Kurdî  |  Tirkî

الواقع المؤلم

رفيقات الدرب

heval cavreكثيراً ما سمعتُ بهذه الجملة التي حين كان ينطقُ بها الناس؛ كانوا يئنون بألمٍ وحسرةٍ كبيرة. كنت أستغربُ لما يجلبه هذا الواقع من ألمٍ وحزن، لذا، حاولتُ دائماً البحث عن حقيقتها التي تضعُ المرءَ في حالة مؤلمة بهذا القدر...

ربما أني في الكثير من الأحيان لم أعطي لها معنى ومررتُ أمام هذا الواقع مروراً عادياً وكأنه ليس واقعٌ مرتبطٌ بي أنا أيضاً، وكأني كنت أعيشُ في عالمٍ بعيد عن هذا الواقع ولم أصادف به طيلة حياتي.

 

إلا أني في يومٍ ما رأيت هذه الحقيقة بأمِّ عَينَي؛ لأحسَّ بها من عمقِ قلبي وأقعَ في جدية هذه الحقيقة التي كانتْ تعيشُ معي في كلِّ لحظة في حياتي اليومية؛ إلا أني لم أكن على وعي منها...

نعم رفاقي الأعزاء، ربما يستغربُ الكثير منكم حين يبدأ بقراءة هذه الجمل أو حتى ينظر إليها كجمل عابرة ليس إلا، وربما البعض الآخر يتساءل عن ماهية هذا الواقع الذي ندعيه بالواقع المؤلم...

وأنا بدوري كي أتمكن إبداء حقيقة هذا الواقع لكم، علي تقاسم حكاية فتاةٍ كردية شابة أخذت نصيبها من هذا الواقع المؤلم. سأعرفكم على حياةِ فتاةٍ كردية أو بالأحرى أنصارية كردية تُدعى بـ (جافري)... رفيقتنا جافري التي أصلها من شمال كردستان من منطقة ماردين، كبرتْ ضمن حقيقة عائلة وطنية تحبذُ الكردياتية. بسبب سوء حالة العائلة المادية تحاولُ جافري مساعدة عائلتها من خلال بدئها بالعمل في إحدى المعامل.

هناك تتعرفُ على شابٍّ يحاولُ التقرب منها وكأنه معجبٌ بها، فيما بعد يصرحُ لها عن هويته الحقيقية ألا وهي شرطي. ليقوم بعد ذلك بتصرفاتٍ غريبة، تخيفُ جافري. حين تحذرهُ جافري من تصرفاته هذه، يقوم بتهديدها من خلال ذكره لها في كلِّ مرةٍ على أنهم مجموعة كبير تقف خلفها الدولة وليس بإمكان أحد الخروج عن طاعتها.

فيما بعد يطلبُ ذلك الشرطي من الرفيقة جافري مشاركتهم لقيام بعمل سري، ويحذرها على أنها إنْ لمْ تُنفذ ما يطلبوه منها سوف يقومون بقتل عائلتها. بهذا الشكل تضطرُّ جافري قبولَ خيارهِ؛ محاولةً بذلك حماية عائلتها من أيديهم. فتتلقى مع مجموعةٍ من الشابات والشبان الكرد تدريباً خاصاً. هدف هذا التدريب هو أن يحولهم إلى شبان ماهرين في العمالة تجاه حركة الشعب الكردي الحرة...

كثيراً ما تحاولُ جافري ترك هذا العمل والابتعاد عنه، إلا أنهمْ في كلِّ مرةٍ يهددونها بالقتل والنفي. كما أنهمْ إلى جانب هذا التدريب يحرضون الشبان في كلِّ مرةٍ ويدعون بأنَّ حركة حزب العمال الكردستاني PKK هي حركة إرهابية تقتلُ الأناس الأبرياء وعلى أنها حركة معادية لأخوة الشعبين الكردي والتركي... بهذا الشكل كي يتمكنوا اللعب بدماغ الشبان الكرد، يحرفونهم بداية الأمر عن مسارهم الصحيح.

بعد انتهاء دورتهم التدريبية هذه، يذْكرونَ للرفيقة جافري بأنه حان الأوان لتطبيق ما تلقته من التدريب عملياً، وذلك بشقها طريق الجبال بهدف قتل الكوادر الطليعيين لحركتنا الحرة.

تنضمُّ جافري إلى صفوفنا، تتعقب حياتنا عن قرب، تتعرف على حقيقة حياتنا بشكله الصحيح وتتأثر بها كثيراً، لتندم حينها على كلِّ آنٍ عاشتهُ مع ذلك الشرطي وما تلقته منه لقيامها بقتلِ أبناء الشعب الكردي الأنصاريون. فتعترف بذاتها على أنها عميلةٌ أرسلها العدو إلى صفوف الكريلا كي تقوم بقتلِ الكوادر الطليعيين للحزب، واللعب بحياتنا اليومية وزرع الشكَّ في كلِّ آن فيما بين الرفاق من خلال اللعب بحياتهم بشتى الأشكال. رأتْ بأم عينيها على أن حياتنا في أعالي هذه الجبال بعيدةٌ بشكلٍ تام عن شتى أشكال الظلم، القمع أو كما يدعي العدو الإرهاب. ترى بنفسها بأنَّ هدف كل من يشقُّ طريق الجبال هو هدفٌ كريمٌ، ألا وهو تأمين حياةٍ حرة للشعب الكردي والنضال لحرية جميع الشعوب المضطهدة. هنا في الجبال تتعرف على حقيقتها كامرأة كردية، وتتعرف على حقيقة العدو الذي يحاول دائماً اللعب بعقل الشبان الكرد ويحرضهم على قتل أنفسهم بأنفسهم... كمْ أنها حقيقةٌ مؤلمة أليس كذلك؟!... فهذه الحقيقة المعاشة، نرى بأننا كالشعب الكردي تعرضنا لها في الكثير من المرات حين نتفحص صفحات تاريخنا بشكلٍ صحيح. فنحن الأكراد في الكثير من المرات قتلنا بعضنا البعض وناضلنا في صفوف الأنظمة المستعمرة الحاكمة تجاه وجودنا الكردي.

اليوم أيضاً شاهدنا هذه الحقيقة وهذا الواقع المؤلم في شخص رفيقتنا جافري، التي اعترفتْ بها هي بنفسها. شعرتُ بها من أعماق قلبي، رأيتُ في عينيها الألم، الندم بسبب قبولها لخيار العدو، كانت عيناها تطلب العفو من الشعب الكردي لأنها كانت سترتكب جريمة بحق شعبها دون وعيها لذلك. ألمٌ كبيرٌ رأيتهُ في عينيتها البراقتين، ألمٌ يأخذُ المرء إلى الحقيقة التي تعاش حتى اليوم ضمن الواقع الإنساني ألا وهي العمالة والخيانة ضد الإنسانية.

حقيقةٌ كأنها أيقظتني فجأة من سباتي العميق. نعم، إنها حقيقةٌ على أننا نعيشُ في عالمٍ ابتعدَ حتى النهاية عن السكون، الأمن، السلم والعدالة... عالمٌ تتسابقُ فيه المصالح الشخصية، عالم تلفَّقُ فيه شتى أشكال المؤامرات والمآرب ضد الإنسانية، وخاصة ضد الشعوب المضطهدة... عالمٌ ابتعد عن إنسانيته بُعداً تاماً. في تلك اللحظة وحين كانتْ تبدي جافري عن حقيقتها بكلِّ جسارة، رأيتُ نقاط تشابهٍ فيما بين شخصيتي وشخصية الرفيقة جافري أو بالأحرى فيما بين جميع أبناء الشعب الكردي؛ ألا وهي أننا نتعرض في كلِّ يوم لهذه الحقيقة ولكن بسبل وطرق وسياسات مختلفة.

بعد انضمامي إلى صفوف الحزب، كنتُ أتشوقُ في رؤية جافري والاستماع إلى حكايتها وجهاً لوجه، لأحس بها من الأعماق، لأشاركها ما عاشته من ألم، لأصرح لها بأن ما عاشته يعيشه الواقع الكردي بل الإنسانية أجمعها...

سألتُ الرفاق عن مكان تواجد الرفيقة جافري، فقالوا أنه تمَّ فرزها إلى إيالة زاغروس، دون أن ينسوا ذكر أنها تنضمُّ بكامل الفعالية إلى الحياة الثورية، وعلى أنها رفيقةٌ حيويةٌ ومليئة بالمعنويات والهيجان... ما سمَعَتهُ أذناي أسعدتني كثيراً، وكنتُ دائماً أتشوقُ وآملُ أنْ أراها في يومٍ ما. حتى استيقظتُ في يومٍ ما على خبرٍ أهزني من الأعماق. خبرٌ مؤلمٌ جداً. كنتُ سمعتُ بخبر شهادة الرفيقة جافري في إيالة زاغروس نتيجة هجوم هوائي. سمعت هذا الخبر في إحدى أيام شهرِ آب من عام 2008. كان العدو هنا أيضاً حاول إبعادنا عن بعضنا، كان حاول مرةً أخرى تصفيتنا ومحونا بشكل تام بعدة هجمات هوائية. حاول أن يزرع الرعب فيما بين صفوفنا وهو يظنُّ أنه بهجماته هذه سوف يفرقنا عن بعضنا. إلا أنه نسى بأن رفيقتنا جافري في ذلك اليوم تسامت إلى الأعالي، وصلت إلى عالم النجوم الذي يصعب على كل امرؤٍ الوصول إليه. في ذلك اليوم نشرت جافري بذورها على ثرى كردستان، لتولد عليها العشرات، بل المئات من جافري اللواتي سيسرنَ على نهجها ويحولن ما عاشته من ألم أساساً لنضالهن، كي ينتقمن لروحها ويناضلن حتى يتحرر جميع أطفال وشبان الشعب الكردي من هذا الواقع المؤلم ويؤمنَّ لهم حياةً حرةً آمنة، بعيدة عن القتل، الدمار، الخيانة والعمالة.

شهادة الرفيقة جافري، أثبتت للعدو على أنها لم تستسلم لسياسات العدو القذرة، بل سلكت طريق المقاومة والنضال حتى تصل إلى مرتبة الشهادة السامية.

وأنا بدوري يا رفيقتي جافري، في الذكرى السنوية الخامسة لشهادتكِ أعاهدكِ على أني سوف أنتقم لروحك ولروح جميع شهدائنا الأبرار، وذلك بالسمو من نضالي وإفراغ شتى محاولات العدو في إبعاد الشبان الكرد عن حقيقتهم وجوهرهم الطبيعي...

أرسل لكِ تحياتي الثورية