Kurdî  |  Tirkî

هذه قصتي

رفيقات الدرب

حرف من الحروف الانسانية، رغبت النطق به، كانت قصتي الجزء الصغير من احدى وجوه  ميدالية الحياة.حملتني امي في رحمها تسعة شهور وعشرة ايام، كنت على اتصال معها بالحبل السري، تغذيت من عواطفها وأحاسيسها، فهي امرأة تعيش على أرض ميزوبوتاميا،

أرض الخير والعطاء، مسرح الصراعات والاشتباكات، والبطولات، ومولد الحضارات.

حان الموعد الاول لوداع الرحم، ومقابلة أرض الأجداد والآباء، بدأتها بصرختي الاولى ، ليكون جمع المحتشدين على يقين من امري، بانني ولدت طفلة في عصرٍ يتعقب فيه الليل والنهار.

 مع أنفاس الحياة، وعلامات السر والاشارات، أمتلأت فراغات الاتكيت الموجود على جهة اليسار على القلب:

الاسم :آشيتي

تاريخ الولادة : عصر الحروب

محل ومكان الاقامة : الاستنشاق الاول ـ جمة ريزان

اختارت أمي اسم آشتي من كتاب قاموس الاسماء، معبرة عن رغبتها ومطلبها وتعطشها في ان يعم السلام والوئام، وأن يتحطم شباك وخيوط المعارك التي تدار بين وضد ابناء شعبي، حيث الاطفال والامهات والنساء، حبوب طاحونة الحرب الدائرة دون تردد أو ملل.

تقبل جسمي الدم استمراراً في الحياة، بدأ دماغي بالعمل لإحياء الخلايا. دنت الثانية من الدقيقة لتصبح ساعة، منها ليبدأ شروق الشمس وغروبها، منذ بزوغ الفجر  ووصولاً لحلول الليل، بكيت وضحكت مع براءة الطفولة، وحرية تصرفاتي مع أخواتي وأطفال قريتي منذ نعومة أظافري، اللعب بالتراب والزجاجات المكسورة والاشياء الممزقة البالية على التراب، على أصوات الذعر والخوف من الانفجارت والعيارات النارية الانية التي تحل علينا ضيفاً دون موعد، فصراخ الامهات الثكالى والويلات دوائهم المؤقت لآلامهم المستمرة عبر سنوات التاريخ دون التوقف.

تعلمت كلمة امي على مسرح الحياة، تحت أضواء وشتائم أبي واعمامي التي تقشعر لها الابدان، وتزرع في الانسان عواطف متداخلة، من عاطفة حقد وانتقام من هذا الوضع المتردي، عاطفة روح البحث عن الجديد، عاطفة المسؤولية أمام الحياة الانسانية التي يفقدها المرء بذاته، أجل... تداخلت وتشابكت وتعاظمت العواطف كلما استمر الدم جريانه في أوردتي وشراييني النابضة للحياة، ليقوم القلب بضخ الدم بدوره الى الجسم والدماغ.

فكرت ملياً ببدء الحياة من البيضة الملقحة، المهد الاول، الصرخة الاولى، الحرف الاول( آ)، الكلمة الاولى، النظرة الاولى، البكاء طلبا للعيش، الضحك رغبة في الحياة، الزحفة الاولى، الخطوة الأولى بمساعدة ومساندة أم، آلة أو إنسان. وقعت، لم أفلح في خطواتي لكني عاندت واستمريت في المشي، تعلمت المسير...، توالت خطواتي...للعب مع الأطفال والركض وراء حقي في ما أخذ مني( دميتي ). بذرت بذور الحروف( الاهات، والاتراح )، بين التراب، حفظت خطوات طريق البئر لانه لم يكن لي مكان آخر التجأ اليه، حمل يدي سطل الماء لاتمام وظيفة المنزل، أما عيني، وبالله علي لم ترى سوى عد ثريا السماء عندما يسدل الدجى ستائره...، وكانت تستقبل أشعة الشمس بقلب حزينة نازفة، وبفاه مبتسمة بأن النور مازال مستمرا، كم رغبت لاوقات جمة التعمق في دائرة الشمس لاقرأ السر المخبأ فيه، أراقب المسرات والهموم، أعيش معها، كلما ازداد خلايا دماغي بالتعقل، وقتئذ ارتسمت علامات الاستفهام والتعجب والنقطة والفاصلة والجمل الاعتراضية ليكتب على لوحة حياتي...، عنوان من أنا...، ماذا أفعل...، ماهو الحل... ماهو الجميل والقبيح... ماهي الافضلية للحياة...؟، لماذا تنهال الإهانات علي مجرد نطق كلمة أو حتى القيام بعمل مغاير...؟، بالرغم من حيطتي واحترازي في عدم تخطي قوانينهم وعاداتهم وتقاليدهم التي عاشوها ويعيشونها، كلا... لم أخترق حدود الاحترام والورع...  حوزتي مليئة بالاسئلة التي لم أعثر على أجوبتها، أتسول على ابواب الفكر... ولي بالجواب على ابواب افكارهم، أستجوبت، أردفناها ونرددها ونقولها مرارا، وانت جنينة واليوم تبلغين الرابعة عشر من العمر... امرأة ...انت...! ماذا يعني بأني امرأة...؟ أي.. انك ناقصة" مكسورة الجناح" عارنا وشرفنا، تقيتنا وعاهرتنا...أنت لا غير سواك، لما الازدراء والاشمئزاز مني وانا صنيعتكم..! نعم...هذا ما زرع في نفسي ثورة عنيفة ضد الظلام والجهل وعدم المعرفة للبحث عن العلم والتعلم... لم أتعرف على معنى الحضارة والمدنية...؟

في ليلة قمراء، تشع بنورها، لترسم لكل شيء ظله، سمعت وشوشات كوشوشات الماء والحجارة دنيت من الباب وكلي آذان صاغية لأستمع ما الذي يحصل في هذه الغرفة التي تحوي على رجلين مع ظلهما، يتبادلان الحديث وتخرج الحروف من محفظة فاههما لتكتب صداها على جدران الغرفة. رن على مسامعي كما يرن جرس الكنيسة في وسط المدينة، رباه... ماذا يفعل ويقول أبي مع هذا الرجل المسن، المشيب الذي قتلت فيه فتون الصبا، وتجاعيد الوجه كأخاديد الماء، كم ربيعاً مر عليه يا ترى...؟ وكم من تجارب اكتسبها من الحياة، زوجته الأولى، لأكون زوجته الثانية... إنهم يتقاسمون علي، وبدأوا بعملياتهم الحسابية، بالجمع والضرب والطرح على مال مهر حياتي دون علمي. عندما سمعت هذا، اعتراني حزن شديد ممزوج بألم، لم أستطع ان اتمالك نفسي، فبدأت دموع عيني تسيل  على خدي، جلست عند الباب وانا حائرة في أمري تمعنت في القمر... صديقي ... مرآتي السري... حاصرني الخوف ...ما العمل...، ما هو المنقذ، المنفذ الرئيسي، الطريق الصحيح، العنوان الصح لاختاره لحياتي كيف لي الخلاص من القبر، قمت بحل معادلة فكري، وحصلت على الرأي الرصين مفتاح ابواب سجني وكشفت طريق مسيرتي لاتحرر من الاسر.

تذكرتهم... كانوا يترددون في تلك الاوقات، فتيات المحهن من بعيد، وهن يسرن بجسارة دون عاطفة خوف اوتردد في مسيرتهم على مرتفعات قريتنا ، يجذبن أهل القرية، تمعنت في الكثير من الاحيان ان اكون مثلهن، رسمتهن وطبعتهن باجمل الصور في خيالاتي، حلمت بهن في الرؤيا.

أجل... انهن مزينات باجمل الحلى، مخازن ذو ثلاثون طلقة والقنبلتان حول خصرهن، وسلاح كلاشينكوف على اكتافهن، كأنبل صديق لهن، والبسمة الممزوجة بالهيبة الشخصية لاتفارق شفاههن، جريئات لا يهبن الموت، بل يصنعن الحياة من كل شيء، لانهن يتغذين بايديولوجيتهن التي رسمها لهن قائدهن أبو، يحاولن ويكدحن دون تقاعس لصنع الجديد فهن الامل، يخلقن من اللاشيء إمكانية الحياة، منتصبات القامات، مرفوعات الجبين، يرفضن الذل والهوان او التخاذل والخنوع، فلا مكان لهذه المصطلحات  في قاموسهن الأيديولوجي. انهن في صفوف منادي الحرية، فتيات جميلات و جاذبات في الشكل و الجوهر، يكن الحب والاحترام لبعضهن و الاخرين.

لم أرى الخلاص إلا بين صفوفهن...التقيت بهن في اليوم الثاني، كانت هنيهات  سعيدة في حياتي، لانني أنطلقت نحو نقطة خلاصي ... نحو ذاتي الضائعة، رأيت ظلي ونفسي بين أحضان وأفكار دافئة، حلمت بها يوماً... كان ميلادي الحقيقي( حاولت العثور على نور)، فلما كان صباح الغد الخامس جاءتني احدى مصونات الوجه، ذو الضفيرة الكستنائية المسدل على ظهرها، والصوت المعتدل السلس الممزوج بالحزم والإرادة في التحدي لمواجهةَ الآلام والمصاعب، متوسطة البدانة، تشع من عينيها حب الانسان، والعزم على خلق الجديد في انارة طريقها، وطريق من امثالنا الجهلاء... كانت محطة الابصار بالنسبة لي، سالتني مردفة: كم ربيعك ياخيرة الفتيات .

أجبتها: خمسة أيام لا غير، الفترة التي أمضيتها عندكن.

مع غروب الشمس، حلت الكارثة علينا، أضحى بحثي هذا سبب من الأسباب المؤدية لإعلان حرب ضروس بين أبناء عشيرتي، والمحور الرئيسي لها، إلا ان اتزان عقلي، ورصانة رأيي، حال دون ذلك، قررت التضحية لإتمام مسيرتي، كيلا أكون المفتاح للباب الرئيسي الأسود، وتقبلت مصيري بفارغ الصبر، وبصمت عميق، يحمل بين طياته(الامل والحب). وبالرب الأكبر لن أتخلى عن حلمي المتحقق وسأبارك ميلادي بجرأتي، عنفواني بطوفان عصياني، وعواصف تمردي، سأصارع تخلفكم في العقل والروح، لا بالجسد.

سحبوني مرة ثانية الى حظيرة الظلام، سجنت فيها ثلاثة أيام بلياليها ونهارها، أراقب ملك السكون الغرفة، وأنصت لرسالتي الصامتة، فلا أخاف من غدر  الزمان، لانني قررت  ان يكون اللحظة من صنع يدي، وكلي أمل بالبعيد للالتقاء مع إلهة الحرية، لن أبحث عنها بعيدة عني، فهي متربعة على كرسي عقلي، حرة الفكر والفؤاد، والجسد أسير الضرب والشتائم. سطرت العصا والصفعات باللون الازرق كلماتهم المنطوقة على مسمات جلدي.

في اليوم الثالث من الأسر فتح الباب، فإذ بظل رجل غاضب الصفات يرشق السم، يخلو من الرأفة والشفقة، يا للسخرية... أرادوا زف عرسي للفارس المجهول( قتلي )، كان قرار في صباح يوم بارد، والغيوم الداكنة مبسطة جناحيها في عنان سماء" بيره مكرون". بما أن المفتاح أنا، امسكت مقبض الباب، فتحتها، خطوت برجلي الأيمن فالايسر، والعيون الناظرة تراقب، أحياناً بتردد، وأخرى بخوف وتعجب، سرت بخطى صارمة، موثوقة نحو أجلي. حملت صليبي( موتي) على ظهري، علمت سيتحول  هذا الصليب الى الحياة. لا انبس ببنة شفة، لم يكن صمتي هذا، صمت اليأس والاحباط، أو انحطاط القوى، بل سيكون احتضان الجمال. ورددت قائلة: ما بيني لعيونهم المستغربة، بريئة من خطاياهم، خطيئتي هو رغبتي في تحطيم قيود وسلاسل العبودية  المثقلة حول معصم يدي، وتنيظف غبار السنين المتراكم على أهداب العيون لرؤية النور. وصلت مركبي  حافية القدمين الى مكان الزفاف، الجموع المحتشدة من أهل البلدة، منتظرين النهاية، النهاية حسب اعتقادهم، بل كانت بالنسبة لي بداية، بداية الجديد... بداية الصفحة من أول كتاب .

لذا وقفت دون  الاكتراث، أمام شاهدي الاول الجامع ذو القبة  الخضراء، مجمع الشيوخ، وملتزمي الصلاة، وساجدي امام الله الاكبر،أتحدى ذاك الرجل، عيناه الملتهبة بنيران الشر، وفي يده اليمنى سلاح فتاك الحياة، صوب طلقته الاولى على عيني اليمنى، لقتل النور الذي يشع منه، وقعت أرضاً، قبلت التربة العذراء،وأستمر في تصويب ظهري / 39/ طلقة  وعلى قلبي النابض للعشق والحب، والتفاؤول بحدائق العلم، أملي للحرية تمردي لأفكارهم البالية، إلى عاطفتي كامرأة فأسأل: هل قتلي هذا جسارة منهم أم جبناً أمام حقيقتهم...؟، بدأت قطرات دمي تروي التربة بلا تردد، لتزهر الأرض ثمراً... إن شواهدي جمة ، رموا جسدي المثخن بالدماء في حفرة دون مقبرة، حطموا الاتكيت المكتوب على جهة اليسار، تركوني بلا هوية، بلا  عنوان.  سيكون طيفي دون اللحد، يطوف في ضفاف جمة ريزان، ونجمة تلمع في سمائها. بعد ثلاثة أيام من ضيافة الحفرة لي  جاءت تلك الانامل الإنسانية لإخراج جثتي الدامية المشوهة من المكان الذي حجبت فيه تحت كومة التراب، صحيح لم يكن جثتي كجثة الشاب هيباس المطروحة محمولة في تابوت مزين بالأرجوان والذهب والفضة إلا إن الموت أطفأ النور في عينيه ليزيل جماله، بينما انا لم تكن الرصاصات ناجحات في هدفها، إني أبصر مصرعي وسأنتقم من عاداتهم وتقاليدهم المتخلفة التي تفني الإنسان. سأكون ملحمة تتداولها الالسنة، حمامة بيضاء في فمها غصن زيتون ترفرف دون كلل أو أرتياب .

أخذوني الى المكان الذي يتواجب ان يتوارى فيه رفاتي، مقبرة الشهداء وأعطوني هويتي وعنواني وكتبوا على شاهدة قبري.

الاسم: الحمامة البيضاء

الكنية : باحثة الحرية

مكان الاقامة : سليمانية ـ مقبرة الشهداء

لم يتراءى لي يوماً بأن اكون حقيقة لقصة غير منسية، أو حتى حقيقة  الهام شعر وسيزال قلبي نابض للحياة حباً وعشقاً للحرية والمقاومة.