Kurdî  |  Tirkî

هنا، في الجبال تعاش الحياة الحرة والجميلة

رفيقات الدرب

sehiden-me-bese-anusاستجمعتُ كلَّ جسارتي وقررتُ الخروج في حضوركِ؛ لأنَّ الترسب إلى أعماق التاريخ يكون صعبٌ حقةً. وخاصةً نحن الثوريون كلما نعطي المعنى لحقيقة الشهادة، تصعب مهامنا أكثر أمام عظمتكم وكرامتكم.

لأننا قد تعلمنا من سنين نضالنا المليء بالبطولات والمقاومات بأنه ليس مهمٌ أن يعيش الثوري طويلاً؛ بل الأهم من ذلك هو كيفية اكتسابه للنصر والجرأة في حياته... وأنتم يا رفاقنا الأعزاء قد كبرتم في قلوب رفاقكم وشعبكم وحققتمْ آثاراً عميقة في آمال الحرية. فشوقنا لكم وحبكم يزداد دوماً في قلوبنا...

 

لذا، إن رغبنا الحرق في نيران عشق الحقائق، علينا بداية ألا نهربَ من حقيقتنا؛ بل علينا الانتصار في مواجهتها، وأنْ نجهد في تحليلها وفهمها. فنحن من تعرفنا على هذه الحقيقة في شخصكم... لذا، فإن العيش معكم ومع آمالكم القيمة، هو ما جعلنا نعلم كيفية شق طريق النضال المقدس...

وبما أن حقيقة الكرد وكردستان في تلك الأوقات كانت حقيقةٌ لا تحوي اسماً ولا عنواناً، لا تمر منها قوافل الشهداء ولا تُحلِّقُ فيها العصافير، وعلى حسب قول البعض: "إنها حقيقةٌ دفنتْ في المزار، ورُطِمَ عليها بالإسمنت. فقد كانت حقيقة خرساء لا تعرف الكلام وتم إنكارها منذ أزل بعيد." لكن وفي الوقت الذي حتى وريقة الشجر لم تتجرأ على الاهتزاز من مكانها؛ ظهرت هذه الحقيقة التي حاولت الأيدي الشريرة طمرها طيلة تلك السنين. وعرفتْ كردستان بأنَّ كل ما قيل بحقها حتى الآن من المدح والتعابير الجميلة والحسناء لم تكن سوى بضعٌ من المجاملات. وقد علمت بأنها لم تتمكن من التحول إلى دواءٍ لذلك الداء المتفشي على أراضيها؛ وكأنها كانت تتخبط بين جدران الحياة لتعود مرة أخرى إلى السواد التي كانت قد تعودتْ عليه...

بسة أنوش، من إحدى بنات كردستان الجسورات اللواتي ناضلن في سبيل هذه الحقيقة... ولدتْ الرفيقة بسة في بازارجك في قرية أسمابور عام 1961 ضمن عائلة متوسطة الحال. استمرت دراستها حتى الصف الأول الإعدادي. كانت متزوجة، وقد تعرفت في بازارجك على المجادلة، لتنظمَّ إليها في أواخر عام 1978 فتعيش في جبال وطنها كردستان آلام وأوجاع ولادتها الثانية...

كانت قد تعرفت الرفيقة بسة على التناقضات الحياتية والاجتماعية والدينية وغيرها بعد انتقالها من القرية إلى المدينة. فهناك كانت قد رأتْ الفارق الكبير فيما بين حياة القرية والمدينة. فزيادة عدد السكان، شكلها الإداري، البعد عن الفن، الثقافة وحتى العلاقات الاجتماعية كانت مختلفة جداً بالنسبة للرفيقة بسة. لتتمكن فيما بعد التعرف على التناقضات المتواجدة ضمن المجتمع باكراً مثل التناقضات السنية والعلوية، اليمين، اليسار و الكرد والترك.

وبفضل ما رأته الرفيقة بسة من التناقضات والتجارب الحياتية في عمرٍ باكر، صارتْ صاحبة نظرة صحيحة حول الحياة والإنسان. فقد كانت دوماً ضمن محاولات لبناء الحياة بعرق جبينها، وهذا ما أضاف على حياتها الطبيعية تنظيماً مختلف. عرفت كيف تؤسس الانضباط الجوهري في الحياة. كانت شديدة الثقة بذاتها، حاكمة على الحياة، وهذا ما جعلها مركزاً للمعنويات ومأخذاً للجد ضمن كافة رفاقها...

وقد مارست الرفيقة بسة الفعاليات التنظيمية ضمن الشعب لمدة من الزمن. لذا كانت تجهد دوماً لفهم حقيقة الشعب الكبير وتتقرب منهم وتناقش معهم على هذا الأساس. فتمكنت ضمن وقت قصير من اكتساب ثقة وحب الشعب. كما أنها تمردت على الذهنية الذكورية التي فرضتْ الكثير من الحدود والحواجز على المرأة. لهذا كانت لها وقفة صارمة في هذا الموضوع. كما كانَ لها تجارب مدهشة في الحياة، تقرأ، تبحث وتناقش...

فالرفيقة بسة قد انتصرت في التخلص من حقيقة المجتمع التقليدي الذي كان يدعوها إلى عيش حياةٍ بسيطة... نعم انتصرتْ على هذه الحقيقة في وقتٍ لم يكن يُرى فيها حتى رؤؤس الأقدام لشدة الضباب الذي أحاط بكل مكان، وتستُّر الكون وراء الغيوم السوداء المتكاثفة فوق بعضها البعض... وهذا ما يفيد بأنه هناك حقائق عليك عيشها كيف تعلمها وتعيها.

وهنا لا تكون مهمة اللسان سهلة أبداً للتحدث عن حقيقة ما يمثله الشهيد ضمن نضالنا. كما نحس دوماً بأننا نبقى ناقصين أمام مهامهم والتعبير عن حقيقتهم بشكل يمثل وقفتهم وحياتهم الثورية... كل هذه المصاعب إنما يعيشها الإنسان في عالمه الروحي والعاطفي والفكري؛ لأنه خاصةً في هذه اللحظات ، يأتي الدور الذي يقع على عاتق الوجدان. وهذا ما يفتح في القلب جروحاً عميقة، خاصة حين لا تكون قد نظفتَ نفسكَ من كافة اللعنات... طبعاً، التخلص من كافة اللعنات ليس بعمل سهلٍ أبداً. خاصة إذا لم تكن قد واجهتَ وحاربتَ حقيقتك في حرب النفس...

لقد حاولت بل وناضلت مع هذه الحقيقة طيلة هذه السنين، كي أتمكن من التعبير عن الرفيقة بسة بشكل يفيد شخصيتها من كافة الجوانب. لذا، وبعد أن تمكنت من الارتياح وجدانياً، وبعد كل هذه السنين تمكنتُ من الخروج في حضورها. والوصية الأساسية بالنسبة لنا هو التلاقي مع الصحيح والجيد والجميل، والحرب مع الخطأ، القبيح والسيئ.

حين تلتقي الأماكن الميتة مع التربة الأم وبراعم الحرية تحيا من جديد لتبعث لتهدي بساطاً من الخضارة والنضارة لبناتها وأبنائها الذين يناضلون في سبيل إحياء هذه التراب مع شعبها من جديد. حينها تشاركها أشعة الشمس الدافئة لتتفتح أزهارها محتضنةً مع النورِ وكأنها تعيشُ أكبر أعيادها المقدسة. نعم يتقاسمون معاً النور، الشعاع والأمل ليتمكنوا سوية على بناء حياة حرة عادلة...

فكانت منطقة بازارجك من إحدى هذه الأماكن المحظوظة. فبازارجك وبقدر ما انتصرت في أن تكتب اسمها على صفحات تاريخ الحركة الآبوجية بأحرفٍ ذهبية؛ تحولت إلى الأماكن التي قدمت أعظم القيم والتضحيات في سبيل الحرية والتحرر.

أول براعم بازراجك الذين تركوا لنا نضالاً وميراثاً كبيراً في أصعب المراحل هم: الرفيق حقي قرار وكمال بير، الشهيد بطال أفسان، الشهيد عصمت أومورجان، الشهيد محمد إنان، الشهيد مصطفى يوندم (أردال)، ليتعقبهم فيما بعد حواريهم... فتمكنتْ الرفيقة بسة آنوش من اتخاذ مكانتها السامية ضمن صانعي الحب، الحرية والحياة الحقيقة في أرجاء بازارجك. لهذا تمكنت الحركة الآبوجية وضمن فترة قصيرة ترك أثرٍ كبير ضمن جميع شعب المنطقة. طبعاً، حقيقة هذه الحركة قد تركت أثرها في كافة أجزاء كردستان وخارج الوطن. لذا دبت قلوب الأعداء بالرعب والخوف الشديد.

وفي هذه المرحلة لم يقف العدو مكتوف الأيدي مقابل كل هذه التطورات التي حققتها الحركة الآبوجية في كردستان؛ بل كان يهينُ ويلعب بقيم الشعب ويخلق تناقضات فيما بين مذاهبهم. كما أنه كان يحاول بناء وسط للتشابكات اليمينية واليسارية، وبهذا الشكل يُحَضِّرُ الوسط لتحقيق مجزرة كبيرة بحق الشعب. إلى جانب كل هذه التناقضات، كانت قد ازدادت الاعتقالات والضغوطات على الشعب. لتأتي مجزرة مرش وانقلاب 12 أيلول في ذروة كل هذه الهجمات.

لكن حقيقة نضال الحركة الآبوجية الذي حطم كافة أشكال القوالب التي صلبتْ على أدمغة الشعوب؛ هي الحقيقة التي صرخت في وجه المحتالين، الماكرين المنكرين لهوية وثقافة الشعب الكردي... وحقيقة هذه المجادلة لم تتأسس وتتوسع بهذه السهولة. بل تطورتْ بعد تجاوزها لأكبر المصاعب والمخاطر، كما أنها تقدمت بريادييها، بتضحياتها، بثقتها وبإظهارها مستوى قرارٍ عالٍ في تجاوز كافة العوائق والمخاطر والسمو بالنضال.

كانت الرفيقة بسة من إحدى هذه الشخصيات الريادية التي كانت تُحَبُّ من قبل الشعب ويضرب بها المثل دائماً. فجهدها، كدحها، تقدمها واتخاذها الجدية والصميمية في عملها، أكسبتْ الشعب ثقةً بحقيقة الحركة الآبوجية رغم كلِّ مداخلات العدو.

حين التحقت الرفيقة بسة بصفوف الكريللا، لم ترى صعوبة جدية في الانضمام والتوحد مع هذه الحياة. لتستمرَّ في انضمامها المليء بالحيوية، المعنويات، الجهد وعلاقاتها الطبيعية مع جميع الرفاق. فقد توحدتْ مع هذه الحياة ومع الرفاق ضمن مدة قصيرة جداً. وكان يذكرها أحد الرفاق الذين رأوها لأول مرة بهذا الشكل: "في جوار الساعة الرابعة صباحاً رأيتُ الرفيقة بسة لأول مرة في الملجأ. كانت أكبر مني في العمر، كبرُ عينيها كان قد ألفت ناظري. وحين رأتني أنظرُ إليها جاءت وسلمت علي بحرارة، حينها شعرتُ بأنها حنونة وتحبُّ الإنسان كثيراً..."

حملت الرفيقة بسة الكثير من المسؤوليات؛ خاصة من الناحية الأمنية ومن ناحية بناء العلاقات مع الشعب في القرى المجاورة. فقد كان يحبها الشعب كثيراً، ويسأل عنها دوماً...

كانت الرفيقة بسة الأكبر سناً من أغلب الرفاق ضمن المجموعة؛ لذا كان شكل تقاسمها لتجاربها الحياتية مع رفاقها أشبه بشفقة الأم المقدسة. وتحدث عنها رفيق آخر حين كان قد رآها لأول مرة: "الشيء الأكثر الذي تأثرتُ به وشدَّ انتباهي في شخصية الرفيقة بسة، هو حاكميتها وحمايتها لحياة التنظيم وحياة رفاقها. ورغم أنها كانت حديثة الانضمام ضمن صفوف الكريللا؛ إلا أنك كنت تظن بأنه صار لها زمنٌ طويل تعيش الكريلاتية في هذه الجبال...." فالرفيقة بسة كانت تشير دوماً على أن الحياة الجميلة والحرة، هي الحياة التي تعاش في الجبال.

والشيء الذي لم أنساهُ حتى الآن، هو إصرار الرفيقة بسة في تمركز الرفيقات في ملاجئ خاصة. لذا، ذهبت بنفسها إلى قرية ما لتجلب رفشاً ومعوقاً صغيراً وتبدأ مع الرفيقات الأخريات ببناء ملجأ صغير خاص بنا. وبعد ذلك تمركزنا فيه مستقلاتْ عن الرفاق الشباب.

كما أن الرفيقة بسة كانت تعطي الأهمية للفعاليات التدريبية، ولا تتردد في تقاسم كل ما تتعلمه مع رفاقها الآخرين. خاصة أن طموحها الأكبر كان تدريب جميع النساء وتوعيتهنَّ في جميع ميادين الحياة.

وانضمام الرفيقة بسة الفعال واتخاذها دور الطليعة في كافة أعمالها؛ تركَ أثراً كبيراً على الشعب وعلى المجموعات الثورية اليسارية الأخرى... فقد كانت رفيقة انتصرت في التوحد مع حقيقة الشعب بإرادة قوية وإيمان وقرار كبيرين.

إذا كنا نرغب في فهم حقيقة الحركة الآبوجية وحقيقة القيادة التي خلقت حقيقة الشعب والشهداء؛ علينا بداية كل شيء ألا نقطع صلة هذه الحقائق مع الإثباتات التاريخية والاجتماعية. كما يجب ألا ننسى العلاقة الصميمية التي أسستها المرأة الأم مع الطبيعة ؛ بل ويجب البحث عن المجتمعية التي أسستها المرأة على أساس التقاسم المشترك.

صارتْ الشهيدة بسة الممثلة الحقيقية لهذه القيم والمبادئ. فهي من خلقتْ الحياة من الرماد مثل الكثير من رفيقاتها الشهيدات. وقد أخذت مكانها في المرتبة العليا والكريمة من القداسة وتحولتْ إلى رمزٍ حقيقي للمرأة الحرة.

ضربة الثاني عشر من أيلول، كانت من إحدى الضربات التي أجلبتْ معها السواد والظلم على حياة الشعب. كانت قد حولت الحياة إلى كابوس، وكأن المواسم الأربعة التي كانت في تغير وتحول دائمٍ لتحقيق ولادات جديدة؛ قد تراجعت وراءً تجاه هذه الظلام الدامس. لتزداد الاعتقالات، الآلام، هدم المنازل وقتل كل ثوري يناضل بشرف وكرامة مع هذه الضربة اللعينة... كل هذه الحقائق تحققت واحدة تلوى الأخرى. لكنها لم تشبع من كافة هجماتها هذه، وصارت تحرض الإنسان ليقتل إخوانه وشعبه دون أي وجدان وضمير إنساني. بل حولت الكثير منهم إلى عملة وإخباريين لصالح الدولة ضد شعبهم. ليكون التمشيط الذي استشهدت فيه الرفيقة بسة آنوش نتيجة إحدى هذه الاستخبارات.

في شباط عام 1981 استشهد الرفيق بطال أفسان بعد أن حارب بكل بطولة، وبعده عصمتْ أومورجان الذي استشهد نتيجة التعذيب المفروض عليه في السجن، وقد استشهد وجرح الكثير من القرويين أيضاً...

حين كنا في سجن مرش، سمعنا خبر استشهاد الرفيقة بسة، كان ذلك في تاريخ 17 من آذار عام 1981. كانت الرفيقة بسة قد استشهدت نتيجة تمشيطٍ كبير بدأته القوى الاستعمارية والفاشية. وقد أعطوا اسم جميع الرفاق الذين وقعوا جرحى في يد العدو.

تفاجأنا كثيراً بخبر استشهاد الرفيقة بسة. وقد كنا قد نسينا كافة آلامنا التي نلاقيها في السجن، لنجدد عهدنا أمام ذكرى رفاقنا الشهداء في أننا سنعلو من مستوى مقاومتنا في السجن...

بعد مرور شهور من هذه الحادثة، تم سوق الكثير من رفاق آخرين إلى سجن مرش. فعقدنا اجتماعات حول وضعنا في السجن وكيفية العلو من النضال والمقاومة في السجون. فيما بعد علق أغلب الرفاق صورة الرفيقة بسة العادية اللون على جدار السجن، وقد تم إعلانها بالقائدة المعنوية في الحياة النضالية. لكن بعد مرور فترة قصيرة، وضع العدو اليد على صورة الرفيقة بسة المعلقة في السجن. لكنه لم يتمكن في أي وقت من وضع يده على صورتها التي بقيتْ معلقةٌ دائماً في قلوبنا وأذهاننا. فهي قد بنتْ مكانها في قلب رفاقها وشعبها وتركت خلفها ميراث مقاومةٍ عظمية.

عرفتنا شهادة الرفيقة بسة على حقيقة كيفية ترفيع الدولة لمقام كلِّ شخص كان له يد في سيل دماء أبناء الشعب الكردي. هنا ربما كرر التاريخ نفسه مرة أخرى في التسلطات والهجمات وقمع الشعوب؛ إلا أنه صار شاهداً على أن الشمس المشرقة في ميزوبوتاميا هي شمسُ الولادات الجديدة دائماً...