Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461
قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا - YJA STAR
Kurdî  |  Tirkî

قضية الديمقراطية وحلّ الدستور الديمقراطيّ في تركيا

قائد تموزظهور قضية الديمقراطية في تركيا، تطورها ونتائجها:  تظهرُ قضيةُ الديمقراطيةُ إلى الوسطِ بوصفِها ظاهرةً كونية، لدى تَوَجُّهِ الإدارةِ الهرميةِ العُليا في المجموعاتِ القَبَلِيّةِ صوبَ التَّمَيُّزِ والانفصال. فالتَّمَيُّزُ الإداريُّ في المجتمعِ القَبَلِيِّ الذي يحتوي بين ثناياه على الديمقراطيةِ الطبيعية، إنما يَجلبُ معه نهايةَ الديمقراطيةِ الطبيعيةِ تلك. والانتقالُ من الهرميةِ نحو الدولةِ الاستبدادية، يُوَطِّدُ هذا السياق. وتتحدَّدُ ملامِحُ أنظمةِ المدنيةِ مضموناً من قِبَلِ هذا السياق. تَبسطُ المدنيةُ نفوذَها بمنوالٍ محدودٍ على المجتمع، إلى حينِ عهدِ الرأسماليةِ في أوروبا. ويَصُونُ المجتمعُ بِدَورِه قوتَه الأخلاقيةَ والسياسيةَ الكامنة. وبالامتيازاتِ التي تَعتَرِفُ بها المدنيةُ الأوروبيةُ لظاهرتَي الأمةِ والدولةِ القوميةِ بِحُكمِ الرأسماليةِ والصناعوية، فإنها تَقومُ بتمزيقِ المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ حتى الأغوار، وتتسللُ إلى قاعِه. يُؤدي هذا التسللُ إلى تَحَكُّمٍ لا نظيرَ له في التاريخ، من حيث كَونِه احتكاراً للسلطةِ الأيديولوجيةِ ورأسِ المال. هكذا تُقحِمُ الحداثةُ الفردَ في أَوهَنِ الحالات. وتَدُورُ المساعي لكَبحِ جِماحِ النضالاتِ المُخاضةِ عن طريقِ الإصلاحاتِ المحدودة. أي أنّ الديمقراطيةَ الأوروبيةَ تَجهَدُ للإبقاءِ على الفردِ والمجتمعِ صامِدَين من خلالِ الإصلاحات. وتُشَكِّلُ حقوقُ الفردِ وحرياتُه وقانونُ الدولةِ مضمونَ هذه الديمقراطيةِ وإطارَها. ويُعَبِّرُ الاتحادُ الأوروبيُّ عن الحالةِ النظاميةِ لهذه الأرضية. لكن، ونظراً لاستمرارِ النظامِ الاحتكاريِّ ببسطِ سيطرتِه من الأعلى، فإنّ النظامَ الديمقراطيَّ البارزَ لن يتعدى كونَه نظاماً سلطوياً مُحَجَّماً وخاضعاً للمراقبةِ إلى أقصى الحدود. هكذا تستمرُّ قضيةُ الديمقراطيةِ بوجودِها.

تَنتَقِلُ الكلاناتُ السيبيريةُ المُمَيَّزَةُ بطابعِها إلى عيشِ ثورتِها النيوليتيةِ الخاصةِ بها في أعوامِ 4000 ق.م بتأثيرٍ من الثورةِ النيوليتيةِ ذاتِ الأصولِ الشرقِ أوسطية، وذلك في غضونِ السياقِ المبتدئِ بانحسارِ الجليدِ من حوافِّ سيبيريا الجنوبيةِ اعتباراً من أعوامِ 7000 ق.م. وفي أعوامِ 2000 ق.م، يبدأُ الانتقالُ من الهرميةِ صوبَ المدنية، أي صوبَ الدولة. حيث تَظهَرُ أولُ مدنيةٍ مَركَزُها الصينُ الحاليةُ على مسرحِ التاريخِ في أعوامِ 1500 ق.م. وتَخُوضُ صراعاً مستمراً مع الأنسابِ المُجاوِرةِ لها، والتي تُعَدُّ الأسلافَ الأوائلَ للشعوبِ القاطنةِ في اليابانِ وكوريا وفييتنام وبلادِ المغولِ وتركستان الحالية. بالمقدورِ تقييم هذه الصراعاتِ على أنها ديمقراطيةٌ طبيعيةٌ في وجهِ المدنيةِ الصينية. يُلاحَظُ أنه يَجري ذِكرُ أَسلافِ الأتراكِ الحاليين لأولِ مرةٍ في سجلاتِ التاريخِ الصينيِّ باسمِ الهون. ونظراً لِكَونِ أنسابِ الهونِ قد شَهِدَت ديمقراطيةً بدائية، فإنها تبقى على صراعٍ دائمٍ مع المدنيةِ الصينية، بحيث لا يُمكنُ إضفاء طابعِ المدنيةِ عليهم بسهولة. ولدى مُلاقاتِها الصعوبة، تتوجهُ صوب الغرب. ويَستمرُّ الهونُ الغربيون بوجودِهم في أعوامِ 400 الميلاديةِ ضمن مساحةٍ واسعةٍ تمتدُّ حتى أوروبا الوسطى وروما. ولكنهم لا يتخلصون من الانصهارِ في بوتقةِ المدنية. حيث يتمُّ صهرُهم باستمرار على يدِ مدنيةِ الصينِ في الشرقِ والمدنيةِ ذاتِ الجذورِ السلافيةِ في الغرب. ورغمَ مساعي كسرِ شوكتِهم عَبرَ دينِ الهندوسِ والمانويةِ قَبلَ تلك الحقبة، إلا أنّ الانكسارَ الأصلَ يُعاشُ على يدِ الإسلام. في حين أنّ تجربةِ إمارةِ جوك تُرك Göktürk، التي عُمِلَ على تشييدِها قبلَ ذلك في 550، وتجربةِ دولةِ الأويغور Uygur، التي سُعِيَ لتأسيسِها في 740، لَم تتمَكّنا من تجاوُزِ نطاقِ الكونفدرالية.

يبدأُ التوجُّه الأصلُ للأتراكِ الأوائلِ صوبَ المدنيةِ في القرنِ التاسع، حين احتَكّوا بنحوٍ جادٍّ مع الإسلامِ واعتَنَقوه. وقضايا التركياتيةِ والدمقرطة، التي ابتدأَت مع القَرَاخانات ولا تزالُ مستمرةً حتى راهننا، هي على علاقةٍ وثيقةٍ مع سياقِ المدنيةِ ذاك. وعموماً، يتمّ الابتداءُ بالمدنيةِ الإسلاميةِ – التركيةِ الشرقِ أوسطيةِ تزامُناً مع سلجوقِ بيك وإمارته. فقد سعى الأتراكُ الأوائلُ إلى إبرازِ حضورِهم في مدنياتِ الشرقِ الأوسطِ قبلَ ذلك أيضاً. ولكن، من المعلومِ على أفضلِ وجهٍ أنّ استقرارَهم في الشرقِ الأوسطِ في هيئةِ أنسابٍ حاشدةٍ غفيرة، قد حصلَ لأولِ مرةٍ في عهدِ سلجوق بيك وأولاده. وعندما تَوَجَّهَ سلجوق بيك بذاتِه صوب الشرقِ الأوسطِ للاستيطانِ والاستقرارِ فيه، فقد واجَهَ تيارَين دينيَّين: المُوسَويّ والمُحَمَّديّ. والأسماءُ الموسويةُ التي سَمَّى بها أولادَه الأربعة، تشيرُ إلى مدى تأثُّرِه الجادِّ بالدولةِ الخَزَريةِ اليهوديةِ ذاتِ الأصولِ التركيةِ في بدايةِ الأمر. ولهذا السبب، لا يمكنُ حسمُ مدى أَسلَمَتِه. هذا وبالمقدورِ ربط الاستتراكِ بالإسلام، حيث لا نُصادفُ أيةَ مدنيةٍ باسمِ "تُرك" قبل ذلك، سوى "جوك تُرك" القصيرة الأجَلِ للغاية. وبالإمكان التخمين بأنّ هذا الاسمَ قد أَطلَقَه العربُ عليهم. ولكن، ينبغي الإدراك بأفضلِ شكلٍ أنّ المجتمعاتِ قبلَ بدءِ عصرِ القومويةِ كانت تُحَدِّدُ هوياتِها بأسماءِ الأديان، لا وفق النَّسَب. وحينها، إما أنْ تَعتَنِقَ الإسلامَ أو ديناً آخَر. هكذا كان أُنشِئَ الواقعُ الاجتماعيّ.

تنعكفُ الإمارةُ السلجوقيةُ اعتباراً من القرنِ الحادي عشر على بسطِ سيطرتِها الصارمةِ فوق الأنسابِ الخاضعةِ لحُكمِها. وتُقاوِمُ الأنسابُ ذلك بلا هوادة. وحسبَما يُسَجِّلُ التاريخ، فقد حَصَلَ أنْ اشتكَت أنسابُ الأوغوز تورك  الأولى، التي انتقلت إلى إيران عام 1017، من مدى صرامةِ وَحِدَّةِ تَسَلُّطِ الإمارة. هذا الحشدُ الأولُ، الذي يُقارِبُ الخمسَ آلاف نَسَمة، كان قد وَجَدَ الخلاصَ في الهربِ إلى إيران. واضحٌ جلياً أنّه ثمة مقاومةٌ عنيفةٌ منذ البدايةِ لدى الأنسابِ التي انتقَلَت إلى الشرقِ الأوسط، تجاه المدنيةِ التي ستتنامى في هيئةِ التمدنِ والتمايُزِ الطبقيِّ والتَّدَوُّل. هذه الأنسابُ القَبَلِيَّةُ التي تَسَمَّت باسمِ التركمان، والتي يُرادُ لها أنْ تُسحَقَ وتتحولَ إلى أقنان، إنما تُشَكِّلُ النوى الأولى للشعبِ الحاليّ. بينما، ومثلما كان أرستقراطيو هذه الأنسابِ يَستَحقِرون "التركمانيّ"، فقد كانوا لا يُحَبِّذون أيضاً تسميةَ أنفسِهم حتى باسمِ "التركيّ". بل كانوا يُفَضِّلون ألقابَ "العربيّ" و"الفارسيّ" و"الشاه" و"السلطان". ويَنسَون اللغةَ التركية، ويَتحدثون باللغةِ العربيةِ أو الفارسية، أو بالعثمانيةِ التي هي لغةٌ هجينةٌ ومُكَسَّرةٌ منهما. في حين أنّ النَّسَبَ التركياتيَّ الأصليَّ يُعاشُ لدى الأنسابِ التركمانية.

وإذ ما قمنا بتفسيرِ هذا التأريخِ الموجزِ على صعيدِ قضيةِ الديمقراطية، فبإمكاننا قول التالي:

ابتدأَ التمايُزُ الطبقيُّ بالظهورِ بين صفوفِ الأنسابِ التركيةِ بنحوٍ جادٍّ، مع عبورِها إلى الشرقِ الأوسطِ اعتباراً من القرنِ الحادي عشر، بحيث بالمقدورِ النظر إلى هذه الفترةِ على أنها بدايةُ بُروزِ قضيةِ الديمقراطية. وقيامُ الأنسابِ التركمانيةِ بِحَملِ السلطان سنجار، الذي هو آخِرُ سلطانٍ سلجوقيٍّ لها، ووضعِه في قفص، والاحتفاظِ به إلى أنْ وافَته المَنِيّة؛ إنما يُبَيِّنُ بما لا يَقبَلُ الجدلَ مدى تَشَبُّثِها بِحُرّيتِها وحياتِها الديمقراطية.

انقسامُ الأنسابِ التركيةِ إلى مجموعتَين أساسيّتَين مع الإسلام، إنما يُشَكِّلُ جوهرَ قضيةِ الديمقراطيةِ لديها. وبينما تَرَكَّزَت الأرستقراطية، أو بالأحرى الأرستقراطيةُ العسكريةُ والدينيةُ وأصحابُ الأراضي داخلَ الدولة، مُؤَلِّفين بذلك احتكارَ السلطة؛ فإنّ الشرائحَ الفقيرةَ المقهورةَ والمَطرودةَ من النظامِ القائم، إما أنها كانت تتجولُ ذهاباً وإياباً بين الخيماتِ والمراعي، مثلما حالُ الأنسابِ البَدَوِيّةِ القديمة، أو كانت تَستَمِرُّ بحياتِها المتواضعةِ والزهيدة، فتَقتاتُ على الحِرَفِ الحرةِ في المدينة، وعلى الفِلاحةِ في القرية. هذا الانقسامُ المُعاشُ بين صفوفِ كافةِ شعوبِ الشرقِ الأوسط، قد انتهى بعددٍ جمٍّ من عملياتِ التمردِ والهروب. والانقساماتُ المذهبيةُ أيضاً على علاقةٍ بهذه الحقائق. فبينما يصبحُ المذهبُ السُّنِّيُّ رسمياً كمذهبٍ للطبقةِ الحاكمة، تَسعى المذاهبُ المعارِضةُ كالعَلَوِيةِ والشيعيةِ والإشراقية  والمَولَوِيّةِ  والبكداشيةِ  إلى الاستمرارِ بوجودِها بمنوالٍ شبهِ باطِنِيّ. ويُخاضُ النضالُ من أجلِ الديمقراطيةِ خلال العصورِ الوسطى في هيئةِ هذه المشاهدِ المذهبية. حيث تَدورُ المساعي لتأمينِ دمقرطةِ العصرِ من خلالِ هذه المذاهب. فضلاً عن أنّ الحياةَ القَبَلِيّةَ البَدَوِيّةَ بِحَدِّ ذاتِها كفاحٌ ديمقراطيّ. من هنا، فتفسيرُ الجوهرِ المُقاوِمِ الموجودِ ضمن كافةِ الأنظمةِ القَبَلِيّةِ في العصورِ الوسطى على أنه نضالٌ ديمقراطيّ، إنما هو التعبيرُ الأصحّ.

إذا ما فَسَّرنا الإسلامَ الرسميَّ بالاحتكارِ الأيديولوجيّ، فسيكونُ بالإمكانِ تقييم أيديولوجياتِه المذهبيةَ شبهَ الباطنيةَ كعباراتٍ ومَقولاتٍ ديمقراطية. هذه الحركاتُ الشعبيةُ الديمقراطيةُ المُعاشةُ حتى مُستَهَلِّ القرنِ التاسعِ عشر، سوف تدخلُ سياقاً جديداً مع تغلغُلِ الحداثةِ الرأسماليةِ داخلَ الشرقِ الأوسط. فبينما تتبَعثَرُ الأنظمةُ الإمبراطورية، التي تُعَدُّ قوةً مُهيمنةً قديمة، تحت ضغطِ الهجماتِ الدولتيةِ القومية، فإنّ الدولَ القوميةَ الصغيرةَ التي احتَلَّت مكانَها بدلاً منها، سوف تُثقِلُ من وطأةِ قضيةِ الديمقراطيةِ أكثر. فالدولُ القوميةُ تُمَثِّلُ اغتراباً مُضاعَفاً: الاغترابُ بوصفِه سلطةً متبقيةً من المدنيةِ القديمةِ من جهة، واغترابُ الدولةِ القوميةِ الذي تَفرضُه الحداثةُ الرأسماليةُ من الجهةِ الثانية. واحتكارُ السلطةِ المُضاعَفُ يُسَلِّطُ على ثقافةِ الشعبِ أنظمةً تَبلغُ حَدَّ الإبادة. ذلك أنّ التحولَ الرأسماليَّ المُطَبَّقَ بِيَدِ الدولة، يسيرُ بالتداخُلِ مع التحولِ البورجوازيِّ والفاشيّ. وسوف تَشهَدُ تركيا هذه المرحلةَ بكثافة مع حُلولِ القرنِ العشرين. وما الحركةُ التي تَسَمَّت باسمِ "جمعية الاتحاد والتَّرَقّي"، سوى تعبيرٌ عن هذه الحقيقة.

كلُّ الدلائلِ تُشيرُ إلى أنّ جمعيةَ الاتحادِ والترقي نموذجٌ مُصَغَّرٌ من الحزبِ الوطني الفاشيِّ الإيطاليِّ  والحزبِ القوميِّ الاشتراكيِّ العمالي الألمانيِّ  في أعوامِ العشرينيات. وعيشُ تطوراتٍ مشابهةٍ في العديدِ من البلدانِ المُتَرَسمِلَةِ مؤَخَّراً ليس أمراً تصادفياً، بل معنيٌّ بِبُروزِ حضورِ الحداثةِ الرأسمالية. ومسؤوليةُ البورجوازيةِ البيروقراطيةِ في ذلك مُعَيِّنة، حيث تُعَوِّلُ – فقط وفقط – على الصراعاتِ الطبقيةِ الطاحنةِ وعملياتِ الإبادة، للتمكنِ من إخراجِ نفسِها منيعةً من أزمةِ الحداثةِ المُزدادةِ استعصاءً.

هذا ولا يمكن الاستخفاف بنصيبِ حركةِ الاشتراكيةِ المشيدةِ أيضاً في ذلك، حيث اختارت الدولةَ القوميةَ والصناعويةَ هدفاً أساسياً لها، رغم كونِهما عنصرَي الحداثةِ الجاهدةِ لترسيخِ نفسِها كنظامٍ في المرحلةِ نفسِها. هكذا، صار الديموس، أي الشعب بذاتِه، وليس الديمقراطية لوحدِها، وجهاً لوجهٍ أمام قضيةِ الوجودِ أو العدمِ من حيث كونِه كياناً ثقافيّاً. حيث بالمستطاعِ اعتبار مراحل الحربَين العالميّتَين الأولى والثانية وما بينهما كفترةِ طيشِ الحداثةِ الرأسماليةِ في حسمِ نفوذِها القاطعِ على الصعيدِ العالميِّ بعناصرِها الثلاثةِ الرئيسية (الرأسمالية، الدولتية القومية، والصناعوية). فبينما عانت العديدُ من الأممِ الشعوبِ والثقافاتِ من نيرِ هذا الطيش، وشَعَرَت بمخاطرِه حتى النخاع، فإنّ تلك التي وَجَدَت فرصةَ الخلاصِ منها، لم تتمالكْ نفسَها من تضخيمِ ذاتِها، والاستسلامِ بالتالي للنظامِ الحاكم. في حين أنّ الأمميةَ الثالثةَ التي لَم تستطِع تَخَطّي الحداثوية، لم تُحرزْ مكاسباً تُذكَر على دربِ الديمقراطيةِ من خلالِ تجربتَي جبهةِ الكادحين والشعوب (جبهة الشغيلة) والجبهةِ الموحدة ضد الفاشية، اللتَين سعت لتطويرِهما في ثلاثينياتِ القرنِ العشرين. كما أنّ الديمقراطيةَ الليبراليةَ المنتعشةَ في فترةِ الحربِ الباردةِ اللاحقةِ للحربِ العالميةِ الثانية، والديمقراطيةَ الشعبيةَ للاشتراكيةِ المشيدة، كانتا في جوهرِهما إنكاراً للديمقراطية. فخوضُ صراعِ الهيمنةِ بطلاءِ الديمقراطية، كان مجردَ مسألةٍ تكتيكيةٍ لا غير. وانهيارُ الاشتراكيةِ المشيدة، كان في حقيقةِ الأمرِ انهياراً لِلّيبراليةِ أيضاً. بالتالي، وبينما اهتزَّ عالَمُ ما بعد التسعينيات مع الأزمةِ البنيويةِ المتجذرةِ للنظامِ القائم، فقد فرضَت قضيةُ الديمقراطيةِ حضورَها في جدولِ الأعمالِ بكلِّ ثِقَلِها. حيث عَمِلَت على إعادةِ تعريفِ نفسِها شكلاً ومضموناً على الصعيدِ العالميّ، وعلى تصييرِ نفسِها نظاماً ممنهجاً في هيئةِ العصرانيةِ الديمقراطية.

بينما باتت تركيا وجهاً لوجهٍ أمام قضيةِ الوجودِ أو العدمِ في هذه الفترةِ من عدمِ الاستقرارِ في العالم، فقد حظِيَت من الجهةِ الأخرى بفرصةِ تحقيقِ بدايةٍ جديدةٍ كجمهورية. يُمكن اعتبار مصطفى كمال باشا والجمهورية كيانَين متطابقَين، بوصفِه شخصيةً تاريخيةً حَقَّقَت تنفيذَ هذه البداية. وتحليلُ هذَين الكيانَين لا ينفكُّ يحظى بأهميتِه حتى في راهننا. في الحقيقة، إنّ مصطفى كمال يَبسطُ للعَيان مدى هذه الأهمية، عندما يُبَيِّنُ بذاتِ نفسِه أنه احتفظَ بفكرةِ الجمهوريةِ سِرّاً باح به في اليومِ المناسب. وبقدرِ سؤالِ "تجاه ماذا شُيِّدَت الجمهورية، وكيف؟"، فإنّ سؤالَ "من أيةِ أكوانٍ انبَثَقَت؟" أيضاً لا يزالُ عالقاً بلا جواب. وهل كانت ديمقراطيةً اسماً، أم لا؟ ولماذا تمّ بلوغ هذا الوضع، إنْ كانت ليست كذلك؟ إنها أسئلةٌ أساسيةٌ ينبغي الردَّ عليها بنحوٍ صحيح. حيث أنّ التمكنَ من الاستيعابِ الكاملِ لقضيةِ الديمقراطية، التي تُوصِدُ أبوابَ الحياةِ بأكملِها في تركيا راهنناً، غير ممكنٍ إلا بتحليلِ الحقائقِ الكامنةِ وراء هذه التساؤلات.

لا يكفي البحثُ والتمحيصُ في تاريخِ تركيا القريبِ لوحدِه، من أجلِ تسليطِ الضوءِ على هذا الموضوع. فمثلما الحالُ في كلِّ بلدٍ من بلدانِ العالَم، لا يُمكنُ فهم وضعِ تركيا ومثيلاتِها، إلا ارتباطاً مع المدنيةِ الأوروبيةِ المهيمنةِ المتنامية. يَشهَدُ النظامُ المهيمنُ أقوى موجاتِ العَولمةِ في تلك المرحلة. لذا، ساطعٌ تماماً أنّ دراسةَ التطوراتِ الجاريةِ في الأقاصي النائيةِ بمنوالٍ منفصلٍ عن النظامِ المهيمن، سوف تبقى ناقصة. الأمرُ الثاني الهامّ، هو العلاقاتُ المحتَمَلةُ بين التحولِ الذي شَهِدَته تركيا والانطلاقاتِ الأصليةِ الحاصلةِ في أوروبا. والمصطلحُ المفتاحُ هنا هو "اليعقوبية" Jakobenizm. ذلك أنه، ومن دونِ فهمِ حركةِ اليعاقبة، التي ظهرت بأنقى أشكالِها في الثورةِ الفرنسية، وفَرَضَت حضورَها في كلِّ ثوراتِ الحداثة؛ سوف لن نستطيع إدراك اليعقوبيةِ ونتائجِها البارزةِ في الأصقاعِ الأخرى من العالَمِ أولاً، وفي تركيا ثانياً.

يجب أولاً افتراض كونِ اليعقوبيةِ اكتَسَبَت مَظهَراً يُفيدُ بأنها عالَمٌ حداثويّ. فقد أدت دوراً مِحوَرياً في تجاوُزِ التقاليدِ الثيوقراطيةِ التي تَركَت بصماتِها على المدنيةِ المركزيةِ المُعَمِّرةِ خمسَ آلافِ سنة. وهي من الجهةِ الطبقيةِ تُمَثِّلُ الطبقةَ الوسطى، أي البورجوازيةَ المتطلعةَ إلى السلطة. إنها الشريحةُ الأكثر راديكاليةً من الثوارِ البورجوازيين. وهي تُعَبِّرُ عن النزعةِ الراديكالية، سواءً أيديولوجياً أم ممارسةً. وأفضلُ ظروفِ نيلِ السلطةِ بالنسبةِ إليها، هي أجواءُ الاحتلالِ التي أَسفَرَت عنها قوةٌ تُعَدُّ محتلة. ذلك أنّ فرصةَ البورجوازيةِ اليعقوبيةِ في إشغالِ السلطةِ تَقِلُّ لدرجةِ العدم، من دونِ أجواءِ الاحتلالِ العَلَنِيّ. ولا ترى اليعقوبيةُ النور، إلا عندما ينظرُ المجتمعُ برمته إلى الاحتلالِ المكشوفِ على أنه كارثة. حينها يَكُونُ الوسطُ ملائماً إلى أبعدِ حدٍّ، كي تَخرجَ إلى مسرحِ التاريخِ بوصفِها سلطة. ذلك أنّ المجتمعَ آنذاك يبحثُ عن مُنقِذ. فالمونارشياتُ الثيوقراطيةُ صاحبةُ السلطةِ التقليدية، دعكَ من سدِّ الطريقِ أمامَ الاحتلال، بل تَكُونُ حينئذٍ قد تَبَنَّت دورَ الحليفِ المتواطئِ منذ زمنٍ بعيد، لأنها لا تستطيعُ صونَ مصالحِها، إلا بتواطؤٍ وثيقٍ مع القوى المحتلة. بالتالي، فهي تَفقدُ شرعيتَها بين صفوفِ المجتمعِ بنحوٍ جادّ. وفي هذه الحال، فالفئةُ المناسبةُ تماماً أيديولوجياً وتنظيمياً، هي الشرائحُ الوسطى الباقيةُ خارج نطاقِ الشريحةِ العليا العَميلة. أما القوةُ التي تُدَرِّبُ وتُنَظِّمُ نفسَها بأفضلِ الأشكال من بين تلك الشرائح، فهي البورجوازيةُ اليعقوبية. بالإمكان ملاحظة النموذج المُصَغَّرِ من اليعاقبةِ في الثورتَين الهولنديةِ والبريطانية. وعلى سبيلِ المثال؛ كرومويل  هو زعيمُ ثورةِ اليعاقبةِ الكبرى في بريطانيا، والتي أطاحَت برأسِ مَلِكِها في أربعينيات القرن السابع عشر، أي قبل الثورةِ الفرنسيةِ بكثير. وفي الحقيقة، إنّ أكبرَ ثورةٍ لليعاقبة هي هذه الثورةُ المُنجَزَةُ في بريطانيا، وليس تلك المتحققةُ في فرنسا عامَ 1792. وفرنسا هي النسخةُ الثانيةُ أو الثالثةُ المُعَدَّلةُ من هذا النموذج.

بالمستطاعِ تقييم هولندا كوطنِ الثورةِ الأصليّةِ الذي تَخَمَّرَت فيه اليعقوبية، ولو بمنوالٍ مختلف. اليعقوبيةُ لا تظهرُ فقط في الأوضاعِ التي تَعجَزُ فيها الطبقةُ العُليا التقليديةُ عن إدارةِ دفةِ الحُكم، بل وهي حركةٌ سلطويةٌ في الحالاتِ التي تَفتقرُ فيها الشرائحُ المقهورةُ القابعةُ في الحضيضِ أيضاً إلى التعبئةِ الأيديولوجيةِ والتنظيميةِ الكافيةِ بِما يُخَوِّلُها للحُكم. ولدى تَكَوُّنِ ظروفٍ شبيهةٍ بذلك في تلك البُلدانِ الثلاثة، وَثَبَت اليعقوبيةُ إلى الأمامِ بأكثرِ الشعاراتِ حِدَّةً، مناديةً بالاستقلالِ والحريةِ والمساواة، ومُحَفِّزةً سَوادَ المجتمعِ على التمردِ تحت زعامتِها. واللحظةُ الحرجةُ هي هذه اللحظةُ التي تنتفضُ فيها الغالبيةُ الساحقةُ من المجتمعِ في سبيلِ السلطة. كما أنّ هذه اللحظاتِ هي اللحظاتُ التي تجري فيها التغيُّراتُ العظمى مترسخةً في الرَّحمِ الأُمّ. ويَتَضَعضَعُ كلُّ شيءٍ مُهتَزّاً حتى النخاع. ذلك أنّ هذه الاهتزازاتُ ضروريةٌ من أجلِ ولادةِ الجديد. هذه اللحظةُ الأكثر حرجاً بالنسبةِ لفرنسا، تبدأُ في نيسانِ 1792. فالمَلِكُ المتواطئ، لا يَسعى فقط إلى التحالفِ مع الأرستقراطياتِ الأوروبيةِ جمعاءَ لإنجازِ الثورةِ المضادةِ مقابلَ الثورةِ المندلعةِ في 1789، بل وهو في حالةِ فِرارٍ في الوقتِ عينِه. فالجيرونديون ، الذين يُشَكِّلون الفئةَ المعتدلةَ من الطبقةِ الوسطى، يتجنبون خطوَ خطواتٍ راديكالية. والشيوعيون البابوفيون  القابعون في القاع، واهِنو القوى للغاية. بالتالي، فالجوُّ مناسبٌ إلى آخِرِ درجةٍ من أجلِ اليعاقبة. هكذا بدأت إحدى أفظعِ مراحلِ الإرهابِ المعروفةِ في التاريخِ تَدخلُ الأجندةَ تحت ظلِّ هذه الظروف. وتنتهي هذه الفترةُ بإرسالِ روبسبيير ، زعيمِ اليعاقبةِ، إلى المقصلةِ في تموزِ 1794. وفي الوقتِ نفسِه، فالمرحلةُ ما بين 1792 و1794 هي فترةُ الجمهوريةِ الثوريةِ الأولى. أما أعوامُ ما بعد 1794، فتُمَثِّلُ من حيث المضمونِ مرحلةَ النظامِ الجديدِ المأمول، ولو أنها مرت كفتراتٍ مختلفة. ولا يفتأُ سياقُ البحثِ هذا مستمراً في عهدِ الجمهوريةِ الخامسةِ أيضاً، والتي بَلَغَت يومَنا الحاليّ.

يجب تبيان بعض الأمورِ بالخطوطِ العريضة، لدى تحليلِ اليعاقبة. أولاً؛ هي ليست حركةَ أقليةٍ، بل حركةٌ جماهيرية. ثانياً؛ هي أساساً حركةٌ سلطويةٌ راديكاليةٌ للطبقةِ الوسطى، على الرغمِ من إطلاقِها المستمرِّ لشعاراتِ المساواةِ والحرية. كما ويُمكنُ تسميتها أيضاً بالمرحلةِ الديكتاتورية. ثالثاً؛ تبدأُ حركةُ اليعاقبةِ بالسقوطِ والتهاوي عند فقدانِ وسطِها الماديّ، وذلك بعد زوالِ كلِّ التهديداتِ الداخليةِ والخارجيةِ المُسَلَّطةِ على المجتمعِ والوطنِ أجمع. وتتركُ مكانَها عموماً للقوى التي على يمينِها، ونادراً ما تتركُه للقوى التي على يسارِها، مثلما لوحِظَ في كومونةِ باريس 1870 وما قبلها، وكذلك في بعضِ الحركاتِ القصيرةِ الأجلِ البارزةِ ضمن ثوراتِ بعضِ البلدانِ عام 1848. الأمرُ الآخرُ الهامُّ الذي يتوجبُ تبيانه فيما يتعلقُ باليعقوبية، هو إعلانُها نفسَها الأمةَ الجديدةَ بأكملِها وكذلك الدولةَ القوميةَ (في حالِ استلامِها السلطة) الجديدة، اعتباراً من لحظةِ انتفاضِها. وهذه الأمةُ والدولتيةُ القوميةُ هي أساساً الشكلُ والاسمُ الجديدَين للمُقَدَّسِ الجديدِ الذي اتخذَ مكانَه عوضاً عن صياغةِ المجتمعِ التقليديِّ المتجسدةِ في نِزعتَي الكونيةِ والقومية. أي أنّ الأمةَ والدولةَ القوميةَ الجديدتان المُعلَنتان هما الدينُ الجديد. وإدراكُهما أيضاً يتحققُ بوصفِهما ديناً جديداً احتلَّ مكانَ الدينِ القديم. والإعلانُ الشكليُّ عنه كمُقَدَّسٍ جديدٍ للمجتمع، شرطٌ ضروريٌّ للتربعِ على السلطة. وفي حالِ العكس، سوف يُطاحُ به من قِبَلِ القومِ القديم. وكونُ ولادةُ الدولتيةِ القوميةِ الفرنسيةِ صارمةً جداً، إنما هو مرتبطٌ عن كثب بالإفراطِ في إضفاءِ صفةِ الإرهابِ على ظروفِ الثورة. وتصييرُ الثورةِ إرهاباً هو خاصيةٌ من خصائصِ النزعةِ الراديكاليةِ للطبقةِ الوسطى. فأحياناً ترى الحاجةَ إلى أنْ تَكُونَ قاسيةً ومُجحفةً للغاية في سبيلِ الوصولِ إلى السلطة. ولهذا السببِ عينِه أيضاً، تنزلقُ بسرعة نحو النزعةِ السلبية، بمجردِ زوالِ فرصةِ بلوغِ السلطة. وعندما يضعفُ الأملُ وتَقلُّ شروطُ بلوغِ السلطة، فإنّ الفئةَ التي يَخبوُ نجمُها بسرعة قصوى وينطفئ، والتي غالباً ما تستسلمُ للقوى التي على يمينِها؛ إنما تخرجُ من بين صفوفِ اليعاقبةِ أيضاً. بينما قسمٌ قليلٌ منهم يزدادُ راديكاليةً فينخرطُ بين صفوفِ الشيوعيين، أو يتحولُ بالذات إلى حركةٍ شيوعية. بالمقدورِ ملاحظة هذه الدوامةِ في كافةِ المراحلِ الثوريةِ في أوروبا، ومن ثم في العالَم أجمع. الأمرُ الآخَرُ الهامُّ جداً، والذي يقتضي تسليطَ الضوءِ عليه في الواقعِ العينيِّ لأوروبا، هو علاقةُ الفاشيةِ والبلشفيةِ مع اليعقوبية.

لم تنتَهِ حركةُ اليعاقبةِ في 1794 بالتأكيد، بل استمرت بوجودِها، وتركَت بصماتِها بمختلفِ الأشكالِ على كافةِ السياقاتِ الثوريةِ اللاحقةِ لها. هذا وتؤدي أيضاً دورَ الأبِ لتيارَين طبقيَّين سلطويَّين وقومويَّين متطرفَين. فبقدرِ ما تَمتَلِكُ القومويةُ الألمانيةُ والنازيةُ التي هي أكثرُ أشكالِها تطرفاً جذوراً يعقوبية، فإنّ القومويةَ الروسيةَ والبلشفيةَ أيضاً ذاتُ جذورٍ يعقوبيةٍ بالمِثل. كما تَرتَكِزُ جذورُ الفاشيةِ الإيطاليةِ أيضاً إلى اليعقوبيةِ بمنوالٍ أكثر علانيةً بكثير. أي أنّ النازيةَ والفاشيةَ (ويمكن إضافة كافةِ أنواعِ الفاشيات إليهما) تُعَبِّران عن أكثرِ أشكالِ سلطةِ البورجوازيةِ الاحتكاريةِ اليعقوبيةِ إرهاباً، بينما تُعَبِّرُ البلشفيةُ أيضاً  عن إرهابِ الشرائحِ المتحولةِ إلى سلطةٍ باسمِ الطبقاتِ السفلى (ويمكن قول ذلك من أجلِ كلِّ شبيهاتِها أيضاً). ففي كِلتَيهما شُيِّدَت الأمةُ والدولتيةُ القوميةُ وعُبِّرَ عنهما بأكثر الأشكالِ تطرفاً، ولكنْ، باسمِ طبقاتٍ مختلفة. إلا أنه لا يمكن إنكار وجودِ الأصولِ اليعقوبيةِ فيهما بتاتاً. الخاصيةُ الأهمُّ التي ينبغي تنويرها هنا، هي مشكلةُ مدى تَبَنّي البلاشفةِ للشيوعيةِ فعلاً. إني شخصياً على قناعةٍ بأنّ البلاشفةَ، ورغمَ كلِّ مُثُلِهم وأهدافِهم، ذوو أصولٍ يعقوبية، وأنهم عجزوا عن تَبَنّي الشيوعيةِ بنحوٍ تامٍّ، وأنهم لم يتمكنوا من المرورِ بالتَحَوُّلِ الشيوعيّ. فكَونُهم مؤمنون بالسلطويةِ والقومويةِ الطبقية، قد أَفسَحَ الطريقَ أمامَ تَصَوُّرِ ذاتِهم دولةً قومية. أما الدولةُ القومية، فهي نظامُ الدولةِ الأساسيُّ في الرأسماليةِ التي ناهضوها. وعندما أدت ريادتُهم للصناعويةِ إلى بروزِهم للوسطِ كحداثويين راديكاليين بنحوٍ لا مفرَّ منه، لَم يتبقَّ من الثورةِ حينها أيُّ شيء. والتجاربُ التي شهدَتها الاشتراكيةُ المشيدةُ وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي والصين، إنما تؤيدُ صحةَ هذه الحقيقة.

علاقةُ اليعقوبيةِ مع الليبراليةِ أكثرُ وضوحاً بكثير. حيث تلعبُ اليعقوبيةُ دورَها كتيارِ الليبراليةِ الثوريِّ الإرهابيّ. أي أنها جناحُ الليبراليةِ الراديكاليّ. ينبغي تَصَوُّر الليبراليةِ كالأخطبوط، حيث تتحركُ بأَذرُعٍ كثيرة، وليس بذراعٍ واحدٍ فقط. الحركتان اللتان لم تَستَوعِبْهُما الليبراليةُ في نطاقِها، هما حركةُ الفِكرِ الكاثوليكيِّ العالَميّ، والحركةُ الكوموناليةُ الديمقراطية.

فالفكرُ الليبراليُّ، الذي يَستخدِمُ شكلاً ذاتانياً مثالياً وموضوعانياً مادياً مختلفاً من الأيديولوجيةِ الوضعية، يُشَكِّلُ هيمنةً أيديولوجيةً هي الأصعبُ من حيث التحليل. فصَهرُه للتياراتِ التي تتبدى وكأنها الأكثر شذوذاً، بدءاً من التياراتِ الأكثر راديكاليةً كالفوضويين، وصولاً إلى الحركاتِ الفامينيةِ والأيكولوجيةِ الأكثر عصريةً؛ وصَهرُه لأنماطِ حياتِها ضمن بوتقةِ حداثتِه؛ إنما هو برهانٌ قاطعٌ على أنّ أحد منابعِ القوةِ الحقيقيةِ للرأسمالية، هو الهيمنةُ الأيديولوجيةُ اللِّيبرالية.

هكذا فإنّ ضرورةَ تحليلِ ولادةِ تركيا العصريةِ ارتباطاً مع حقيقتَي العالَميةِ واليعقوبيةِ في الرأسمالية، تكتسبُ وضوحاً أسطع. فالإمبراطوريةُ العثمانيةُ المناهِضةُ للرأسماليةِ المنتقِلةِ إلى المرحلةِ الاحتكاريةِ الإمبرياليةِ في 1870، قد وَلَجَت مرحلةَ التشرذُمِ والتبعثُرِ الملحوظِ مع مؤتمرِ برلين  في 1878. فالتياراتُ الدولتيةُ القوميةُ كانت تَدكُّ دعائِمَ مؤسساتِ الإمبراطوريةِ التقليديةِ القديمةِ من الداخلِ والخارجِ على السواء. والإجراءاتُ الإصلاحيةُ المُتَّخَذةُ كانت عاجزةً عن إبداءِ تأثيرِها، حيث أنّ الهدفَ الأوليَّ كان متلخصاً في إنقاذِ الإمبراطورية. فالتيارُ المُسَمّى بـ"حركةِ تركيا الفتاة "، كان عبارة عن جناحِ التيارِ الذي يتزعمُه ماتزيني  في أوروبا، وشكله المنعكس على الإمبراطورية. حيث كان قد تَشَكَّلَ كجناحٍ قومويٍّ لليعاقبة.

الجوانبُ الخاصةُ في تيارِ "الاتحادِ والترقي"، ملفتةٌ للأنظارِ من بينِ تلك التياراتِ، التي بالإمكان تقييمها كقومويةٍ عثمانية. خاصيتُه الأولى هي كونُه تياراً أو حركةً مُنَظَّمةً داخلَ الدولة، وليس داخل المجتمع. خاصيتُه الثانيةُ الهامةُ هي تنظيمُه منذ البدايةِ على شكلِ قومويةِ الدولة. وخاصيتُه الثالثةُ هي مرورُه بتحولاتِ النظامِ بِيَدِ الدولة، على صعيدِ الرأسماليةِ والبورجوازية. هذه المزايا الثلاث تَكشفُ الطابعَ الفاشيَّ اليمينيَّ ليعقوبيةِ "الاتحادِ والترقي". فمقابل كونِ حتى النازيةِ الألمانيةِ والفاشيةِ الإيطاليةِ قد ابتدأَت كلٌّ منهما كحركةٍ جماهيريةٍ ثم نَظَّمَت نفسَها كدولة، فإنّ تَشَكُّلَ "الاتحادِ والترقي" بكلِّ ما فيه داخلَ الدولة، يَعكِسُ الطابعَ الأكثرَ تخلفاً ورجعيةً لقومويةِ اليعاقبة، أو يَعكِسُ في حقيقةِ الأمرِ الطابعَ الفاشيَّ الذي خرجَ من كونِه يعقوبياً. وتنظيمُه لذاتِه كدولةٍ موازيةٍ داخلَ الدولة، إنما يشيرُ إلى كونِه تنظيماً نادراً من نوعِه. وهو، قياساً بالدولةِ التقليدية، يَرمزُ إلى الولادةِ كدولةٍ فاشية، لا كدولةٍ تقدمية. وهو بحالِه هذه بدايةٌ بِحَدِّ ذاتِها، وظاهرةٌ نموذجية. وليس هباءً أنْ يَتَّخِذَه هتلر فيما بعد نموذجاً له. ذلك أنه أولُ نموذجٍ لِكَينونةِ الدولةِ داخلَ الدولة.

والأكثر إثارةً وغرابةً إنشاؤُه النزعةَ القوميةَ داخلَ الدولةِ وبِيَدِ الدولة. أما انعكافُ المؤَسِّسين الأربعةِ الأوائلِ للتنظيمِ على إنشاءِ أمةٍ تركيةٍ بِدئية، بالرغمِ من أصولِهم غيرِ التركية، فهو بمثابةِ المُبَشِّرِ سلفاً بقضيةِ الديمقراطيةِ التي ستزدادُ وطأةً. فالدولةُ والأمةُ المُوازيتان اللتان شادوهما، كانتا مُخالِفتَين منذ البدايةِ للدولةِ التقليديةِ وللحقائقِ السوسيولوجيّةِ على حدٍّ سواء. إنهما مَحضُ تَصَوُّرٍ افتراضيّ. وهكذا تَنبَسِطُ للعَيانِ بجلاءٍ بارزٍ ميزةٌ أخرى من مزايا الطابعِ الفاشيّ. أما توجُّهُ الجمعيةِنحو الطُّغمةِ العسكريةِ في مطلعِ القرنِ العشرين، فكان يعني ضرباً من ضروبِ الحربِ الداخلية. من هنا، بالمستطاعِ ابتداء نشوبِ الحربِ الداخليةِ ضمن الدولةِ مع الطغمةِ المسلَّحة في 1906. وعيشُ الحربِ الداخليةِ داخلَ الدولةِ أيضاً مثالٌ غريبٌ ويَندرُ وجودُ نظيرٍ له. هذه الخطوةُ التي ستُتَّخَذُ نموذجاً للانقلابِ لاحقاً، سوف تَجعلُ حتى الديمقراطياتِ التي من الطرازِ الغربيِّ أمراً مستحيلاً.