Kurdî  |  Tirkî

رحلةٌ في عالم الذكريات

روكن جمال

amed delil saruxanها قد وصلتُ إلى الذروة في هذه المسيرة الطويلة. مناظرٌ خلابة تقابلني. سوف لن يكونَ من السهلِ التعريف عن هذا الجمال. خاصةً في شهر أيار الربيعي الذي اكتستْ فيه الطبيعةُ أجمل أثوابها.

فزقزقة العصافير من جهة، وتفتح شتى أنواع الزهور من جهة أخرى، أما تلك الأشجار التي تحلتْ بأزهى الألوان، فلها روعة مختلفة جداً. خاصة أنك ترى تواضع الطبيعة اللانهائي بشكل عار أمامك. فحين تشقُّ إحدى الطرق التي ستكون الشاهدةُ لمغامراتٍ جديدة، ترى وكأنَّ جميع الزهور والأشجار قد انحنتْ بكل تواضعٍ ترحبُّ بقدومك. كمْ أنه شعورٌ جميل. كثيراً ما أقول بأنَّ الطبيعة هي الصديقُ الوفي للإنسان، طبعاً إنْ عرفَ الإنسانُ كيف يتعامل معها.

 

بعد هذا السير الطويل سيكونُ لنا حقُّ الاستراحة لبعض من الوقت...

وأخيراً نادى أحدُ الرفاق: "أيها الرفاق، حانَ وقت الاستراحة، فسوف نستمرُّ بطريقنا بعد عشر دقائق. فاستلقيتُ على حقيبتي أتمعنُ جبال كارى التي تقابلني بكلِّ احتشامها وتأخذني إلى الذكريات التي سوف لن أنساها أبداً...

نعم، لنعودَ معاً بعض الشيء إلى عام 2008 حين كنتُ ثائرةً جديدة. فلنعد ونسترجع معاً أولى ذكرياتي التي عشتها مع رفاقي الجدد.

فقبل الآن بخمسة سنين بالضبط، كنا نسيرُ معاً، أي أنا وجميع رفاق دورتنا التدريبية للثوار الجدد. جميعنا، شقينا هذه الطريق الطويلة، بعد أنْ تمَّ فرزنا إلى ساحات الممارسة العملية، لنخطو أولى خطواتنا في حياتنا الكريلاتية.

لأن هذه المسيرة كانتْ أول مسيرة لنا في هذه الجبال، كنا نلاقي الصعوبة بعض الشيء. خاصةً أننا كنا سنفترقُ من بعضنا، ومن يعلم ربما كان الكثير منا لن يلتقي مع الآخر مرة أخرى. وهذا ما كان يبعث في نفوسنا الضيق. لأن الفراق هي الظاهرة التي لم ولن يتعود عليها أي أنصاري أو أنصارية في هذه الجبال. فحين تأتي ساعة الفراق، فجاةً يعمُّ حزنٌ صامت من حولنا. وفي هذه الأحيان كثيراً ما نُرجحُ الصمتَ، لأننا لا نجدُ أيَّ مصطلحٍ أو أيةَ عبارةٍ تفيدُ شعورنا هذا...

دورتنا المؤلفة من خمس وأربعين رفيقٍ ورفيقة، انطلقت من مكان التدريب. كلٌّ منا كان سيذهب إلى مكان ما، فالبعض منا كان سيذهب إلى إيالة الزاب، والبعض الآخر إلى إيالة زاغروس، قنديل، خاكوركة، حفتنين، متينا وبعضنا الآخر كانَ سيبقى في كارى. شقينا هذه الطريق الطويلة، وفي كل استراحة، كنا نبدأ بالحديث عن ذكرياتنا التي عشناها معاً أثناء التدريب...

وأنا سأحدثكمْ في مسيرتنا هذه عن رفيقي الصغير آمد قامشلو الذي عشنا معاً هذه الذكريات.

آمد كان أصغر شبان دورتنا التدريبية. أتذكرهُ جيداً حين جاء إلى دورتنا. كانت عيناه مليئتان بالتعجب والاستفهام؟!... يبحث عن الجديد. يريد التعرف على حياة الجبال والكريلا بأسرع وقت. لذا، كان يبدأ بالحديث مع كل من حوله. كان بإمكانك رؤية الطفولة البريئة في عيناهِ البراقتان. وكثيراً ما كان يقوم أثناء التدريب، ويتقاسم تناقضاته في مختلف المواضيع. يرغبُ في معرفة ما هو الصحيح وما هو الخاطئ. يرغب معرفة المزيد عن حياة الكريلا في هذه الجبال.

أما حين كان يسأله الرفاق لما اخترتَ اسم آمد كاسمٍ حركي لكَ؟... كان يجاوبُ وبكلِّ افتخار:

"لأني بعد انتهاء التدريب سأتوجه إلى ساحة آمد، هناك سأمارس نضالي الثوري وأحقق انتصاراتٍ تليق بشعبي ورفاقي... كما أني تأثرتُ بالمقاومة الباسلة التي أبداها الرفاق الأوائل الذين هم قدوة ومنارة لحركتنا في سجن آمد كثيراً، لذا أرغب أن أحيي روحهم الجسورة في شخصي.

حقيقةً كانت قد تحولت آمد إلى خيال كبير بالنسبة له، وانضمامه وتعمقه في التدريب الأيديولوجي والعسكري كان على هذا الأساس. كان يذكر دائماً:

"عليَّ التعمق في التدريب جيداً، وأزرع الروح الثورية في شخصيتي، كي أكون لائقاً برغبتي في الذهاب إلى آمد..."

فالآن يحيى هيجانه ومعنوياته أمام ناظري حين تمَّ فرزه إلى إيالة الزاب. كنا نسير معاً في هذه الطريق، وآمد كان لا يعرف التوقف عن الكلام رغم مشقة الطريق. فكان يذكر في كل استراحة:

"كمْ أنا محظوظ، لأني أذهب إلى إيالة الزاب، فسوف أطورُ نفسي هناك عملياً وأيديولوجياً كي أتمكن الوصول إلى دياري آمد... سوف أثبتُ لكم هذا بانضمامي إلى الممارسة العملية وبوقفتي الثورية."

حقةً، سلك آمد طريق آمد بعد مرور ثلاث سنين من انتهاء دورتنا التدريبية، وبعد أن نضج آمد الصغير فكرياً وأيديولوجياً في حقيقة الحزب، وتعرف على حقائق الحياة جيداً. طبعاً، أنا لم أراهُ ضمن هذه السنين الثلاث أبداً، رغم أننا كنا في نفس الإيالة. هو كان يمارسُ نضاله الثوري في جبال جيلو وأنا في جبال كوري جارو المرتبطة بإيالة الزاب. كثيراً ما أرسلنا السلام لبعضنا ولكن لم تسنح لنا فرصة اللقاء. لكني شاهدت الحوار الذي قام به الرفاق معه قبل ذهابه إلى ساحة آمد. كانت عيناه مليئتان بالهيجان لأنه ينطلق نحو ديار المقاومة، ينطلق نحو آمد. راودني شعورٌ مختلف حين شاهدت آخر لقطاته، شعورٌ عجيب جداً، مليء بالفرح والحزن معاً. ففرحتُ لذهابه إلى إيالة آمد، وبوصوله إلى خياله الذي ناضل في سبيله كثيراً. لكن من جانب آخر، كنتُ أحسُّ بأني سوف لن أتمكن من رؤيتهِ ثانيةً...

هكذا سار آمد وراء خياله بكل عناد وإصرار. لكن وبعد بقائه لمدة عام في إيالة غرزان، استشهد في كمينٍ غادرٍ مع أربعةٍ من رفاقه أثناءَ توجههِ إلى ديار آمد في أيار عام 2012...

نعم، أيها الرفاق ربما لم يتمكن رفيقي الصغير آمد من الوصول إلى مسكنه آمد، لكنه عاش آمد في قلبه وروحه دائماً. ناضل، قاوم وحاربَ دائماً في آمد. سار دائماً خلف خياله، وبتجاوزه لكافة العوائق شق طريق آمد ولكن.....

كثيراً ما لا نستطيع الوصول إلى المكان الذي نحبه، أو لا نستطيع تحقيق خيالنا الذي نضحي في سبيله أرواحنا. كثيراً ما لا نستطيع رؤية رفاقنا الذين سرنا معاً في هذه الطريق، عشنا معاً أياماً مليئة بالآلام والصعوبات والمغامرات الجميلة؛ إلا أننا نؤمن بهذه الحقيقة جيداً، ألا وهي أننا نعلم بأنَّ السعي والنضال في سبيل الأهداف والطموحات هو أنبل بكثير من الوصول إليه. فكما يقول قائدنا أوجلان: "الأمل أنبلُ من النصر". وجميعنا نعلم أنَّ منْ يفقد أمله، سوف لن يصل إلى النصر أيضاً...

رفيقي آمد أيضاً حقق أعظم انتصاراً بشقه طريق آمد، وبمقاومته حتى آخر أنفاسه في أعالي هذه الجبال ووصوله إلى مرتبة الشهادة المقدسة.

فجأةً نادى أحد الرفاق: "انتهت الاستراحة، سنبدأ بالسير من جديد."

بدأتُ بالسير وكثيرٌ من الخواطر والذكريات رافقتني في مسيرتي هذه. بدأتُ بالسير والعشرات من رفيقاتي ورفاقي يسيرون معي الآن. تحيى صورهم واحداً تلو الآخر في مخيلتي. فها هو رفيقي آمد يرافقني وهو يحدثني عن ارتباطه الكبير بآمد، وها هي رفيقتي نوال تشاركني الطريق وهي تحدثني عن إحدى ذكرياتها بهيجانها وابتسامتها البريئة. وها هو رفيقي روهات يسيرُ وهو يجدد إصرارهُ في الذهاب إلى إيالة الزاب. وفجأةً نادتني رفيقتي وقائدتي نجبير: "هيا يا روكن! فجميعنا ننتظرك. فلننطلق معاً نحو مسكننا زاغروس...

نعم، يا رفاقي القيمين كيف سأنساكم، وقد عشتُ معكم أجمل ذكرياتي. ففي شخصكمْ تعرفتُ على رفاقية PKK العظيمة. في شخصكمْ تعرفتُ على حقيقة التضحية في سبيل الرفاقية. فأنتم من كنتم تذكرونَ بأن رفاقيتنا هي التي تضفي جمالاً مختلفاً لهذه الجبال. وبأن الرفاقية الصحيحة هي الرفاقية التي أسسها لنا قائدنا آبو. رفاقيتنا هذه هي أساس كافة انتصاراتنا...

فوداعاً لكمْ يا رفاقي، مع أمل أن نلتقي معاً في غدُّ حرٍّ كريم...

والوداعُ لكل من رافقني في رحلة ذكرياتي هذه...