Kurdî  |  Tirkî

كل الحروب غير مباحة عدا الدفاع الاضطراري

القائد عبد الله أوجلان

من هنا، وحسب السمات الأساسية، لن يكون من الخطأً نعت الحرب بأنها من أخطر وأفظع السيئات والكوارث. لم نكن ندرك بعمق آنئذ، أن الحرب لن تكون ذات معنى، إلا في حال انعدام وانسداد كل الطرق الأخرى المؤدية للحفاظ على الوجود والحرية والكرامة وتوطيدها.

ما كنا ندركه كان شمولية الحرب التحريرية الوطنية لـ"فتح" كل شيء تكراراً ومراراً، بحيث يمكنها – وبكل سهولة – اختراق إطار الدفاع المشروع، للتحول بالتالي إلى وسيلة انتقام واستيلاء متبادل، دون التخوف أو الارتباك أبداً من جوانبها هذه. ولو عولجت حرب الدفاع المشروع بجدية، وحُدِّدت الفوارق بين استراتيجيتها وتكتيكاتها وبين بقية أنواع الحروب، لَما تم الوقوع في العديد من الأخطاء الحاصلة، أو تكبُّد هذا الكم من الخسائر والآلام والمخاضات. لقد تضمن عقد الآمال كلها على النصر في الحرب التحريرية الوطنية مخاطر جدية بالنسبة للواقع الموضوعي القائم.

 

حيث يعيش الشرق الأوسط فترة ما قبل الديمقراطية، ويتخبط في حروبها وفوضاها. وكردستان تقع في المركز من هذه الحروب والفوضى. أياً كانت الزاوية التي تنظر منها، فمشاكل الدفاع بالنسبة للشعب ثقيلة الوطأة، ويجب تبنيها. فحتى عجزه عن النطق بلغته كوسيلةِ تَواصُل واتصال اجتماعية أولية ضمن المعايير العصرية، إنما يبرهن على مدى غور المشاكل الدفاعية. هذا ويؤدي الافتقار إلى العديد من الظروف والتداعيات اللازمة لخوض حرب مقاومة عامة، إلى ضرورة الإبقاء على الحرب ضمن حدود ضيقة ومعينة. أي أن الكفاح المسلح في التصدي لقوى الدول المهيمنة السياسية والعسكرية، يبقى محصوراً في المستوى ذي الكثافة المنخفضة أو الوسطى، بل وأحياناً يُطوَّق لحد تقليصه إلى حروب على نطاق أصغر من نمط الخلايا. لكن اللامقاومة مؤداها الخنوع والذل الأبديين. فعلينا إيصال الدول المعنية إلى حالة ملائمة للقيام بالوفاق الديمقراطي، لا القضاء على هيمنتها. هكذا يمكن تعريف دور HPG في تطوير وحماية دمقرطة الشعب حتى البلوغ بها إلى الوفاق الديمقراطي. وفتح الطريق أمام الدمقرطة يمر بدوره من إزالة القلاقل والعراقيل غير المباشرة، والتي زرعتها القوى المتواطئة مع عنف الدولة المناهضة للديمقراطية.

كنا قد ذكرنا على الدوام مدى ضرورة قفزة 15 آب، ومدى ملئها بالمقابل بالأخطاء والنواقص التطبيقية. وقد قُدمتُ انتقادات ذاتية مكثفة بصدد هذه الفترة من الحرب، التي شهدت البطولات العظمى بقدر السفالات المنحطة. حيث كان لها غنائمها، بقدر الخسائر المتكبدة فيها. لا شك في أن وحدات الدفاع الشعبي HPG المتمخضة عنها كامتداد لميراثها الزخم، ليست في وضع يسمح لها بالاستمرار في أساليبها القديمة. لكنها، بالمقابل، لن تبقى معدومة الدور والفاعلية. وبما أنه لم يستتب وقف إطلاق النار الدائمي، ولا السلام الدائمي بعد؛ فستبقى المشاكل التي عانتها HPG، والمهام الواجب عليها تأديتها، ومنزلتها ووضعها كماً ونوعاً، من المواضيع المطروحة للدراسة والمعالجة.

لذا أذكر بأنه سيقع الحِمْل مرة ثانية على الجبال. فإني لا أتمالك نفسي من القول بأن التاريخ والآلهة يودون تكرار ذلك، لكنه سيندرج حينها في نطاق القَدَرية. لا أدري إن كنتم سَتَقتِلون وتُقْتُلون على الفور، أم لا. فقد وصل التاريخ إلى نقطة، يواجه فيها اتخاذ قرارٍ حاسم: إما خطوة سلمية ديمقراطية، أو خطوة حربية ديمقراطية شاملة. فإذا ما فُرِضَت عليكم الحرب بإصرار، فثقوا بقدرتكم على تحمل ذلك، وقوموا بحملاتكم المثمرة والمظفرة على التوالي. هنا أودُّ مشاطرتكم في قناعة تكوَّنت لدي بحقكم جميعاً. فقد أوليتُ أهمية كبرى في سياستي الكادرية لأن تعيشوا مدة طويلة. ووثقتُ كثيراً بأن الظروف التي ستواجهونها ستعلمكم الكثير. تعرفون أنه تبين أن ثقتي تلك لم تكن موضوعية كثيراً، حيث تقربت بلا مبالاة مفرطة. فلم تطبقوني، ولم تطبقوا ذواتكم. ولي النصيب الأوفر في ذلك. تَقَدَّم العمر بأغلبكم بدرجة ملحوظة. ولكنكم، حسب رأيي، لم تجسدوا ما امتلكتموه من كفاءات ومهارات في الحياة. عليكم أن تسألوا أنفسكم عن أسباب ذلك. لقد لعبَت مساندتي المفرطة لكم، ومنحي الكثير من القيم جاهزة بين أيديكم، دوراً بارزاً في ذلك. لكن الخطر يكمن في تكبدكم الخسائر بشكل زهيد وبخس من جهة، وترككم الكثير من القيم المقدسة، وعلى رأسها الشبان والرفاق الأعزاء المجاورون لكم، عرضة للإبادة والتردي والعقم من جهة أخرى. وقد شعرت بالنقمة دائماً لعدم تبنيكم للجهود المبذولة في سبيل الحياة بما يليق بها. ولكي لا تعيشوا ببخس، أو تخسروا بشكل رخيص، سعيتُ لتطبيق انضباط عظيم عليكم وعلى الشعب؛ بغرض التوجه بكم نحو حياة عصرية حرة، بما لا يقبل الجدل. كان ذلك ضرورياً. ولكن ردود أفعالكم وغيظكم، الذي يصعب عليّ التصريح به علناً، كان جد متزمت.

عليكم أن تعتمدوا في الحروب والهجمات العدائية على تجاربكم وخبراتكم وفهمكم العظيم المدَّخر، إن كنتم حقاً تملكون قليلاً من مفهوم الشرف بعقلية كمال بير وأمثاله. هذا حقكم وواجبكم في آن واحد. نحن مضطرون لتأدية واجباتنا والتزاماتنا تجاه بعضنا بشكل متبادل. ومع ذلك، فالمهم في الحرب والسلم هو الحظي بحق الحياة الحرة. لا يمكن ممارسة سياستنا في "القتل والاقتتال". ولا معنى لها، سوى إزاء المهام التاريخية القصوى. وعلى حد تعبير كمال بير، فحتى هذا الطراز من القتل والاقتتال، هو بدافع حبكم الشغوف للحياة المكرمة، وأحقيتكم بها.

يتجسد الظرف الآخر، الذي تُقبَل فيه حرب الدفاع، في مواجهة الهجمات التي تستهدف وجود HPG بالذات. وهنا يتحتم على الأخيرة اللجوء إلى نمط حرب الأنصار (الكريللا) إلى آخر درجة. وهي مكلفة بحل كل المشاكل التي تعترضها، بدءاً من التموقع وحتى العلاقات مع الشعب، ومن المشاكل اللوجستية إلى التدريب، ومن الريادة القيادية إلى الارتباطات السياسية. وربما تأتي فترات تصبح فيها المقاومة الأساسية للشعب، ولكافة القوى المنظمة. أما صون كافة المساعي الديمقراطية وتصعيدها، فهو من ضمن مهامها. وهذا ما يحتم عليها القيام بالتحول والتغيير السياسي والتنظيمي اللازمين. في حين أن تحقيق التناغم والمواءمة بين وضعيتها الكمية والنوعية، وبين مهامها الواجب تأديتها من جانب، وتحديد استراتيجيتها وتكتيكاتها من جانب آخر؛ تعتبر من مهامها التي تستلزم التحليل والحل. وهي مسؤولة عن أمن الحزب والمؤتمر وجميع أبناء الشعب الذين يحيقهم الخطر. عليها تأدية مهامها الأولية والشاقة تلك، تجاه الجنود المدربين على أكمل وجه، وإزاء قوى الأمن الأخرى.

باختصار، لا يمكن الشعور بالندم إطلاقاً على المساعي المبذولة باسم الحرية. بل، فقط وفقط، ينتاب المرء الألم والمرارة على الخسائر التي لا معنى لها، والمعاندات العمياء، والوظائف والمهام التي لم تُلبَّ في زمانها ومكانها المناسبين. أما الآلام والمخاضات، فهي على الدوام المعلم الأفضل لكل من يدرك قيمتها. كان مقدراً في هذه المرة أن نتعلم من أفضل المعلمين، وعلى أحسن منوال، كيفية استنباط الدروس اللازمة وفق الكدح المبذول في الجودة والصواب والجمال. - لا تزال "وحدات الدفاع الشعبي HPG" تحافظ على أهمية دورها في حل القضية الكردية. وتُعَدُّ مكانتها في النضال الديمقراطي كتنظيم مستقل بذاته عن تنظيم الحزب والمؤتمر. وعلاقاتها معهما، وطراز حربها؛ من المواضيع التي تستوجب تسليط الضوء عليها.

ومن الآن فصاعداً تنتظر الرفاقَ المسؤولين مهامٌ ووظائف، أهم مما كانت عليه في 15 آب. ومن سيتسلمون الوظائف باسم الحزب أو المؤتمر أو HPG، سيواصلون مسيرتهم بثقتهم بقواهم الذاتية. ذلك أن عقد الآمال عليَّ أمر لا معنى له إطلاقاً. بالطبع، سأبدي بدوري القدرة على بلوغ نهاية مشرفة ومكرمة، مهما لم تحالفني صحتي في ذلك. لكني أود القول أنه لو كان ثمة أصدقاء حقيقيون، لما تصرفوا على هذا المنوال في الوسط الحالي. يقال أن كمال بير، حين وَصَلَتهُ أنباء عملية فرهاد كورتاي، تمتم قائلاً: "كان علينا نحن القيام بهذه العملية". وهكذا – مثلما هو معلوم – يبدأ بالإضراب عن الطعام حتى الموت. إنني بالتأكيد لا أؤيد العملية الانتحارية، بل لا أصادق عليها. إلا أني لا أعتبر عمليات الرفاق كمال بير، محمد خيري دورموش، مظلوم دوغان وفرهاد كورتاي عمليات فدائية. لقد عبَّروا بأنفسهم عن مقاييس الحياة اللازمة في مقولتهم "لو أنه ثمة إمكان بسيط جداً للعيش بحياة مكرمة، لاتخذناه أساساً، ولعشنا معززين مكرمين حتى النهاية". لم يتبقَّ سوى شيء واحد فقط لأجل كرامة الإنسانية وعزتها. وبذلك قاموا بعمليتهم الصمودية. معلوم أن محمد خيري دورموش كان أعرب عن عزيمتهم التي لا تلين بقوله "لقد نجحنا". أما شعارهم فكان: "ستنتصر كرامة الإنسانية!". هذه هي تقاليد حربنا الصمودية، ويتحتم فهمها بشكل صحيح لتطبيقها بصحة. أما HPG، فبإمكانها خوض حرب دفاع ملائمة تجاه المتحاملين بعشوائية على حياتنا ووطننا ومجتمعنا، ومحاسبة كل متزمت في الفكر، وكل ظالم وباطل وخائن.