Kurdî  |  Tirkî

انسدادُ مشروع الحداثة الرأسمالية للجمهورية وظهور PKK إلى الساحة

كانت القوى التي لعبت دوراً رئيسياً في تشييدِ الجمهورية، تُمَثِّلُ وفاقاً ديمقراطياً. وكانت قيادةُ مصطفى كمال السببَ والنتيجةَ معاً لهذا الوفاق. ودستورُ عامِ 1921، وبُنيةُ "البرلمان التركي الأول" يوضحان هذا الوفاقِ على أفضلِ نحو.

وكان يُشَدَّدُ بتواصلٍ على وجودِ الأمةِ الإسلامية، ويتمّ الدفاعُ عنها، ويُصَرَّحُ بأن الأتراكَ والكردَ عنصران رئيسيان من هذه الأمة (القوم)، ويَدورُ الحديثُ عن مناهَضةِ الإمبرياليةِ وعن الصداقةِ مع السوفييت. ولَطالَما تُصادَفُ آثارُ هذه الظواهرِ في محاضرِ المجلس. أما أنْ تَكونَ اشتراكياً، أو كردياً أو كردستانياً؛ فيُنظَرُ إليها بِعَينٍ طبيعية. ساطعٌ أنّ عهدَ ثورةِ اليعاقبةِ في الجمهوريةِ يُعَبِّرُ عن التوافقِ العامِّ للمجتمع. كانت الإمبراطوريةُ البريطانيةُ تُستَهدَفُ بدرجةٍ أوليةٍ في تلك المرحلة. ولكن، عندما تمَّ العبورُ إلى تفضيلِ نظامٍ جديدٍ بعدَ صدِّ الاحتلالِ بالثورة، فقد قَطَعَت مجموعةٌ مواليةٌ للإمبراطوريةِ البريطانيةِ من بين الكوادرِ الاتحاديين مسافاتٍ جادةً اعتباراً من 1925، سواءً بحبكِ مؤامرةِ الشيخ سعيد، أم بمساعيها في شلِّ تأثيرِ مصطفى كمال عبرَ حبكِ عددٍ جمٍّ من المكائدِ والدسائسِ والمؤامرات، وفي مقدمتها محاولةُ الاغتيالِ المباشر. وقد تَعزَّزَ شأنُ هذه المجموعةِ أكثرَ فأكثر في عهدِ تَسَنُّمِ عصمت إينونو لرئاسةِ الوزراء. وقيامُ مصطفى كمال قُبَيلَ وفاتِه بتسويةِ أمرِ إينونو، كان لن يُغَيِّرَ من النتيجةِ شيئاً.

 

انتقالُ الهيمنةِ العالميةِ إلى يدِ أمريكا بعد الحربِ العالميةِ الثانية، قد يَسَّرَ عملَ هذه المجموعةِ لحَدٍّ كبير. وعصمت إينونو قريبٌ من هذه المجموعة، رغم كلِّ مظهرِه الحياديّ. علماً أنّ العلاقةَ الاستراتيجيةَ مع أمريكا قد أقامَتها رئاسَةُ عصمت إينونو، وليست رئاسةَ "الحزب الديمقراطيّ DP". حيث أُرسِلت أولُ مجموعةٍ من الضباطِ الأتراكِ إلى أمريكا لتلقي التدريبِ عامَ 1944، أي، قبل دخولِها الناتو. وقد تسارَعَت وتيرةُ العلاقاتِ أكثر في عهدِ "الحزبِ الديمقراطيّ"، ليتمَّ التوجهُ برئاسةِ أمريكا المباشرةِ صوب تأسيسِ شبكةِ غلاديو التابعةِ للناتو ضمن بنيةِ الجيشِ عامَ 1952. نَظَّمَت شبكةُ الغلاديو نفسَها داخلَ تركيا في البدايةِ باسمِ "لجنة التدقيق والتفتيش Seferberlik Tetkik Kurulu". وقد غُطِّيَت احتياجاتُها الماليةِ والإداريةِ من طرفِ أمريكا. ومنذ تلك السنواتِ والتنظيمُ تشَعَّبَت وانتظَمَت وضربَت جذورَها في كافةِ الميادين، بما فيها الميادينُ الاقتصاديةُ والاجتماعيةُ والسياسيةُ والعسكرية. وكيفما أنها تتحكمُ بكلِّ الأحزابِ السياسيةِ العلنية، فإنها بالذاتِ قد تَحَكَّمَت أيضاً بالطبقةِ العاملةِ عن طريقِ نقابةِ "تورك- إيش" التي أسسَتها إلى جانبِ شبكةِ غلاديو عامَ 1952. وطَبَّقَت قمعاً تَعَسُّفياً على "الحزب الشيوعيِّ" والنقاباتِ المواليةِ للسوفييت. فبالأصل، غايتُها الأساسيةُ هي السحقُ الفوريُّ لأيِّ تَسَرُّبٍ شيوعيٍّ أو اشتراكيٍّ بسيط. ومع رسوخِ اعتبارِ الكردايتيةِ على علاقةٍ بالشيوعية، تَعَرَّضَت حينها للعاقبةِ نفسِها. هذا وثمة علاقاتٌ استراتيجيةٌ وسريةٌ مع إسرائيل المشيَّدةِ حديثاً آنذاك. وهناك علاقاتٌ من طرازِ غلاديو مع الشخصياتِ والعوائلِ الدينيةِ التقليديةِ والقومويةِ البدائيةِ بين صفوفِ الكرد. وقد أُقيمَت علاقاتٌ مشابهةٌ مع المونارشياتِ الإيرانيةِ والعراقية. أما منظمةُ الحلف المركزي سانتو CENTO، فكانت بمثابةِ التنظيمِ الجامعِ لهذه العلاقات. ومن خلالِ نموذجٍ كهذا أُريدَ سدُّ الطريقِ أمام الشيوعيةِ في الشرقِ الأوسط.

ساطعٌ بوضوحٍ أنّ هذا النموذجَ المُطَوَّرَ بزعامةٍ أمريكية، هو المظهرُ الجديدُ الذي اتَّخَذَته الحداثةُ الرأسماليةُ لنفسِها تزامُناً مع الحربِ الباردةِ بعد خمسينياتِ القرنِ العشرين. والجمهوريةُ التركيةُ تؤدي دورَ الصدارةِ بِمَعِيّةِ أمريكا في تأسيسِ الحداثةِ المُستَحدَثةِ وتعزيزِها في بلدِها أولاً وفي الشرقِ الأوسطِ ثانياً. في حين أنّ الحداثةَ التي رامَ مصطفى كمال إلى تطبيقِها كانت مختلفة، بحيث كانت قريبةً من الطرازِ السوفييتيّ، وتعتمدُ على الصداقةِ الاستراتيجيةِ مع الاتحادِ السوفييتيّ. ومن دونِ رؤيةِ هذا الفرقِ بينهما، لن يَكُونَ بمقدورِنا صياغة تحليلٍ صائبٍ لأعوامِ الخمسينيات، وحتى لعناصرِ الحداثةِ المُطَوَّرةِ بعدَ عامِ 1925 رغماً عن مصطفى كمال. ثمة فوارقُ تفضيلٍ جادةٌ على الصُّعُدِ الطبقيةِ والسياسيةِ والدبلوماسيةِ والاقتصاديةِ فيما بين كيفيةِ تطبيقِ عناصرِ الدولتيةِ القوميةِ والرأسماليةِ والصناعويةِ بين كِلتا الحداثتَين. وفي المحصلة، فإنّ الرابحَ في صراعِ الهيمنةِ كان الإمبراطوريةَ البريطانيةَ ثم أمريكا. بَيدَ أنّ الأواصرَ الاستراتيجيةَ ساريةُ المفعولِ دوماً بين كلتَيهما. هذه الحداثةُ المُطَبَّقة، لَم تَقتَصِرْ على تصفيةِ الوفاقِ الديمقراطيِّ في الجمهورية، بل وأَلَّبَت جميعَ القوى المتحالفةِ الرئيسيةِ على بعضِها من خلالِ الحرب التي شَنَّتها على جميعِها. وهذه هي النقطةُ التي تَعَسَّرَ على مصطفى كمال إدراكُها. ولبقائِه تحت التأثيرِ العميقِ للأيديولوجيةِ الوضعيةِ نصيبُه الوافرُ في ذلك. وعلى الرغمِ من أنّ هَيامَه بالاستقلالِ والحريةِ واحترامَه الكبيرِ للثقافةِ المحلية، أي لثقافةِ الأناضولِ قد كَبَحَ جِماحَ الوضعيةِ كي لا تؤدي دوراً تخريبياً أكثر؛ إلا أنّه عجزَ عن سدِّ الطريقِ أمام تداعياتِها.

الدوغمائيةُ الوضعيةُ التي أُقيمَت محلَّ الدوغمائيةِ الدينية، لا تَفتأُ تتسمُ بتأثيرِها العميقِ على الشريحةِ القومويةِ العلمانيةِ في تركيا. وهذه النزعةُ العلمانية، لا تنادي بالجمهوريةِ الديمقراطية، ولا حتى بالجمهورية؛ بل هي استبداديةٌ وديكتاتوريةُ الطابع؛ على عكسِ ما يُعتَقَد. وممارستُها النموذجيةُ ميدانياً هي النزعةُ الاتحاديةُ ونزعةُ "حزب الشعب الجمهوريّ CHP" حسبَ ما أَثَّرَت فيه. إنّ الأطروحاتِ التي صاغَها فيلسوفُ الحقوقِ والسياسةِ كارل شميث خلالَ أعوامِ 1920 و1930 في ألمانيا بشأنِ الثيولوجيا الدينيةِ والسياسية، تَسري أكثر على تركيا. نظيرُ كافةِ المصطلحاتِ السياسيةِ للحداثةِ يكمن في ثيولوجيا العصورِ الوسطى، بل وحتى في ثيولوجيا العصورِ الأولى حسبَ رأيي. وسومر أصلُها العريق. وما فعلَته الوضعيةُ هو طِلاءُ تلك المصطلحاتِ بطلاءِ الحداثة، وتسويقُها باسمِ "العلمية"، وعرضُها باسمِ الرأسمالية. سيَكونُ من الواقعيِّ والمُنيرِ إلى أقصى حدٍّ البحثُ في التناقضاتِ والتشابُهاتِ الكائنةِ بين الدوغمائيتَين الوضعيةِ والدينيةِ عن أجوبةٍ شافيةٍ تتعلقُ بظنونِ وشكوكِ مصطفى كمال، وحالتِه النفسيةِ المتوترةِ دوماً، ومُطالعتِه الكتبَ عن المدنياتِ إلى أنْ تُدمِعَ عيناه من الألمِ في بزوغِ الفجر.

من عظيمِ الأهميةِ رؤيةُ وإدراكُ كونِ كلِّ الكوادرِ النُّخبَوِيّين في الجمهوريةِ التركيةِ شَهِدوا فيما يتعلقُ بموضوعِ الحداثةِ جهلاً فظيعاً وكفراً عميقاً إلى جانبِ الدوغمائيةِ الغائرة. هذا الأمرُ يَسري على كلِّ القرائنِ مِن قبيلِ: اليسار – اليمين، العلمانيّ – الدينيّ، العَلَوِيّ – السُّنِّيّ، والتركيّ – الكردي وما شابه. أما كيفيةُ تصعيدِ وتوجيهِ التناقضاتِ والنزاعاتِ القائمةِ بين عناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ من جهة، وبين القوميين الإسلاميين والاشتراكيين والقومويين الكرد، بل وحتى قسمٍ من القومويين الأتراكِ أيضاً من الجهةِ الثانية؛ فلا تزالُ موضوعاً بعيداً عن التحليل. ونخصُّ بالذِّكرِ هنا النتائجَ الفاجعةَ المُعاشةَ بتوجيهٍ أمريكيٍّ لشبكةِ الغلاديو. محالٌ فهمُ الأزماتِ والتوتراتِ والاشتباكاتِ الدائرةِ داخلَ الدولةِ والمجتمعِ على السواء، ما لَم يُسَلَّطْ الضوءُ على العلاقاتِ القائمةِ منذ ما يُقاربُ قرناً من الزمنِ بين المفاهيمِ والتنظيماتِ الطغمويةِ والانقلابيةِ ضمن الدولةِ من جانب، وبين عناصرِ الحداثةِ الرأسماليةِ من الجانبِ الآخر. أما إيضاحُ علاقاتِ النظامِ القائمِ مع القوى المهيمنة، وبالأخصِّ مع بريطانيا وأمريكا وتنويرُ دورِها في تلك التوتراتِ والنزاعات؛ فيتميزُ بدورٍ مصيريٍّ في الدمقرطةِ وفي حلِّ القضيةِ الكرديةِ في آنٍ معاً. كما أنّ استيعابَ أسبابِ عدمِ جدوى كلِّ مساعي مصطفى كمال والقوى المرتبطةِ به من الصميم على دربِ الاستقلالِ والحرية، بل وإثمارِها عن نتائجَ مناقِضة؛ غيرُ ممكنٍ إلا بمعرفةِ مَن هي القوى الداخليةُ والخارجيةُ المؤثرةُ والنافذةُ في مشروعِ الجمهوريةِ بشأنِ الحداثة، ومَا هي الأيديولوجياتُ المهيمنةُ التي تَلتزمُ بها، وما هو كَنَهُ ممارساتِها الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ والعسكرية. في حين أنّ الانقلاباتِ العسكريةَ وامتداداتِها المدنيةَ أيضاً لَم تستطعْ أداءَ دورٍ أبعدَ من تَبَعِيَّتِها لدوامةِ السبب – النتيجة في تلك التناقضاتِ والنزاعات. بينما التشخيصُ المشتركُ الذي يُجمِعُ عليه علماءُ الاجتماعِ هو أنّ كافةَ مساعي أولئك في الإنقاذِ قد زادت من الطينِ بلّة، وأَغلَقَت منافذَ الأمر. فمشروعُ الجمهوريةِ بشأنِ الحداثة، وُلِدَ مَعطوباً ومُختَلاً منذ البداية. هذا العُطبُ الذي يُشَدَّدُ عليه بإلحاح، هو إقحامُ الجمهوريةِ في تناقضٍ مع عناصرِ القوى الأساسيةِ المُحَقِّقةِ للتحريرِ والمُشَيِّدةِ للجمهورية، وجَرُّها إلى الاشتباكِ والصراعِ معها جميعاً. وإذ ما أشَرنا على التوالي، فإنّ مجردَ ترتيبِ أعوامِ 1925 – 1926، 1930، 1937 – 1938، 1945 – 1950، 1960، 1970، 1980، 1997، 2001 – 2002 يَعكسُ بوضوحٍ كافٍ ووافٍ الاعتلالَ والخللَ البنيويَّ الموجود.

في الفترةِ ما بين 1965 – 1980، تَطَلَّعَت العناصرُ الأصيلةُ المؤسِّسةُ للجمهوريةِ إلى إثباتِ وجودِها ثانيةً. وشرعَت تبحثُ عن إبرازِ حضورِها بانطلاقاتٍ انفعالية؛ دون أنْ تُحَلِّلَ أو تتعرفَ كفايةً على الأوليغارشيةِ وتَكتُّلِ القوى المهيمنةِ التقليديةِ التي تُواجِهُها. إنها لَم تَكُ في وضعٍ يُخَوِّلُها لإنجازِ ثورةٍ أو ثورةٍ مضادة، مثلما زُعِمَ كثيراً؛ ولكن، هكذا رُوِّجَ لها. وعندما نَهَضَت، سُحِقَت جزئياً، وتمّ التسللُ إلى القسمِ الباقي منها وتأهيلُه. لَكَم هو مؤلِمٌ أنّ القوى المُستَثمَرةَ بشكلٍ متبادَل كانت بعيدةً كلَّ البُعدِ عن فهمِ دورِ شبكةِ الغلاديو. ما مِن شكٍّ في استحالةِ السجالِ هنا حول الفوارقِ بين المكافحين بإيمانٍ لا يتزعزعُ من أجلِ الاستقلالِ والحريةِ والمساواة، وبين المناهِضين لهم. لكنّ ارتباطَهم بالانقلاباتِ أيضاً حقيقةٌ قائمة. أما التنظيماتُ القومويةُ والإسلامويةُ المُشادةُ في تلك المرحلة، فأواصرُها مع تكتيكاتِ شبكةِ الغلاديو المناهِضةِ للشيوعيةِ تصبحُ أكثرَ بروزاً. وتأثيرُ تلك القوى هامٌّ على ميادينِ الحياةِ الاقتصاديةِ والثقافية. أما المُعَيِّنُ في رسمِ مسارِ كافةِ ميادينِ الحياةِ الاجتماعية، فهو الإدارةُ العُليا ذاتُ طابعِ الغلاديو لعناصرِ الحداثةِ الرأسمالية. ويأتي في مقدمةِ ذلك مراقبةُ الجيشِ والبنى السياسية والتحكمُ بها. هذا الطرازُ من الاستخدامِ في إدارةِ الجمهورية، واضحٌ تماماً أنه بمثابةِ امتدادٍ لطغمةِ الاتحادِ والترقي. وجهودُ مصطفى كمال أتاتورك لَم تَكفِ لإفسادِ ذلك. لذا، ومن دونِ تخطي التقاليدِ الطغمويةِ والانقلابيةِ والتحكمُ ذو طابعِ الغلاديو، محالٌ استتبابُ الأمنِ والاستقرارِ والنظامِ في الجمهوريةِ بماهيتِه الديمقراطيةِ والحقوقية.

على ضوءِ هذه التحليلات، سيُفهَمُ بمنوالٍ أفضل الدورُ المُحَدِّدُ لبُنيةِ الجمهوريةِ العقيمةِ والمُنسَدّةِ والمُوَلِّدةِ للقضايا في ظهورِ PKK. فأعوامُ السبعينياتِ كانت حقاً فترةً حازَت فيها الانطلاقةُ الديمقراطيةُ على القوة. وانقلابُ الثاني عشر من آذار لَم يَكُ بالقوةِ التي تُمَكِّنُه من إيقافِ عجلةِ هذا السياق. أما القوى الاجتماعيةُ المؤثرةُ في تأسيسِ الجمهورية، فكانت تَظهَرُ مجدَّداً على مسرحِ التاريخ. فالاشتراكيةُ والتيارُ الإسلاميُّ والقومويةُ الكرديةُ كانت تبحَثُ عن شرعيةٍ لذاتِها داخلَ الجمهورية، حيث كانت مُثقَلَةً بالمطالبِ الديمقراطيةِ التي كان بمُستطاعِها وصول الحلِّ عن طريقِ الدمقرطة، لو أنها لَم تُقمَعْ بالانقلاباتِ والممارساتِ الفاشية. إلا أنه تمّ ترجيحُ الاستمرارِ بالأزمةِ الناجمةِ عن الحربِ الباردةِ والكائنةِ في عناصرِ الحداثة، وذلك من خلالِ أساليبِ القمعِ الصائرةِ فاشيةً مع مُضِيِّ الزمن. هكذا أصبَحَت الجمهوريةُ التركيةُ بلداً يُطَبَّقُ فيه التحكمُ ذو طابعِ الغلاديو بأفظعِ أشكالِه وأحلكِ ألوانه. ونظامُ 12 أيلول قد تصاعدَ بوصفِه واحداً من الأمثلةِ الأكثر ترويعاً وترهيباً لهذا التحكم والمراقبة.

عدمُ التمكنِ من قمعِ PKK كلياً، أمرٌ يتعلقُ بالبنيةِ الداخليةِ للكردِ من جانب، وبالتَّقَلُّباتِ الجاريةِ في الشرقِ الأوسطِ من الجانبِ الثاني. في الحقيقة، فانقلابُ 12 أيلول كاد يُطْبِقُ على الأنفاسِ ويَكبتُها في غضونِ أربعٍ وعشرين ساعةً فحسب. أما ضلالُه بشأنِ الكرد، فكانت تتسترُ خلفه دوافعٌ اجتماعيةٌ أكثر غُوراً. حيث كان يُعتَقَدُ أنه تمَّ القضاءُ على الكردِ مجتمعاً وشعباً. وكان يُنظَرُ بعينِ المستحيلِ لصَحوتِهم ثانيةً بعدَ سحقِ التمرداتِ وتطبيقِ سياقٍ صارمٍ جداً من عمليةِ الصهر. ونخصُّ بالذِّكرِ في هذا المضمارِ الذهنيةَ الاجتماعيةَ الجديدة، التي كانت تَعتَبِرُ الكردَ انمَحَوا من صفحةِ التاريخ، وعلى رأسِها ذهنيةُ البيروقراطيةِ والطبقةِ الوسطى المتناميتَين بناءً على عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية، والتي تناسَت دورَهم في التاريخ. أما الموجوداتُ المتبقيةُ فُرادى، فكانتُ تُعَدُّ مُعادِلةً للمخلوقاتِ البدائية. في حين أنّ الطبقةَ العليا كانت تثابرُ على أداءِ دورِ خادمِ السلطةِ بمهارة، من خلالِ سلوكياتِها التي تتشبَّهُ بالمَلِكِ أكثر من المَلِكِ نفسِه. أما العناصرُ القومويةُ والطرائقيةُ التي لها صِلاتُها مع أمريكا، فكان يُبقى عليها فوق أرضيةٍ مضادة، بدلاً من عقدِ أواصرِها مع المقاومةِ والحرية. وPKK كان قادراً في هذه الظروفِ على عقدِ علاقاتٍ مع الفقراءِ المُضطَهَدين في المدنِ والقرى من بين صفوفِ شرائحِ الكرمانج، الذين يُعَدّون ديناميكيةً كرديةً اجتماعيةً تَعَرَّضَت كثيراً للتخريبِ والتهشيش. كما كان يستفيدُ من البنى الثقافية ومن المشاعرِ الوطنيةِ وعواطفِ الكردايتية، بل وكان يُحييها ويُنعِشُها مجدَّداً. كانت الطبيعةُ الاجتماعيةُ للكردِ مشحونةً بالكياناتِ البُنيوية، على الرغمِ من كلِّ السحقِ الذي تَعَرَّضَت له والتجزئةِ التي حَلَّت بها. ما كان لازماً هو حدٌّ أدنى من العواطفِ الوطنيةِ ونبذةٌ من التوعيةِ الاصطلاحية. وكانت قد تَشَكَّلَ كَمٌّ وافٍ من هذه العواطفِ والاصطلاحاتِ المؤثرةِ بين صفوفِ PKK آنذاك. فما كان يلزَمُه هو تفعيلُ تلك العواطفِ والمصطلحاتِ بوتيرةٍ قصوى، وليس الكوادرَ الدبلوماسيةَ والسياسيةَ العُليا. وعملياتٌ وممارساتٌ محدودةٌ كانت كافيةً لتأمينِ هذه الوتيرةِ بكلِّ سهولة.

بهذا الطرازِ تم المسيرُ منذ انطلاقةِ السبعينياتِ إلى مُستَهَلِّ الثمانينيات. كان ابتداءُ السياقِ المسمى بانطلاقةِ 15 آب1984 وإعلانُ الكفاحِ المسلحِلن يَكُونَ عسيراً، عندما اتَّحَدَ عامِلُ لجوءِ نظامِ 12 أيلول إلى العنفِ المفرطِ وقمعِه الباكرِ لليسارِ والقوى المعارِضةِ الأخرى، مع حقيقةِ سجن ديار بكر وواقعِ التخندقِ في الشرقِ الأوسط. في حقيقةِ الأمر، كان بالمقدورِ ابتداءُ هذا السياقِ في عامِ 1982 أيضاً. حيث أنّ عدمَ قيامِ بعضِ العناصرِ على ذرى الجبالِ بمهامِّها كما يجب، كان قد أَخَّرَ الحملةَ إلى شهرِ آب من عامِ 1984. هذا وساهمَت حربُ إيران والعراق أيضاً في تقديمِ الإطارِ المناسب. إلا أنّ الحركةَ لَم تَغِبْ أبداً عن كردستانِ تركيا، بل صانت وجودَها فيها باستمرار. لا يُمكنُ الحديث عن حربٍ أنصاريةٍ محترِفةٍ ومُتَمَرِّسة، بل تمَّ رسمُ صورةٍ كاريكاتوريةٍ عنها. بل حتى إنّ العوامِلَ الصالحةَ لأنْ يَكُونَ 15 آب حملةً غير مُتَوَقَّعةً من قِبَلِ الدولة، قد استُثمِرَت بمنوالٍ سيئٍ للغاية. وعلى الرغمِ من تَسَلُّلِ الدولِ وقوى كردستانِ العراق ومعارَضَتِها، إلا أنّ التخَندُقَ في الشرقِ الأوسطِ كان كافياً للاستمرارِ بالحركةِ ونَيلِ الدعمِ والمساندةِ من كافةِ أجزاءِ كردستان المُقَسَّمةِ ومن الكردِ في أوروبا.