Kurdî  |  Tirkî

قضية التعصب الجنسوي الاجتماعي

القائد أوجلان

يتم تعريف لحظات المشكلة في دياليكتيك الطبيعات بأنها فترات الانطلاقة والطفرة النوعية للتراكمات الكمية. وبينما يُعَرَّف النظام في النظريات التطورية بلحظاتِ التحول خلال فتراتٍ بينية قصيرة جداً، ففي نظريات الفوضى يتم التشديد على أن الأساس هو الوضع الفوضوي، أما النظام والتقدم، فليس سوى لحظات محدودة. لطالما شَغَلَت الأفكار القائلة بالفوضى الدائمة بالَ الإنسان، بقدر ما شغلته الأفكار القائلة بالتطور الدائم أيضاً.

 

 لا ريب أنه، ومثلما هناك المفسِّرون لعقل الإنسان بكونه مرآة الانعكاس، فالأفكار التي ترى أساس كل شيء في الإنسان ليست بالقليلة أيضاً. ليس عسيرٌ قراءة التفاسير الشمولية المطلقة والنسبية الجزئية في تلك الأفكار. وقد شعرتُ بضرورةِ تناولِ وتعريفِ تماسِّ العقل الاجتماعي، بغرض تعاطي مثل هذه المواضيع بشكل ملموس نوعاً ما. بالتالي، فالأطروحات التي  أُقَدِّمُها، تُعتبر مدخلٌ لمصادر المشاكل الاجتماعية باستعدادٍ ذي استيعابٍ رفيع المستوى. برزت جميع الانطلاقات الفكرية الهامة على مر التاريخ كثمرةٍ لمرحلتَين: فالمراحل التي شهدت جريان النظام في مجراه، والرفاه الاجتماعي المُقنِع، وغياب المشاكل الكبرى؛ إنما تعكس تطورها الفكري بمنوال مشابه. إنها الأفكار التطورية، الواهبة للرفاه، والقليلة المشاكل. بالتالي، فهي مُطَعَّمة بالأمن والاستقرار، وتتحدث حفظياً عن الديمومة والثبوت، وتَعتَبر المشاكل عَرَضيةً مؤقتة وسريعة الزوال. كما أنها تتناول الطبيعة الأولى بالأغلب، في حين لا تود النقاش حول الطبيعة الاجتماعية. أما المراحل التي تشهد الانسداد في النظام، وعجزه عن السير كالسابق، فالأفكار فيها مثقلة بالمشاكل، وتتناول الطبيعة الثانية بالأغلب. هذه المراحل هي نفسها التي تتسارع البحوث الدينية والفلسفية الجديدة خلالها. حيث يتم البحث عن الخلاص من المشاكل من خلال الأفكار الجديدة، أي البحوث الدينية والفلسفية.

بالطبع موضوع المشكلة الاجتماعية عنوانٌ مُختلف، لا يهدف إلى عرضِ تاريخِ السلطة – الاحتكار، ولا يناقش الحلَّ الديمقراطي. ما يُراد تجربتُه هو سردٌ للمشكلة الاجتماعية ضمن نطاقِ مسارها المعاش نظرياً وعملياً. وأنا على قناعةٍ بأنه سيساهم في حل المشكلة.

لا أقول أني لم أتطرق بتاتاً لهذا الموضوع حتى الآن، حيث تناولتُه كثيراً بشكلٍ متجزئ. ولكنّ طرحه كُلاً متكاملاً، سيكون تعليمياً ومفيداً للغاية. كما إنّ تناولي للقضية الاجتماعية يكون على هذه المحاور:

قضية السلطة والدولة، قضية الأخلاق والسياسة للمجتمع، قضايا المجتمع الذهنية، قضايا المجتمع الاقتصادية، قضية الصناعوية في المجتمع، قضية المجتمع الأيكولوجية، قضية التعصب الجنسوي الاجتماعي (الأسرة، المرأة والتعداد السكاني)، قضية التمدن في المجتمع، قضية الطبقة والبيروقراطية في المجتمع، قضية التعليم والصحة في المجتمع، القضية العسكرتارية في المجتمع وقضية السلام والديمقراطية في المجتمع

إلا إني في هذا البحث، سوف أتوقف بالتحديد على قضية التعصب الجنسوي الاجتماعي (الأسرة، المرأة والتعداد السكاني).

إن التساؤل عن كيفية تعريف المشكلة الاجتماعية يدعو للتفكير. فبعض الأفكار ترى المشكلة في البؤس الاجتماعي، وبعضها في غياب الدولة، وقسم آخر منها في الضعف العسكري، وأخرى في أخطاء النظام السياسي، ومنها من يراها في الاقتصاد أو التَّرَدِّي الأخلاقي. وربما يستحيل العثور على حقلٍ اجتماعيٍّ واحدٍ لا يُعَدُّ مشكلة. قد تتواجد الجوانب الصحيحة في جميع تلك الآراء، لكنها بعيدة عن عكسِ جوهر المشكلة. فما أراه أكثر معنىً هو عرض المشكلة الاجتماعية على أنها الإخلالُ بالديناميكية الأساسية للمجتمع، وخَرقُها.

إني أعتقد ضرورةً في أنّ إخراجِ المجتمع من كونه مجتمعاً؛ هو القضيةَ الأساسية. الأمرُ الأول هنا يتجسد في وجود القيم المُحَدِّدَةِ لمجتمعٍ ما، والتي تُنشِئ وتُصور وجودَه الاجتماعي. إني أتحدث عن الموضوعِ الذي أسميناه الوجودَ بذاته. ثانياً، أتحدث عن التطورات التي تُخرِجُ كينونته تلك وكينونةَ وجوده من ماهيته، وتُزيل أساسَ وجودِه من الوسط. وإذا كان كِلا الأمرَين مُعاشان بشكلٍ متداخل، فهذا يعني أنه ثمة قضيةٌ اجتماعية كبرى. بالتالي، إذا قَضَت حقبةٌ جليدية على جميعِ الكلانات في العهدِ الكلاني، فلا نستطيع نعتَ ذلك بالقضية، لأن الكوارث الطبيعية خارجة عن إرادتنا. ولكي تصبح قضية، ينبغي خلقها بِيَدِ الإنسان نفسه. فحتى المشكلة الأيكولوجية لم تُعَرَّفْ بأنها قضية، إلا عندما تشكلت بيد الإنسان. إذن، والحال هذه، فإرجاعُ القضية الاجتماعية الأولية إلى القوى المدمِّرة والمفكِّكة للمجتمع من دعائمه، سيؤدي بنا إلى تعريف سليم. كما علينا ألا نستصغر تشخيص القضية الاجتماعية الأولية. فالمجتمعات حاربت وزُجَّت في الحروب طيلة آلاف السنين من مسيرة التاريخ. لَكَم هو مؤسف أن تلك المجتمعات لم تَكُن تَعرِف لأجلِ من تحارب. حيث لم يقتصر الأمر على تشغيلها من طرفِ طُغاتها ومستغِليها. بل وكانت أعداد لا حصر لها تفنى في الحرب أيضاً.

لا شك أن ُحكماء شرقنا كانوا مُدركين للقضية الاجتماعية. ولهذا الغرض كانوا بالمطَوَّرين للتعاليم والنظم الأخلاقية والأديان والمذاهب. فقد كانت الحياة العشائرية والقَبَلية الطويلة الأمد تُفَضَّل على التحول إلى دولة أو مدنية. بالتالي، بقي المجتمع الشرقي بجذعه الرئيسي غريباً عن الدولة والمدنية. ونُصِبَت الأسوار والقِلاع العملاقة فيما بينه وبينهما. وقد سَرَدَت الألحان والملاحم الشرقية تلك الحقائق بكل دقتها الفنية. أما الإنسان الشرقي كان مغتَرِباً عن المدنية ويائساً منها، لدرجةِ بحثه عن الخلاص في الدنيا الآخِرة. وعَظَمة أوروبا كانت متمثلة في عدم التهاوي بهذا القدر، بل تبنيه العناصرَ الإيجابية من جهة، ومقاومته إزاء العناصر التي تفرض الاغتراب من جهة ثانية. أي أنه لم يحل القضية الاجتماعية، لكنه أيضاً لم يترك مجالاً لبقائه مهزوماً أو يائساً كلياً.

من المؤكَّد أن الأخلاق الاجتماعية والسياسية تَعَرَّضتا للضمور حتى قبل تَطَوُّرِهما. أما ما أُقِيمَ محلَّها، فكان طيشَ حياةِ الحكام ومُثُلهم الإلهية كنظامٍ إلهي. ولم يَبقَ للمجتمع سوى حقه في قَبُولِ هذه السرود على أنها العقائد المقدسة. يتبدى للعيان أنه لم تُوَلَّد القضية الاجتماعية وحسب، بل والأنكى أن المجتمع خرج من كينونته الذاتية، وصار مرعى للحيوانات بالنسبة للاحتكار. وفُرِضَ القَبُول بأن العبودية والاستعباد نظامٌ طبيعي. أما عبودية المرأة، والتي تمتد بجذورها إلى الماضي الأقدم، أي إلى العهد الهرمي الأول؛ فباتت موضوع الحياة الأشمل على الإطلاق. لقد أُنشِئَت النظم الإلهية ذات الهيمنة الرجولية، وكأنها تنتقم من المجتمع النيوليتي الأمومي، مجتمع الأم المقدسة. وبينما تَفقُدُ ألوهيةُ المرأة آثارَها رويداً رويداً، فقد بدأَ عهدُ الحاكمية المذهلة للآلهة ذات التصور الرجولي. ومنذ ذاك الوقت دُفِعَت المرأة عنوةً صوب الفحوش، وأُغلِق عليها الباب، سواء في جميع المعابد، أو في بيوت الدعارة العادية، وتعمق أَسْرُ المرأة لأقصى حد. حيث لم تُحَمَّل المرأة عبءَ إنجاب الأطفال في المنزل وخدمة الرجل بأثقل أحمال العبودية وحسب، بل وانخراطها في حقول السياسة والرياضة والعلم والإدارة بات محظوراً. ودُفِعَت للعمل الدؤوب في جميع الأعمال الإنتاجية الشاقة. ففيلسوف مثل أفلاطون رأى أن الحياة مع المرأة تَكدِم وتُقَلِّلُ من أصالة الرجل. ولهذا السبب استفحلت ظاهرة اللواط، هذا وتفاقمت العبودية كالتيهور خارج إطار المرأة أيضاً. إذاً ما هي القضية هنا، وكيف سنضع أصابعنا على الجرح ليكون بمقدورنا مداواتهُ؟. فلنرى ماهية قضية التعصب الجنسوي الاجتماعي.

قضية التعصب الجنسوي الاجتماعي، المرأة، الأسرة والتعداد السكاني:

إن النظر إلى المرأة بأنها جنسٌ بشريٌّ له فوارقه البيولوجية، يتصدر العواملَ الأساسية للعَمى فيما يخص الواقع الاجتماعي. إذ من المحال أن يَكُون الاختلاف الجنسي بمفرده سبباً لأيةِ قضيةٍ اجتماعيةٍ كانت. فكيفما لا يتم تناول ثنائيةَ كلِّ ذَرَّةٍ لأيِّ كائنٍ حي في الكون على أنها معضِلة، كذا الثنائيةُ في وجودِ الإنسان أيضاً لا يمكن تعاطيها كقضية. أما الجواب على سؤال " لماذا الوجودُ ثنائيّ؟ "، فلا يمكن إلا أن يكون فلسفياً. قد تبحث التحليلات الأنطولوجية (علم الوجود) عن جوابٍ لهذا السؤال (وليس القضية). أما جوابي، فكالتالي: لا يمكن تأمين الوجود خارج إطار الثنائية. الثنائية هي النمط الممكن للوجود. فحتى لو لم يَكن المرأة والرجل بحالِهما الحالية، وكانا منفردَين (لا قرينَ لهما)؛ فلن يستطيعا الخلاص من تلك الثنائية. وهذا هو الحدث المسمى بالجنسانية المزدوجة (الخنثى). ينبغي عدم الاستغراب. ولكن الثنائيات مَيَّالةٌ دوماً للتَكَوُّنِ المختلف. والبرهان الذي سيتم البحث عنه فيما يتعلق بالذكاء الكوني المطلق (Geist)، بالمقدور البحث عنه أساساً في ميول هذه الثنائية. كِلا طَرَفَي الثنائية ليسا جيدَين أو سيئَين. بل هما مختلفان، لا غير. ويجب أن يكونا مختلفَين بالضرورة. فإذا ما تماثلت الثنائيات، من المحال تَحَقُّق الوجود. وعلى سبيل المثال، من المستحيل عندئذٍ حل قضية التناسل في الوجود الاجتماعي من خلال امرأتَين أو رَجُلَين. تأسيساً عليه، فسؤالُ "لماذا المرأة أو الرجل؟" لا قيمةَ له. وإذا كان لا بد من جوابٍ عليه، فبالمستطاع إعطاء جواب فلسفي مفادهُ، أن الكون يجب أن يتكون هكذا ضرورةً (مُرغَماً، مَيَّالاً، عاقلاً، راغباً) لا غير.

من هنا، فالبحث والتمحيص في المرأة بإعتبارها كثافةَ العلاقات الاجتماعية، ليس ذا معنى وحسب، بل ويتسم بأهمية قصوى من حيث تخطي (تحليل) العُقَدِ الاجتماعية العمياء أيضاً. وبما أن وجهة النظر الرجولية السلطوية قد خُلِعَت عليها مسحةٌ من الغفران، فإن تحطيم العَمى المعني بالمرأة بمثابةِ ضربٍ من ضروبِ تحطيم الذَّرَّة، حيث يتطلب الجهودَ الفكرية العظمى وكسرَ شوكةِ الرجولة السلطوية. أما في جبهة المرأة فينبغي تحليل المرأة المُنشَأة اجتماعياً في الأصل، والتي تَكاد تَجعلُ من ذلك نمطاً وجودياً لها؛ وتحطيمَها بالمثل. فخيبات الأمل (عدم تجسيد اليوتوبيات والمناهج والمبادئ في الحياة العملية) المُعاشة في انتصار أو فشلِ كل الكفاحات الديمقراطية والأخلاقية والسياسية والطبقية المنادية بالحرية والمساواة، مشحونةٌ بآثار شكلِ العلاقةِ (فيما بين المرأة والرجل) الحاكمة (السلطوية) غير المُحَطَّمة. ذلك أن العلاقات المُغَذِية لشتى أنواع اللامساواة والعبودية والاستبداد والفاشية والعسكرتارية، إنما تستقي منبعَها العين من شكلِ العلاقةِ تلك. إذاً كنا نَوَدُّ إضفاء التداولات المقبولة التي لا تؤدي إلى خيبة الأمل فيما يتعلق بالكلمات التي طالما يدور الحديث عنها، من قبيل المساواة والحرية والديمقراطية والاشتراكية؛ فينبغي حينها فك وتمزيق شبكة العلاقات المنسوجة حول المرأة، والقديمة بقدرِ عمر الطبيعة والمجتمع. وفيما خلا ذلك، ما من سبيلٍ آخر يؤدي إلى الحرية والمساواة (الملائمة للفوارق) والديمقراطية الحقيقية والأخلاق غير الازدواجية.

منذ ظهور الهرمية أُضفِيَ المعنى على الجنسوية بأنها أيديولوجية السلطة. إنها مرتبطة عن كثب بالتحول الطبقي والسلطوي. كل البحوث والأرصاد الأثرية والأنثروبولوجية والمعاصرة تدل على أنه ثمة مراحل كانت المرأة فيها منبع الاقتدار أو السلطة، وأنها امتدت مدةً طويلة من الزمن. هذا الاقتدار"السلطة" ليس بحاكمية السلطة المتأسسة على فائض الإنتاج، بل بالعكس، إنه اقتدار ينبع من العطاء والإنجاب، ويُعَزِّزُ الوجودَ الاجتماعي. ذلك أن الذكاء الذي لا يبرح قويَّ التأثير لدى المرأة، له أواصره الوطيدة مع ذاك الوجود. وعدم احتلال المرأة مكانةً ملحوظةً في حروب السلطة المتأسسة على فائض الإنتاج، وكذلك نمطُ وجودها الاجتماعي؛ إنما معنيان بوضعها هذا.

تشير اللُّقى التاريخية والمشاهدات اليومية بجلاءٍ ساطع إلى أن الرجل لعب الدور الريادي في تَطَوُّرِ السلطة المتمحورة حول النظام الهرمي والدولتي. ولتحقيق ذلك كان ينبغي تخطي وكسرَ شوكةِ اقتدارِ المرأة المرتقي إلى آخر مرحلة من المجتمع النيوليتي. هذا وتُؤكِّد اللُّقى التاريخية والمشاهدات اليومية مرةً أخرى أنه تم خوض الصراعات الضارية المتنوعة الأشكال والطويلة المدى ضمن هذا السياق. ونخص بالذكر الميثولوجيا السومرية التي تُسَلِّطُ الضوءَ على ذلك، وكأنها تكاد تكون ذاكرةَ التاريخ والطبيعة الاجتماعية.

تاريخ المدنية هو تاريخ خُسران وضياعِ المرأة في الوقت نفسه. هذا التاريخ بآلهته وعباده، بحُكامه وأتباعه، باقتصاده وعلمه وفنه؛ هو التاريخ الذي رَسَّخَته شخصية الرجل الحاكم. بالتالي، فخُسران وضياعُ المرأة يعني التهاويَ والضياعَ الأعظم باسم المجتمع. والمجتمع المتعصب جنسوياً إنما هو ثمرةُ هذا السقوط والخُسران. والرجل المتعصب جنسوياً يتميز بِنَهَمٍ كبيرٍ لدى بسطه نفوذَه الاجتماعي على المرأة، لدرجةِ أن أيَّ تَماسٍّ معها يُحَوِّلُه إلى استعراضٍ للسيطرة. حيث بُسِطَت علاقةُ السلطة باستمرار على ظاهرةٍ بيولوجيةٍ كالعلاقة الجنسية. إذ لا ينسى بتاتاً أنه يُضاجِع المرأةَ جنسياً بنشوةِ الانتصار عليها. لقد كَوَّنَ عادةً جد وطيدةٍ على هذا الصعيد، وابتَدَع الكثيرَ من العبارات: "تَمَكَّنتُ منها"، "أَنهَيتُ أمرَها"، "العاهرة"، "لا تُنقِص المَنيَ من رحمِها، ولا العصا من ظهرِها!"، "الفاحشة، المومِس"، "إنه صبي كالبنت"، "إذ ما أَطلَقتَ عنانَ ابنتِكَ، فستهرب إلى الطَّبَّال أو الزَّمَّار"؛ وغيرها من القصص غير المعدودة التي يُضرَبُ بها المَثَل. ساطعٍ سطوعَ الشمسِ كيفية تأثير العلاقة فيما بين الجنسوية والسلطة داخل المجتمع. فحتى في يومنا الراهن يَتَمَتَّعُ الرجلُ بالحقوق اللا محدودة على المرأة، بما فيها "حق القتل"؛ كواقعٍ سوسيولوجيٍّ قائم. وتُطَبَّقُ تلك الحقوق يومياً. بالتالي، فالعلاقات تتسم بطابع الاعتداء والاغتصاب بنسبةٍ ساحقة.

أُنشِئَت الأسرةُ كدولةِ الرجل الصغيرة بموجب هذا المنظور الاجتماعي. وما البراعةُ أو التأثير المستمر للمؤسسة المسماة بالأسرة بنمطها الحالي على مر تاريخ المدنية، إلا بسبب القوة التي تُزَوِّد بها أجهزةَ السلطةِ والدولة. أولاً؛ يتم فرض التَحَوُّل السلطوي على الأسرة بالتمحور حول الرجل، لِتغدوَ خليةَ مجتمع الدولة. ثانياً؛ يتم ضمان عمل المرأة فيها بلا حدود أو مقابل. ثالثاً؛ تُنجِب الأولادَ بغرضِ تأمين التعداد السكاني اللازم. رابعاً؛ تَنشُرُ السقوطَ والتَّرَدِّيَ والعبودية بين صفوف المجتمع بأكملها، باعتبارها نموذجاً وظيفياً. في الحقيقة، الأسرةُ بمضمونها هذا أيديولوجية. إنها المؤسسة التي تفَعَّلَت فيها الأيديولوجية السلالاتية. فكلُّ رجلٍ في الأسرة ينظر إلى نفسه على أنه ربُّ أسرة للأيديولوجية السلالاتية تلك تأثيرها البليغ المُتَسَتِّر وراء النظر إلى الأسرة على أنها واقعٌ جدُّ هام. وكلما ازداد عدد النساء والأطفال في الأسرة، كلما تَمَتَّعَ الرجلُ بالضمانِ بالمثل. من المهم أيضاً تقييم الأسرة بوضعها الحالي بأنها مؤسسة أيديولوجية. فإذا ما سَحَبتُم المرأةَ والأسرةَ بوضعهما القائم من تحتِ نظام المدنية، أي السلطة والدولة؛ فلن يتبقى باسم النظام إلا القليل النادر. إلا أن ثمنَ هذا الطراز هو نمطُ وجودِ المرأة المؤلم والبائس والمقهور والمتردي والمهزوم المتستر وراء الحرب الدائمة المنخفضةِ الشدة والمُعلَنة إزاء المرأة بشكلٍ لا ينضب. وكأنه "احتكار الرجل" المُسَلَّط على عالَم المرأة كسلسلةٍ احتكارية ثانية موازيةٍ ومشابهة لِما فَرَضَته احتكارات رأس المال على المجتمع طيلة تاريخ المدنية. بل وهو الاحتكار الأعتى والأقدم عمراً. من هنا، فتقييم وجودِ المرأة بأنه عالَم المستَعمَرةِ الأقدم، سيؤدي إلى نتائج أكثر واقعية. وربما من الأصح القول بشأنهن أنهن شعبُ المستعمَرة الأقدم الذي لم يصبح أُمّة.

أما الحداثة الرأسمالية، ومثلما لم تَقُم بإضفاءِ الحرية والمساواة على الوضعِ المتبقي من القديم الغابر رغم كل التزيينات الليبرالية البراقة؛ فقد أضافت إليه وظائف جديدة، فأَقحَمَت المرأةَ في وضعٍ أشد وطأة من سابقه. فالصفات من قبيل: العاملةُ الأرخص، عامِلةُ المنزل، العاملةُ المجانية، العاملةُ المرنة، والخادمة؛ تشير إلى أن الوضع أَشَدُّ وطأة. وفوق هذا، تَجَذَّرَ استغلالُها أكثر فأكثر باعتبارها الكائن أو الأداة المفضلة في المجلات والدعايات. فحتى جسدها يُبقى عليه ضمن مستوى السلعة التي لا غنى لرأس المال عنها، كونها أداة الاستغلال الأكثر تنوعاً. إنها أداةُ الدعاية الاستفزازية والمُثيرة على الدوام. وباقتضاب، هي أكثر ممثلي العبودية العصرية عطاءً. فهل يمكن تَصَوُّر بضاعة أفضل وأثمن من العبد الذي يَدُرَّ الأرباح الطائلة، ويَكون أداةَ المتعة اللامحدودة في آنٍ معاً؟

قضية التعداد السكاني على علاقة كثيبة مع التعصب الجنسوي والأسرة والمرأة. فسكان أكثر يعني رأس مال أكبر. و"امرأة المنزل" هي مصنع السكان. ويمكننا القول أنها مصنعُ إنتاجِ أكبرِ كَمٍّ من البضائع و"الذُّرِّيَّة" الأثمن قيمةً مما يحتاجه النظام القائم بشدة. وللأسف الشديد، قد أُقحِمَت الأسرة في هذا الوضع في كنفِ السيطرة الاحتكارية. وبينما يُفرَضُ على المرأة اجترارَ كل المصاعب والمشقات، فإن ثمن هذه البضاعة هو كونها الهدية الأثمن المُهداة إلى النظام. إن أكثر مَن تُهلِكه زيادةُ السكان وتُنهِكُه هو المرأة. الأمر كذلك في أيديولوجية السلالات أيضاً. فالنزعة العائلية، التي تمثل الأيديولوجية المُفَضَّلة للحداثة، هي المرحلة الأخيرة التي بَلَغَتها السلالاتية. كل هذه الأمور تتكامل أيضاً مع أيديولوجية الدولتية القومية زيادةً عن اللزوم. فما الذي عساهُ يَكُونُ أثمن من إنشاء الأولاد باستمرار لأجل الدولة القومية؟ فالمزيد من سكان الدولة القومية يعني المزيد من القوة. وهذا ما مفاده أن ما يقبع وراء الانفجار السكاني ليس سوى المصالح الحياتية لاحتكارات رأس المال والرجل المُتَراصَّة. بمعنى آخر، فالمشقات، القهر، الإهانة، الآلام، الاتهامات، البؤس، والمجاعة كلها من نصيب المرأة؛ بينما الكَسبُ المزاجي من نصيب "آغا"ها ورأسماليها. ما من عصرٍ في التاريخ تجرأ بقدر راهننا على إبداء قدرته أو خبرته في استخدام المرأة كأداةٍ للاستغلال من مناحي كثيرة. إن المرأة تَعيشُ أحرجَ فترات تاريخها، من حيث هي أول وآخِر مستعمَرة.

بَيْدَ أن شَراكةَ الحياة المُنَسَّقة مع المرأة بفلسفةٍ مفعمةٍ بروحِ الحرية والمساواة والديمقراطية الجذرية، تمتلك الكفاءةَ التي تُخَوِّلُها لتأمينِ أعلى مستويات الكمال في الجمال والفضيلة والصواب. وأنا شخصياً أرى الحياةَ مع المرأة ضمن الأوضاع القائمة مُعضِلةً إشكالية، بقدرِ ما هي قبيحةٌ ورذيلةٌ وخاطئة. والحياةُ مع المرأة في ظل الأوضاع القائمة، هي الموضوع الذي أَشَدّ ما تَضعُفُ فيه جرأتي منذ طفولتي. ذلك أن ما هو موجودٌ في الوسط هو حياةٌ ستتحرى وتُحَقِّق في غريزةٍ وطيدةٍ للغاية كالغريزة الجنسية. فالغريزة الجنسية إكرامٌ لأجل ديمومةِ الحياة. وهي معجزةُ الطبيعة التي تستحق التقديس. لكن احتكارَ رأس المال والرجل قد لَوَّثَ المرأةَ، لدرجةِ أن هذه المهارةَ التي تُعَدُّ معجزةَ الطبيعة، قد صُيِّرَت مؤسسةً هي الأكثر سفالةً، وبمثابةِ "مصنع الذُّرِّيَّة" المنتج للبضائع. وبينما يُقلَبُ المجتمعُ رأساً على عقب بهذه البضائع، فإن البيئةَ أيضاً تَشهَد الانهيار لحظةً بلحظة تحت وطأةِ التضخم السكاني (تعداده حالياً ستة مليارات؛ فلنَتَصَوَّر بلوغَه عشرة مليارات أو خمسين ملياراً إنْ استمرَّ بهذه الوتيرة). لا ريب أن العيشَ مع امرأة وأطفال يعتَبَر في جوهره حَدَثاً مقدساً، ومؤشراً على عدم انتهاء الحياة، حيث يُشعِرُ بالخلود. أَوَثمّةَ شعورٌ أروعُ من ذلك؟! إن نشوةَ التطلع إلى الخلود تحيى وراء كل أنواع هذه الحقيقة الواقعة. لكن هذا الوضع لدى إنساننا الراهن على وجه الخصوص، يُعاشُ في المستوى الذي قال فيه أحدُ الشعراء "ذُرِّيَّتُنا بَلاءٌ على رؤوسنا". من هنا، من المحال إنكار كوننا – مرةً أخرى – وجهاً لوجه أمام أفدح رذالةٍ وقُبحٍ وخطأ لاحتكارِ رأس المال والرجل، والذي هو عكسُ الطبيعة الأولى والثانية.

ما شُيِّدَ بِيَدِ الإنسان يمكن هدمَه بِيَدِ الإنسان، لأن قانون الطبيعة موجود هنا، ولا في القدر المكتوب. بل موضوع الحديث هو عمليات الفرز الواجب تحطيمها، والتابعة للاحتكارات التي تُشَكِّل أيدي الحياة السرطانية والهرمونية للشبكةِ والرجلِ الماكر القوي. لَطالما شَعَرتُ من الصميم بعُمقِ تَفاهُمِ ثنائي الحياة المزدوج والخارق على الإطلاق في الكون (حسبما هو معلوم). وأبدَيتُ الجرأة على التفكيرِ مع المرأة أولاً، ثم النقاش معها حول مكانِ وزمانِ ومقدارِ الفساد الذي حَلَّ بها، وكيفية تلافيه؛ وعَرضِ أهميةِ ذلك على كافة العلاقات. دون أدنى شك، فالمرأة القوية، العاقِلة، الفاضلة، الجميلة، المتخذة للقرارات الصائبة، وبالتالي التي تَجعَلني معجباً بها بِتَخَطّيها إياي، والتي يمكن أن تَكُون مُخاطباً لي؛ هي – وفقط هي – من حجرِ الزاوية في بحثي الفلسفي. ولَطالما آمنتُ بأن ألغازَ تَدَفُّقِ الحياة في الكون ستَجِدُ معناها مع هذه المرأة بجانبها الأفضل والأجمل والأصح. ولكني آمنتُ أيضاً بأخلاقي التي لا تَسمح بتاتاً بمُشاطرةِ طرازِ وجودي مع بضاعةِ "الرجل ورأس المال" المنتصبة أمامي، أي مع "هرمز ذي التسعين ألف زوج"؛ ولدرجةٍ لن يَقدِرَ عليها أيُّ رجلٍ كان. إذن، والحال هذه، وبِما يتعدى نطاق الفامينية، فإن مصطلح "علم المرأة" (Jineoloji) قد يَكون جواباً ورديفاً أفضل للهدف.