Kurdî  |  Tirkî

ضحتْ بنفسها لحماية رفاقها

أكَري ديرسم
sehid eylem dersim sehidiإنَّ حياة الكريللا حافلة بالمغامرات والمخاطردوماً. مغامراتٌ ومخاطرٌ تعيش فيها الكريلا ثنائيتي "الموت،الحياة" في لحظةٍ واحدة. خاصةً إذا كانت هذه المجموعة الأنصارية تعيش في أجواء حربٍ ساخنة. ربما هذه الحقيقة

وتوحد الكريلا مع أهدافها السامية حولتْ شخصياتهم إلى شخصياتٍ فدائية جاهزةٌ للقيام بمهامها حتى في أصعب الظروف وأهمِّ المراحل، فهي تناضل في سبيل الحرية أو حتى تقاوم في وجه السلطات التي تفرض حاكميتها على الشعوب. وهذا ما جعلتها تتمرد على الأنظمة التي تجهد في قمع وتصفية الشعوب.
لذا، توحدتْ هذه القوة الأنصارية مع الجبال ولم تعد أية قوة تستطيع إخراجها منها، لأنها آمنت بأهدافها وتمسكت بمبادئها التي لا تساوم فيها أبداً. هذا ما جعلها تناضل وتحارب بكلِّ جسارة ضد هجائم العدو مستمدة قواها من فلسفة القيادة، تلك الفلسفة التي كانَ عشقُ الحياة الحرة فيها من أسمى قيمها، فصارتْ تفدي بأغلى ما لديها في سبيل تلك الحياة.
هذا ما كانتْ قد أثبتته الحركة الحرة الكردستانية PKK، فقد خرجت شخصيات فدائية أعلنتْ عن مراحل وتكتيكات جديدة أجبرتْ القوى المعادية من التراجع بخطواتها المعادية لحرية الشعوب.
الرفيقة أيلم كانت من إحدى الشخصيات التي أدهشت العدو بجسارتها وعزمها. حقةً كانتْ قائدة بكلِّ معنى الكلمة، فالتضحية في سبيل الرفاقية كان أساسٌ في حياتها الثورية. أحبَّتْ جبال ديرسم وارتبطت بها ارتباطاً شديداً، لهذا كانتْ قد أصرَّتْ في الذهاب إلى ديرسم، ولم يكن أي عائق يمكنه من إبعادها عن تلك الجبال التي كانت متوقة إليها كثيراً.
في عام 2005 وافق الحزب على اقتراحها للذهاب إلى ديرسم... هكذا بدأتْ رحلتها نحو ديرسم رغم جميع المصاعب التي كانت تعانيها في الطرقات العالية الشاقة. عُرِفَتْ الرفيقة أيلم التي بوقفتها المثالية وانضمامها الفعَّال في جميع ساحات الحياة. كانت دائماً في الجبهات الأمامية في انضمامها، وترى نفسها مُدينة دائماً تجاه واجباتها الرفاقية ومهامها الثورية، فقد كانت تذكرُ دائماً، "عليَّ القيام بمهامي على أكمل وجهٍ تجاه رفاقي الشهداء وأنْ أوفي بديني تجاه تضحياتهم العظيمة..." هذا ما كان يجعلها في المقدمة دوماً.
حاكمية الرفيقة أيلم على الجغرافية كانتْ قوية جداً، فرغم مرور يومين من مجيئها إلى إيالة درسيم، إلا أنها كانت يقظة لأية حركة غير طبيعية تحدث من حولنا. هذه الحركة الغير طبيعية كانتْ كافية لتحمل الرفيقة أيلم سلاحها وتذهب لتفحص الجغرافيا التي نقطنها. وعي الرفيقة أيلم يشيرُ إلى مسؤوليتها الطبيعية التي خلقت فيها روح رفاقيةٍ عالية.
هذه الروح الرفاقية التي بنتها رفيقة دربنا أيلم في شخصيتها على الأسس الثورية، جعلتها تتخذ الفداء والتضحية في سبيل الرفاقية كأعظم المبادئ لنفسها. فطيلة أربع وعشرين ساعة كانت تذكر واجباتها تجاه رفاقها الشهداء، وبأنَّ ما تفعله يبقى ناقصاً أمام ذكراهم... فحتى أحلامها كانت مرتبطة بما تفكر به من مسؤولياتها الثورية. حيث أنها كانت قد تحدثت لنا عن حلمٍ لها. كان حلمها هذا له ارتباط كبير بطراز انضمامها إلى الحياة. حلمها هذا كان حوارٌ مع الرفيقة  نوجان، كانتا معاً في طريقهما إلى ديرسم، لكن الرفيقة نوجان استشهدت في الطريق عندما وقعوا في كمينٍ كان قد نصبه العدو لهم. حيث كانت الرفيقة نوجان تخاطبها في الحلم قائلةً: إني أنتظركِ في نهاية وادي علي بوغاز، فكنتِ قد وعدتِ على أنكِ ستأتين لزيارتنا، لكنكِ تأخرتِ كثيراً، لذا عليك الإيفاء بوعدك بأسرع وقت. حينها وعندما كانت تسيرُ في الوادي، يرشدها رجلاً مسناً إلى الطريق المؤدي إلى نهاية الوادي، ويُحَذِرُها في أنَّ ذلك الطريق طريقٌ صعب بعض الشيء، وربما تتواجهي هناك بعض الآلام، وفي النهاية تسيرُ الرفيقة أيلم نحو نهاية ذلك الوادي، لتلتقي مع الرفيقة نوجان. هذا الحلم كان قد أثرَ عليها كثيراً، لذا، كانت تقول في أني لا أقوم بواجباتي على أكمل وجه، لهذا يجب أنْ أنضمَّ للحياة بشكل أكثر فعالية.
كلما أتذكر حلمها هذا، تترسمُ أمام أعيني لوحات حزن وألم، حيث أنها كانت قد رأتْ هذا الحلم قبل ثلاثة أيام من شهادتها. في نفس اليوم تمَّ فرزها إلى وادي علي بوغاز، لكنْ فرزها إلى ذلك المكان لمْ يكن برغبتها. فقد كانتْ تقول، عليَّ الذهاب إلى الجبهات الأمامية كي أكتسب المزيد من التجارب.
في اليوم الثالث ذهبنا معاً إلى القرية لتأمين بعض الأرزاق من أجل مجموعتنا. هذه الأرزاق كانت تُؤَمَّنْ من القرويين؛ لهذا كنا سنذهب مع الرفيقة أيلم إلى موعد اللقاء الذي حددناه مع القروي، كان الموعد في حوالي الساعة الثانية عشر ظهراً. المكان الذي كنا سنلتقي فيه مع القروي، قريبٌ جداً من القرية، لهذا كان ذو تهلكة كبيرة، كما أنه كان بعيد عن الجبال وهذا ما كان يعيق حمايتنا التامة من الناحية الأمنية. خاصةً أنَّ رفاقنا وقعوا في اشتباكاتٍ عنيفة مع العدو في نفس المكان. لذا كنا نتحرك بحذرٍ شديد جداً.
جمال هذا المكان، ألفتَ بال الرفيقة أيلم كثيراً، أتذكر حينها قالت لي، بأنَّ هذا المكان يجذبُ الإنسان إلى نفسه. لكن هي أيضاً كانت قد شعرت بخطورة بقائنا في المكان ليلاً، لهذا قررنا أنْ نبقى في الليل بقربٍ من الجبال.
مع طلوع الفجر استيقظنا على أصوات غريبة كانت تأتي من الجبل الذي كان أعلانا، فقررنا أنْ نذهب لتفحص المكان قبل الموعد. تعقبنا الجبل من بعيد جيداً، لكن لم نستطع التفحص جيداً، لأنَّ الرعاة كانوا منتشرين في كلِّ مكان من حول الجبل. توجهنا إلى مكان الموعد مع الساعة الثامنة، وذلك لتأمين بعض الاحتياجات والقيام بصنع الخبز من أجل الرفاق الذين كانوا سيأتون لجلب الأرزاق. أخذت الرفيقة أيلم معها أحد الرفاق وذهبتْ لتفحص الجبل من جميع الأطراف، فجأةً سمعنا صوت الرصاص من على فوقنا، لكنْ كان صوت سلاح واحد، مع سماعنا لصوت الرصاص ابتعدنا عن النقطة. كان يوجد معنا بعضٌ من الثوار الجدد، فحاولنا حمايتهم، قبل حمايتنا لأنفسنا، لأنهم كانوا عديمي التجربة من هذه الناحية. في هذه الأثناء سمعتُ صوتاً كان قريب منا بعشرين متراً، كان ذلك الصوت هو صوت العدو، حيث أنهم كانوا يتحدثون فيما بينهم: "متى ستصبح الساعة الثانية عشر ظهراً كي نقبض على الإرهابيين ونذهب من هنا"، حينها عرفتُ أنه كانتْ قد حُبِكتْ مؤامرة ضدنا من قبل ذلك القروي الذي كان سيُؤَمِّنْ لنا احتياجاتنا.
كان العدو قد حضَّرَ نفسه جيداً من ناحية العدد والعتاد، ففي الآن التي بدأ فيها الاشتباك، خرجتْ قوات العدو من كلِّ مكان. كما أنَّه وضع حماة القرى في الجبهات الأمامية لأنهمْ كانوا يعرفون المكان جيداً. كنا مطوقين من كافة النواحي حيث أنَّ الجبال البعيدة أيضاً كانتْ مليئة بقوات العدو. كانت المسافة بيننا وبين العدو قصيرة لدرجة أنهم كانوا سيقبضون علينا باليد. مع توجهنا نحو إحدى الجبال وجدنا بأنَّ شخصٌ ما يلاحقنا بين الغابات، تراجعتُ عدة خطوات للخلف؛ فرأيتُ أنه الرفيق الذي كان قد ذهب مع الرفيقة أيلم. اقتربنا من الجبل وجدنا أنَّ العدو قد حاصر ذلك المكان أيضاً. اختبأنا تحت صخرة؛ وسنحتْ لي الفرصة للسؤال عن الرفيقة أيلم، قال لي بأنَّ الرفيقة أيلم قد ذهبتْ إلى نقطة اللقاء، وبعد مجيء العدو لم أعد أرى الرفيقة أيلم. وضع الرفيقة أيلم هذا، زرع الشكَّ في داخلي، خاصةً أنها لا تعرف تفاصيل هذه الجغرافية جيداً. مع سماع العدو لصوتنا بدأ بقصف المكان، واستمرَّ الاشتباك حتى الساعة الخامسة ليلاً.
في اليوم الثاني من الاشتباك، سمعنا من الراديو خبر شهادة الرفيقة أيلم، كان ذلك الخبر صحيحاً... لكن كان صعب علينا قبول شهادة الرفيقة أيلم التي أدهشتْ العدو بجرأتها وشجاعتها. تأثر الرفاق كثيراً بشهادتها. كانت رفيقتنا أيلم مثالاً في الفداء والتضحية.
لم يحصل العدو على النتيجة التي كان يهدفها في هذا التمشيط. خاصةً أنَّ الألغام التي كنا قد زرعناها سابقاً في تلك الجبال كانت قد ألحقتْ العدو الكثير من الخسائر. فيما بعد أعلن القائد العسكري لذلك التمشيط على أنه لم يكن في هدفهم تمشيطٌ واسع بهذا القدر. لكن، جسارة الرفيقة أيلم كانتْ قد أدهشتهم كثيراً. فقد ذكر قائلاً: "حين رأيتُ أنصارية تدخل معسكرنا بكلِّ جسارة وتقوم بقتل ثلاثة وجرح اثنان من جنودنا، هذا الموقف شدَّ من غضبنا أكثر، لذا وسعنا من تمشيطنا هذا. فلم يستطيعوا قبول حقيقة محاربة امرأة بكل شجاعة وبسالة.
أُلحِقَ العدو بخسائر فادخة في هذا التمشيط، حيث قتل اثنا عشر جندياً، ووقع ستة منهم جرحى. كان للرفيقة أيلم دور كبير في هذه العملية، حيث أنها كانت مثال عظيم للرفاقية الصميمية والفداء. كما أنَّها أثبتت قوة الفرد الجوهرية في شخصها، وعلى كيفية استطاعتها القيام بتغييرات عظيمة في نتائج الحرب التي انقلبت رأساً على عقب.
بهذه البطولة والجسارة وصلتْ الرفيقة أيلمْ في نهاية المطاف إلى نهاية ديرسم في وادي علي بوغاز، وأوفتْ فيها بوعدها لجميع رفاقها الذين كانوا بانتظارها. وقفة الرفيقة أيلم هذه، كافيةٌ لنمدَّ أنفسنا قوةً وعزماً للسير على طريقهم المقدس والقيام بجميع بمهامنا الثورية على خطاهم وبجسارة رفيقتنا أيلم.