Kurdî  |  Tirkî

مبادئ النظام الديمقراطي


القائد أوجلان

كلُّ قوميةٍ تُحَقِّقُ التكاملَ يجب أنْ تُنشَأَ كأمةٍ ديمقراطية، وليس كأُمّةٍ – دولة؛ أو أنْ تَهدفَ القومياتُ الموجودةُ إلى المرورِ بالتحولِ كأمةٍ ديمقراطية. ويمكنُ للهويةِ المنفتحةِ الأطرافِ ولمفهومِ الأمةِ المرنِ أنْ يُشَكِّلَ بدايةً كافيةً لأجلِ هذا الهدف. المهمُّ هنا هو إنشاءُ الأمةِ التي سيتحققُ التكاملُ بين طواياها أو إطراءُ التحولِ عليها تأسيساً على الطوعيةِ الديمقراطية... وليس بإرغامِ السلطة. إنّ الحقوقَ والحرياتِ الفرديةَ والجماعيةَ على السواء، تُشَكِّلُ وجهَي الميداليةِ المُتَمِّمَين لبعضِهما بعضاً في الأمةِ الديمقراطية. وهي لا تشملُ المواطنَ فحسب، بل وتنظرُ إلى مختلفِ أشكالِ المجتمعِ المدنيِّ والجماعاتِ ومجموعاتِ الشعوبِ على أنها مصدرُ غِنى باعتبارِها وَحَداتٍ جماعية. فبقدرِ ما يُصبحُ المواطنون عناصراً من الأنشطةِ الوظيفيةِ والفعالة، فإنهم يُشَكِّلون بذلك وضعاً منيعاً بنفسِ القدر.

 

 

 

2-    مبدأ الوطن المشترك (الوطن الديمقراطي):

 

ينبغي العمل أساساً بمفهومِ الوطنِ المشترك (الوطن الديمقراطي). أي أنّ مفهومَ الوطنِ الذي لا ينتسبُ إلى أثنيةٍ ذاتِ لغةٍ واحدة، ولا إلى دينٍ واحدٍ وحسب، بل يتألفُ من مواطنين متعددي اللغاتِ والقومياتِ والأديان؛ هو الأكثر واقعية. بالتالي، فهو يُلبي متطلباتِ التكاملِ والتآخي أكثر، ويحياهما. بينما مفهومُ الوطنِ الذي يُزَوِّدُ بمشاعرِ الانتماءِ إلى أثنيةٍ واحدةٍ فقط، يُقصي القسمَ الأكبرَ من المواطنين ويَجعلُهم مُجردَ "آخَرين". ومفهومُ الإقصاءِ و"الآخَر"، الذي يُثيرُ التكتلَ ويُزيدُه، هو المفهومُ الذي يؤدي دورَ الانفصاليِّ بالأصل. جليٌّ تماماً أنّ مفهومَ المواطنين المُصَمَّمين بنفسِ المِخرطة، ينبعُ من الفاشية. فالتبايُنُ يُعَبِّرُ عن غِنى الحياةِ في الطبيعةِ والمجتمعِ على حدٍّ سواء. من هنا، فالأصحُّ هو التحلي بالروحِ الوطنيةِ وبمشاعرِ حُبِّ الوطنِ بناءً على الارتباطِ بالأرضِ والأيكولوجيا والتقدم، وليس كشوفينيةٍ وعِرقية.

 

3-    مبدأ الجمهورية الديمقراطية:

 

إنّ تفسيرَ الجمهوريةِ كدولةٍ قوميةٍ باعتبارِها شكلَ دولة، إنما هو عامِلٌ ومؤثرٌ آخَر في الإقصاءِ نظراً لكونِه شكلاً صارماً من الدولتيةِ القوميةِ بوجهٍ خاص. بينما نظامُ الدولةِ الأمثل بالنسبةِ للجمهوريةِ هو الدولةُ الديمقراطية، وليس الدولة القومية. فمن المحالِ أنْ تَكُونَ دولةٌ ما دولةً قوميةً ودولةً ديمقراطيةً في آنٍ معاً، نظراً لتضادِّ هاتَين الصفتَين مع بعضِهما البعض. الدولةُ الديمقراطيةُ هي الدولةُ المنفتحةُ على النظامِ الديمقراطيّ، والعاقِدةُ وِفاقاً معه. وليس للدولةِ القوميةِ هدفٌ من هذا القبيل، بل تَقومُ خِلافاً لذلك بِصَهرِ المجتمعِ الديمقراطيِّ في بوتقتِها. ينسجمُ مبدأُ الحلِّ الديمقراطيِّ مع الجمهورية، في الحين الذي لا يمكنه تحقيق الانسجامِ ذاتِه مع شكلِ الدولةِ القومية. المهمُّ هنا هو تَصَوُّرُ وتشييدُ الجمهوريةِ كتنظيمٍ سقفيٍّ جامعٍ في الدمقرطة. أما عدمُ أَدْلَجَةُ شكلِ الدولة، أي الجمهورية، وعدمُ ربطِها بأثنيةٍ أو دينٍ معيَّن؛ فهو أمرٌ هامٌّ بالنسبةِ للحلِّ الديمقراطيّ. الأنسبُ هو صياغةُ تعريفٍ حقوقيٍّ للجمهوريةِ بوصفِها تنظيماً ديمقراطياً جامعاً ومستوعِباً لكلِّ المواطنين. أي، من عظيمِ الأهميةِ تعريف الجمهوريةِ باعتبارِها تنظيماً قانونياً ديمقراطياً بالنسبةِ لكافةِ المواطنين. وبذلك يَكُونُ قد تمّ احتواءُ جوهرِ المبدأِ الاجتماعيِّ ومبدأِ العلمانيةِ ضمن التعريفِ أعلاه. وبتعريفِ الجمهوريةِ بهذا المنوالِ الصريحِ والشفافِ فقط، نَكُون قد أَمَّنَّا عدمَ ربطِ بأثنيةٍ أو دينٍ أو أيديولوجيةٍ مُعَيَّنة. وعلى سبيلِ المثال، فالتعبيرُ عنها دونَ إرفاقِ مصطلحَي "التركيّ" و"الكرديّ" بها، واللذَين يَشتملان على الأثنيةِ والعِرق، وكذلك دون إضافةِ التعابيرِ الدينيةِ والأيديولوجيةِ الأخرى من قبيلِ الإسلاميةِ أو المسيحيةِ أو السُّنِّيّة إليها؛ إنما سيَكُونُ شاملاً ومتكاملاً أكثر.

 

4-    مبدأ الدستور الديمقراطيّ:

 

رغمَ كونِ الدمقرطةِ حركةً سياسية، إلا أنه محالٌ بلوغُها حالةَ نظامٍ إداريٍّ راسخٍ وممنهج، ما لم ترتكز إلى دستورٍ مسنونٍ بتوافقٍ اجتماعيّ. تُفيدُ الدساتيرُ الديمقراطيةُ بالوفاقِ بين المجتمعِ الديمقراطيِّ والدولة. إذ لا يُمكنُ للحقوقِ والحرياتِ الفرديةِ أن تَجِدَ معناها، إلا مع المجتمعِ الديمقراطيّ. وفي حالِ العكس، لا يُمكنُ حماية هذه الحقوقِ في وجهِ الدولةِ التي هي تركيزٌ أقصى للقوة. هذا ويُعَدُّ الدستورُ الديمقراطيُّ أداةً لا بدَّ منها، في سبيلِ الإبقاءِ على الدولةِ كعاملٍ يُؤَمِّنُ الحلَّ بوصفِها ميداناً من زخمِ الخبراتِ والتخصص، لا كمؤسسةٍ مُوَلِّدةٍ للمشاكلِ ومُثقِلةٍ من وطأتِها باستمرار. إنّ الدستورَ الديمقراطيَّ بمثابةِ الصمغِ الذي يجعلُ المجتمعَ والدولةَ جنباً إلى جنب، بمَيِّزَته التي تَجعلُ الدولةَ فعالةً وتُبقي عليها في وضعِ زخمٍ من الخبراتِ وحقلٍ للتخصصِ والكفاءات.

 

5-    مبدأ الحل الديمقراطيّ:

 

مبدأُ الحلِّ الديمقراطيِّ هو نموذجُ الحلِّ الذي يتخذُ من دمقرطةِ المجتمعِ المدنيِّ أساساً له، لأنه غالباً ما لا يتطلعُ إلى الدولة، ولا يَكُونُ امتداداً لها. أي أنه يتخذُ المجتمعَ الديمقراطيَّ أساساً. ويَنعَكِفُ على الحلولِ التي تبحثُ عن نظامٍ ديمقراطيٍّ ينشطُ في بنيةِ المجتمع، بدلاً من الانكبابِ على إجراءِ التغييراتِ الشكليةِ في بنيةِ الدولة. وأقصى مطاليبه من الدولةِ هو سَنُّ دستورٍ ديمقراطيّ. وبطبيعةِ الحال، ينبغي أنْ تَكُونَ المساعي النظريةُ والميدانيةُ كافيةً من أجلِ سنِّ الدستورِ الديمقراطيّ، الذي يَعمَلُ أساساً بالرفاهِ والسعادةِ الاجتماعيةِ عوضاً عن سعادةِ الدولة. ذلك أنّ مضادَّ الحلِّ الديمقراطيِّ هو إرغاماتُ الحلِّ السلطويِّ – الدولتيّ. إنّ الحلَّ الديمقراطيَّ لا ينشغل من حيث المبدأِ بمشاطرةِ السلطة، بل ويتجنبُها، نظراً لأنه كلما تَرَكَّزَت السلطة، فسيتمُّ الابتعادُ عن الديمقراطيةِ بالمِثل. وإذ ما رُتِّبَت شؤونُ المجتمعاتِ باسمِ الحكوماتِ أو الدولِ وحسب، فالنظامُ الذي سيظهرُ إلى الوسطِ سيكونُ مضاداً للديمقراطية، لأنه لم يَجرِ إدراجُ القوى الاجتماعيةِ في صُلبِ الأمر. وإذا كانت ترتيباتُ السلطةِ والحكومةِ إيجابيةَ المنحى، فقد تفتحُ الطريقَ أمام الدمقرطة، ولكنها لا تُكَوِّنُ الدمقرطةَ بِحَدِّ ذاتِها. هذا ومن غير الممكن أنْ تَهدفَ الحلولُ الديمقراطيةُ إلى تشاطُرِ إمكانياتِ السلطةِ أو الدولة. بمعنى آخر، محالٌ أنْ يَكُونَ التشبثُ بالدولةِ أو التحولُ إلى حِلفٍ من أحلافِها هدفاً يتطلعُ إليه الحلُّ الديمقراطيّ.

الخاصيةُ الأوليةُ في مبدأِ الحلِّ الديمقراطيّ، هي ضمانُ العيشِ المشتركِ في الأجواءِ السِّلميةِ بدستورٍ فيما بين المؤسساتِ الديمقراطيةِ ومؤسساتِ الدولة. أي أنه ثمة شرعيةٌ قانونيةٌ بين كِلا الكيانَين المؤسساتيَّين، ولا يُسنِدان وجودَهما إلى إنكارِ بعضِهما بعضاً. بمعنى آخر، لا القضاءُ على الدولةِ لازمٌ باسمِ الديمقراطية، ولا يجبُ صهرُ الديمقراطيةِ باسمِ الدولة. والتداخُلُ المفرطُ بينهما في نظامِ الغرب، يؤولُ إلى تَصييرِ الديمقراطيةِ مؤسسةً شكليةً داخل الدولةِ القومية. لذا، من أهمّ القضايا العاجلةِ للدمقرطة، هي إعادةُ ترتيبِ العيشِ المشتركِ بين هذَين الكيانَين المؤسساتيَّين اللذَين يتخطيان ذلك التداخل. ومثلما أنّ قيامَ الديمقراطيةِ بتحجيمِ الدولةِ مبدأٌ لا استغناء عنه، فقيامُ الدولةِ كزخمٍ من الخبراتِ والمهاراتِ التخصصيةِ بوظيفةِ السقفِ الجامعِ للديمقراطيةِ أمرٌ مبدأيٌّ بالمِثل. وسيَكُونُ المجتمعُ الديمقراطيُّ هو الغالب ضمن السياقِ التاريخيّ. خلاصةً؛ فهو يُعَبِّرُ عن وضعٍ يَسُودُه السِّلمُ بين الدولةِ والمؤسساتِ الديمقراطية، ولكنه يمهدُ الطريقَ أيضاً أمام التنافسِ المتمخضِ من المواقف المتوترة، والذي سيتعززُ ويتطورُ هنا هو المجتمعُ الديمقراطيُّ بذاتِه.

 

6-    مبدأ وحدة الحقوق والحريات الفردية والجماعية:

 

من خلالِ التجاربِ التي لا تُحصى في أصقاعِ العالَمِ أجمع، يُمكننا معرفة أنّ التوجهَ صوبَ التمييزِ بين الفرديِّ والجماعيِّ لدى تطبيقِ مبدأِ الحقوقِ والحريات، الذي يؤدي دوراً مصيرياً في حلِّ قضايا الدمقرطة، إنما يُزيدُ بِمُفردِه من وطأةِ القضايا، ويَسُدُّ مَخارِجَها بدلاً من حلِّها. علاوةً على أنّ هذا التمييزَ مخالِفٌ لطبيعةِ المجتمعات. حيث لم يَحصلْ في المجتمعِ البشريِّ في أيِّ زمانٍ أو مكان، أنْ عاش الفردُ من دونِ جماعة، سواءً كان على حقٍّ أو باطل، ومنادياً بالحريةِ أو لَم يَكُن. وبالأصل، فميزةُ الإنسانِ هي كونُه أرقى حيوانٍ اجتماعيّ. بالتالي، فأيُّ حقٍّ أو حريةٍ يكتسبُها أو يحياها الفرد، لن تعني شيئاً البتة، ما لم تَجرِ مشاطرتُها مع الجماعاتِ التي ينتمي إليها. وكيفما أنّ الفردَ المنعزلَ من المجتمعِ يَغدو متجرداً من المعنى، فكذا تُصبحُ حقوقُه وحرياتُه التي يتمتعُ بها بلا فائدةٍ وغيرَ مُخَوَّلةٍ للتنفيذِ على أرضِ الواقع. والعكسُ صحيحٌ أيضاً: فالحقوقُ والحرياتُ المُعتَرَفُ بها من أجلِ جماعةٍ ما، لن تَعنيَ شيئاً إطلاقاً، ما لَم تَجِدْ انعكاسَها على الأفراد المنتمين إليها. لا يُمكنُ عيش الحقوقِ والحرياتِ بلا أفراد. ومثلما أنّ تجريدَ الأفرادِ من الحقوقِ والأفراد ممكنٌ بإقحامِ المجتمعِ الذي ينتمون إليه في الحالةِ نفسِها، فإنّ تجريدَ المجتمعِ والجماعةِ أيضاً من الحقوقِ والحرياتِ يعني إسقاطَ الأفرادِ الذين ينتمون إليها في نفسِ الحالة. وباختصار؛ فالحقوقُ والحرياتُ قِيَمٌ لا يُمكنُ عيشُها، إلا بوجودِ الفردِ والمجتمعِ معاً، وبتشاطرهما إياها.

 

7-    مبدأ الحرية الأيديولوجيةوالاستقلال الأيديولوجيّ:

 

يكمنُ في أساسِ هذا المبدأِ إدراكُ استحالةِ تحقيقِ الدمقرطةِ وكذلك التحررِ الكائنِ في صُلبِها، ما لَمْ يتمّ التخلص من الهيمنةِ الأيديولوجيةِ التي تقومُ الحداثةُ الرأسماليةُ بالأغلب ببسطِها في كافةِ أرجاءِ العالَم، والتي تتسمُ بالماديّةِ الفظّةِ وتتظاهرُ بـ"العلمويةِ الوضعية"، رغمَ أنها مثاليةٌ من حيثُ الجوهر. فالعلمويةُ الوضعيةُ مبدأٌ رئيسيٌّ في المدنيةِ الأوروبيةِ المهيمنة. ومن دونِ إضفاءِ السيادةِ والنفوذِ على هذا المبدأ، لا يُمكنُها إنشاء عناصرِها الأساسيةِ الأخرى – أي الرأسمالية والصناعوية والدولتية القومية – ولا التحكم بها على الصعيدِ العالَميّ. ذلك أنّ الهيمنةَ الأيديولوجيةَ تَغزو الأذهانَ في الشرقِ الأوسطِ عن طريقِ عِلمِ الاستشراق. وبَعدَ ذلك، أو أثناءَه، تقومُ بتحقيقِ الغزوِ والاحتلالِ والاستعمارِ من خلالِ عناصرِها الأوليةِ الأخرى، متقمصةً أشكالاً مختلفةً للغاية. هذا الاستعمارُ الحديث، الذي يَكُونُ بطبيعةِ الحالِ على تحالُفٍ دائمٍ مع العناصرِ المحليةِ الاستبداديةِ القديمة، إنما يُزيدُ من ثِقَلِ قضايا الدمقرطة. وشتى أشكالُ المقاومةِ التي تتصدى لذلك، تتحلى بجانبٍ ديمقراطيّ. ويجبُ على هذا الجانبِ الديمقراطيِّ أن ينقطعَ عن الأيديولوجيةِ المهيمنة، كي يتمكنَ من تطويرِ ذاتِه وتعزيزِها، وكي يستطيعَ الرقيَّ إلى أشكالٍ تُخَوِّلُه للصمودِ وتنظيمِ الذات. ولكي تَغدوَ الخَياراتُ الأيديولوجيةُ البديلةُ ذاتَ معنى، ينبغي أنْ تشتملَ على معيارَي الوطنِ المشتركِ والأمةِ التعدديةِ المناطقيةِ والمدينيةِ والإقليميةِ. وفي حالِ العكس، فقد تتصاعدُ هيمنةٌ أيديولوجيةٌ أخرى مغايرة.

الآراءُ ذات النزعاتِ الدينيةِ والعِرقيةِ التقليديةِ أيضاً تتميزُ بالهيمنةِ والسيادة، بقدرِ الهيمنةِ الوضعيةِ التي هي أيديولوجيةُ الحداثةِ الرأسماليةِ بأقلِّ تقدير. في حين، بالمقدورِ تقييم الانطلاقاتِ الأيديولوجيةِ المعتمدةِ على ميولِ الحريةِ في المِعيارَين الأوليَّين المذكورّين آنفاً، على أنها أيديولوجياتُ الحرية. وعن طريقِ أيديوجياتِ الحريةِ تلك فقط، سيكونُ بالمستطاعِ جعلُ قضايا الدمقرطةِ وسُبُلِ حلِّها مفهومةً وممكنةَ التطبيق. فمن دونِ حريةٍ أيديولوجية، قد تتعثرُ خطواتُ الدمقرطةِ في كلِّ لحظة، وقد تخضعُ لتحَكُّمِ الأيديولوجياتِ المهيمنة. تتعلقُ الحريةُ الأيديولوجيةُ بحقيقةِ الطبيعةِ الاجتماعية، وتُعَبِّرُ عن ذاتِها بشكلٍ دائمٍ من خلالِ تحقيقِ وإحياءِ المجتمعِ الديمقراطيّ. والحقيقةُ الاجتماعيةُ تعبيرٌ حرٌّ عن حقائقِ المجتمعِ الديمقراطيّ.

 

8-    مبدأ التاريخانية والحاضرية:

 

ترتبطُ قضايا الدمقرطةِ واحتمالاتُ الحلِّ عن كثبٍ بعقدِ علاقاتٍ صحيحةٍ بين التاريخانيةِ والحاضرية. فالذهنيةُ التي تَغضُّ الطَّرْفَ عن القضايا المعنيةِ في التاريخ، وتتجاهلُ فُرَصَ حلِّها، وتَفرضُ رقابتَها؛ دعكَ من إدراكِها لقضايا الدمقرطة، بل ولكافةِ القضايا الاجتماعية؛ بل لا مَهربَ من قيامِها بزيادةِ ثِقَلِها والوصولِ بها إلى حالةٍ لا نفاذَ لها، ومن تحويلِها إلى مآزق وأزماتٍ وصراعاتٍ وحروب. المجرياتُ الحاصلةُ في التاريخ، هي الظروفُ الأساسيةُ التي تُحَدِّدُ الحاضر. والحاضرُ أو الراهن، هو عبارة عن حالةٍ يُقَدِّمُ التاريخُ فيها ذاتَه بكلِّ مشاكلِه وفُرَصِ حلِّها. الفارقُ الوحيدُ بينهما هو أنه لا يُمكننا التدخل في الماضي، في حين بمقدورِنا التدخل في الحاضر، في الراهن. حيث بمستطاعنا تغيير الراهن تأسيساً على الأرضيةِ الفكريةِ والقوةِ الماديةِ للتدخل. كما بإمكاننا تسريعُ عجلةِ التغير، أو تغيير مسارِه، أو تصييره حراً، أو أكثر عبوديةً. هذا أمرٌ متعلقٌ تماماً بأوضاعِ قوى التدخل. المهمُّ هو الجوابُ الذي سيُعطى على سؤالِ: "كيف ينبغي عكس الماضي بحلقتِه التاريخيةِ الرئيسيةِ على الحاضر؟". إنّ تحليلَ الحاضرِ بوصفِه تعبيراً عن الميادينِ المعنيةِ بالقضايا التاريخيةِ التي نهتمُّ بها على وجهِ الخصوص، يُشَكِّلُ مفتاحَ الحلِّ للقضايا الاجتماعية. وبهذا المعنى، كلما تَمَكَّنّا من استيعابِ التاريخ، فسيصبحُ أكبرَ مصدرٍ للقوةِ لدينا. والعاجزون عن فهمِ التاريخِ بعينٍ سليمةٍ وتدوينِه صحيحاً؛ سيَكُونُ فهمُهم للحاضرِ وتحريرُهم إياه، ودَمَقرَطَتُهم له احتمالاً ضعيفاً للغاية. والحرياتُ والدمقرطاتُ التي ستُعاشُ بقبضةٍ من اليد، لن تَكُونَ دائمةً راسخة، بل قد تَفلتُ من أيدينا بالطريقةِ التي حظيناها بها.

يتوجب الإدراك على أفضلِ وجهٍ أنّ المجتمعَ بذاتِه أرقى تاريخ. وإذا لم نتعرفْ على هذا الوجهِ من المجتمعِ الذي هو تاريخٌ بِحَدِّ ذاتِه، فلن يتبدى للعيان احتمالُ التمكنِ من إنقاذه من قضاياه، والبلوغِ به إلى نمطِ حياةٍ وحلولٍ ديمقراطية. ولهذا السببِ بالضبط يَكُونُ أولُ عملٍ يقومُ به المستبِدّون هو القضاءُ على الذاكرةِ الاجتماعية. بالتالي، أولُ ما ينبغي على الديمقراطيين فعله، هو تَبَنّي الذاكرةِ الاجتماعية، أي تَبَنّي التاريخِ بكلِّ حقائقِه. وأفدحُ تخريباتِ الحداثةِ الرأسمالية، هو إلحاقُها الضرباتِ القاضيةَ بالذاكرةِ البشرية، وتقديمُها الحاضرَ وكأنه بلا نهاية، أو بالأحرى كأنه نهايةُ التاريخ. كلُّ شيءٍ في منظورِها عبارة عن حاضرٍ مَحصور. والمَرَضُ المُسَمّى بالفردية، على صِلَةٍ بهذا المفهوم. أي أنّ الفرديةَ القائلةَ "عِشْ وطَنِّشْ"، متعلقةٌ بإنكارِ المجتمعِ التاريخيّ. ومن المستحيل عقد الأملِ في هكذا ذهنيةٍ على الحقيقةِ الاجتماعيةِ أو على تجسيدِها العَينِيِّ متمثلاً في المجتمعيةِ الديمقراطية. من هنا، فالفرديةُ الليبراليةُ بجانبِها هذا تعني إنكارَ الديمقراطية. إنّ رؤيةَ اللحظةِ في التاريخ، ورؤيةَ التاريخِ في اللحظة يُعتَبَرُ المبدأَ الصحيحَ لعلمِ الاجتماع.

 

9-    مبدأ الأخلاق والضمير:

 

لا تعترفُ السوسيولوجيا الغربيةُ بمبدأِ الضمير. فهي تنشطُ كذكاءٍ تحليليّ، في حين يحتاجُ الضميرُ إلى الذكاءِ العاطفيّ. لذا، فالسوسيولوجيا العصريةُ المبتدئةُ كفلسفةٍ تحليلية، قد صارت تقنيةً إداريةً في راهننا. بينما يحتلُّ الضميرُ صدارةَ المبادئِ المُوجِدةِ للتأسيسِ الاجتماعيّ، ويَعملُ بوصفِه حُكماً عادلاً للمجتمع. ويَعمَلُ المجتمعِ كآلةٍ وحشيةٍ هي الأخطرُ على الإطلاق، لدى تجاهُلِ الضميرِ وتهميشه. هذا وبالمقدورِ النظر إلى الضميرِ على أنه جوهرُ الدينِ والأخلاقِ أيضاً. ولَئِنْ ما تَرَكنا التقاليدَ الجافةَ والفظةَ في الدينِ والأخلاقِ جانباً، فسيُلاحَظُ أنّ ما تَبَقّى من كِلا المؤسستَين هو الضميرُ الاجتماعيّ. الضميرُ الاجتماعيُّ هو الميدانُ الوحيدُ الذي يَلجأُ إليه من يَفتَقِرُ إلى القوةِ السياسيةِ والعسكريةِ والاقتصادية. ولدى تدميرِ هذا الميدان، فسيبقى مبدأُ القوةِ فقط في المجتمع؛ وحينها يَغدو الكلُّ ذئبَ الكلّ.

الديمقراطيةُ ليست نظاماً يَعمَلُ بلا ضمير. بينما تتأسسُ أنظمةُ القوةِ ورأسِ المالِ الاحتكاريةُ على إنكارِ الضمير. من هنا، بالإمكان تعريف الدمقرطةِ بأنها من حيثُ المضمونِ حركةُ إبطالِ إنكارِ الضميرِ ذاك، واكتسابِ الضميرِ الاجتماعيّ. ذلك لا يُمكِن حماية مجتمعٍ ضخمٍ باقٍ خارج إطارِ احتكارِ القوةِ ورأسِ المال، إلا بحركةِ الضمير. والكفاحُ الاجتماعيُّ في راهننا يعني بأحدِ معانيه اكتسابَ الضميرِ المفقود. كما لن تَبلغَ الدمقرطةُ بمعناها التام، ولن تنالَ حقوقَ وحرياتِ الأفرادِ والأقليات؛ إذا لم تُصبح حركةَ الحظيِ بِقِيَمِ الضميرِ المفقود. كلُّ هذه الحجج تقتضي بالتأكيد تفعيل مبدأ الضمير – الذي هو قيمةٌ اجتماعيةٌ مُصطفاةٌ من الدينِ والأخلاق – في حلِّ قضايا الدمقرطة.

لا يُمكنُ تحليلُ حقائقِ التطهيرِ العِرقيِّ من دونِ إدراجِ الضميرِ في الأجندة. إذ أنّ الاعترافَ بكلِّ جناياتِ وجرائمِ ومجازرِ الحداثةِ الرأسمالية، وتمهيدُ الطريقِ أمامَ ترسيخِ العدالةِ غيرُ ممكنٍ إلا في حالِ تفعيلِ مبدأِ الضمير. فالحداثةُ تَعمَلُ أساساً بمبدأِ القوةِ في كافةِ القضايا الاجتماعية. مَن يَمتلكُ القوةَ يربحُ أو يَحلُّ الأمر، ومَن يَفتَقدُها يخسرُ ولا يَعُودُ حقيقةً قائمة. وهذا هو أفظعُ مَرَضٍ كائنٍ في أرضيةِ الحداثة. وبهذا المبدأ، لا يُمكنُ للمجتمعِ إلا العودةُ إلى عربدةٍ وفوضى ليست أقل شأناً حتى من العصرِ الحجريّ. من هنا، ولَئِنْ كنا نَوَدُّ إيجادَ أجوبةٍ راسخةٍ وعادلةٍ للقضايا الاجتماعيةِ الجذريةِ تتقدمُها قضيةُ الدمقرطة، فعلينا – بالتأكيدِ – بتخصيصِ مساحةٍ لمبدأِ الضميرِ عِوَضاً عن مبدأِ القوة. وثقافةُ الشرقِ غيرُ غريبةٍ عن هذا المبدأ. بل بالعكس، قد خصَّصَت الصدارةَ له في جميعِ القضايا. ليس بمستطاعِنا التخلي عن هذا المبدأِ إكراماً للحساباتِ الجليديةِ للحداثةِ والقوة. بل نحنُ مُرغَمون على تخصيصِ الزاويةِ العُليا لمبدأِ الضميرِ واللجوءِ إليه مِن بينِ كلِّ المبادئِ الأخرى، لدى صياغتِنا الحلولَ لقضايا الدمقرطةِ في تركيا.

 

10-  مبدأ الدفاع الذاتيّ في الديمقراطيات:

 

لقد باتَ حقيقةً مألوفةً ومُبَرهَنةً علمياً أنّه ما مِن كائنٍ بلا دفاعٍ ذاتيّ، بدءاً من الكائناتِ أحاديّةِ الخلية، وصولاً إلى حياةِ الجُسَيماتِ الماتحتِ ذَرِّيّة، والتي اعتُقِدَ أنها جامدة، ثم أُدرِكَ أنها ليست كذلك، بل وأنها أساسُ مبدأِ الحيويةِ بِرِمَّتِها.

بالمقدورِ الملاحظةُ بكلِّ يُسرٍ وفي كلِّ لحظاتِ الحياةِ وميادينِها أنّ كائناتٍ كالمجتمعاتِ البشريةِ ذكيةٍ إلى أقصى الحدود، وذاتِ مستوىً عالٍ من المرونة، مستحيلٌ أنْ تَكُونَ بلا دفاعٍ ذاتيّ. بل حتى إنّ الحروبَ على صِلَةٍ كثيبةٍ بمفهومِ أنظمةِ المدنيةِ في الدفاعِ عن الذات، ولكن بمنوالٍ شاذٍّ ومُحَرَّف. لذا، فقد بَقِيَت المجتمعاتُ الديمقراطيةُ وأفرادُها الأحرارُ وجهاً لوجهٍ قضايا الدفاعِ الذاتيِّ الكبرى في عهدِ المدنياتِ الطبقيةِ من أجلِ حمايةِ أنفسِهم. بل حتى إنّ المجتمعاتِ المشاعيةَ البدائية، وإلى جانبِ تناقضاتِها التي شَهِدَتها فيما بينها خلالَ حَيَواتِها الطويلةِ المدى، ظلت وجهاً لوجهٍ أمام المخاطرِ المُميتةِ النابعةِ من الكياناتِ الحيةِ والجامدةِ في الطبيعة، واعتَبَرَت الدفاعَ عن الذاتِ وظيفةً أوليةً لها في كلِّ لحظةٍ وكلِّ مكان.

تأتي قضايا الدفاعِ الذاتيِّ في مقدمةِ المواضيعِ المصيريةِ تجاه القمعِ والاستغلالِ الاحتكاريَّين اللذَين تُطَبِّقُهما عناصرُ الحداثةِ الرأسماليةِ (الدولة القومية، الرأسمالية والصناعوية) على المجتمعاتِ الاقتصاديةِ والأيكولوجيةِ والديمقراطيةِ وعلى أفرادِها الأحرارِ والمتساوين. والحياةُ المجَرَّدةُ من الدفاعِ الذاتيِّ تنتهي فقط بعبوديةِ الأجر، وتُمَهِّدُ السبيلَ أيضاً أمام شتى أشكالِ البطالةِ والمَرَضِ والانحلالِ والفساد. والأنكى أنها تَحوي بين طياتِها أيضاً عدداً جماً من التطهيرِ والإفناءِ الجسديِّ والثقافيّ. إنّ الحداثةَ كنظامٍ تتركُ المجتمعَ وأفرادَه عموماً والمجتمعاتِ الديمقراطيةَ وأفرادَها الأحرارَ بشكلٍ خاصٍّ وأعتى مُرغَمين على مواجهةِ مشكلةِ الدفاعِ عن وجودِهم. وفي حالِ عجزِهم عن تحقيقِ الدفاعِ الذاتيّ، لا تتعرضُ حرياتُهم وحسب للزوال، بل ويتعرضُ وجودُهم أيضاً لخطرِ الإبادةِ والإفناء. لا تقتصرُ العناصرُ الاحتكاريةُ للحداثةِ على تعريضِ حريةِ ووجودِ المجتمعِ والفردِ للخطرِ كي تتمكنَ من الاستمرارِ بوجودِها، بل وتَستهلكُ في عهودِها الأخيرةِ أيضاً الظروفَ الأيكولوجيةَ التي لا استغناءَ عنها من أجلِ الحياة. إنّ استهلاكَ واستنفاذَ الظروفِ الأيكولوجيةِ ضربٌ من الإبادةِ المنتشرةِ على المدى الطويل، والمُسَلَّطةِ على الحياةِ بأكملِها.

إنّ المجتمعَ الديمقراطيَّ والفردَ الحرَّ مرغَمان على إيجادِ حلولٍ لقضايا الدفاعِ الذاتيِّ أيضاً، بالتزامُنِ مع التطوراتِ الثوريةِ والطبيعيةِ التدريجية، وبما يُعادِلُها. ذلك أنّ العهدَ الأخيرَ من الأزمةِ البنيويةِ للحداثةِ قد وضعَ الدفاعَ الذاتيَّ في مقدمةِ كافةِ القضايا الأخرى. لذا، فبقدرِ ما يَجبُ على كلِّ جماعةٍ أنْ تَكُونَ وحدةً Birim اقتصاديةً وأيكولوجيةً وديمقراطية، فينبغي عليها العيشَ كوحدةٍ للدفاعِ الذاتيِّ أيضاً وبنفسِ القدر. وفي الوقتِ ذاتِه، ينبغي على كلِّ فردٍ متساوٍ وحرٍّ العيشَ في وَحدةٍ أو وَحَداتٍ اقتصاديةٍ وأيكولوجيةٍ وديمقراطية، فينبغي عليه أيضاً العيشَ في وحدةٍ أو وَحَداتٍ للدفاعِ الذاتيِّ وبالمِثل. فالمَأكَلُ والمَأمَنُ والتوالُدُ الذي يَسري على كافةِ الكائناتِ الحية، إنما يُعَدُّ شروطاً ثلاثيةً للحياةِ لا استغناءَ عنها من أجلِ المجتمعِ البشريِّ بالأكثر.