Kurdî  |  Tirkî

ابنة نورهق وأنكيزك العاصية

رفيقات الدرب

kocer arkasdasمن دون أن يتأثروا بجو إستانبول الخانق، يسيرون بهيجان كبير وهم يحملون في قلوبهم الاشتياق والحب الكبير لكردستان، ليحطموا القلعة التي كان العدو يحتمي بها، الرحالة الثلاث يسيرون بسرعة فائقة. لا أحد يسمع ذلك الصوت الذي ينبض مع قلوبهم.

كيف سيسمعون؟ فلا يمكنهم أن يفهموا الشباب والشابات الكرديات وهنَّ يتجهنَ إلى موطن الجمال في سبيل وطنٍ حر. فهم يذهبون إلى وطن أطفال الشمس والنار، يذهبون إلى كردستان يذهبون إليها في الطريق الذي اتخذه خيري وكمال وبيريتان معبرين إلى الحرية فرسموا على هذه الطريق أروع ملاحم البطولية ليحققوا الحلم الكردي الذي استمرَّ لآلاف السنين. وذلك الجسر الذي يسيرون عليه الآن هو الجسر المؤدي إلى قصر دحاك جسر خاليج! تسير الرفيقة كوجر وتشعر بأن شعار القائد أبو يسري في كل جسدها: "من يحارب يصبح جميلاً، ومن يصبح جميلاً يُحب، ومن يًحب يصبح حراً". تسيرُ بكلِ فخرٍ مع رفاقها وهي تتجه نحو مكان العملية. أسرعت من خطواتها كي لا تُؤخر الرفاق وكأنها في سباق ثوري. كالمئات من بنات الكرد كانت تذهب كي تضحي بحياتها من أجل كردستان الحبيبة.
الاسم الحقيقي: كولشن أوزدمير

 

الاسم الحركي: كوجر، شردا

تاريخ ومحل الولادة كوركوم 1972

تاريخ الانضمام :الثلاثين من نيسان 1994

مكان وتاريخ الاستشهاد: على جسر هاليج في الثاني من شباط عام 1995

إنْ لم تخرج أية حادثة أثناء القيام بالعملية، فسوف يصبح هذا المكان بعد لحظات جحيماً للمستعمرين، وستتحول إلى ركامٍ ترتطم بالأرض. لن يتخلص المستعمر من الاختناق بنار الحرية. أولئك الذين لم يتوانوا للحظة واحدة في تدمير وطن الجنة كل يوم، فقتلوا أناسها وفتكوا بكل شيء. كل مقاتل يتجه إلى مكان العملية يضع نصب عينيه حدوث حادث ما، لذا فهي ستقول للخيانة والاستسلام "لا" كما قالت الرفيقة بيريتان، وستمضي في طريقها بشكل ملحمي مثل رهشان كي تكون مشعلةً لنوروز مثل ذكية آلكان، كالكثيرات من النساء الكرديات وهي مرفوعة الرأس. لتتجاوز الموت بشهادتها وتنضم إلى دبكة الحرية على جبال كردستان وسهولها ولتترك وصيتها لرفاقها "أدفنوني في جبال كردستان". هناك ستكون إلى جانب رفيقاتها ورفاقها الذين يجرون نحو الحرية وستكون سعيدة عندما تشاهد بأن جمال الثورة يكبر يوماً بعد يوم.

من هي الرفيقة كوجر؟... كيف تحولَ حلمُ انضمامها إلى دبكة الحرية؟ كيف رُسمَ طريقها نحو هذه المسيرة؟ كيف تشكل حياة هذه الفتاة الكردية الجسورة وهي تدعو العدو للمحاسبة في ساحة المعركة، لتتحلى بالجسارة والوعي؟

الرفيقة كوجر من مدينة مرش، أُجبِرَتْ عائلتها كالمئات من العائلات الكردية على الهجرة إلى المدن التركية وهي ما تزال في السادسة من عمرها. انقطعتْ عن تراب الوطن وهي ما تزال طفلة صغيرة. تنحدر عائلتها من أصول علوية وتأثرتْ باليسار التركي والكمالية. الكثير من العائلات الكردية التي كانت تعيش في المدن آنذاك لم تستطع أن تنقذ نفسها من سياسات الصهر والتتريك. كبر شوق الوطن في قلب كوجر وهي تكبر بعيدةً عن أحضان الوطن. الكلُّ كان يحبها حباً جماً، عائلتها رفاقها ورفيقاتها وكل من تعرف عليها. لم تستطع الرفيقة كوجر أن تنسى الضغوطات التي قام بها العدو تجاه الثوار في قريتها رغم صغر سنها، فقد كانتْ حينها في عمرٍ لا تستطيع فيه إدراك الكثير من الحقائق. موقف العدو هذا من الثوار ترك في ذاكرتها خطوطاً عميقة لا تمحيها يد الزمان. قامت عائلتها بتدريسها رغم سوء ظروفها المادية.

تأثرتْ الرفيقة كوجر مثل الكثير من الشابات والشباب الكرد بسياسات القمع التي كان العدو يمارسها تجاه الشعب الكردي ولذلك كانتْ تقارن كال ما كانت تتعلمه في المدارس التركية مع كلِّ ما تبقى من قيم عائلتها فتتعمق تناقضاتها. قامت الدولة التركية بقتل الآلاف من أبناء الشعب الكردي كي تجبرهم على قبول سياسات الصهر في الثاني عشر من أيلول. أرادوا أن يبعدوها هي أيضاً عن ثقافة شعبها وحقيقة مجتمعها، وإنْ تأثرتْ الرفيقة كوجر ببعض هذه السياسات مع ذلك لم تجد نفسها في ذلك المكان في الكثير من الأوقات. كانت تجتر آلام الغربة في مدينة استانبول، وشعرت بأنها تفقد ذاكرتها في ذلك المكان وكل ما يتعلق بها وبلغتها. عائلتها البعيدة عن الكردياتية والمتعلقة باليسار التركي لم تستطع أنْ تجرَّ الرفيقة كوجر إلى طريقها. ازدادتْ ردود فعل الرفيقة كوجر ضد سياسات الدولة التركية يوماً بعد يوم. شعرتْ بفراغ كبير حيال هذه السياسات فنمتْ لديها ميول البحث عن طرق لحل تناقضاتها. وبدأت تلتهم الكتب والمجلات ككل شابة تبحث عن طريقٍ لها للتخلص من النظام الحاكم.

تأثرت الرفيقة كوجر بالحركة الكردية مع بدأ انتشارها في المدن التركية، وكأنها وجدتْ ما كانت تبحث عنه منذ سنين. شعرتْ بأنَّ الحركة الكردية قريبة منها كثيراً. اشتد نار الثورة في داخلها كالبركان كلما مضى الزمان، لذا أرادت التعرف على الرفاق والحزب لتتمكن من النضال في أسرع وقتٍ ممكن. وأخيراً تعرفتْ على عائلة وطنية، وعند قيامها بزيارة تلك العائلة وجدت في ذلك البيت كادرين للحزب، فأحست بأنها تملك الدنيا وما فيها ووجدتْ من هذه الزيارة فرصة لتوجيه كثير من الأسئلة التي تبحث لها عن أجوبة شافية. على الرغم من أنهما أرادا أن يقنعاها على أنهما وطنيان وليسا كادران، لكنها توجهتْ إليهما بأسئلتها ووجدتْ أجوبة للكثير من أسئلتها. تعلمتْ أشياء كثيرة من تلك الأجوبة الغير الكافية المستورة بعض الشيء. فرحتْ جداً بذلك اللقاء والتي اعتبرتها لقاءً تاريخياً. عندما كانت الرفيقة تقوم بزيارة السجن مع رفيقين من رفاقها يتمَّ اعتقالهم ولكن الشيء الملفت للنظر والمثير للإعجاب ما أظهرته الرفيقة كوجر أثناء التحقيق من جرأة وقوة. وبذلك أصبحت مواقفها تجاه العدو في تلك الأوقات من أمتن مكونات حياتها.

زاد ذلك الاعتقال وذلك التحقيق من حقدها على العدو وتعلمتْ وتحلت بتجربة أخرى في حياتها. لم تحبذ عائلة كوجر تقربها من الحزب كثيراً، ولتبعدها عن الحزب جربوا وسائل كثيرة. مقابل ذلك أرادتْ الرفيقة كوجر أن تعنهم كي يقتربوا هم أيضاً من الحزب ويناضلوا مع الشعب الكردي. مع الأسف لمْ تستطع أن تقتنع عائلتها، على العكس من ما كانت تتمناه أثناء نقاشها عن الحزب كانت تقوم عائلتها بتحريضها وزجها في تناقضات مذهبية ليرددوا على مسامعها في كل مرة تفتح فيه الموضوع بأنَّ PKK ستقتل العلويين جميعاً بعد الثورة، لم تتمالك كوجر نفسها كثيراً حيال تصرفات عائلتها البعيدة عن روح المسؤولية فخرجت منزعجة من ذلك البيت.

فيما بعد انضمتْ الرفيقة كوجر إلى عملية الإضرابِ عن الطعام التي نظمها حزبHEP . فكانتْ مفعمة بالحيوية والنشاط وأجرتْ حواراً حاراً مع المنضمين إلى هذه العملية. كانتْ سعيدة وأسعدتْ كلَّ من حولها بسلوكها المتواضع. سألها بعض المضربين: هل أنتِ كريلا؟ رغم أنها أجابتهم بأنها ليست كريلا، لكنهم لم يقتنعوا بجوابها هذا. أتمتْ عمليتها في الإضراب عن الطعام بنجاح.

أرادتْ الرفيقة كوجر أنْ تجد الحل لكلِ تناقضاتها في هذه المرحلة من ناحية لتستطيع النضال بشكل جيد ومن الناحية الأخرى لإيجاد حل لتناقضاتها في هذه المرحلة لتجيد النضال من ناحية، ولتتخلص من التأثير العاطفي لعائلتها والذي كان يؤثر بدوره على نضالها من الناحية الأخرى. فعندما تنضمُّ إلى الحزب ستجد هويتها الكردية كفردٍ كردي، وستفتح لها باب الحرية كامرأة. صارعتْ مع ذاتها كثيراً وحللتْ كلَّ التناقضات التي كانتْ تسحبها نحو الخلف. عندما توضح لها كل شيء بمساعدة الرفاق قررتْ الانضمام إلى الحزب بشكلٍ فعال. لم تتحمل بُعدها عن الوطن والجبال كثيراً. كانت مشتاقة لاحتضان الوطن لتستحم بهوائها النقي. قامت بالعمل ضمن الشباب على حين التمكن من الارتباط مع الرفاق مرة أخرى. قامت بالكثير من العمليات مع رفيقاتها ورفاقها الشباب في المدن. خرجتْ الرفيقة كوجر من بيتها هذه المرة لتنضمَّ إلى الحزب مع رفيقٍ لها، عندما استطاعتْ أن تعقد ارتباطاً مع الرفاق مرة أخرى. كان اشتياقها للوطن من دون حدود فتقول كل مرة: متى سأذهب إلى الوطن يا رفاق.

هي ابنة نورهق وأنكيزك العاصية، كانت عاشقة لجبال درسيم لكل جبال كردستان. أرادت أن توحد ما بين العصيانات الكردية مثل القيادي صبري والكثير من رفاقه. أرادتْ أن تصل إلى درسيم لتزرع مع سيد رضا وبسة وظريفة بذور المقاومة والعصيان، ولتضيف إلى مقاومة بريتان عزماً جديداً لتحضن بها الكريلا. كانت عاصية وعاشقة لدرسيم العاصية. لم يكن هناك مكان ولم تعشقه في كردستان، آرارات، جودي ونورهق، عاشقة لجبالها ولسهولها لأحجارها ومائها لكل شبر من تراب الوطن لوديان الوطن وقممه. هذا الحب ألهب قلبها كالبركان فحبها ينبع من صميم قلبها. قبل يومين من انضمامها إلى الحزب ذهبتْ لزيارة عائلة وطنية، فوجدتْ في بيتهم سجاداً صغيراً اشترته العائلة من درسيم، أخذت السجاد في حضنها وشمته ولم تضعه على الأرض طوال النهار، عندما رأتْ العائلة هذه البهجة التي لم تفارق الرفيقة كوجر لرؤيتها للسجاد الدرسمي، قامتْ بالتقاط صورة لتلك السجادة.

ارتبطت كوجر بالحزب ارتبطاً قوياً ونفذت القرارات الموجهة إليها بحوافرها. تميزتْ الرفيقة كوجر بعقد علاقات كثيرة مع الشعب وبسهولة وكان بمستطاعها تنظيم الشعب بالسهولة نفسها. ثابرت على العمل دون أي كللٍ أو ملل. كانت محبوبة من قبل الشعب المناضل، ولم يتجرأ أحد أن يتفوه بكلمات ضد الشعب والقائد أمامها أبداً.

استمرت الرفيقة كوجر بالقيام بالفعاليات ضمن الشعب في المدن لمدة، ولكن رغبة الالتحاق بالكريلا لم يفارقها، فطلبت من الرفاق أن يقبلوا طلبها هذا في ربيع ذلك العام، لتتبرعم مع الطبيعة على جبال كردستان وتزداد حيوية وتخرج كزهرة برفين من قلب الثلج لترى النور وتتمتع بأشعة الشمس. تريد أن تلتحق بهم في هذا الربيع كي تنضم إلى حملة هذه السنة. ولكن عليها أن تزلزل الأرض على العدو بعمليتها قبل أن تلتحق بالكريلا.

لهذا فإنَّ الرحالة الثلاث يقومون بعمليتهم قبل مجيء الربيع. والتاريخ يشير في ذلك اليوم إلى الثاني من شباط 1995. وصلت الرفيقة كوجر وأثنين من رفاقها إلى عمودٍ للجسر. ولكي تحمي كوجر رفيقيها كانت تتحرك بسرعة وأتمت ما كان في يدها بسرعة فائقة... لتذهب إلى الجانب الأخر من الجسر كي تقوم بما تبقى من عمل. رفعتْ رأسها وبدأت تنظرٌ إلى كل ما يدور حولها، مع أنَّ الشمس قد غابت وبدأ الظلام يغطي بعباءته وجه الأرض، إلا أن كوجر كانت ترى الوجوه السائرة والازدحام الكثيف، كم هي قاسية تلك الوجوه وكم هي باردة كالجليد... الوجوه في كردستان مفعمة بالحرارة وبشوشة وتراب الوطن هناك حنونة كما الأم الحنونة، ولكي تحمي أولادها تتحمل هول المدافع والمتفجرات التي يفجرها العدو في كل مكان. ولكن في هذا المكان كل شيء من الإسفلت وكأن الناس تحولوا أيضاً إلى إسفلت، يسيرون من دون أن ينتبهوا إلى ما حولهم ومن دون أن ينظروا إلى بعضهم البعض. وللحظة شعر الرفاق بأنهمْ وصلوا إلى منتصف الجسر وأن العمل على العمود الثاني للجسر وشك على الانتهاء. حمل الرفيق مسعود حقيبته وسار كل المارة من دون أن يدرك أحد ما قام به. كانوا كريلا المدن نعم، فرحت كوجر لهذه الفكرة فرفعت رأسها كي تنظر إلى السماء للمرة الأخيرة، وتخيلت الوطن مرة أخرى، هوائها النقي وسماءها الساطعة كما كانت تتذكره في طفولتها. وابتسمت ابتسامة حية لكنها كانت ابتسامتها الأخيرة في الوقت ذاته... تنفجر القنبلة التي كانت في يد الرفيق مسعود فيهرول الجميع إلى مكان الانفجار، لقد استشهد الرفيق مسعود وتحول إلى نار يحرق كل شيء.

نعم إنْ لم تخرج هذه الحادثة الفجيعة، كانت ستحضن كردستان في هذا الربيع. بالطبع ومن دون أدنى شك بأن الرفيقة كوجر ورفاقها كانوا مستعدين للموت وبجسارة كبيرة عند التفكير بخطر العملية. وككل رفاقها الذين فقدوا حياتهم أثناء التعذيب في السجون، أو أثناء عملية عسكرية على الجبال، هي أيضاً استشهدتْ جراء حادثة أثناء قيامها بعملية حيث أصيبت بشظيةٍ في رأسها على جسر هاليج وانضمت بذلك إلى قافلة الشهداء. شُيعَ نعش الرفيقة كوجر من قبل آلاف من الوطنين وهم يرددون شعارات؛ "الشهداء لا يموتون، عاش PKK، عاش القائد APO". أصبح موتها كابوساً من أجل العدو ولهذا أرادوا أن يستولوا على جنازتها. لكن الأمهات الكرديات قمن بحماية جنازة الرفيقة كوجر، ولم يسمحوا للعدو بالتقرب من مكان المظاهرة التي أقيمت لتشييع جنازة الرفيقة كوجر.

ربما أنكِ رحلتِ عنا باكراً. لكننا على علمٍ بأنَّ الموت والحياة توأمان في هذه الثورة، وندرك بأن هذا الموت ينهي الموت الحقيقي ويُجمل الحياة ويحررها. وإن كنا حزينين جداً لرحيلك عنا لكنك تنيرين دربنا، وتصبحين شعاع أملٍ في طريقنا نحو الحقيقة. ولأنكم أنتم الشهداء أظهرتم لنا طريقة الوصول إلى الحرية، نتبنى نحن مسؤولية مداومة طريقكم ونقسم لإيصاله إلى النصر.