Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461
الصداقةِ الحقيقة هو سبيلٌ إلى الحرية - YJA STAR
Kurdî  |  Tirkî

الصداقةِ الحقيقة هو سبيلٌ إلى الحرية

ocelan reberنسق الحقيقة هو أفضل الأساليب للوصول إلى معنى "الحياة"، فما هي "الحقيقة" التي طالما شغلت بال الإنسان وفكره؟ كيف يمكن الوصول إليها؟. بمعنى آخر فالبحث عن أجوبةٍ لقضاياها العالقةِ الممتنعةِ يأتي في مقدمة المواضيع الواجبِ تحليلها في سبيل بحثٍ وتدقيقٍ جديَّين.

 سنسعى إلى إزالة الستار عن بعضِ النظرياتِ الفكرية الأولية، وعن مصطلحَي "الموضوعانية الشيئية" و"الذاتانية المثالية" اللذَين وكأنهما أسَرا وسحرا مخيلة وذهنية البشرية جمعاء.

الأسلوبَ العلمي المدَّعيَ بالعمل وفق القوالب الدينية التوحيدية الدوغمائية وبالدساتير القطعية التي تُعدُّ استمراراً للأولى، مرغَمٌ على رَدِّ الاعتبار مجدداً للمعاني الميثولوجية وللأسلوب الميثولوجي، بعدَ أنْ حَطَّ من شأنهما إلى أقصى حد. فالميثولوجيات، التي هي من أقارب اليوتوبيات، تُعتَبَرُ شكلاً للمعنى والذهن الذي لا غنى للجنس البشري عنه. إنَّ تَرْكَ ذهنِ الإنسان بلا يوتوبيا، بلا ميثولوجيا (بلا ملاحم، بلا أساطير) أَشْبَهُ بِتَرْكِ البدن بلا ماء. وهنا ندرك بشكلٍ أفضل أنّ ذهن الإنسان، الذي هو مجموعُ أذهان جميعِ الكائنات الحية، لا يمكن اختزال غناه الشاملِ إلى حدودِ الذهنية الرياضية التحليلية. إنّ هذا شذوذٌ عن الحياة. فمثلما أنّ الملايين من الأذهان الحية لا تعرف الرياضيات، لا يمكن حصر ذهن الإنسان، الذي هو مجموعُ تلك الأذهان الحية، في الرياضيات. بَيْدَ أنّ الرياضياتَ أولُ اختراعٍ للمدنية السومرية، وقد استُعمِلت في حسابِ فائض الإنتاج، الذي كان الشغلَ الشاغلَ آنذاك. ولكن، يكاد يُختَزَلُ منطقُ الإنسان اليوم إلى مستوى آلةٍ حاسبة. إذن، والحال هذه، كيف، وبِمَ يمكننا استيعاب أذهانِ الملايين من الأحياء، وحركةِ الجُسَيمات ما تحت الذرية، والأجسامِ الفَلَكية Astronomik غيرِ القابلة للقياس؟ واضحٌ أنّ قوةَ علوم الرياضيات لا تكفي لأجل الكون الأصغر والكون الأكبر. على الأقل، من الضروري أنْ نترك البابَ مفتوحاً لأساليبَ جديدةٍ بشأنِ المعاني، كي لا نخنق أنفسنا بالعقائد القالبية الجامدة سلفاً.

لا يمكنُ استصغار شأنِ الحدسيات الحية. فكلُّ ما هو موجودٌ باسم الحياة مخفيٌّ في تلك الحدسيات، التي لا يمكن الادعاء باستقلاليتها عن الكونَين الأصغرِ والأكبر. وما هو أقربُ إلى الفهمِ هو أنّ عالَم هذه الحدسيات خاصيةٌ أوليةٌ للكون. ولهذا السبب، لا يمكنُ تقليل شأنِ الأسلوبِ الميثولوجي في فهمِ الكون. فقد يساهم في مساعَدتنا على فهم الكون بقدرِ الأسلوبِ العلمي بأقل تقدير.

مناهَضةُ الأسلوب لا تعني إنكارَه كلياً، ولا البحثَ عن أسلوبٍ بديل. من الضروري القول أنّ الانفتاحَ أكثر لإمكانيةِ التفسير الأقرب إلى خَيارِ الحياة الحرة يتميز بمعانيَ أسمى. وإذا كانت الغايةُ هي الوصولُ إلى معنى الحياة، فعلى الأسلوب أن يكونَ وسيلةً في ذلك. فالدولةُ الكبرى والإنتاجُ الصناعيُّ العظيمُ وحدهما قد ألحقا الحروبَ والدمارَ بالبشرية، بدلاً من السعادةِ والرفاه. فلدى اتحادِ الإنتاجِ مع القوة، يتزايد الابتعادُ عن المعنى. وفي جميع الأوقات يأتي أصحابُ الادخار في مقدمة الشرائح البليدة التي لا تُبدي تفاهماً تجاه الحياة. في حين يُنظَر إلى الادخار بعينِ الشكِّ والريبة دائماً داخلَ المجتمع. إنّ الخلاصَ من مشكلةِ الأسلوب، أو تخطيها والتغلبَ عليها، يتضمن معانيَ متأصلة، حيث يستوجب محاسبةَ العصرِ والمدنية المُعاشَين. ولطالما نصادف أمثلةً ضاربةً للنظر عن ذلك في الأزمنة التاريخية.

للبدء بالموضوع، أشير بجملةٍ واحدةٍ إلى أنّ التقسيماتِ القالبيةَ الثنائيةَ الأساسيةَ المتحكمةَ بفكرِ الإنسان قد أضعفت المعنى وحرَّفته، من قَبيل: ذاتاني – موضوعاني، مثالي – مادي، دياليكتيكي – ميتافيزيقي، فلسفي – علمي، وميثولوجي – ديني. والتجذراتُ الحاصلة في هذه الثنائيات والقرائن هي أخطاءُ الأسلوب الأوليةُ المؤديةُ إلى ظهورِ الحداثة الرأسمالية. وقد دَعَمَ أصحابُ السلطة والاستغلال تطوُّرَ وتطويرَ الأفكار والعقائد في هذا الاتجاه طيلةَ تاريخِ الحضارة المدينية، لتؤديَ دوراً بارزاً في ديمومةِ وشرعنة النظم التي أسسوها، وتُحقِّقَ ذروتها مع الرأسمالية. وتفسيرُ هذه الثنائياتِ كتاريخٍ مجرَّدٍ هو الأساسُ في دَرِّ النفعِ للنظمِ السلطوية والاستغلالية القائمةِ عملياً. ولو لم يُطْبَقْ على خناقِ ذهنيةِ البشرية بهذه القرائن، لَما كان بوسعِ أيِّ نظامٍ سلطويٍّ أو استغلاليٍّ أن يكون مؤثراً لهذه الدرجة. فاستمرارُ مَحوَرَةِ الصراعاتِ الذهنية حول هذه الثنائياتِ يؤول إلى الجشع النَّهِمِ في مزيدٍ من السلطة والاستغلال. وبقدرِ نجاحِ الباحثين عن الحقيقة في مضمارِ هذه الثنائيات، تمكَّنوا من احتلالِ مكانةٍ رفيعةٍ ومنتقاةٍ في مصافِّ أصحابِ السلطة وداخلَ بؤرِ الاستغلال. وهكذا، أُضفِيَت الواقعيةُ العظمى على مقولة "الحقيقةُ سلطة، والسلطةُ حقيقة". إنَّ نَسَق الحقيقة المذكورَ هنا هو الحليفُ الوفيُّ والأمينُ لنظامِ الاستغلال السياسي. أما محصلةُ هذا التحالف، فهي المزيدُ من القمع والاستغلال والضغط. وهذا بدوره يؤول إلى فقدانِ وضياعِ الحياة الحرة الفاضلة.

يمكن تشخيصُ التكويناتِ الداخلية للذرات التي هي أصلُ المادة، وفحصُ الروابط الحيوية فيما بينها بأفضلِ الأشكال عبرَ الإنسان. وبمعنى ما، يمكننا تصوُّرُ الإنسان كترتيبٍ منتظمٍ ومُتَّسِقٍ للمادة الحيوية المفكرة. ومثلما أنّ تصوراتنا لا تَعتبِر الإنسانَ مجردَ مُجَمّع من المادة، فهي لا تنظر إلى المادة كَبنيةٍ خاليةٍ كليّاً من الحِسِّ الحيّ. في حين أنّ عَقْدَ الروابطِ بين المادة ذات الحس الحي الخاص بها، وبين معنى الإنسان المتجاوز لكونه مجمّعاً من المادة الصرف يُعَدُّ مشكلةَ إدراكٍ عصيبةً وعويصة. من الضروري البحث عن المنبع الميتافيزيقي في هذا النوع من الإدراك. في حين أنّ تَعَمُّقنا في هذا الإدراك يتطلب مرونةً عقلية لا محدودة، وقد يتخطى ثنائيةَ المادة – المعنى

لَربما كانت غايةُ كلِّ شيءٍ حي وغيرِ حي هو تجاوُزُ هذه الثنائية. فبينما تكون غايةُ المادة اكتسابَ المعنى، يكون هدفُ المعنى تجاوزَ المادة. وقد يكون ممكناً رؤية أنفاس العشق الأكثر كبتاً وكبحاً في هذه الثنائية. وربما يكون قد طرأ تَغيُّرٌ على قرينة "الدفع – الجذب" بالذات، لتتحول إلى ثنائية المادة – المعنى. وربما كان القصدُ هو هذه الثنائيات عندما قيل بوجودِ العشق في أصلِ الكون وأساسه. وكأن هذا العشقَ يرتكز إلى أمتنِ دعائمه لدى الإنسان.

اعتقادي بأنّ البحثَ في المادة داخلَ الإنسان هو الأسلوب الأقربُ إلى الصحة. ولكن، يبدو من غير الممكن الوصولُ إلى التفسيرِ الأقرب إلى الصحة للمادة داخلَ مختبرات الحداثة المعزولة بإحكامٍ. في حين، لا يمكن إطلاقاً قياسُ العلاقة بين الناظر والمنظور إليه في فيزياء كوانتوم. فمثلما يُطرِئُ الناظرُ تغييراتٍ على المادة، بمقدورِ المنظور إليه أيضاً النفاذ من عين الناظر في شروطِ المختبرات. إذن، فالإدراكُ الصحيح غيرُ ممكنٍ لدى الإنسان إلا بالاستبطان. إذ، ما مِن مختبَرٍ أعظمَ وأفضلَ إحكاماً من الإنسان. ومثلما كَشَفَ ديموقريطس الذرّة بهذا الأسلوب، فهو يكون بذلك قد حدَّدَ الأسلوبَ الصحيح والسليم منذ زمنٍ طويل. ما نقصده ليس عدمَ فائدةِ المختبرات، بل نقصد أنّ مكانَ المبادئ الأساسية موجودٌ في الإدراك الحسي فيما يخص الإنسان.

يمكننا توسيع نطاقِ المبدأ أكثر، حيث بالمستطاع ملاحظة كافةِ القوانين الفيزيائية والكيميائية في الإنسان على نحوٍ أقرب إلى الكمال. وما من مختبرٍ فيزيائيٍّ أو كيميائي يمكنه الوصول إلى مستوى الانتظام والترتيب الغني الموجودِ في الإنسان. إذن، بالمقدور الوصول إلى المعلومة الفيزيائية أو الكيميائية الأقربِ إلى الصحةِ عبر بنيةِ الإنسان. كما يمكننا استيعاب كيفيةِ جريانِ التحول بين المادة – الطاقة والتفاعلاتِ الكيماوية الأوسعِ والأغنى الحاصلة عبر بنيةِ الإنسان. علاوةً على أنّ أغنى ضروبِ استنتاجِ المعاني السليمة فيما يتعلق بالعلاقة المتبادلة بين المادة – الطاقة موجودةٌ في الإنسان. إضافةً إلى إمكانية التماسِ الوحدة بين المادة – الطاقة – الفكر في دماغِ الإنسان. وهذا ما يوجِّهنا نحو سؤالٍ عويصٍ للغاية: تُرى، هل هذه الوحدة الحاصلةُ في الإنسان خاصيةٌ من خصائص الكون؟

ندرك من ذلك أنّ اتخاذَ الإنسان أساساً يعد مبدأنا الأوليَّ الأغنى على الإطلاق من جهةِ طاقته الكمونية في الوعي والإدراك. بالتالي، يمكن اعتباره الطريقَ الأولي في الحصول على المعرفة، والمبدأَ النَّسَقِيَّ السليم في بلوغِ ماهيةِ الحقيقة.

بمقدورنا ملاحظة قرينةِ الحيوية – الجمود بأغنى نطاقاتها وأمثلتها داخل الإنسان فالحيويةُ التي يتصف بها الإنسانُ تتضمن المزايا الأكثرَ وفرةً واتساعاً من بين جميع الكائنات الملاحَظة. لقد حقق تطوُّرُ الحيوية ذروتَه في الإنسان إلى جانب ذلك، فالقسمُ المادي فيه متداخلٌ ومتوازٍ في تطوره مع تطورِ الحيوية، ليمنحنا مستوىً من الرقي هو الأعلى على الإطلاق وانتظامُ المادة في الدماغ، إلى جانب الرقي في الحيوية لا يزال سراً مكتنفاً بالألغاز التي لم يَفُك العلمُ رموزَها إلا بنطاقٍ محدودٍ للغاية. ولا نزال أمام مشكلةٍ عويصة تنتظر اكتشاف لغزها، فيما يخص الروابط القائمة بين مهارةَ المادة في تنسيقِ ذاتها داخل دماغِ الإنسان، ومهارة الحيوية المرتقية إلى حد القدرة على التفكير المجرد. وعندما قلنا بغنى المثال، إنما قصدنا به هذا العضوَ الرائع في رقيه. علاوة على ذلك، فكلُّ عضوٍ من أعضاء البدن الأخرى، يتصدرها القلب، يشكل معجزةً بكل معنى الكلمة. وأنوِّه على الفور هنا إلى أنّ البحث في أعضاء الإنسان وأجهزته مسألةٌ معقدةٌ للغاية بحيث لا يمكن تركها للطب وحده، بل يتوجب البحث فيها من قِبَل كافة العلوم وفروعها متحدةً كي تكون موضوعاً لأبحاث قَيِّمة. في حين أنّ تَرْكَ الإنسان للميدانَين الطبي والنفسي على نحوِ ثنائيةِ الروح – البدن يعَدُّ أعظمَ جهل، بل وجريمةً فظيعةً لدرجة الجناية.

يتعلق هذا الموضوع – الذي جَهِدتُ لإيضاحه بعنايةٍ فائقةٍ تحت هذا العنوان – بمدى تأثيرِ بُعدٍ زمكانيٍّ اجتماعيٍّ مُعَيَّنٍ على نمطِ حياةٍ مُعَيَّنة. والموضوعُ الذي ركَّزتُ اهتمامي عليه باستفاضةٍ في قضيةِ الأسلوب، كان بشأنِ أنَّ الوقائعَ الاجتماعيةَ "حقائقٌ مُنشَأةٌ" بِيَدِ الإنسان. هذا الأمرُ هامٌّ لدرجةِ أنه، وفي حالِ عدمِ تثبيتِ معانيه السليمة كاملةً، فقد يُحَوِّل الشُّروعُ بأيِّ نشاطٍ تعبئويٍّ "التعلمَ" و"المعانيَ" إلى أرضيةٍ خصبةٍ لانتعاشِ الجهل وعدميةِ المعنى. ما أدَّعيه هو أنَّ الجهلَ السائدَ في الحداثةِ الرأسمالية أفدحُ من جهالةِ "أبي جهل" الذي لَعَنَته ونَبَذَته الأديانُ الكبرى أثناءَ انطلاقاتها. ولربما كانت المدرسةُ الوضعيةُ العلةَ الأساسيةَ في ذلك، كونَها دينٌ منطلقٌ من المادية الأكثر اضمحلالاً وشُحَّاً. فهذا الدين، الذي يمكننا وَصْمُهُ بـ"الظواهرية "، هو – بطبيعة الحال – ميتافيزيقي، نظراً لمزاياه التي هي ثمرةٌ من نتاجِ ذهنيةِ الإنسان.

عليَّ سرد نكهةِ الحياةِ في الهلال الخصيب بلغةٍ أدبيةٍ نوعاً ما. وسأبدأ بحديثي عنها بملاحظةٍ كان قد رَصَدَها برادواي، الذي ابتدأ حفرياتِ جايونو في ديار بكر Diyarbakır؛ حيث يقول: "لا يمكن للحياة أن تَكُون ذات معنى في أيةِ بقعةٍ من العالم مثلما هي عليه في حوافِّ قوسِ سلسلةِ جبالِ زاغروس – طوروس". تُرى، ما الشعورُ الذي أضفَتهُ هذه العبارةُ على هذا الإنسانِ المترعرع في أحضانِ ثقافةٍ بعيدةٍ جداً؟ وكعالمِ آثارٍ ومُؤَرِّخٍ مدركٍ تماماً للحضارة، لماذا يَرَى الحياةَ الأغنى والأرقى بمعانيها في هذه الساحة الثقافية؟ علماً بأنَّ القاطنين اليوم على هذه الأراضي يَوَدون الهربَ منها كالهربِ من الطاعون، ويَستَمِيتون ويَتَلَوّون للوصول إلى أوروبا مَقَابِلَ أَجرٍ بخسٍ جداً، وينظرون للهجرةِ إليها كالقدرِ المحتوم، لأنهم خَسِروا كلَّ مقدَّساتهم وقيمهم الجمالية، وكأنها لن تُستَعاد ثانية.

لو أَعَدنا التأملَ والبحثَ في التطوراتِ الاجتماعية في الهلالِ الخصيب، ولكنْ بهذه الرؤية السوسيولوجيةٍ هذه المرة؛ سنلاحظ أنَّ سوسيولوجيا الحريةِ قد شَهِدَت خلالَ مرحلةِ الثورةِ النيوليتية القائمةِ في هذه المنطقة أغنى فواصلِ الفوضى وأكثرَها عطاءً في تاريخِ المجتمعات. فَمَعَ ارتدادِ الجليدِ بسرعةٍ إلى قِمَمِ الجبالِ الشاهقة، شَرَعَت المجموعاتُ المتنقلة المقتاتةُ على الصيدِ وجَمْعِ الثمار تَتَوَجَّهُ نحوَ الحياةِ المستقرة، وتميلُ للاعتمادِ على الزراعةِ في معيشتها، وذلك بعدَ حل بناها المجتمعية، واستنباطِها الدروسَ مِن تجاربها في المراحلِ السابقة. إنهم وجهاً لوجهٍ أمامَ تَخَلِّي جماعاتِ الكلان المُعَمِّرةِ مئاتِ الآلافِ مِن السنين عن مكانِها لبنىً أوسع. نحنُ الآنَ على عتبةِ حقبةٍ تَشهَدُ انفجاراً وتَحَوُّلاً ذهنياً مثيراً. فَعِوَضاً عن ذهنيةِ الكلان القديمة، والبُنيةِ اللغويةِ غيرِ المنقطعة كلياً عن لغةِ الإشارات البدائية، ثمةَ انعطافٌ نحوَ تَشَكُّلِ ذهنيةِ الشعب والأثنية القاطنة في قرى أوسع نطاقاً. ويتطورُ نظامُ اللغة الرمزية بوتيرةٍ عليا، ويُبتَكَر عَدَدٌ لا حصرَ له مِن موادِّ الغذاء، المواصلاتِ، النسيجِ، الفخارِ، الرَّحى، العمران، والمواضيعِ الدينية والفنية؛ والتي تتطلب بدورِها نظاماً من التسمياتِ والقوالبِ الذهنية الجديدة.

عليَّ التنويه ثانية، ولو تكراراً، إلى أنّ تأريخ السوسيولوجيا، وسَسْلَجَة التاريخ يأتي في صدارةِ الشروط الأولية للتقدمِ في عِلمِ المعنى. والميزةُ الناجعة الأخرى لهذا الأسلوبِ تَكمُنُ في دنوه أكثر من تفسيرِ التاريخ بموجبِ سياقه الطبيعي. لا أنكر أهميةَ الفكر الدعائي. بل على النقيض، ولكي يكون هذا النمطُ الفكريُّ ناجعاً، يجب معرفة كيفيةِ الإمساك بالتطورات التاريخية وتناولِها بموجبِ مسارها المتحقق. أما الشروعُ بالقول "البنية التحتية تُحَدِّدُ التاريخ" أو العكس "التاريخُ عبارة عن أفعالِ الدولة وعملياتها"، فلن يذهب أبعَدَ مِن تحريفِ وتشويهِ التاريخ الحقيقي بالنسبة إلى عِلمِ المعنى، مهما سُرِدَت حوادثُه أو كَثُرَ تحليله أو تفكيكه. واضحٌ للعيان أنه من غيرِ الممكن شرحُ التاريخ، وبالتالي المجتمع، بهذا الأسلوب. فما يحدث حينها هو الحديثُ عن الفيزيولوجيا الاجتماعية، وليس التاريخ. فشرحُ كيفيةِ تأثيرِ المؤسسات الاجتماعية (الأنسجة في الفيزيولوجيا) على بعضها البعض، أو كيفيةِ تحديدها لبعضها البعض، هو – وبكل تأكيد – ليس بشرحٍ للتاريخ، بل ظواهريةٌ مَحضةٌ للغاية.

علينا ألا نغضَّ النظر عن مشكلةِ الأسلوب هذه للولوجِ في تاريخِ المدنية، كي نُقَدِّمَ مساهَمَتَنا في عِلمِ المعنى. بقدرِ ما تَكمُنُ قيمةُ أيِّ تفسيرٍ في القدرة على إيضاحِ التاريخ، فهو يعني أيضاً قيمة مدى تسخيرِه لخدمةِ الملتزمين بأحكامِهِ ومقتضياتِهِ، ولخدمةِ القادرين على الإمساكِ بزمامِ المبادرةِ في كلِّ وقت. في حين أنّ التفسيرَ التاريخيَّ الحقيقي لأجلِ المتخبطين في تأديةِ دورِ ضحايا التاريخ، فهو القدرةُ على تَعبئتِهِم بالوعيِ وتسليحِهِم بالإرادةِ للخلاصِ من دورِ الضحية والوصولِ إلى قوةِ بَعثِ حرياتهم وإحيائها. أما إذا كان التفسيرُ التاريخي والاجتماعي يَحكُمُ على ضحاياه (كلِّ المسحوقين والمضطهَدين والمستغَلين) بالاستسلام والخنوع للمضحين بهم، والذين يُلهُونَهم بالزعمِ بِقُربِ الخلاصِ؛ فمهما يَدَّعي صاحبُه أنه عِلمي، ومهما يتحدث عن أنه يقوم بالتفسير باسمِ الضحايا؛ فإذا لم يَكُن هؤلاء ذوي نوايا ضامرةٍ أو مُحَرِّفين ومُضَلِّلين واعين، فهم إذن غافلون، ويفسِّرون التاريخ كالأصنام الجوفاء.

لا ريبَ في أنَّ شروحَ الإلهياتِ الغائرةِ في أعماقِ الأصول والجذورِ الصحيحة تُقَدِّمُ مساهماتٍ عظيمةً في صياغةِ عِلمِ المعنى. ولكن، مِن المهمِّ استيعاب كَونِ اللاهوتيين هم أكبر المُحَرِّفين للمعاني، سواءً بقصدٍ أو بدونه، عبرَ غَلَبَةِ منزلتهم باحتلالهم أماكنَهم داخلَ كافةِ أروقةِ الدولة والأنظمةِ الهرمية. لذا، سنسعى لتحليلِ وإفهامِ هذه المواضيعِ والصياغاتِ الجديدة التي تَقَمَّصُوها في كلِّ فترةٍ هامة، وذلك

لقد استمرَّت مهارةُ الرهبان السومريين في التقنيع المذهلِ بلا انقطاع. وإلا، لماذا تَحَولَت الألوهيةُ المتميزة بمضامينَ أصيلةٍ وثمينةٍ في بداياتها إلى اصطلاحٍ أوليٍّ في الانحطاط وانعدامِ المعنى بالأكثر؟

يُعتَبَرُ المجتمعُ المديني أكداساً من البنيويات التي يلاقي علمُ المعنى صعوباتٍ عويصةٍ جداً بشأنها. ووجودُ هذه الأكداسِ بِحَدِّ ذاته على علاقةٍ وثيقةٍ بتحريفِ علمِ المعنى بذاته، وإخراجِهِ من كونهِ علمَ معنى. إنه كائنٌ غريب، بل هو لوياثانٌ مُتَنَكِّبٌ كلَّ أسلحته وقابضٌ عليها بِيَدَيهِ، لِيُرغِمَ ضحيتَهُ – إنْ وُجِدَت – على الاعترافِ بـ"الكذب" ككلمةٍ أخيرةٍ وهي تَحتَضِر، وإلا، فسيقومُ بـ"الإبادة" بشتى الأساليب. إنّ تشبيهَ هذا الكائنِ، أي المدنية، بأيِّ ضربٍ من ضروبِ الوحوش مَوقِفٌ في محله، ولكنْ متخلفٌ للغاية، خاصة إذا كنا نتميز بهويةِ رجلِ العلم، فإنّ مِثلَ هذا الموقفِ لن يذهبَ بنا أبعدَ من خيالِ الطفولة (الخيالات الوحشية). كما أنّ التشخيصَ المقتدرَ للوحش لا يكفي، بل يتطلبُ المداواةَ كمهمةٍ عاجلة. واضحٌ للعيان أنّ كافةَ محاولاتِ العلاج ذهبَت سدى. أما الدماءُ المتدفقةُ والمراقةُ كالسيولِ الجارفة، وأنماطُ الحياة المؤلمةِ والمريرة والمعرَّضَةِ للإبادات الجماعية المروعة، والمجاعةُ والبطالةُ التي هي أنكى من السوءِ ذاته، واستشراءُ مختلفِ أنواعِ الأمراض، ودمارُ البيئة الأيكولوجية (بيئةِ الحياة التي لا غنى عنها للعيش)؛ كلُّ هذه الظواهرِ البارزة في المرحلةِ الأخيرة، والتي يمكنني حشرها في تقريرٍ مقتَضَبٍ ضمنَ جملةٍ تشيرُ للوضعِ الأخير القائم. لذا، وباعتبارِ أنّ الآلافَ يَزعَمون أنهم معنيون بعلمِ الاجتماع كميدانٍ لسوسيولوجيا الحرية والبنيوية، فعليهم إثبات جدارتهم في التشخيص والمعالجة، ما داموا يتطلعون للخلاصِ من أكوامِ الأوساخ التي يَحيَونَها. وفي حالِ العكس، فمثلما قال أدورنو "لن تبقى لجميعِ الآلهة السماوية – لرجالِ العلم الناطقين باسمها – أيةُ كلمةٍ تُقالُ بعدَ تشييدِ معسكراتِ الإبادة الجماعية".

لا تَنحَصِرُ المدنيةُ في كونها مراسيمُ "المذابح الدموية" (حسبَ هيغل) فحسب، بل هي أنكى، حيث تُعَرِّضُ معانيَ الحرية للإباداتِ العِرقية المتواصلة – رغم كونها الدافعُ الوحيدُ لحياةِ الإنسان – فلا يتبقى منها سوى حُثالةُ الحياةِ وخُثارتها. وبتشخيصٍ أكثرَ شفافيةً، فالمدنيةُ هي البقايا المتبقيةُ من إفراغِ معاني الحياة الحرةِ من فحواها.

عندما ننظر إلى نمطِ حياةِ أبسطِ الكائنات الحية، فما نراه ليس إلا المعنى الذي يُضفِيهِ على الحياة. إنه نمطٌ من المعاني التي تَمُدُّها بقدرةِ التكاثر إلى ملايينِ الأنواع، وتَوَغُّلِ الجذور حتى في أعتى الصخور، ومواصلةِ الوجود حتى في ثنايا القطب المتجمدِ عندما تتطلبُ الحاجة، والطيرانِ إنْ لَزِمَ الأمر، والقدرةِ على تطويرِ تقنياتٍ لا متناهيةٍ لا تطالها اكتشافاتُ الإنسان ولا تَخطُرَ ببالِ بشر. أما المجتمعُ المديني، فأيُّ المعاني – أو عدميةِ المعاني – التي يمتلكها، فيما خلا قُدرته على إفراغِ وجودِ الحياة الأكثرِ رقياً من معانيها عبرَ الكذبِ والرياء والزيف وعبر العنفِ المنظَّم والممنهَجِ منذ بداياته، وإيصالِها إلى شفيرِ هاويةِ الانتحار في مراحلِهِ الأخيرة؟

لا ريبَ في أنّ مَرامِي من طرحِ هذه الأسئلة هو اهتمامي من الصميم بكلِّ ما أبداه جميعُ المقاوِمين والمكافحين من بطولاتٍ باسلةٍ ومواقفَ مقدسةٍ حقيقية، وما سَطَّروه من ملاحمِ عشقٍ وهيامٍ تُمَثِّلُ جوهرَ الصداقةِ الحقة في سبيلِ الحياة التي لا معنى لها سوى الحرية؛ واعتنائي بأقوالهم الأخيرة التي لم تُقَلْ، والتزامي العميق بذكراهم بكلِّ تقديرٍ وإجلال. وإذا كان المطلوبُ التحصنَ بالأشواكِ بقدرِ الأشجارِ التي تحمي زهورها اليانعةَ بأشواكها، فإنّ القيامَ بذلك يعني معرفةَ أصولِ الصراع في سبيلِ صونِ حياةِ الإنسانِ الحر، الذي ربما تكون استطاعةُ المعاني لديه في منتهى الجمال.

ب- لننتقلْ هُنَيهَةً من أحكامنا الأخلاقية إلى أحكامنا النظرية. من المهم للغاية استيعابُ مصطلحِ "الطبقية"، الذي طالما ذكَرَه المعارضون في عهدِ الحداثة (الرأسمالية)، وإدراكُهُ من جميعِ نواحيه، وبالأخصِّ من حيث دورِهِ في المسارِ التاريخي. وإلا، وفي حالِ العكس، فلن يذهبَ المرءُ أبعدَ من التحول إلى إحدى أدواتِ "العَلكِ واللَّغوِ الديماغوجي الغوغائي" الأكثرِ تفاهةً وسذاجة، وإسدالِ الستار على علمِ المعنى لطمسه.

رغمَ أنَّ التطوريين يقومون بتثبيتِ الوقائعِ والظواهر على نحوٍ أفضل، إلا أنهم لن يَخلُصوا من الانتقاداتِ لافتقارِهِم لمعاني مصطلحِ الفترة الاجتماعية. ذلك أنَّ الذاكرةَ الاجتماعيةَ أهمُّ مِن التطورِ التطوريِّ والطبيعي للوقائعِ والظواهر. كما أنَّ عِلمَ المعنى بالنسبةِ إلى الإنسان يتميزُ بالأسبقيةِ على تسجيلِ الظواهر، لأنَّ أنماطَ حياتهم تسيلُ فيه كالنهر الجاري. أما عدمُ تَخَلِّيهِم عن الرب، فيُعزى إلى قوةِ الذاكرةِ الاجتماعية. فالمجتمعُ – مثلما سنستفيض في شرحِ ذلك لاحقاً – يكافئ بين ذاكرتِهِ ومصطلحِ الرب. مِن هنا، فلن تنجوَ الظواهريةُ – التي هي داءُ الحداثة – من سِهامِ النقدِ اللاذع، ما دامَت مُعارِضةً في أساسها لذاكرةِ المجتمع، وبالتالي لميتافيزيقيته. فكيفما أنَّ الإنسانَ العديمَ الذاكرةِ يلاقي مصاعبَ جمةٍ ويتحولُ إلى طفلٍ في الحياة، كذلك فالمجتمعاتُ التي تَفقُدُ ذاكرتَها تَكُونُ وجهاً لوجه أمامَ مخاطرِ نسيان ذاتها والضياع. بالتالي، فالمجتمعاتُ المفتقِدةُ لذاكرتِها لن تنجوَ مِن التعرضِ بكلِّ سهولةٍ للاستعمارِ والاستغلال والغزو والانصهار.

بالمستطاعِ ملاحظة آثارِ كلِّ الترتيباتِ المؤسساتية، التي نَقَشَت بصماتِها على مِحَكِّ التطورِ الاجتماعي من جهةِ السوسيولوجيا البنيوية، في أراضي الهلال الخصيب. ونَخُصُّ بالذكر مرحلةَ ما بين 6000 – 4000 ق.م، والتي هي مرحلةُ تَمَأسُسٍ بكلِّ معنى الكلمة. فقد تَحَدَّدَت أُطُرُ مساحاتِ الاستقرار التي ستَتَّخِذُها جميعُ البنى أساساً في القرى والمدائن، وتَمَّ الانتقالُ إلى المستوطَنات، ووُلِدت الهرميةُ، وتَمَأسَسَ الدينُ، وبَرَزَت أُولى المعابدِ للمَيدان، واكتَسَبَت الأثنيةُ ملامحَها في الوجود، واتَّضَحَت معالِمُ البنى اللغويةِ، وتَوَطَّدَت تقاليدُ علاقاتِ الجوار، وكأنَّ الإدارةَ قد شَيَّدَت أعتى مراحلِها عبر الأخلاق. بمعنى آخر، وكأنَّ المجتمعَ النيوليتيَّ قد جَزَمَ بديمومةِ الثورة الزراعية والقروية، وبالتالي حَسَمَ أمورَ تَمَأسُسِها. ولأولِ مرةٍ نَجِدُ البنى الاجتماعيةَ المؤلِّفةَ لموضوعِ السوسيولوجيا البنيويةِ الأساسيِّ تَبْسُطُ لنا تكويناً ونشوءاً هو الأقوى والأرسخُ في الهلالِ الخصيب. ولا يزال هناكَ الكثيرُ مما علينا تَعَلُّمُهُ مِن حقيقةِ هذا التَّحَوُّلِ البنيوي، الذي يَستدعي التدقيقَ والتمحيصَ اليومَ أيضاً كتمأسُساتٍ أصلية. بل، وبقدرِ ما نَسبُرُ ونَفحَصُ تلك البنى كأولِ قِيَمٍ متمأسِسَةٍ في التاريخ البشري، فسوف نَحصُلُ على نتائجَ سليمةٍ بنفسِ القدر فيما يتعلقُ بتأسيسِ السوسيولوجيا البنيوية. علينا الإدراكُ جيداً أنَّ السوسيولوجيا البنيويةَ الراهنةَ تعاني افتقاراً جدياً لـ"عِلمِ المعنى". أما إذا أعادَت النظرَ في ذاتِها كجزءٍ مِن السوسيولوجيا العامةِ، فقد تَصِيرُ تَعبيراً قديراً عن عِلمِ المعنى.