Kurdî  |  Tirkî

زينب كوجر

رفيقات الدرب

zeynيحمل المكان بين طياته أبعاد أوسع من المكان ذاته فهو يحمل حقيقة الزمان، وبالتالي يتأثران ببعدهما البعد وما بال الإنسان الذي يعيش على ذلك المكان فهو يتأثر ويتشكل على الأبعاد التي ترسمها المكان في شخصيته. إذاً فالمكان هو مكونٌ من مكونات الأساسية في صياغة شخصية الإنسان،

وبالتالي في صياغة المجتمع الذي يعيش فيه ذلك الإنسان. المكان يمثل الأم التي تحدد ملامح أطفالها ومشاعرهم وميولهم. المكان جزءٌ لا يتجزأ من شخصية الفرد والمجتمع. المكان يحمل الذاكرة بين جوانحه، ذاكرة الأرض وذاكرة المجتمع الذي نمى بين أنامله.

 

مزوبوتاميا هي حضن للأكراد وهي العنصر الأهم في تشكيل شخصيته وفكره وعواطفه. مزوبوتاميا هو المكان الذي انبثق فيها الثورة الزراعية. هي الحاضنة الأولى للمجتمع. منها انتشرت موجة المجتمع وثورتها إلى أصقاع العالم لأنه المكان الذي توفرت فيه شروط المجتمعية. المكان مضخة الحياة إلى وجود الإنسان. وجبال كردستان هي اليوم كما السابق حضنٌ للثورة وسندها هي حاميهتا والمحور الأساسي في تكوين الشخصية الثورية الكردية. لم تبتعد الثورة والعصيان والانتفاضة عن هذه الجبال في التاريخ الكردي لأنها المكان الأنسب لثورة والعصيان. فهي شاهقة وعاصية ،هي الذروة في الكفاح، هي الذروة في الشموخ لا تعرف الخنوع، ولا تعلم الخنوع بل تعلم المثابرة كما تعلم الصبر. فتلك الجبال العالية الشاهقة التي ينفرج ويرتعد قلب الإنسان أمامها في الآن نفسه، هو المكان الذي اتخذته الثورة مكاناً لا غنى عنها، هو المكان الذي أتخذه ثوار PKK حضناً ومرجعناً وحصناً يحتمون به. جبال كردستان علمت الثوري الجهد العنفوان والإرادة والغرور القومي والعزة الشخصية علمته السير في الطرقات الصعبة، علمته أن لا يرضخ للسهل علمته السير في طريق الحقيقة. يتحول المستحيل في هذه الجبال أمام قوة العزم والإرادة والإيمان القوي إلى ما يمكن تحقيقه على أتم وجه. في هذا المكان وعلى هذه الجبال لم تواجه الثورة وثوارها عاصفة الزوال التي تهب بها الزمان في الكثير من الأماكن الأخرى.

جبال كاتوا هذه الواقعة في قلب كردستان الوعرة الشرسة لعدو الكرد، الناعمة الدافئة لثوار الكرد هو المكان الذي رسم الملامح الثورية الأصيلة لزينب كوجر التي كانت صاحبة عقيدة قوية، وقضية تضم الكثير من القضايا الحياتية. كاتوا هو المكان الذي رسمت فيها زينب كوجر خطوتها العريضة والعميقة في الحياة الكريلاتية وبنت فيها شخصيتها الثورية على أتم وجه. كاتوا كان ذلك المكان الذي ستصل فيها إلى تحقيق كل أحلامها في بناء حياة كريمة وشريفة لمستقل كل أطفال كردستان. زينب خرجت من ذات بسيطة تدور حول المطالب البسيطة الشخصية إلى ذات ثورية اجتماعية كونية. من الممكن أن الأقلام لم تحولها بعد إلى ملاحم لكنها ملحمة لم تكتب وجبال كاتوا شاهدٌ كبير على الروح البطولية التي أبدتها في كل لحظة عاشتها على تلك الجبال.

من هي زينب كوجر التي عاشت في حضن كاتوا تدفأت بدفه، وجعلت من البرودة التي تعصفها رياحها الهائجة سخونة تجري في عروقها. تعلمت زينب في كاتوا أن تجري وتجري من دون أن تعطي أهمية لتعب والكلل، فالوقت والمكان الذي تعيش فيه يضعها أمام مهمة أقوى بكثير من التعب والكلل. زينب كانت مدركة لمسؤولياتها كفرد تجاه حقيقتها المجتمعية والتاريخية في كل الأوقات. زينب كوجر كانت من أصل كوجري (بدو الجبال) لذا فجذورها ممتدة في كل مكان على جبال كردستان، وهذا ما كانت تشعر به فحياة الجبال والعيش عليها والنضال على قممها كان يجذبها إليها منذ الصغر. زينب التي انحدرت من الجذور الكوجرية التي ينضج أفرادها على التعلم الكدح والجهد في عمر لا يتجاوز الطفولة استطاعت أن تنال حصتها من هذا التعليم بالرغم من أنها عاشت بعيدة عن أجواء الكوجرية على جبال كردستان ومراعيها التي تشكل المكان الأساسي لحياة الكوجرية (البدوية). نالت زينب نصيبها من التعلم الكدح في سن صغيرة لأنها أجبرت على العمل في سن صغيرة لتساعد عائلتها على رعاية أطفلها بسبب ظروف المعيشة الصعبة في المدن التركية. تعلمت الكدح في العمر الذي يلعب فيه الأطفال في الشوارع مع أصحابهم ويحملون حقائبهم وهم يذهبون إلى المدارس. الجهد والعمل كانا المكونان الأساسيان في تشكيل شخصية الرفيقة زينب كوجر. نظرت كوجر إلى كل ما يدور حولها بمنظار يختلف كثيراً عن المنظار الذي ينظر بها في العادة، لذا حملت الكثير من التناقضات وثابرت على تحيلها في كل الظروف التي عاشتها، واختلفت بذلك عن الكثيرات من الفتيات الشابات اللواتي كن في عمرها. زينب التي تحملت المسئولية في عمر صغير حملت الكدح في مواجهة المصاعب التي تختل بعقل الشباب والشابات اللواتي يحملن العمر ذاته. تعلمت الاعتماد على ذاتها والوقوف على قدميها وهي ما تزال صغيرة. هكذا كبرت زينب بتلك الشخصية وبتلك الميول التي كانت تكبر معها للبحث عن سبل لحل المشكلة التي يعيشها مجتمعها، والمجتمعات الأخرى التي عاشت مهم في المدن التركية، ومضت في طريق الثورة نحو جبال كردستان، نحو جذورها الكوجرية.

عام 2005 كان العام الذي رست فيها زينب قدميها على جبال كردستان كان عام حلمها الذي بدأ يتحقق. فتعلمت تقرا كل ما حولها وهي التي لم تلمس قدماها عتبة مدراس العدو. ومن قال بأن المدارس العدو تعلم وتسير بالطلبة في درب العلم؟ على العكس من ذلك فهي الطريق نحو الصهر، نحو الانحلال نحو الابتعاد عن الهوية، نحو السير في بوتقة الضياع. استعجب الكثير من مستوى الوعي والعلم الذي بدأت تتحلى به ضمن صفوف الكريلا. ألم تكن زينب الكادحة المجهدة ؟ كدحت زينب من أجل التعلم ليل نهار، كما قامت سابقاً في العمل من أجل أخوتها وأخونها. فما تعلمته في مدرسة PKK عجز الكثير من المثقفين عن تعلمه في المدارس العالية للمستعمرين. تعلمت في مدرسة PKK أن يتوافق أقولها مع كل أعمالها. الذكر، الفكر والفعل توحدوا في تكوين شخصيتها الثورية، في تكوين حياتها كمناضلة. أدركت زينب باكراً بأن السير نحو حرية المرأة والمجتمع يعبر من السير الممارسة والفكر في المسار والمنوال ذاته.

بعد عدة سنوات من انضمامها إلى صفوف PKK تتجه من جبال كردستان الجنوبية نحو الشمال نحو جبال كاتوا تلك الجبال العاصية الماردة. فعلى كل شبر مرت به نحو تلك الجبال شعرت بالهيبة، كانت تشعر بجريان الذاكرة المكان أمامها ذاكرة أحداث لم يسردها التاريخ ولم تستطع الأفواه التفوه بها. كانت تشعر بأن التاريخ يجري معها في هذه المسيرة المقدسة وهي تقطع الحدود التي قطعت كردستان، التي أعتدت على كرامتها، التي جرحت العروق المضخة لدم إلى القلب الكردستاني. كانت تسير إلى تلك الجبال كي تداوي الجروح، كي ترمم العروق كي تضخ الدم مع رفاقها ورفيقتها إلى القلب الكردستاني. كانت تجري ويجري مها الزامكان شريطا شعورياً ينتشلها من زمان إلى زمان أخر، ويقربها من كل الأمكنة التي فرقتها يد الغدر والعقول الجاهلة.

وصلت زينب إلى كاتوا وهي تحمل في جعبتها شعوراً بالقربة وشعوراً بأنها كانت على معرفة بهذا المكان بأن هذه الأصالة وهذا العصيان الذي يتحلى بها جبال كاتوا له قرابة بالثوار والثورة. المكان حالة مهمة في حياة الإنسان وقرابة لا يبعدها إلا التخلي عن الشعور والحس والتفكير الإنساني. المكان هو البيت، هو الأمان الذي يحتمي به المرء من الشر. بالتالي لا يمكن أن يعيش المرء وهو يجهل قيمة المكان الذي يعيش به. ثوار كردستان ثوار PKK يعرفون قيمة هذه الجبال في حياتهم الثورية الكريلاتية. فكل من ينضم إلى صفوف الكريلا لا بد له من أن يتشكل بلون هذه الجبال أن يكون عاصياً كعصيانه ومعطياً كعطاء الجبال، قوياً كجبروت هذه الجبال وحنوناً كحضن هذه الجبال عليه أن يتسم بسمة هذه الجبال والرفيقة زينب كانت على دراية كاملة بأنها ستكون أبنت هذه الجبال.

زينب كوجر القصيرة القامة وهزيلة الجسد لم ينقص عنفوانها وإصرارها في السير على جبال كاتوا والنضال ومحاربة العدو عن تلك الجبال فقوة إرادتها فاق قوة إرادة إنسان عادي. زينب كانت قوية الإرادة لا تقبل البقاء في الهوامش، كانت تتحدى كل الصعوبات وكل العوائق. على تلك الجبال العالية التي تنطح السماء بعلوها أصبحت زينب نجمة تستطع ببهجتها وفرحتها وصبرها أيام رفيقاتها ورفاقها. لم يخلوا كل الأماكن التي مرت بها الرفيقة زينب كوجر وناضلت فيه من البهجة الثورية و الحياة فقد كانت مفعمة بالحياة. على تلك الصخور الجارحة التي لم يكن يسكنها إلا النسور وبين تلك الممرات الضيقة والوعرة كانت تسير زينب كما لو أنها كانت تسير على أرضٍ حريرية. ارتسمت بصفات جبال كاتوا، فكبريها الثوري وشموخها القومي لم يقل من كبرياء وشموخ كاتوا. لما لا فهي مناضلة ثورية وفي فضاء أحلامها كان يكبر وطن حر و نساء حرات يعمرن مجتمع كريماً.