Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461
حكاية طريق - YJA STAR
Kurdî  |  Tirkî

حكاية طريق

هبون شينيان

وقعت جمرة على التراب، فبدأت الطقوس بالدفء رويداً رويداً. ستار الثلج الملتف حول التربة الأم والطبيعة بأكملها، قد بدأ بالتمزق. زهور البرفين كانت تملأ العين بجمالها العاصي والمحتشم لتتمكن من جذب الكريللا إليها. أما الكريللا فكانت أشبه بنهر جاري يأخذ طريقه تلقائياً نحو جذور البرفينات المليئة بالحب والجمال

؛ لذا كانت البرفينات تزداد عصياناً ومقاومةً مع حب الكريللا الصميمي. لم نكن نرغب من قطفها، لأننا كنا نرجح في أن تتجمد كعدسة صورة طبيعية في لؤلؤة عينينا. وبقدر مقاومة زهور البرفينات، كانت أشجار الصنوبر والبلوط المتشبثة الجذور بتربتها، والتي كنا نلجأ إلى ظلالها، قد بدأت براعم أغصانها بالانفلاق. وحين كانت تتلاحم أشعة الشمس مع قمم الجبال الخشنة والشامخة، كانت تبدأ الثلوج بالتسرب إلى باطن التراب؛ ومع سيلها نحو وادي الزاب، كانت تتقدم مختلطة مع سكوت مائها. كل تجدد وتغير في الطبيعة كان يرحب بقدوم الربيع، وهذا ما كان يفتح الطريق لمشاعر يستحيل التعريف عنها لدى الكريللا؛ هيجان، أمل وغبطة كبيرة كانت تلف كل أحاسيسنا. قبل آن كنا نريد الالتقاء بالأيام الربيعية والمشمسة الجميلة التي تشجعنا على كسر قيود الصبر التي كانت تداهمنا في شق طريقنا.

 

 

مثل الطبيعة الأم التي كانت ترغب في أن تُعَيّش الإنسان أيام منوعة جميلة، وأن تغذي البراعم التي زرعت جديداً في التراب، وتبني إمكانات سليمة لجميع الكائنات الحية؛ نحن أيضاً كنا نحضر أنفسنا لإعطاء محصلات جديدة. بقرار كبير كنا نبدأ السير نحو أهدافنا مع روحنا المشتركة والمتناغمة مع الطبيعة الأم التي لم تكن تبخل في سخائها وبركتها. طاقتنا المتعمقة فكرياً طوال الشتاء، كانت تحضر نفسها لخلق أيام مليئة بالحرية. ومثل البرفينات وأشجار الصنوبر كنا نقاوم ونغلّف عروق أجسادنا مع أتربتنا الطاهرة من أجل إطالة عمرنا؛ كي لا ننقطع عنها؛ لذا كنا نجهد في عدم التعويض في مبادئنا لنتواجد مع تربتنا تلك.

هذا ما كان يعاش في ربيع عام 2007 حين كنا مجموعة من الأنصاريات اللواتي كانت ستبدأ السير من وادي الزاب لتمتد حتى سلاسل جبال أكري، ومن أجل تحقيق بداية جديدة كانت ستبدأ مسيرتنا الطويلة. طوال السنين التي تقدمت وانتشرت فيه مجادلتنا الحرة، كانت النساء الكريللا اللواتي تمركزن في أعالي الجبال بدءً من البحر الأسود ممتدة حتى أقرب مكان من حدود شرق كردستان، كانت قد انسحبت اعتباراً من عام 1996 من حواف جبال أكري نحو ساحات الجنوب؛ ولم تكن قد عادت مرة أخرى إلى تلك الجغرافية. شهدت جبال أكري، سبحان وتندورك للكثير من المقاومات والبسالات. والأنصاريات اللواتي قدنَ هذه المقاومات، انضمينَ إلى قافلة الخالدين بعد أن تركنَ أسماءهنّ وآثارهن للجبال. والكثير منهنّ من غادرنَ تاركاتٍ وراءهنّ تاريخاً وميراثاً كبير. لذا فإن مناوباتهنّ، واللواتي سترجعنَ مرة أخرى إلى الخنادق التي كنّ قد حاربن فيها؛ إنما نكون نحن الأنصاريات، لذا فمعرفة ذلك والتعرف عليهن إنما يظهر واجب ارتباطنا بقيم مجادلتنا. بهذه الوسيلة ومن خلال تعرفنا على الرفيقة الشهيدة أوزكور ترك، روكن ترك، آلا ماردين-ALA -، زلال سرحد و... والكثير من رفيقات دربنا اللواتي لم نذكر أسماءهنَّ، نجدد لهنّ مرة أخرى عهدنا في أننا سنبقى مرتبطاتٌ بمأثورات مجادلتنا؛ وعلى هذا العهد نبدأ بمسيرتنا الجديدة...

مجموعتنا المؤلفة من ثلاث عشرة رفيقة، كانت مليئة بالهيجان وكل رفيقة منا كانت تحمل في داخلها ادعاء كبير للقيام ببداية جديدة. طيلة الأيام التي كنا نؤهل أنفسنا لرحلة سرحد، نمنا ونهضنا مع المفيدين لنا عن أيالة سرحد وجمالها الخارق. وفي كل أمسية كانت أسطورة من أساطير أرارات تزين أحلامنا. عادةً كانت كل النسمات تهب من أرارت وتُغازل كل مشاعرنا الجوهرية. التوحد مع أرارات، معرفة أرارات والترافق معها إنما تكون من ظروفها الأولية. وكانت أغلب الرفيقات في مجموعتنا ستبدأ برحلتها الطويلة لأول مرة، وكن سيمتحنّ أنفسهنّ ضمن هذه المسيرة. فقد كنت تقرأ غبطة وهيجان بداية هذه الرحلة. كنا نتخيل وبسآمة كبيرة في قطع وإنهاء كافة الطرقات التي توصلنا إلى سرحد وأرارات، وترك الكيلومترات من وراءنا لنرمي بأنفسنا في أحضان أرارات.

حين تفارقنا من أول محطة رحلتنا من وادي الزاب استودعنا بالشعارات والهتافات الثورية. تصافحنا واحتضنّا المئات من رفاقنا بعد أن اكتسبنا منهم أمنيات النصر، والشعارات التي كانت تخرج من الأفواه والمساندة بالتصفيقات، كانت تهتف بـ BIJÎ SEROK APO؛ لتنشر في الجبال صدى كبيراً يأتي إلى مسامعنا حتى في أبعد الأماكن، كانت تحلي أعماق قلوبنا، وتقوي فينا قرار النصر والمجادلة في سبيل حرية قائدنا وشعبنا.  

بدأنا بشق الطريق مع غروب الشمس نحو سرحد خلف قائدة مجموعتنا ( الرفيقة دجلة). ولآخر مرة التفينا من وراءنا لنلوح بأيدينا ونودع كل ما تركناه من خلفنا، بعد أن كررنا وعدنا في خلق غدٍ حر جديد، وانغمسنا في عتمة الليل. السير الذي صار جزء من حياة الكريلا، ربما يكون صعباً ومرهقاً في الكثير من المرات، لكنه إذا كان يأخذك إلى حيث تحقيق أهدافك، وإذا كان يقربك مما كنت تتخيله، حينها كثيراً ما تعطي صعوباته الذوق الكبير للإنسان. وكثيراً ما كنا نسرع من خطواتنا لنتغلب على سآمة الوصول إلى الديار المقدسة. ولو كانت أقدامنا التي احمرت وانتفخت من السير تجعلنا نلاقي صعوبة في حمل ثقلنا؛ إلا إن آلامها لم تكن تحرق أحشاءنا أبداً. الأحاسيس، الأفكار وكل الخوالج كانت تغلق في هدف واحد. كل شيء كان يحرّك لبلوغ المنزلة العليا من أهدافنا.

بعد مسيرة شهر، كنا في المكان الذي كان يتوجب بلوغه. مع غزونا لأتربة سرحد؛ شربنا مياه روابيها الباردة. وحين تجرعنا من تلك المياه الباردة، كانت مؤثرة على صحتنا بقدر المياه المعدنية؛ فقد تمكنا من جمع طاقتنا مرة أخرى بعد عناء كبير لتبدأ الرحلة الأساسية في سرحد. صارت آرارات التي تخيلناها في المخيلة تقابلنا وجهاً لوجه، فقد أصبحنا أراراتيون. لذا لم نكن سنسمع أساطير آرارات من أشخاص آخرين، لأننا ربما كنا سنمر بين إحدى تلك الأساطير التي ستعاش. إيالة سرحد التي كانت قد نظمت خنادقها وطراز حركتها على حسب الرفاق الرجال، كان قد حان لها الأوان في أن تخرب نظامها الحفظي الذي كانت قد تعودت عليه لسنين طويلة. وصرنا وجهاً لوجه أمام حقيقة القيام بتغيير حركة طراز الأيالة ونظام جبهات القتال.

إن المستوى الذي وصلنا إليه مع تجيش المرأة، كان قد أوصلنا إلى موضع قوة في كافة المناطق التي نذهب إليها؛ فبدلاً من أن نكون عبئاً على الرفاق صرنَ صاحبات انضمام ويد العون من أجل تقوية الحياة والممارسة. لكن، التمركز مرة أخرى في هذه الأماكن، والقيام بإدارة وممارسة مؤثرة إنما كان يطلب منا التعرف على كل شيء في المنطقة بدءً من جغرافيتها وحتى إدارة الحياة وعلاقاتها؛ لأنه كانت تنتظرنا الكثير من المهام. القيام ببدايات جديدة في مكان جديد، رغم كل صعوباتها، إنها تتطلب منا إبداء تضحيات وجهود كبيرة للوصول إلى وضع سبّاق في كل شيء.

مع وصولنا إلى المنطقة، قمنا بفرز داخل الفصيلة ونظمنا أنفسنا على شكل ثلاث مجموعات. إحدى مجموعاتنا كانت ستتمركز في دامبات، وإحداها في تندورك وآخرها في أكري، وبهذا الشكل كانت كل مجموعة ستنظم إلى الممارسات العملية. المجموعة التي ستبقى في دامبات، كانت ستقوم بفعاليات تحضير المعسكر الشتوي، ومجموعاتنا التي ستذهب إلى أكري وتندروك، كانت ستنضم إلى الممارسات العملية، وستأخذ أماكنها ضمن فعاليات تخطيط وتنظيم العمليات. وكي نتحول إلى قوة أنصارية مؤثرة في المنطقة، كان علينا تطبيق القواعد الكريللاتية دون أن نعطي فيها أي تعويض، ذلك كي نتمكن من تقدم العمليات وإلحاق الخسائر الفادحة بالعدو.

إن انضمامنا إلى ممارسة عام 2007 كان قد أكسبنا تجارب هامة، حيث أنه قد تقدمت فينا الحاكمية على الجغرافية، وكانت تجاربنا هذه قد ساعدتنا على تجاوز كافة الصعوبات التي واجهناها، وذلك من خلال قيامنا بأخذ التدابير مقابل كافة الأمور المتوقعة. وكان ربيع عام 2008 يخبئ لنا ممارسات جديدة. فقد قام الرفاق بفرز جديد ضمن كافة المجموعات. انتقلنا مع الرفيقة سلاف ودجلة إلى منطقة تندورك. هناك، مع قيامنا بمخطط جديد مع الرفاق الشباب انضممنا إلى مهام المنطقة. مع توضيح مهام جميع كل رفيق منا، تم فرزنا على شكل مجموعة ( أنا، الرفيقة سلاف وثلاثة من الرفاق الشباب ) كانت مهمتها تفحص جغرافية مرصد توتك القريبة جداً من تندورك، والقيام بزرع الألغام فيها. بعد تأمين كافة تحضيراتنا من أجل الطريق، بدأت مجموعتنا بشق طريقها. لم نكن قد حسبنا الحساب في أننا سندخل في مكيدة سرحد التي كانت ستواجهنا مع الصعوبات والآلام. فحتى في منتصف الصيف كانت لهذه الجغرافية برودة حادة لم تجعلنا في أن نبحث عن الشتاء أبداً. كانت الغيوم التي تتجمع طوال النهار، تحمل معها برودة الثلج. فمن حدة البرد كانت أيادينا تتجمد كالجليد، لهذا لم نكن نتحرك من أطراف النار. وكثيراً ما كنا نقول، لو كان يوجد نظام مخزّن للحرارة يدفئنا طيلة طريقنا، لم نكن سنتردد في صنعه. ولكي نستفيد مرة أخيرة من شرب قدح شاي من الإبريق الأسود الذي كان يغلي غلياناً، هو أيضاً لم يكن يتخلى عن سخائه للزبائن (الرفاق) الواقفين في الدور والمنتظرين رفاقهم الآخرين ليتمكنوا من شرب قدح أخير من الشاي. أما كؤوس الشاي التي كانت على مهمتها كالعادة، ولم تتعب في أيدي الرفاق، أخذتها إلى حيث جدول الماء لغسلها، لكن لم يكن لدينا الإمكان من تنظيف قاع الكأس المصفر والمخطط الوجه. ولم نكن ننسى خدمتها الكبيرة ضمن ثورتنا أبداً، لأن شرب شفطة من شايها كانت تدفئ صدور رفاقنا المتجمدة... بعد أن شربنا شاينا وسيجارتنا الأخيرة، حملنا حقائبنا، سحبنا جواربنا حتى الركبة وشدينا ربطة حذائنا لنقول مرحباً للطريق الذي كان سيأخذنا إلى حيث المكان المطلوب...

بدأت أجسادنا المتحركة بالدفء رويداً رويداً، وكانت أقدامنا قد تسارعت أكثر في خطواتها كي تزيد من دفء أجسادنا. أما الغيوم الثلجية كانت قد بدأت بشق طريقها مع مسيرتنا الطويلة. هذه الغيوم المتجمعة كانت تبحث عن الفرصة التي تتمكن فيها من غزونا قبل فوات الآوان. أما نحن، عادة ما كنا نتسابق معها كي لا نقع في فخها الذي كانت قد نصبته على طريق رحلتنا؛ لذا كنا نحاول الابتعاد عنها بقدر الإمكان. لكن وما الفائدة، ففي أي وقت كانت قد تمكنت طاقة الإنسان من الانتصار على قوة الطبيعة. فإذا كان ممكن القيام بأمر كهذا، ومن يعلم في أننا كم من المرات كنا سنمد أيدينا نحو الشمس لنسحبها من بين الثلوج والغيوم المتجمعة. لم نكن نتمكن من طرد غيوم الثلج، لذا كان علينا أن نحضر أنفسنا للتسليم لها وشق طريقنا معها. وفي الآن التي كنا نفكر فيها بكل هذه الأمور، سقطت وبشكل مفاجئ حبة ثلج متسربة بشكل هادئ من السماء على خدَّي، فابتسمتُ لها حتى بدأت بالذوبان مع حرارة وجنتي... هذه هي جغرافية سرحد التي إذا تصادفتَ بتساقط كومات الثلج في منتصف شهر أيار، عليك ألا تستغرب من ذلك. حبات الثلج التي تساقطت متسربة من السماء رويداً رويداً، صارت تتساقط فوق رؤوسنا بسرعة لا يمكننا من تعدادها. كنا ما نزال نتابع مسيرتنا حين تثاقلت الثلوج من على رؤوسنا. المسافة التي كان علينا من تجاوزها بسرعة في يوم واحد، أُجْبِرنا على قطعها قبل آن وأخرى، لأنه وبعد مرور ساعة من سيرنا كنا قد تحولنا إلى وضعية مبللة، وكانت ألبستنا المبللة قد أثقلت من مشيتنا أكثر. وبسبب الصوت المرتفع الذي كانت تخرجه ألبستنا الكاباردينية؛ كان من غير الممكن أن نحس بوجود أية تهلكة مفاجئة أمامنا في تلك الأوان. كما أننا لم نكن نعطي احتمال خروج العدو في هذه الظروف العاصفية والثلجية إلى البراري؛ لأنه فقط الكريللا تكون قوية كالأسد ضمن هكذا ظروف. وكلما كنا نتقدم في مسيرتنا، كان الجو يتحول إلى رياح وعواصف ثلجية. كان علينا أن نوصل أنفسنا إلى مكان سليم بشكل عاجل، وإلا كنا سنغرق في النوم الأبدي دون أن يحس بعاقبتنا أحد.

وبعد مرور نصف ساعة من اتخاذ ذلك القرار، نهاية كنا قد أوصلنا أنفسنا إلى مكان آمن تحت صخرة ما. رتبنا حقائبنا وأسلحتنا في مكان جاف مناسب، وتسارعنا في جمع البعض من الحطب الجاف لنبدأ بإشعال النيران. الرفيقة الأكثر فعالية والأصغر سناً ضمن مجموعتنا، الرفيقة سلاف تسارعت في إخراج إبريق الشاي الذي كان معنا، ملأته ماءً ووضعته فوق النار. بدأنا بتجفيف ألبستنا فوق النيران بدءً من الوشاح (الكفية) وصولاً إلى الجوارب. ودون أن يفقد الثلج شيئاً من سرعته كان يستمر في الهطول. وكلما كنتُ أنظر إلى حبات الثلج المتساقطة من السماء، كان يغطي بردٌ عميق كافة أحشائي. وأسناني كانت ترجُّ رجاً، وتضرب بعضها البعض تلقائياً وبتناغم متوازٍ. لذا التأمل إلى لون النار الأصفر الدافئ والضياع في جذوة النار كان أفضل من النظر إلى حبات الثلج ضمن هكذا ظروف. وفي هذه الأوقات لم يكن يوجد شيء ألذ من شرب قدح ٍ من الشاي وأكل لقمة من الجبن الذي كان بحوزتنا. بعد أخذنا قسطاً من الراحة، تثاقلت عيوننا من شدة التعب والإرهاق لتتهيأ للتسليم إلى نوم عميق. لذا وقبل ضياع المزيد من الوقت قمنا بكتابة قائمة المناوبة لنلتوي إلى جانب الجمرات ونرمي بأنفسنا لأحضان النوم.

بعد أن زال الإرهاق والتعب من على أجسادنا، قمنا بشرح كل ما حصل لنا أثناء مغامرتنا الطويلة، وذلك كي نتمكن من كسر البرودة الموجودة في الجو. وطبعاً لم نتخلى عن ضحكاتنا التي كانت قد ملأت الأجواء حرارة. بالطبع الرفيقة التي كانت محترفة من هذه الناحية، الرفيقة سلاف؛ طوال الطريق وفي الأثناء التي كنا نفكر فيها كيف سننهي مسيرتنا هذه بسلامة، وكنا نلاقي صعوبة حتى في التلفظ بكلمة واحدة من شدة البرد؛ كانت سلاف قد جمعت كافة حركاتنا المضحكة لتقوم باستخدامها مقابلنا الآن واحدة تلو الأخرى... سلاف التي لم تكن تعطي أي تعويض من حيويتها وضحكتها، لم تكن تبخل من غمر طاقتها الإيجابية لكل من حولها أيضاً.

وفي الأثناء التي كنا نتحدث فيها عن مغامرات مسيرتنا، كنا نحاول الإبداء عن نمط وطراز حركتنا من الآن وصاعداً لإتمام مسيرتنا بشكل آمن. فإذا استمر الهطول بهذا الشكل، سوف نصل إلى الرفاق في تاريخ أكثر تأخراً من الوقت الذي عيناهُ سابقاً. ولكي نتمكن من زرع لغمنا كان علينا أن نتخذ السرية والحذر أساساً، وكان علينا ألا نترك أي أثر يكشف ويحل اللغم. أخذنا كافة الظروف والاحتمالات الطبيعية بعين الاعتبار، لأن هذا اللغم كان سيصبح وسيلة لحركتنا ولمتابعة كافة مهامنا بشكل منتصر.

كان المكان الذي تمركزنا فيه بداية، هو المكان الذي أشطر من طريقنا، لكن إن انتظارنا بسبب تساقط الثلوج، قد أطال المسافة أكثر. كل مكان كان ناصع البياض، وكانت الطبيعة في وضع قد استسلمت فيه للثلوج. لهذا كانت أية نقطة سوداء صغيرة يمكنها أن ترى من مسافة بعيدة. قررنا معاً في أن نتقدم أكثر لنتمركز في مكان ما أسفل المرصد الذي سوف نزرع فيه اللغم... لذا كنا سنبتعد عن ذلك المكان بعد أن نحضر كافة احتياجاتنا لشق طريق بارد وماطر دون أن نترك أي أثر من ورائنا. مسيرتنا الثانية كانت صعبة ومرهقة بقدر الأولى، لكن ونهاية صرنا في أسفل المرصد الذي كنا سنزرع فيه اللغم. وهذا المكان في نفس الوقت كان المكان الذي سوف نتمركز فيه حتى نتمكن من إنهاء مهمتنا على أكمل وجه. لو توقفت الأمطار باكراً، نحن أيضاً كنا سننهي عملنا باكراً وكنا سنوصل أنفسنا إلى الرفاق. لكن، ظاهر للعيان في أن مهمتنا هذه سوف تتم ضمن ظروف وحسابات صعبة وطويلة لم نكن قد حسبنا لها حساباً. وكان وضعنا أشبه بأن نجهز أنفسنا لكل الصعوبات التي ربما تواجهنا. وقد قررنا في أن نقوم بترتيب معظمات اللغم والقيام بتحضير بنيتها طوال فترة بقائنا هنا؛ كي نقوم بزرعها في وقت مناسب. لكن الثلوج التي تساقطت عدة أيام فوق بعضها البعض، كان ظاهرٌ في أنها لن تذوب بكل سهولة؛ ونحن كنا مجبرين على انتظار ذوبان الثلوج بشكل تام. فحتى أشعة الشمس لم تكن بمستطاعها من كسر برودة سرحد، أما في الليل لم يكن يدخل حتى ولو قليل من النوم في أعيننا؛ لذا كنا ننتظر الصباح وبزوغ الفجر بأربعة أعين، وكنا نحسب الدقائق التي سنرمي فيها بأنفسنا إلى أجنحة الشمس الدافئ والحيوي. وبهذا الشكل بعد مرور تسعة أيام كانت قد انتهت الأرزاق التي كانت بحوزتنا. ومن أجل تأمين الأرزاق، خرج الرفيق زاغروس الذي كانت لديه حاكمية على الجغرافية وفي نفس الوقت كان قائد مجموعتنا، وتمكن من جلب مقدار من الأرزاق والسجائر من عند الرعاة الذين خرجوا إلى الروابي والبراري. وفي اليوم الحادي عشر كانت الثلوج قد ذابت، وسنحت لنا الظروف المناسبة من أجل زرع اللغم. بعد أن تمكنت المجموعة المكلفة بزرع اللغم من القيام بمهمتها بعناية وحساسية فائقة، وعادوا آمنين إلى النقطة، تمكنا من استنشاق نفس كبير؛ وخططنا من أجل العودة بأسرع وقت وبشكل سليم إلى حيث تمركز الرفاق. في اليوم الثاني عشر كنا سنشق طريقنا لنصل في اليوم الثالث عشر إلى مكان تواجد الرفاق، لذا قمنا بكافة تحضيراتنا من أجل العودة، وكنا سنبدأ بشق الطريق مع حلول الظلام.

في ذلك اليوم كان يوجد برد حاد، لدرجة أنك لو لم تقم ببعض الحركات، كنت ستتجمد في مكانك. وكانت شدة البرد تضرب على الوجوه مثل صفعة كبيرة لتترك من خلفها جرحاً عميقاً كجرح السكين. وفي الأثناء التي كنا نعد فيها الدقائق من أجل التحرك، وفجأة أحسيت بالرفيقة سلاف وهي تبكي بشكل مخفي دون أن يحس بها أحد. فالرفيقة التي كانت تعطي المعنويات للمجموعة طوال العشرة أيام، والتي كانت تحطم البرودة بحيويتها؛ لكن الآن هي التي كانت تبكي. وفي الحين التي كانت دموع عينيها تتساقط خرزاً خرزاً على وجنتيها، كان تحاول أن تحافظ على صمتها أيضاً. لذا بدأت أتساءل عن سبب بكاء الرفيقة سلاف..! وبوضعي احتمال أن البرودة قد أثرت عليها وهي التي جعلتها تبكي، ولكي أتمكن من مواساتها بعض الشيء، بدأتُ بشرح برودة جبال سرحد من خلال تدقيقي في اختيار كلمات وتعابير حارة. لكني كنتُ في علم بأن طيلة الاثني عشر يوم التي قضيناها معاً، كانت الرفيقة سلاف صاحبة إرادة كبيرة، ولم يكن أي شيء يتمكن من إحباطها والوقع من معنوياتها؛ كما أنها كانت منبع معنويات كبيرة بالنسبة لنا جميعاً. لهذا قلت في نفسي بأني ربما أختل في تفكيري، وفي أنه ربما كانت توجد لبكائها هذا أسباب أخرى. لكن الشيء الذي خطر على بالي بداية الأمر والذي كان قد أثر علينا جميعنا كانت البرودة الحادة، لهذا قلت في نفسي بأن الدخول في الموضوع بهذا الشكل ربما يجعلها تتحدث عن السبب الذي جعلها تبكي. ورغم أن ما كنت أشرح لها لمواساتها لم يكن أساس بكائها؛ إلا أنها كانت تستمع إلى كل أقاويلي برُشدٍ وصبرٍ كبيرين. وما أن أوشكتُ على إنهاء آخر جملة كنت قد أسستها، حتى قاطعتني الرفيقة سلاف بكل ثقة ودون أي تردد، أمينة من نفسها:

"لا، إني لا أبكي لأني قد بردتُ كثيراً، وبأني لم أعد أتحمل هذه البرودة الحادة، لكن الشيء الذي تأثرتُ به كثيراً، هو أني كنت أستطيع أن أمد لكم يد العون أكثر من ذلك، وأن أقاوم أكثر الظروف التي مرينا منها. لكن ولأني لم أتمكن من أن أصبح أكثر فعالية وقوة ضمن المجموعة، أحسستُ بأني قد استسلمتُ للبرودة، وهذا هو الشيء الذي لا أستطيع أن أتقبله، لذا ولو أني لم أرغب بذلك كنت أبكي من حنقي وغضبي على نفسي". كنت أعرف بأن سلاف فتاة كردية مغرورة كثيراً، لكن لم أكن أظن في أنها ستقوم بمحاكمة وتحليل ذاتها لهذه الدرجة. لأنها كانت قد امتحنت نفسها في السابق ضمن ظروف عصيبة. فهي بنفسها ابنة الكوجريين الأصليين، وكانت قد كبرت في الروابي. ولم تكن دموع عينيها تقبل بقاءها بلا حلول في هكذا أوقات.

بوضعي يدا سلاف في كفة يدي، قلت لها: لقد تمكنتِ من الانتصار في الكثير من الأشياء التي لم يتمكن لأحد من الانتصار فيها من قبل. وكنت منتصرة في مهمتك هذه أيضاً، خاصة في أنكِ لم تبخلي علينا من إعطاء المعنويات والابتسامات حتى في أصعب الظروف... ومع إنهائي جملتي الأخيرة، ضميتها إلى صدري واحتضنتها.

أكملنا طريقنا كما في كافة الأوقات. كل ما رأيناه وعشناه طوال طريقنا، سيتحول إلى تجارب هامة لنا لنقوم بتحضيرات أكبر في الأيام المقبلة. مسيراتنا التي لن تنتهي أبداً ضمن الكريللا، وبسردنا حكاية طريقنا هذه نكون قد أضفنا إلى مغامراتنا ذكرى وأسطورة جديدة...

 إن من شجعان هذه الحادثة الرفاق زاغروس وسلاف، كانوا قد بذلوا جهوداً كبيرة كي يصبحوا منتصرين في مهامهم الثورية. هما البطلان اللذان كانا من محبي حكايتنا. فقد دخلا في تاريخ حرية الشعب الكردي، و قلوب جميع رفاق الدرب، لذا كان من غير الممكن من نسيانهم وعدم تذكيرهم في كافة اللحظات. فاثناهما قد تحولا إلى بدلٍ للحرية في صبا أعمارهما. لهذا فإن واجب الارتباط بذكراهما، وحمل كل لحظة عشناها معهما إلى الأجيال القادمة، إنما هو دينٌ يقع على عاتقنا.