؤلمة. هذا الألم العميق كان قد تحول إلى عهد جديد بالنسبة لنا، فقد تقاسمنا جميعنا بالانتقام لروح الرفيق حسن الذي حارب بجسارة كبيرة دون أن يتردد أي خطوة في التقدم نحو هدفه...

وفي العادة وبعد كل عملية عسكرية، يُعقد اجتماع للرفاق الذين انضموا إلى العملية لإجراء تقييم على النجاحات والنواقص التي خرجت في تطبيقها العملي. بدأ الاجتماع بالنقاش على الجوانب الناقصة منها والناجحة، ونوقش على رفاقنا الشهداء الذين صاروا مثالاً ورمزاً للتضحية والفداء بالنفس لأجل القائد والشعب، وقد أشار كل رفيق أبدى عن رأيه حول العملية، بالإصرار على متابعة نهج رفاقنا الشهداء حتى آخر قطرة دم تجري في عروقنا...

هكذا رحل الرفيق حسن من بيننا مودعاً جميع الرفاق لينضمَّ إلى قافلة الشهداء، برحيله هذا ترك أثراً كبيراً في قلوبنا وأستطيع القول بأنه كان المعلم والتلميذ في الحياة وفي الحرب بالنسبة لنا.

كان متواضعاً في علاقته مع الرفاق، يملك أسلوب الإقناع، منبعاً للمعنويات لمن حوله، شديد الذكاء في تكتيكاته العسكرية، يتصف بالسعادة المرسومة دائماً على شفاهه والانتصار في عيونه السوداويتين، فلم يكن ليقبل الفشل بأي حال من الأحوال في وظائفه و أعماله.

كان رفيقاً قديماً بين الحزب والكريلا، وبسبب ارتباطه الشديد بالقيادة، كان حريصاً دائماً على التقرب بروح مسؤولة من كل شيء، ولم يكن يترك المبادرة للعدو، بل على العكس المبادرة كانت دائماً بيده. وحقده الكبير ضد العدو وقوات الخونة لم يكونان يجعلاه بأن يفكر بالفشل أو الاستصغار أمام العدو.

أستطيع القول بأن الرفيق حسن تحول إلى رمزٍ للتضحية وللروح الآبوجية. حين ننظر إلى تاريخ حزبنا سوف نرى بأنه كتب بدم الشهداء وتضحياتهم العظمى. لذا، ولكي نكون لائقين بهم، يجب أن نكون لائقين بتاريخ PKK وأن نتلاحم مع حقيقة الجهد والتضحية ونفهمها بشكل صحيح ونتخذها كمبدأ لنا في حياتنا الثورية ونتقرب من وظائفنا ومهامنا بهذا الجوهر، أي بجوهر الآبوجية.

كل شبر وكل جزء من كردستان قد سالت عليه دماء رفاقنا، وصارت تنبت الزهور الحمراء على قبور الشهداء. فهم من فتحوا لنا الطريق نحو الحرية بدمائهم، وأصبحوا الجسر الذي نعبر عليه نحو النصر.

لهذا علينا الإصرار والعزم في القرار، كي يطمئن رفاقنا الشهداء بأن هناك من يتابع مسيرتهم الحرة في تحقيق الأهداف التي قدموا في سبيلها أرواحهم، رحلوا وتركوا من خلفهم كلمتهم الأخيرة، وهي " أننا مديونون لشعبنا وقيادتنا ووطننا."

علينا الانحناء إجلالاً وإكباراً في كل يوم أمام كبريائهم وعظمتهم، وأن نجدد قرارنا أمام كرامتهم النبيلة ونصر على النصر رغماً عن كافة الهجمات. سنبقى خاشعين دوماً لدمائكم الزكية حتى الرمق الأخير...

"الشهداء أكرم من في الدنيا و أنبل بني البشر "