Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 460

Deprecated: Function create_function() is deprecated in /home/yjastar/public_html/ar/libraries/rokcommon/RokCommon/Service/ContainerImpl.php on line 461
الدولة الرأسمالية والمجتمع الرأسمالي، أزمة الحضارة - YJA STAR
Kurdî  |  Tirkî

الدولة الرأسمالية والمجتمع الرأسمالي، أزمة الحضارة

القائد من 1حزيرانكان لينين محقاً عندما قال: "الدولة والثورة هما المسألة الأساسية في مراحل الأزمة العامة". كان منتَظَراً منه القيام بصياغة تعريف صحيح للدولة والمجتمع، حيث اعتقدَتْ به كل الشرائح المسحوقة والمستعمَرة في القرن العشرين، ورأته كانطلاقة نبي. كان صادقاً في أفكاره وعملياته، قديراً ماهراً، وقريباً جداً من التعريف الصحيح لهما. لكن الدولة – مرة أخرى – عرفت كيف تواصل نفسها، لدى لينين أيضاً، كوجود سحري مستحيل التعريف، لتُفرِغ جهوده من محتواها. لقد تبدت الدولة كحالة أشبه بـ"ثنائية كوانتوم" بالنسبة لكل الأنبياء والحكماء والفلاسفة ورجالات العلم في راهننا.

هذه هي الثنائية التي مفادها: "إنْ عرفتَ مكان الظاهرة، فلن تعرف زمانها. وإنْ عرفتَ زمانها، فلن تعرف مكانها". بعض الفلاسفة يسمونها "مبدأ الغموض". قد يكون مبدأً من أجل "المعرفة"، كأكثر أنواع الإدراك رقياً. وأنا أيضاً أؤمن – أو أعرف – بأن "المرء يتكون في لحظة المعرفة". أي، ولأن المعرفة والتكون يحصلان في ذات اللحظة، فإنني لم أجد سبيلاً للخلاص من نصف المعرفة، رغم انشغالي بها كثيراً. لكنها ثنائية تجري في الحدود الأصغرية والأعظمية للكون، وتُشعِرنا بوجودها في كيانات (تكوينات) الكون الخارقة. لا أعتقد بأن الدولة ظاهرة كهذه. ومثلما نوَّه أنجلز بحدسه الداهية، فـ"الدولة" لا يمكن أن تكون شيئاً عدا إحدى لوازم التحف القديمة، التي سيأتي يوم وترمى فيه في مزبلة التاريخ، كأداة مهترئة لا نفع منها. ويكمن سوء الطالع بأكمله في صعوبة فهمها، بسبب الجهل بهوية صاحبها الحقيقي، وأين وكيف تكونت، وهذا من دواعي مضمونها. حتى إن برز صاحبها، فهي تتحول إلى حقيقة مختلفة كل الاختلاف. هكذا يسود منظر، وكأنها "ثنائية كوانتوم".

إننا نعيش الرأسمالية. وأمريكا، القوة المحركة للرأسمالية، لا تتوانى عن شن حرب التحجيم على الدولة، على الصعيد الكوني. فعندما يضيع الخاتم في فيلم "سيد الخواتم"، الذي نوهنا إليه سابقاً، إنما تكون بذلك – في الحقيقة – انتقدَت السلطة المفرطة المتحولة إلى عائق حقيقي. لكنها من جانب آخر، لا تتورع عن لف العالم واستيعابه (احتضانه) كدولة. وهذا ما يفضي إلى أن الظاهرة المُشْكِلة مستمرة في ذروة المجتمع الفوقي أيضاً، وبكل حدة. أظن أن حالة الدول الأخرى، التي يجب أن تكون على شكل ولايات منفردة بذاتها، لم تُحلَّل بشكل برَّاق. وبالكاد يكون ما من حكومة لم تفكر بالإصلاحات في موضوع الدولة. لكن الغريب في الأمر أن كل إصلاح لا يسفر سوى عن تأزيم الأزمة. فهدف المجازفة الشرق أوسطية الأخيرة، إنما هو "مشروع  الشرق الأوسط الكبير الإصلاحي". إنه حديث الساعة في العالم أجمع. ولكن، هل المسافة المقطوعة فيه هي نحو الأمام أم الخلف؟ هل هو الحل، أم تجذير للعقم واللاحل؟ هذا ما لم يُجزَم به بعد.

حسب قناعتي، تأتي كل هذه التحديدات والغموضات أساساً من ذات المشكلة، ألا وهي عدم تجاسُرنا على تعريف الدولة. فحال علماء الاجتماع، الذين يجب عليهم صياغة ذاك التعريف، ليس أكثر تقدمية من حال الرهبان السومريين الساعين لمعرفة قدر الإنسان من خلال تحركات النجوم. فبينما تضاهي إحصائيات القرن العشرين بمفرده ما هي عليه إحصائيات الحروب والعنف على طول التاريخ البشري أضعافاً مضاعفة؛ فإنهم لا يتخلفون عن كتابة المجلدات المليئة بالكذب والرياء حول "إرهابية الفرد والتنظيم"، اللذين ليسا سوى ثمرة جانبية من النظام ذاته. وكأن كل ما يفعلونه، كعنف منظَّم، هو تأمين عدم فهم الدولة. حتى ذوو النوايا الحسنة منهم، فإن تعاريفهم لا تتعدى في مستواها مسألة تعريف الفيل عبر شعر جلده! فقد مزَّقوا الواقع الظاهراتي المتكامل إلى أشلاء متناثرة تحت اسم الأسلوب، لدرجة لم يعد بالإمكان معرفته أو قراءته. ومن ثم يتصرفون وكأنهم غير عالمين بما اقترفت أيديهم بهذا الشأن.

الغريب في الأمر هو، وكأن عدم التعريف الصحيح للدولة أصبح بلاء مسلَّطاً عليها هي أيضاً. لقد غدت الدولة تشكل أزمة مجتمعية أساسية، بمواراة ذاتها حيناً، وبجاذبيتها أحياناً أخرى، وبإخافتها وترويعها ومعاقبتها الغير في أغلب الأحيان؛ بحيث جعلت من ذاتها حالة مبهمة يكتنفها الغموض. وغير وارد ألا نرى ماهيتها هذه في كل زاوية وبقعة من العالم. فالمجريات الحاصلة حالياً في ميزوبوتاميا السفلى، مهد ولادة الدولة، كافية بحد ذاتها لنراها وكأنها تنتقم لذاتها من ماضٍ لعين. تماماً كيفما تلدغ الأفعى الطويلة ذنَبَها. أو كما قيل بلغة الكتاب المقدس: مثل حيوان اللوياثان الذي يعض على ذنَبه في نفس مكان ولادته، ليقضي بذاته على حياته، ويصارع لإنهائها بيده.

ومثلما جرى في كل نظام مجتمعي قمعي واستعماري، فولادة الرأسمالية أيضاً لا تكون بدون الدولة. كانت دوغمائية النظام الإقطاعي ذات نوعية دينية، في حين كانت ميثولوجية في العبودية البِدْئِيّة. وبينما تجسَّد الإله في إحداهما في شخص المَلك وسلالته بالذات، كان الإله في اللاحقة منهما يمثل ذاته في الوجود المجرد للدولة، بمواراة ذاته وتستره. فعصور الذهنية البشرية كانت تستلزم ذلك.

لدى وصولنا إلى نهايات القرن الثاني عشر الميلادي، نلاحظ في البنية الذهنية للدين الإسلامي، أن العلم والفلسفة سينهزمان أمام الدوغمائية الدينية. حيث ستُغلَق أبواب الاجتهاد رسمياً، لتلف القوالب الدوغمائية ذهنية المجتمع الشرق أوسطي كشِباك الجهالة. في حين أنه في القرن الثاني عشر الميلادي، ستبدأ في أوروبا مرحلة وضع اللبنات الأساسية لثورة ذهنية تاريخية، عبر جمعهم بين الميراثين الشرقي والإغريقي وتهجينهما. ورغم كافة الجوانب القمعية للديانة المسيحية آنذاك، إلا إنها لم تتوانَ عن استثارة وتحريض فضولها في المعرفة، بجانب من جوانبها. لذا، إن تجاوز الدوغمائيات المنفتحة بأبعاد واسعة أمام التفسير في الديانة المسيحية، من خلال ذكريات المجتمع الطبيعي وبقاياه المتبقية، والتي لا تزال تنبض بالحياة والحيوية؛ لن يكون أصعب مما هو عليه لدى الأمة الإسلامية. فمثلما لم تنهزم الذكريات الغضة والطازجة للمجتمع الطبيعي – في وقت من الأوقات – أمام الإمبراطورية الرومانية، فإنها لن تنهزم أمام دوغمائية الديانة المسيحية أيضاً. بل وستبلغ وجهة نظر الطبيعة النابضة بالحياة والأمل، تجاه مفهوم المادة الميتة السائد في المسيحية بصدد مفهومها إزاء الطبيعة.

ثمة نظريات كثيرة تتداول دوافع بلوغ الرأسمالية النصر المظفر في أوروبا الغربية. لكن الدافع الرئيسي لذلك – حسب قناعتي – هو عدم تجذر الدوغمائية فيها، وعدم السماح لها بالتوطد بقدر ما هي الحال عليه في الشرق الأوسط. لقد عاقبت محاكم التفتيش الكاثوليكية (engizisyon) ثلاث شرائح: الهراطقة (المنشقون عن المذهب)، الكيميائيون (رواد العلم)، والساحرات الجِنِّيّات (بقايا النساء الحكيمات). فوجود ثلاثتهم هو ترياق الدوغمائية، وعلاجها الناجع. وفيما بعد، كان مقدراً أن تتولد الذهنية النهضوية من رماد آلاف الجثث المحروقة من هؤلاء.

لم يكن ميلاد نظام المجتمع الرأسمالي قدراً محتوماً، ولم تشتمل المطلقيةُ موضوعَ الرأسمالية في هذه المرحلة التي شهدت إحدى أعظم الثورات الذهنية. ولكن، كيف حصل أن صارت النظامَ المهيمنَ بالانتفاع من هذه الثورة؟

إن النوع الفكري والعقائدي الذي يستوجب التركيز فيه بإمعان ودقة، هو تأسيس الأواصر القطعية ورسم الخطوط المستقيمة بين الثورات الذهنية والأنظمة الاجتماعية البارزة على مر التاريخ. إنه الشكل المنعكس على التفكير العلمي لمفهوم "اللوح المحفوظ" في الكتاب المقدس. والمعتقد الدوغمائي الذي يقول "ما هو مكتوب على الجبين، سوف تراه العين"، على حد التعبير الشعبي؛ إنما يشير إلى مدى تفشي مثل هذا النوع من التفكير والمعتقدات. والنقطة التي نوهنا إليها بكل عناية ضمن التحليلات التي سعينا لطرحها، هي الروابط الكامنة بين هذا المفهوم والمفهوم الإداري للإرادة الهرمية الدولتية.

إنه تقرب يتخذ من إقناع المجتمع بكون نظام "الأوامر" هو قانون إلهي، أساساً له، ويفرض التفكير فيه كقانون ومخطط للأحكام القانونية. وتتبدى تقاليد آلاف السنين من هنا "من العصر الذهبي"، لترسم سياقاً من التطور المستقيم المنتهي باصطلاحات "المحشر" و"الجنة والنار". فكرة القدَرية أيضاً هي من دواعي هذا المفهوم. إنه جدل محتدم بين أصحاب مذهب الاعتزال، وأصحاب مذهب اللوح المحفوظ، في العالم الإسلامي. وأساس هذا المفهوم، الذي لا يرى أي معنى في ضرورة النقاش الحر أو في تفضيل الإرادة الحرة ذات الخيارات المتعددة؛ إنما هو أكثر قِدَماً. حيث يمتد ليصل حتى العصور الميثولوجية المعتقدة بأن الآلهة الفَوطَبيعية (فوق الطبيعية) هي التي خلقت كل الحوادث والمجريات، وهي تدير شؤونها؛ ليواصل وجوده مع المثالية الفلسفية. في حين أن شكله المبتدئ مع عصر النهضة في الحضارة الأوروبية، والمستمر حتى راهننا، هو مفهوم ذو سياق تقدمي مستقيم الخط. هذا ويرتكز الإيمان القوي بـ"التقدم"، والسائد في المرحلة التنويرية، وكذلك المعتقد القائل بـ"ضرورة التوجه صوب الشيوعية" في الماركسية؛ في جذورهما إلى هذا السلوك الفكري الدوغمائي.

لقد حَطَّمَت الظواهر التي برهن عليها الجزيء الأصغر من الذرّة، أي فيزياء كوانتوم؛ القوةَ التي تميز بها هذا التفكير. ذلك أن إحدى أعظم الثورات الفكرية التي تظهر أمامنا تشير إلى الحقيقة القائلة بأن التطور الطبيعي والمجتمعي لا يحصل في خط مستقيم متواصل، بل في مساحات الفوضى البينية، وفي عالم الجزيء ما تحت الذرّة، وعلى نحو منفتح لتفضيلات وانتقاءات متعددة ذات اختيارات حرة. وبالأصل، يمكننا بلوغ هذا الطراز الفكري من الطريق الحدسي والتصوري، دون الحاجة إلى اللجوء إلى فيزياء الجزيء الأصغر من الذرّة. حيث لا يمكننا تعليل النتيجة الظاهرة للعيان، والمتمثلة في التنوع اللامحدود للكون والطبيعة، من دون وجود قوة التطور التي تترك المجال مفتوحاً أمام الاختيار (الانتقاء) الحر في عالم كافة الظواهر والحوادث الموجودة. ذلك أن التنوعية تستلزم الحرية، في حين أن التقرب بخط مستقيم يفرض التطابق، وبالتالي اللااختيار.

ولأجل تأمين إمكانية التقرب بخلاقية وإبداع، نلجأ إلى هذا التفكير العلمي الفلسفي، وإلى المرحلة المتسارعة بوتيرة أكثر اعتباراً من القرن الخامس عشر، والمنتهية بانتصار الرأسمالية المظفر. باقتضاب، كان من الممكن ألا يكون انتصار الرأسمالية قدراً محتوماً. يجب تناول بواعث انتصار الرأسمالية بنحو أقرب إلى الصحة. إن الماركسية التي أثرت علينا كثيراً، وبإعلانها أن الرأسمالية وكافة أشكال المجتمع الطبقي السابقة لها "خط اضطراري وضروري لتقدم التاريخ"؛ إنما قدمت بذلك أعظم مساهمة منها – دون أن تعلم، وخلافاً لمعتقداتها وآمالها وطموحاتها – إلى الرأسمالية، التي طالما كافحت ضدها بحدة.

يكمن في صُلب الأفكار التي ذكرتُها في هذه المرافعة، قناعتي التي تشير إلى أنه "لا وجود لمبدأ الضرورة والاضطرار في أنظمة المجتمع، مثلما قالت به أشكال الفكر الأساسية، بما فيها الماركسية". أي أن المزاعم القائلة بـ"التطور الضروري والاضطراري"، سواء بالنسبة لأشكال المجتمع الفوقي أو الدولة؛ تحمل آثار الدعايات الرسمية الممتدة على طول آلاف السنين. بمعنى آخر، فمفهوم "القدر" القديم، متواصل في راهننا تحت غطاء علمي، وباسم "قوانين المجتمع الضرورية والاضطرارية".

تعمل ديناميكيات التحول المجتمعي بشكل مغاير، بحيث لا يمكن تعليلها بالاعتماد على البنى الفوقية والتحتية فحسب. ذلك أن التحولات تحدث بتأثير عوامل متشابكة ومعقدة. نخص بالذكر هنا أن التفسير الدوغمائي للمادية الدياليكتيكية المؤثرة على قسم كبير من المتنورين المعاصرين، ومثلما بُرهِن عليه في انهيار الاشتراكية المشيدة؛ بدا غير واقعي، بل وتسبب في خيبات الأمل الكبرى لكل من عقدوا آمالهم عليه.

إن ربط الأنظمة التاريخية للمجتمع بطراز النضال المتبع في السلوكيات الأيديولوجية والسياسية والأخلاقية للمراحل، سيكون تحليلياً أكثر من ربطها بمحصلة القوانين الضرورية الاضطرارية. فالقانونية في ظاهرتَي الفرد الإنسان والمجتمع الإنساني، إنما هي مرنة للغاية، وتتسم بخاصيات تخولها لإحداث التحولات السريعة. أما القانونية الصلبة المشاهَدة في الظواهر الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، فهي سارية المفعول ضمن حدود الفيزياء والكيمياء والبيولوجيا فحسب. وما يتبقى، فتحدِّده بنية العقل لدى الإنسان، وظاهرة المجتمع. لهذا الغرض، يستحوذ عدم ربط الإنسان والمجتمع بالمفاهيم القدرية على أهمية قصوى، من حيث إمكانيات وفرص التحرر. وسواء كانت الأحكام المسبقة، أو الأحكام القدرية، فهي تطلي ديناميكيات الإبداع الحر بالنشاء. وعندما يكون علم الاجتماع موضوع الحديث، فعلينا أن نضع نصب العين، في كل زمان ومكان، أن القسم الساحق مما قيل ويقال فيه يعود إلى الأنظمة الاجتماعية المهيمنة والمتسللة منذ آلاف السنين متخفية وراء أقنعة متغايرة في كل مرحلة. وأنه يلعب دوراً انحيازياً في يومنا الراهن، تحت غطاء العلمية.

إن دراسة العلاقة القائمة بين المجتمع الرأسمالي والثورة الذهنية النهضوية المتسارعة والمتجذرة بنسبة كبرى اعتباراً من القرن الخامس عشر، ضمن هذا الإطار؛ ستكون منوِّرةً أكثر. لقد أثرت خاصيتان في ميلاد الذهنية النهضوية في مجتمع أوروبا الغربية. فضُعف وهزل ثقافة الدولة من ناحية، والذكريات الطازجة الحية لذهنية المجتمع الطبيعي من ناحية ثانية؛ كوَّنتا الأرضية الخصبة لظهور الفكر الحر الخلاق. وقد عجزت دوغمائيات الديانة المسيحية الصلبة عن منع تكوُّن شروط هذه الأرضية. وبات بالإمكان تخطي دوغمائية المسيحية، لدى التحام تلك الشروط المساعدة مع التأثير المشترك لثقافة المعلومات المتأتية من الشرق الأوسط حصيلة الحروب الصليبية من جهة، ومع الثقافة الإغريقية الرومانية من الجهة الثانية.

تلعب مرحلة التمذهب (المذهبية) في الديانة المسيحية في القرن الثالث عشر، دور السبب والنتيجة على السواء في هذه المستجدات. إن المذهبَين الدومينيكاني والفرنسيسكاني يُعَدان تطورَين يستحقان الالتفات إليهما. وقد قُمِعَت مذاهب مشابهة في الديانة الإسلامية في هذه المرحلة، من قبيل المعتزلة، والإشراقيون. وهنا تبرز أهمية المساهمات التي قدمتها الاكتشافات الجغرافية، بما أمَّنَته من مراقبات وترصدات عالمية جديدة. أسفرت هذه المستجدات الثنائية الاتجاه (التركيبة الجديدة)، أي، ضعف ثقافة الدولة، وذكريات المجتمع الطبيعي من جهة، والميراث الإيجابي للديانتين الإسلامية والمسيحية – الموسوية هنا مؤثرة كثقافة أكثر جذرية – والثقافة الإغريقية الرومانية، والكشوفات الجغرافية من الجهة الأخرى؛ عن ولادة الذهنية النهضوية.

يمكننا النظر إلى عصر النهضة بأنه القوة الإدراكية الثالثة الكبرى في التاريخ البشري. ذلك أن القوة الأولى هي حقبة الذهنية النيوليتية، التي بلغت أَوجَها في الحوض الداخلي لسلسلة جبال طوروس وزاغروس في أعوام الألف الرابع (4000ق.م) قبل الميلاد. حيث نشاهد أن كل الآلات التقنية اللازمة لانتقال الإنسانية إلى الحضارة، قد تشكلت في هذه المرحلة. فالعجلة، آلة الحياكة، آلات الحراثة المزدوجة، القرى الضخمة، اللغات البارزة، البنى الإثنية، والملاحم البطولية؛ كلها تخلق المعجزات والخوارق الملتفة حول القوة الإبداعية العظمى للمرأة الأم. وما دين الإلهة الأنثى في حقيقة الأمر سوى سمو عظيم بالذهنية، وتقديس لإنتاجية المرأة. كل اللُّقى المتبقية من هذه الحقبة تؤكد صحة هذه الحقيقة. فكلمة "ستار" التي لا تزال تعني "النجمة"، تعني في اللغة الآرامية – التي كانت اللغة والثقافة المهيمنة في ذاك العصر – الإلهة الأنثى. والأهمية التي تتميز بها كلمة "يا ستار" في راهننا أيضاً في اللغة الكردية – لغة الوطن الأم – والتي تعني "يا الله"؛ إنما تعبر عن الحيرة والعظمة والقوة العقائدية الكبرى. هذه الكلمة هي إيجاد غائر القِدَم، لدرجة أنها تواصل وجودها في كافة اللغات ذات الأصول الآرية، وإن بأشكال متغايرة. يمكننا القول أن جنة الدنيا قد خُلِقَت أولاً في هذا الحوض. حيث تشهد البشرية مئات من "البدايات" في الإنتاج والحياة الاجتماعية على حد سواء. فقوالب الموسيقا وضوابطها وآلاتها المخترعة في تلك الحقبة، لا تزال آثارها تبعث فينا القشعريرة وتهزنا من الصميم، لتعانق أرواحنا وتحاصرها. تشير البحوثات الجارية إلى أن هذه الثقافة، ولدى انتشارها صوب الحوض السفلي لنهرَي دجلة والفرات ووادي النيل ووادي البينجاب؛ أسفرت عن ظهور الحضارتين السومرية والمصرية، لتبدأ بذلك سلسلة عصور الحضارات المتتالية.

أما مرحلة الذهنية العظمى الثانية، فتحققت في الأعوام ما بين (600 إلى 300ق.م) على ضفاف بحر إيجة. إنها المرحلة التي حققت فيها ذهنية الفلسفة والعلم وثبة عظمى تجاه الميثولوجيا العبودية. وتسمى أيضاً "عصر الحِكمة". كانت بلاد غرب الأناضول آنذاك كأوروبا الغربية في راهننا، حيث شكلت انعكاس الموجة الحضارية في الشرق على ضفاف بحر إيجة. وما لعبته الديانة المسيحية من دور في أوروبا، لعبته الحضارات الحثية والميدية والمصرية والكريتية آنذاك مجتمِعة. وهنا أيضاً شكَّل عدم تجذر تقاليد الدولة، الوجودُ الرصينُ لثقافة المجتمع الطبيعي، الجغرافيا الرائعة المعطاءة، ووجود البحار والجزر المذهلة؛ شكّل مجموع العوامل المؤثرة في ولادة الذهنية الجديدة. لا شك أن التجارة الشرقية – الغربية الكبرى أيضاً كانت عاملاً اقتصادياً مهماً فيها، حسب ما نستوعبه من بقايا طروادة.

تكمن هاتان النهضتان أولاً في أساس النهضة في أوروبا الغربية. وإذا لم نفهم النهضة الحاصلة في حواف جبال طوروس وزاغروس، فلن نفهم النهضة الحاصلة على ضفاف بحر إيجة. وإذا لم نفهم هذه الأخيرة، فلن نفهم النهضة في أوروبا. وإذا ما توغلنا أكثر؛ لو لم نفهم كيف حدث انتشار الثورة النيوليتية الآرية المتكونة في الحوض نفسه – وكذلك ثقافتها ولغتها – في أعوام (5000 – 4000ق.م) من الصين إلى أوروبا، ومن أفريقيا الشمالية نحو القفقاس؛ لا يمكننا فهم كيفية تشكُّل الحضارات اللاحقة في هذه المناطق مع المجتمعات النيوليتية. يتميز فهم تدفق السياق التاريخي في هذا الاتجاه بأهمية قصوى من أجل فهم الثورات الذهنية الكبرى والأديان والبنى الاجتماعية.

إنني أبين هذه النقاط لأن كل إنسان أوروبي (وأحفاده) عندما يقال له "الحضارة"، فأكثر ما يخطر بباله هو النهضة الإغريقية الرومانية والديانة المسيحية. بيد أن هذه التطورات الحاصلة في تلك المناطق ليست سوى محطات منفردة بذاتها ضمن النهر المقدس المتدفق، وهو يحفر ويحفر في قاع العصور الحضارية الممتدة على طول آلاف السنين، ويوسع يوسع أطرافها، ويفتح يفتح أمامها، ويُعلي يُعلي أعلاها، دون كلل أو ملل.

أهم المزايا البارزة في الذهنية النهضوية هي، إعادة اكتساب الروح الإنسانية التي كانت أفنتها العصور الوسطى، العودة إلى الدنيا والطبيعة التي كانت محفوفة بغطاء من السوء والبغض، الانقطاع عن الدوغمائيات، والثقة بعقل الإنسان. فموهبة المعرفة كانت احتكرتها الدولة منذ أيام الرهبان السومريين، لتجعلها إحدى أهم الوسائل لتعزيز نفسها وترسيخها. لا يقتصر الأمر على الإنتاج الفائض وأدوات الإنتاج المتطورة، بل حتى المعلومات الأكثر فائدة تُحال مع أصحابها، وعلى الفور، إلى مؤسسة الدولة. حيث لا يُسمَح للعلم الجديد أن يخلق المساحات الحرة. ذلك أن مساحة العلم الحر تعني مجتمعاً جديداً. ومن دواعي طبيعة الدولة العبودية أنها ترى مثل هذه الكيانات خطراً يهدد وجودها، فلا مناص حينئذ من الهجوم عليها، إما بالاستيلاء عليها، أو بإزالتها من الوجود.

لتفعيل الكنيسة لمحاكم التفتيش في هذه المرحلة معانيه البارزة. فالفرد عندما يكتسب الروح يتحرر. وأكثر من حوكِم بالانحراف عن المذهب هم ذوو فكر الحر تجاه دوغمائية الدين. أما النساء المنعوتات بالجِنّيّات الساحرات، فيُحاكَمن لأنهن يحملن هويات غير هاضمة للمسيحية. في حين أن الكيميائيين هم الباحثون عن المعلومات المغايرة لما هو موجود. تتميز هذه التيارات الثلاثة بماهية قادرة على إحداث الثغرات في الدوغمائية. وبينما تعكس التيارات الفنية الحياة بما فيها من روعة وجمال، يتم تخطي ذهنية الطبيعة الميتة والمادة الجامدة. وتتشكل روح الفرد من جديد عبر آداب الرسم والموسيقا والمعمار، شكلاً ومضموناً. الفرد المكتسب للروح والفكر الجديدين، هو الإنسان الذي ينضح بالحيوية، بحيث يضيق عليه جلده. وبهذا الفرد، لا يُسعى لفتح (اكتساب) الأراضي الجغرافية فحسب، بل والطبيعة أيضاً.

المرحلة في الوقت ذاته مثيرة ومحفِّزة لتَصَوُّر اليوتوبيات الجديدة، حيث باتت الألبسة القديمة ضيقة عليها. لكن، وبسبب عدم مواءمة الشروط المادية لذلك، أُسِّسَت اليوتوبيات المنتظمة فحسب. لم يَعُد ثمة رغبة للعودة إلى أجواء الدنيا المضجِرة القديمة. ولكن، لم يُجزَم بعد تماماً بكيفية شَرع الأبواب أمام الدنيا الجديدة المرتقبة.

هذه البحوثات ستحث على البحوثات في العلم والفلسفة. فبقدر الانقطاع عن العالم القديم، سيتم الانفتاح نحو العالم الجديد. ولدى الانفتاح بالانتقال من الدين الكوسموسي (cusomus)نحو الفلسفة، فُتِح الباب أمام الثورة العلمية الكوبرنيكية. وخطا ديكارت خطوته الأساسية نحو الثورة الفلسفية، دون أن يُدخِل ثنائية "المادة – الروح" والإله في صُلب الأمر. وبإقحام "غاليليو غاليلي" المعاييرَ على العلم، قدّم أعظم مساهمة وأقواها لمرحلة سلسلة الثورات المتوالية. ومع "نيوتن" يغدو الكون مستقلاً عن الإله، ليكتسب قدرته على الحركة والسير بموجب قوانينه هو. أما الفترة المتراوحة بين القرنين الخامس عشر والسابع عشر، فقد شهدت مرحلة تجذر الثورات الفلسفية والعلمية والفنية. وأَلحَقَت البروتستانتية بذلك ضربةً قاصمة بالكنيسة المتصلبة ودوغمائيتها المتحجرة، رغم دوران عجلة محاكم التفتيش التي لا تعرف التوقف؛ ليحوز الدين بحرية العقيدة الفردية. إنَّ الانقطاع عن الكنيسة هو في مضمونه انقطاع عن سلطة الدولة. فالكنيسة الكاثوليكية هي الدولة بحد ذاتها، وهي الدرع الحصين الحامي للدولة الإقطاعية، والمحيط بها في نفس الوقت. إذ لا يمكن التفكير في دولة بلا كنيسة. والكنيسة بالأصل تحارب باسم الدولة.

إن تحرير الثورة الذهنية للفرد يعني انهيار عبادة الدولة. وحتى لو حصل ذلك بمظهر مذهب مختلف، فالمنهار هو مشروعية الدولة الإقطاعية. يشكل التطور الحاصل في القرن الثامن عشر تطور الأساس الركن لجماهير النهضة، حيث خرجَت الثورة الذهنية من كونها فكر وأمل وروح جديدة لحفنة من الناس، لتكتسب قاعدة جماهيرية واسعة لها لغتها الخاصة، تماماً كما الدين الجديد (الديانة المسيحية أو الإسلامية). وغدا وجود هذا الكم من الجماهير الحرة في كل بلد من بلدان أوروبا الغربية يشكل تهديداً حقيقياً، سواء بالنسبة لدولة (رهبان) الكنيسة الكاثوليكية، أو للدول المَلَكية. وبات من الصعب التحكم بشؤون هذه الجماهير وتسييرها عبر محاكم التفتيش. ثمة حاجة للحرب. وما حروب المائة عام، وحروب الثلاثة عقود، سوى تعبير عن هذه الحقيقة. والمغلوب على أمره إزاء بلدان أوروبا المستيقظة، سيكون الكنيسة الكاثوليكية والنظم المَلَكية. ومع اندلاع الثورات الإنكليزية في عام 1640، والأمريكية 1776، والفرنسية 1789؛ بدأ عصر انتصار المذاهب والدول القومية.

تحظى إعادة النظر في تعاريف الثورة بأهمية ملحوظة من أجل تحليل مراحل الأزمات لصالح التيارات الديمقراطية البارزة. فتقييم الثورات الأوروبية عموماً بأنها "ثورات بورجوازية"، إنما هو ثمرة التقرب الطبقي المحدود للماركسية. وكأنه هدية موهوبة للبورجوازية، تحت ذريعة التشبث بالبروليتارية. لا جدال في وجود التأثير الأعظم للتعليل الدوغمائي للمادية الدياليكتيكية في ذلك. وإذا ما اعتبرناه شكلاً منعكساً على العصر الجديد من العقيدة القدرية التي تفترض تطور السياق التاريخي ضمن خط مستقيم، مثلما قُرِّر به في مفهوم "اللوح المحفوظ"؛ سنكون قد دنونا من الحقيقة المرئية أكثر فأكثر. بدون تخطي هذه الدوغمائية، التي عانيتُ أنا أيضاً من تأثيرها البليغ، لن نتمكن من تحليل المضمون الخارق في الغنى للحقيقة القائمة.

ما من كِتاب من الكتب الطبقية الرأسمالية يتداول فكرة أو نظرية أو برنامجاً معيناً بصدد الثورات الإنكليزية والأمريكية والفرنسية. فالذين لعبوا أدوارهم في هذه الثورات لم يعلنوا أنفسهم كممثلين للطبقة البورجوازية. حيث كانت الغالبية الساحقة من الجماهير المنخرطة في صفوف هذه الثورات، تتشكل من الفقراء المطالبين أساساً بالحرية والمساواة. كذلك، فالزعم بأن الحركات النهضوية والإصلاحية والتنويرية السابقة لها، اتخذت الطبقة البورجوازية أساساً لها؛ إنما هو مبالغة مفرطة. فالبورجوازية عندما كانت تتنامى وتتصاعد كطبقة – بكل جهودها المبذولة – لم تكن تفكر أو تهتم بأي شيء، سوى تراكم وادخار رأس المال المعتمد على الربح والمنفعة. ما من جدل في أنها كانت تعي تماماً الروابط القائمة بين الدرب المؤدية إلى الربح، وبين وظيفة الدولة. لقد كانت تبذل جهودها في سبيل التأثير على السلطة والاستحواذ بها للاستيلاء عليها. لكنها لم تكن تملك بين يديها نظرية وبرنامجاً ثورياً بشكل خاص.

إن الشروط الموضوعية الكامنة في أسس الثورات هي حصيلة للتطور الطبيعي الطويل الأمد للتاريخ. لم يكن المفكرون والناشطون السياسيون – كأعضاء ذاتيين – يمتلكون برنامجاً، أو حتى حزباً ثورياً بورجوازياً خاصاً بهم. لقد كانوا يشكلون تيارات مدعومة بحماية بعض الرجال الأغنياء، الذين كانوا في غالبيتهم من ذوي السمات الإقطاعية، ومن المعنيين بالعلم والفن. أما المطاليب البارزة في الصدارة، فكانت الحنين إلى عالم إنساني مثالي، حر ومتساوٍ.

كانت كل اليوتوبيات المكتوبة مناقضة للرأسمالية. إذن، والحال هذه، كيف صار واعتُبِر هؤلاء المفكرون والمناضلون أناساً بورجوازيين، وغدت الثورات ثورات بورجوازية؟ كلنا نعلم أن البورجوازية خلال هذه الفترة، قامت – كطبقة جديدة – بما تقوم به كل قوة تسعى إلى بسط نفوذها، لتستولي على دفة الحكم والسلطة، كلياً أو نسبياً. وقد نجحت في ذلك. يجب الإدراك يقيناً أن جميع القوى الهرمية والدولتية اعتمدت على ضرورات الفن المسمى بـ" السياسة"، لتستلم دفة الحكم وتُخلَع منه آلاف المرات، وأن هذه الأداة المساعدة على السلب والنهب والاستغلال، استمرت في وجودها دون انقطاع؛ وأن القوة الأخيرة المتسامية والمستحوذة عليها – والشبيهة لسابقاتها – لن تتصرف بشكل مغاير أبداً.

جميع الثورات هي ثمرات كدح الشعوب. وقد تنضم القوى القديمة أو الهرمية الدولتية إلى عمليات الشعوب بين الفينة والفينة. خاصة وأنها – أي تلك القوى – تتميز بعقلانيتها ومغامرتها في أيام ازدهار الثورة وانتصارها. إنها خبيرة ماهرة في استثمار مطاليب المسحوقين لصالحها هي. ولا تتناقص مثل هذه المحاولات أبداً في جميع الثورات، سواء أحرزت النصر أم لا. فعلى سبيل المثال؛ عندما خطط سيدنا عيسى لعمليته وتعمق فيها، لم يكن يفكر بها في سبيل تأسيس الإمبراطورية البيزنطية. بل وكان في جوهره ضد قوة الإمبراطورية. لكن الحركة التي أسفر عنها، لم تنجُ من أن تكون آلة بيد هذا الشكل من الدولة، والذي كان الساحة الموائمة لأكثر الأباطرة مكراً وخبثاً. وسيدنا محمد أيضاً لم ينجُ من أن يكون أداة لبناء الإمبراطورية (الأموية)، عبر تغلبه الساحق على أرستقراطية مكة المكرمة بفكره وعمليته، بل وبإبادته "أهل البيت". لا يستطيع أحد الزعم بأن سيدنا محمد خطط لإمبراطورية إقطاعية. وهكذا، يمكن سرد المئات من الأمثلة المشابهة.

قد يقال: "إذن، والحال هذه، ما من ثورة قامت بها الشعوب وفلحت". سننوه هنا إلى ضرورة التحليل المغاير لهذه الظاهرة، مع التذكير بأننا سنعالج هذا الموضوع بشمولية في الفصل اللاحق. لذا، سنكتفي بالقول: "لا محاولات الشعوب ذهبت سدى، ولا مشكلة السلطة تم تحليلها". الغرض الأولي من هذه المرافعة هو تفتيت هذه العقدة الكأداء وتفكيكها. والدرس الأهم الواجب استنباطه هنا، هو الإدراك بأن تفجر الأيديولوجية التسلطية وخرقُها هو الدرع المجتمعي الأكثر رصانة وحصانة.

تتطابق مضامين المطاليب في "الحرية، الأخوّة، المساواة"، والتي تعد السمات العامة للثورات الأوروبية، مع المطاليب المنادى بها تجاه التسلطية والاستعمارية منذ تأسيس الهرمية. فكيفما أبدت سلطة الدولة تطوراً متتالياً كحلقات السلسلة المتعاقبة، فحركات الشعوب أيضاً تتميز إزاء ذلك بسياق تطورها التاريخي الخاص بها. كلا الظاهرتين الجدليتين تؤثران وتتأثران ببعضهما البعض بعلاقاتهما وتناقضاتهما. من العصيب جداً إدراك وتفهم التحولات المجتمعية الأساسية، وفي مقدمتها مراحل الثورة، عبر تعميمات مجردة، دون رؤية هذه الثنائية للدياليكتيك المجتمعي بخاصياتها وعمومياتها، ضمن مرحلة التطور التاريخي.

إلى جانب كون القومية والمجتمع الرأسمالي على علاقة ببعضهما كصياغات أساسية للحضارة الخاصة بأوروبا، فإن وجود أحدهما لا يشترط الثاني بالضرورة. فتكوُّن القومية وتشكُّل المجتمع الرأسمالي، كل منهما يتميز بمنطق مغاير للآخر. وتشكُّلهما في ذات المرحلة لا يشير إلى امتلاكهما ذات المنطق. هذا وإظهار البورجوازية نفسها كقوة رائدة للقومية، إنما يرتبط عن كثب بمآربها الأيديولوجية والسياسية والاقتصادية. يُعبَّر عن هذه الروابط في اللغة الأيديولوجية باصطلاح "القوموية"، وفي السياسة والاقتصاد باصطلاح "الليبرالية". إنها أسلحة مثلى للتأثير على الدولة والشعب في آن واحد. فكلاهما ظاهرتان تَصَوُّرِيّتان وافتراضيتان، وأداتان دعائيتان قويتان.