Kurdî  |  Tirkî

الحياة المتماثلة الحرة (حياة الشراكة الحرة)2

reber apo4الجزء الثاني: يجبُ الإدراكُ بأفضلِ وجهٍ بأنّ المدنيةَ والحداثةَ المهيمنتَين تتحققان على خلفيةِ إنكارِ الحياةِ الندِّيةِ الحرة. وهذا ما مفادُه أنّ العشقَ صعبُ المنالِ بِحُكمِ استحالةِ تحقيقِ توازنِ القوى

البنيويةِ والعقليةِ بين الجنسَين في آنٍ معاً، باعتبارِه شرطاً اضطرارياً لا مناصّ منه على دربِ العشقِ الاجتماعيّ. بمعنى آخر، لا يُمكنُ للعشقِ أنْ يتحققَ في أجواءِ الزواجِ الذي خسرَ طاقةَ المعنى لديه، ويُنتجُ بالتالي العلاقاتِ العبوديةَ في كلِّ لحظةٍ ضمن أوساطِ مجتمعِ العبيد. لهذا السببِ تحديداً يُلاحَظُ التأثيرُ القاتلُ للسلطةِ المهيمنةِ والعصريةِ بالأغلب في الأجواءِ التي تَغيبُ فيها الحياة المشتركة الحرة. لذا، فإنّ الحياةَ التي تستقبلُها البشريةُ كمعجزةٍ ساحرةٍ جذابة، تخسرُ في هذه الأجواءِ قيمتَها السحريةِ ومعجزويتَها، لتتحولَ إلى كارثةٍ تُقابَلُ بالانتحارِ والقهرِ والأسى، خاصةً من قِبَلِ المرأة. ينبغي الاستيعابَ بنحوٍ حسنٍ بأنّ الحياة المشتركة هي إنشاءٌ اجتماعيّ. وهي لا تتحققُ بين الشخصياتِ الذكوريةِ والأنوثية، بل بين الأنوثةِ والرجولةِ الاجتماعيّتَين المُنشَأَتَين. من هنا، يُلزمُ الإدراك بأفضلِ الأشكالِ بأنّ هذا الإنشاءَ المهيمنَ قد أَعطَبَ كِلا الجنسَين، ونالَت العلاقةُ بينهما نصيبَها منه، منعكسةً بالتالي كعلاقةِ هيمنةٍ وسيطرةٍ لا مكانَ للعشقِ فيها. ذلك أنّ الشرطَ الأساسيَّ في العشقِ الإنسانيّ، هو الإرادةُ الحرةُ المتوازيةُ بين الطرفَين.

تبقى المدنيةُ والحداثةُ تاريخياً على تناقضٍ ومفارَقةٍ دائمَيتين باسمِ العشق، نظراً لجَرَيانِهما ضمن حياةٍ مهيمنةٍ مؤسساتياً وأيديولوجياً. حيث يَكثرُ الحديثُ عن العشق، ولكنه لا يُعاشُ البتة. لذا، فالآدابُ العالميةُ بأحدِ جوانبِها عبارةً عن سرودٍ مأساويةٍ لحوادثِ العشقِ الصعبِ المَنال. كما أنّ الملاحمَ التي تسردُ كيف نشبَت الحروبُ بسبب امرأة، هي برهانٌ واضحٌ على هذه الحقيقة. وكأنّ كافةَ ضروبِ الفنِّ اعترافٌ بالعشقِ الذي لا يُطال. بل حتى أنّ الأديانَ ضربٌ من أقدمِ المَأثوراتِ الفنيةِ المتأثرةِ من الأعماقِ بالرغباتِ الجامحةِ الأحاديةِ الجانبِ والبعيدةِ المَنالِ في العلاقاتِ بين الآلهةِ والإلهات. أما لجوءُ نُظمِ المدنيةِ إلى تقديسِ الحياة الندية باعتبارِها ساحةَ "حياةٍ خاصة"، فهو حُكمُ الحقيقةِ الاجتماعيةِ المقلوبُ رأساً على عقب. في الحقيقة، النظرُ إلى العامِّ على أنه خاص، وإلى الخاصّ على أنه عامٌّ أنسَبُ كثيراً بالنسبةِ إلى طبيعةِ المجتمع. ذلك أنّ العلاقةَ في حياة الشراكة تتميزُ بخصائصٍ تتركُ بصماتِها على الخلفيةِ الكونيةِ بكافةِ أواصرِها الاجتماعيةِ من الأساس. وازدواجيةُ المدنية الشنعاء تماماً، تتمثلُ في اعتبارِ هذه العلاقةِ الكونيةِ ظاهرةً منفردةً وسِرّيّةً محضة فيما بين شخصَين اثنين. وهذا هو أحدُ الدوافعِ الرئيسيةِ وراء كونِ المعارفِ السوسيولوجيةِ بلا جدوى ولا قيمة. وما المَقولةُ التي تُنسَبُ إلى سقراط، والتي مفادُها " المرأة تَجعلُ الإنسانَ فيلسوفاً أو مجنوناً"، وكذلك المَثَلُ الشعبيُّ الذي يَقولُ " المرأة تجعلُ الإنسانَ وزيراً أو رذيلاً"؛ سوى إشارةٌ أخرى إلى ارتباطِ هذه الحقيقةِ مع الحقلِ العموميّ. هذا والذهابُ إلى التمييزِ بين ساحةٍ "خاصةٍ" وأخرى "عامة"، هو من تحريفاتِ الحداثةِ أصلاً. حيث لا معنى لهكذا تمييزٍ في المجتمعِ الأصل. والصحيحُ هو أشكالُ العلاقةِ الرئيسيةُ والمُعَيِّنة.

أولُ خطوةٍ نَخطوها في المجتمعِ البشريِّ باسمِ الحياة، يجبُ أنْ تَتعلق بالحياة المشتركة. حيث ما مِن ساحةِ حياةٍ تتسمُ بالمزايا الرئيسيةِ والمُعَيِّنةِ بقدرِ ما هي عليه هذه الساحة. أما اعتبارُ الاقتصادِ والدولةِ علاقةً أساسية، فهو من تحريفاتِ سوسيولوجيا الحداثة. فالاقتصادُ والدولةُ في نهايةِ المطافِ بمثابةِ وسيلةٍ للحياة الندية. أي أنّ هذه الأخيرةَ لا يُمكنُ أنْ تَكُونَ في خدمةِ الاقتصادِ والدولةِ والدين. بل العكسُ هو الصحيح. أي، يجبُ تسخيرُ الدولةِ والدينِ والاقتصادِ في خدمةِ الحياةِ الندّية المتماثلة. انطلاقاً من ذلك فقد احتوى هذا الخللُ سوسيولوجيا الحداثةِ وأحاطَ بها كلياً.

وكضرورةٍ من ضروراتِ هذا السردِ بأكملِه، ينبغي أنْ تَكُونَ ساحةُ الحياة المشتركة أولَ ساحةٍ تخضَعُ لمِجهرِ العِلم. فحتى ميثيولوجيا العصورِ الأولى التي يُنظَرُ إليها بعَين البدائية للغاية، وكذلك أديانُ تلك العصورِ لَم تَنطلقِ بنفسِها من هذه الساحةِ عن عبث، بل بسببِ عُراها الوثيقةِ مع الحقيقةِ الاجتماعية. من هنا، فالعِلمُ الذي سيُحاكُ حول الحياةِ الندّية، وبالأخصِّ حول المرأة، سوف يَكُونُ أولَ خطوةٍ صوبَ السوسيولوجيا الصائبة. لا يقتصرُ الأمرُ على السوسيولوجيا فحسب بوصفِها علماً، بل ينبغي أنْ تُخطى الخطوةُ الأولى في جميعِ الميادين الفنيةِ والفلسفيةِ بالتمحورِ حول هذه العلاقة. هذا ولا داعي أبداً للقولِ بلزومِ إيلاءِ الأولويةِ للأخلاقِ والدينِ أيضاً في هذه الساحة، بوصفِهما حقلاً من حقولِ الفلسفة. فالأخلاقُ والدينُ ملتزمان بهذه الساحةِ بما فيه الكفاية.

خلاصة؛ غالباً ما يتبدى إفلاسُ قوى السلطةِ والاستغلالِ المهيمنةِ في عصرِنا من خلالِ تَضَعضُعِ وانهيارِ ساحةِ الحياةِ الندّية. لقد بات تاريخُ العلاقةِ بين الجنسَين في أدنى درجاتِ الانحطاطِ والهشاشة، إذ فَقَدَت معناها، ووطأَت مشارفَ الاستهلاكِ والنفاذِ بحيث لا يُمكِنُ العيشُ بها ولا من دونِها. لذا، مَن لا يُسنِدُ مُنطَلَقَ ثورتِه إلى تحليلِ وضعِ هذه الفوضى العارمة، لن يبقى أمامَه خَيارٌ سوى الاستمرارُ بالفوضى. بناءً عليه، فالقائمونُ على الانطلاقاتِ الشخصيةِ أو الجماعية، بمقدورِهم السيرُ قُدُماً على دربِ الحياة المشتركة الحرة، في حالِ اتِّخاذِهم هذه الساحةَ ركيزةً لهم، سواءً علمياً أم فنياً وفلسفياً. والخطواتُ على دربِ أُولى هذه الانطلاقات، ليست – كما يُعتَقَدُ عادةً – خطواتٌ منفردةٌ وخاصة منحصرة بشخصَين فقط، بل هي أولى الخطواتِ العالميةِ بصددِ المجتمعِ الاشتراكيِّ الديمقراطيِّ الذي سيتحقق.

كينونةُ الاشتراكيةِ تقتضي قبلَ كلِّ شيءٍ الاهتمامَ ببلوغِ مستوى الحريةِ المَأمولِ في الحياة الندية. أي، ينبغي العملُ أساساً بطرازٍ حياةٍ شبيهةٍ بأنماطِ الحياةِ العمليةِ المبدئيةِ الشاقةِ والعظيمةِ التي طالما تُصادَفُ في مُستَهَلِّ الحياةِ الميثيولوجيةِ والدينيةِ القديمة. فالإنشاءُ الاشتراكيُّ لحياةِ الشراكةِ الندّيةِ (أي المتماثلة) غيرُ ممكن، إلا بالتخلصِ من أشكالِ نُظُمِ المدنيةِ والحداثةِ الرأسماليةِ ومضمونِها الترويضيّ. حيث لا علاقةَ له كثيراً بالجنسانيةِ التي جَعَلَها النظامُ القائمُ رخيصةً مُبتَذَلة، ولا بألاعيبِ الترويضِ والتطويع، ولا بالعنصرية (بمعنى التزايد)، ولا بـ"العيش معاً حتى الممات"... كما ليس له علاقةٌ بالأخصِّ مع ممارساتِ المُضاجَعةِ اليوميةِ التي باتت مَرَضاً بكلِّ معنى الكلمة. بَيْدَ أنّ عدمَ حصولِ الجِماعِ يومياً لدى أيِّ كانٍ حيّ، بل تَمَيُّزُه على النقيضِ من ذلك بأساسٍ موسميّ؛ هو خيرُ برهانٍ على إنشاءِ الجنسانيةِ لدى النوعِ البشريِّ وفق النمطِ الاجتماعيّ. أي أنّ النَّهمَ الجنسيَّ مرتبطٌ بالبناء الاجتماعيِّ والسلطةِ المهيمنة. فالجنسويةُ الرجوليةُ المفروضةُ على المرأة، تَكشفُ بكافةِ أشكالِها عن كونِها ممارسةٌ سلطويّة. وهكذا جنسانية، دعكَ من بَعثِها على السعادة، بل هي مَرَضٌ ومصدرٌ للبؤسِ والتعاسة، وهي فناءٌ وموتٌ باكرٌ بكلِّ ما للكلمةِ من معنى. وما من بنيةِ امرأةٍ أو رجلٍ قادرةٌ على إبداءِ التَّكَيُّفِ مع هذا النمطِ من ممارسةِ الجنس. ونخصُّ بالذِّكرِ في هذا المضمارِ الجنسانيةُ التي تُثيرُها وتُحَرِّضُ عليها الرأسماليةُ عبر الدعاياتِ النسائية، حيث أنها متعلقةٌ كلياً بالهيمنةِ الأيديولوجيةِ الهادفةِ إلى تأمينِ تطبيقِ قانونِ الربحِ الأعظم. وبالمقدورِ القولُ أنه ما من علاقةٍ قادرةٌ على حَملِ عبءِ النظامِ القائم، بقدرِ ما هي عليه الجنسويةُ الاجتماعية. بالتالي، فمناهَضةٌ الرأسماليةِ غيرُ ممكنة إلا برفضِ ودحضِ وتجاوُزِ هكذا طرازٍ من الجنسانية.

بقدرِ ما يَكُونُ المستوى الذي سيُنجَزُ في علاقاتِ حياةِ الشراكةِ الندّيةِ علمياً وفنياً وفلسفياً، فسيَغدو قادراً على إفساحِ الطريقِ أمام المجتمعِ الاشتراكيِّ بالقدرِ عينِه. إذ للاشتراكيةِ قبلَ كلِّ شيءٍ قيمةٌ مبدئيةٌ وعلميةٌ لا بدَّ منها، كي تتحققَ في علاقاتِ حياةِ الشراكة. ولا سبيل آخر يؤدي إلى الاشتراكيةِ عَدا هذا النمطِ من العلاقات. وحتى لو وُجِد، فهي علاقاتٌ ملتويةٌ ومنفتحةٌ إلى أقصاها أمام الأخطاء. أما النظرُ إلى حياةِ الشراكةِ الندّيةِ الاشتراكيةِ على أنها علاقةٌ بين شخصَين فقط، فهو تناوُلٌ ناقص. حيث ما من شكٍّ في إمكانيةِ عيشِ الحَيَواتِ الندّيةِ متجسدةً في العلاقاتِ بين الجنسَين، لكنه لا يُمكنُ إسقاطُها إلى ذلك وحسب. فهي حياةٌ خاصةٌ، كثيراً ما تُعاشُ بنحوٍ تجريديٍّ بِمَعِيّةِ قوةِ المعنى والجماليةِ العُليا والأخلاقِ النبيلة.

لن يَستطيعَ الرجالُ والنساءُ الملتزمون بالحياةِ الاشتراكيةِ الحظيَ بفرصةِ حياةٍ قويمةٍ وجميلةٍ كأفرادٍ مستقلين بذاتِهم، إلا إذا وَطَّدوا الحياةَ الحرةَ عالمياً وجماعياً. وبالمقدورِ استشفافُ هذه الحقيقةِ في جميعِ الحركاتِ الاجتماعيةِ العظمى في التاريخ. هذا ومن عظيمِ الأهميةِ عدمُ الخَلطِ بين الحياةِ الانفراديةِ من جهة، وبين ألاعيبِ الزواجِ الحاليةِ أو الأشكالِ الخارجةِ على الزواجِ والمُزدادةِ سوءً باضطرادٍ من الجهةِ الثانية. فبينما تتوارى الكونيةُ الاجتماعيةُ والجماعيةُ بكلِّ كُمونِهما بين طوايا الحياةِ الانفرادية، فإنّ ما يتحققُ ضمن أشكالِ الترويضِ الانفراديةِ والخارجةِ عن الزواجِ في كنفِ المدنيةِ والحداثة، ليس سوى إنكارُ الكونيةِ والجماعية. من هنا، محالٌ تحقيقُ الحياةِ الحرةِ الانفراديةِ بمنوالٍ اشتراكيّ، دون القيامِ بهذا التمييز. إنّ الرجلَ عموماً والمرأةَ خصيصاً مِمَّن يندرجُون في إطارِ العلاقاتِ الاشتراكية، يتحلون بقوةِ جاذبيةٍ كُبرى من خلالِ المسحةِ العلميةِ والجماليةِ والأخلاقيةِ والفلسفيةِ التي تُحييها وتُوَطِّدُها في ذاتِها. هكذا نوعٌ من الشخصياتِ النسائيةِ والرجالية لا تَعرفُ طعمَ الهزيمةِ أو الفشلِ تجاه الحياةِ الاجتماعية، بل تَعملُ بوجودِها على إنشاءِ الحياةِ الاجتماعيةِ الحرة. وبِحُكمِ سيادةِ الاحترامِ والثقةِ المتبادَلةِ في اتحاداتِها الانفرادية، فلا مكان لديها للحَسَدِ أو المِزاجِ الشاذِّ والمتذبذب، ولا للنَّهَمِ المُفرِطِ أو المَلل أو ما شابَهَ من أمراضِ النظامِ القائم. ولأنّها لا تَستَملكُ بعضَها بعضاً، فهي لا تقتربُ من بعضِها البعضِ بمزاعمِ الحقوقِ المتبادَلة (هذا ما يَسري في القوانين البورجوازية). أما قوةُ المعنى المتكافئةُ لديها في المستوى، فهي في منزلةٍ تُخَوِّلُها لإحياءِ الكلِّ في شخصٍ واحد، والشخصِ الواحدِ في الكلّ.

لن تُحرزَ حركاتُ المجتمعِ التاريخيِّ النجاحَ المؤزر، إلا عبر هكذا شخصياتٍ اكتسَبَت المعنى لهذه الدرجة. هذا وعلى تلك الشخصياتِ أنْ يَذيعَ صِيتُها دوماً كشخصياتٍ اشتراكيةٍ بكلِّ معنى الكلمة، وأنْ تُستَذكَرَ وتُعقَدَ الآمالَ عليها بهذا النحو.

أثناء التقدمِ على مسارِ المجتمعِ الاشتراكيّ، من المهمِّ بمكانٍ وضعُ بعضِ التجاربِ التاريخيةِ الهامةِ في الحُسبانِ، فيما يتعلقُ بتطبيقِ نظريةِ حياةِ الشراكةِ الندّية الحرة. فالمسيحيةُ في هذا السياقِ اشتَرَطَت على كوادرِها –رجالاً ونساءً –حياةَ الرَّهبَنة. وقد اتَّسَمَت هذه الممارسةُ بدورٍ هامٍّ في تطورِ المدنيةِ الغربية. حيث قامت المسيحيةُ بتحجيمِ المجتمعِ الجنسويِّ إلى حدٍّ ملحوظٍ عن طريقِ هذا التطبيقِ الكادريّ. حيث أنّ عدمَ طُغيانِ الغريزةِ الجنسيةِ على الذهنيةِ الروحانية، أدى دوراً بليغاً في تطويرِ المجتمعية. لكنه لَم يُفسِحْ المجالَ أمام التطورِ الدياليكتيكيِّ الذي يُمَكِّنُ من الحياةِ الندّيةِ الحرة. بل ما تصاعدَ كَرَدِّ فعلٍ على ذلك، هو انفجارُ الجنسويةِ الاجتماعيةِ في ظلِّ الحداثةِ الرأسمالية. أي أنّ حياةَ الزواجِ الأحاديِّ والاستملاكيةِ المعاصرة، قد أَثمَرَت عن تَطَرُّفٍ ثانٍ أو قُطبٍ مُقابِلٍ كطرازِ حياةٍ مضادّةٍ لثقافةِ الرَّهبَنةِ لدى كِلا الجنسَين. بمعنى آخر، فثقافةُ الرَّهبَنَةِ في المسيحيةِ تتخفى وراء الأزمةِ السائدةِ في حياةِ الزواجِ الأحاديِّ العصريّ. وكِلتا الثقافتَين بَقِيَتا عالِقتَين ومتعثِّرتَين على دربِ تجاوُزِ المجتمعِ الجنسويّ. يتسترُ هذا الواقعُ خلف أزمةِ الثقافةِ الجنسويةِ بين صفوفِ المجتمعِ الغربيّ.

الحلُّ الإسلاميُّ أيضاً لَم يُحرِزْ النجاحَ بشأنِ هذا الموضوع. فالإسلامُ الذي خَصَّ الإشباعَ الجنسيَّ بالأولويةِ على عكسِ حياةِ الرَّهبَنة، اعتَقَدَ بأنه سيحلُّ القضايا من خلالِ تعددِ الزوجاتِ والجواري. أي أنّ سلوكَ الحَرَمِ في الإسلامِ أَشبَهُ بخَصخَصةِ بيوتِ الدعارة. وما يُمَيّزُه عن بيوتِ الدعارةِ هو تخصيصُه لبعضٍ من الأشخاص، بينما لا فرق بينهما من حيث المضمون. ولهذا السلوكِ الاجتماعيِ الجنسويِّ دورٌ مُحَدِّدٌ في تَخَلُّفِ المجتمعِ الشرقيِّ عن مواكبةِ ركبِ المجتمعاتِ الغربية. وفي الحين الذي أدى فيه كبحُ المسيحيةِ لجماحِ الجنسويةِ إلى إفساحِ المجالِ أمام الحداثة، فإنّ تحفيزَ الإسلامِ للإفراطِ في الإشباعِ الجنسيِّ تَسبَّبَ في تخلفِه حتى عن المجتمعِ القديم، وفي فتحِ الطريقِ أمام تَعَرُّضِه للهزيمةِ النكراءِ إزاء مجتمعِ الحداثةِ الغربية. من هنا، فدورُ الجنسويةِ الاجتماعيةِ بالغُ الأهميةِ في هزيمةِ المرأةِ والرجلِ الشرقيَّين تجاه أقرانِهما الغربيين. ذلك أنّ الجنسانيةَ تؤثرُ في التطورِ الاجتماعيِّ أكثرَ بكثيرٍ مما يُعتَقَد. وينبغي التوقفُ بأهميةٍ بارزةٍ على دورِها في فتحِ الهُوَّةِ بين المجتمعاتِ الشرقيةِ والغربية. لقد تَوَلَّدَ المفهومُ الجنسويُّ لدى الإسلامِ عن نتائج سلبيةٍ تُضاهي ما عليه في المدنيةِ الغربيةِ أضعافاً مُضاعفة، سواءً في استعبادِ المرأةِ حتى الأعماق، أو في تَعَصُّبِ الرجلِ إلى السلطوية.

ثمة أمورٌ هامةٌ تستلزمُ انتباهَ المرأةِ والرجلِ إليها أثناء تطويرِ ممارسةِ الحياةِ الندّيةِ الحرة. بالنسبةِ إلى المرأةِ التي تحظى بفرصةِ الحياةِ الحرةِ أو تَرومُها، يُمكننا ترتيبُ ما ينبغي عليها فِعلُه على الشكلِ التالي:

على المرأةِ أنْ تَعرفَ سَلفاً أنّ شروعَها بمُشاركةِ الرجلِ في ممارسةِ الجنسِ ليس مجردَ إشباعٍ بيولوجيٍّ خالص، بل ستَكُونُ حينئذٍ وجهاً لوجهٍ أمامَ براثنِ القوةِ والسلطة، ووضعَها يُعادِلُ النومَ مع النمرِ في قفصِه. وبالأخصِّ أنّ حالةَ الجوعِ والأَسْرِ لدى النَّمِرِ قد تُفسِحُ السبيلَ أمام إنزالِ الرجلِ ضرباتٍ مميتةً عليها بمخالبِه. لذا، على المرأةِ الإدراك بأفضلِ وجهٍ أنّها بعدَ دخولِ القفصِ بعلاقةِ الزواجِ الكلاسيكية، لن تَقدِرَ على الخروجِ منها سليمةً بهذه السهولة، بل وستَدفعُ ثمنَ ذلك إما بحياتِها أو بتَحَوُّلِها إلى أنثى النّمِرِ المستسلمةِ كلياً. أنثى النّمِرِ تُمَثِّلُ المرأةَ المُستَرجِلة. وهي قبيحةٌ وكريهةٌ مُقرِفة. وممارسةُ الجنسِ بين الرجلِ المتحكمِ والمرأةِ المسترجلةِ المستسلمةِ له كلياً، تؤدي دوراً رئيسياً في بروزِ ورسوخِ هذه الشناعةِ والوقاحةِ البغيضة. عندما يتباهى الرجالُ بافتخارٍ بِيَومِ "إفساد" عذريةِ المرأة، فإنّ الدافعَ المستترَ تحت ذلك ليس غريزةَ إشباعِ الذات (كظاهرة بيولوجية)، بل يَعُودُ ذلك إلى نصيبِ هذه العلاقةِ من تَشَكُّلِ ثنائيةِ السلطة – العبد. إذن، فـ"الإفسادُ" هو بدايةُ الحُكمِ على المرأةِ بعبوديةٍ أبدية. تُمَهِّدُ السلطةُ الطريقَ لبروزِ عاطفةِ السيادة، مما مفادُه إثباتَ رجولتِه. ثم يُطَبَّقُ هذا الأسلوبُ على الشبانِ اليافعين أيضاً. هكذا تُطَبَّقُ مؤسسةُ العبوديةِ على كِلا الجنسَين. وانسياقُ المرأةِ وراءِ العلاقةِ الجنسيةِ بقدرِ الرجل، يُعزى إلى مؤسسةِ العبودية. والممارسةُ الجنسيةُ التي أَكثَرَت الحداثةُ الرأسماليةُ منها بما لا عَدَّ له ولا حَصر، هي وسيلةُ العبوديةِ الأشملُ على الإطلاق، وتَؤولُ إلى فرصٍ لا محدودةٍ من السلطةِ والاستغلال. من هنا، فتشكيكُ أغلبِ الأديانِ بهذه العلاقةِ أمرٌ ذو معنى، وله روابطُه مع إفساحِها المجالَ أمام الانحطاطِ والتدنّي والقُبحِ والخروجِ عن الحقيقة.

على المرأةِ أنْ تُطَوِّرَ نمطَ حِراكِها قبل البدءِ بزواجِ الشراكة، مُدرِكةً تماماً أنّ الرجلَ الذي ينتصبُ بالمقابلِ منها في جميعِ ميادينِ مجتمعِ الحاكميةِ الرجولية، سيتحركُ بما يُشبِه نَمِراً متأهباً للانقضاضِ على فريستِه في كلِّ لحظة. فعندما تَسنَحُ الفرصةُ للرجلِ النَّمِر، أي عندما يَجِدُ أمامَه عائقاً اجتماعياً بمقدورِه تذليلُه والتغلبُ عليه؛ فسيَنقضُّ بأنيابِه على المرأةِ بكلِّ تأكيد. حيث سيَوَدُّ الرجلُ السلطويُّ اصطيادَ المرأةِ في هذه اللحظة، دون أنْ يَأبَهَ بأيِّ رادعٍ أخلاقيٍّ أو وجدانيّ. ولن يَصُدَّه عن ذلك لا السِّتارُ الدينيُّ ولا القانون. لذا، على المرأةِ أنْ تَعلَمَ بهذا الوضعِ ثم تَخرجَ إلى المَشهَدِ الاجتماعيّ. أو بالأحرى، عليها ألا تَظهرَ على الساحاتِ الاجتماعيةِ غيرِ المُسعِدة، ما لَم تتسلحْ بدفاعٍ ذاتيٍّ مضمونٍ وآمِن.

عليها الاستيعاب بأحسنِ حالٍ أنّ هدفَ الحداثةِ الرأسماليةِ الأساسيَّ مُعَبَّأٌ بمساعي تصييرِ المرأةِ عبداً عصرياً، سواءً بالأساليبِ القاسيةِ المُعَبِّرةِ عن قوةِ المالِ والسلطةِ بشكلٍ خاص، أم بالأساليبِ المَرِنةِ التي تَعكِسُ قوةَ الفنونِ وعلى رأسِها الآداب. أي أنّ الحداثةَ بمثابةِ قوةِ هجومٍ مُسَلَّطٍ على المرأةِ بدرجةٍ تُضارِعُ ما عليه رَجُلُ المجتمعاتِ القديمةِ أضعافاً مضاعفة، سواءً بأساليبِ المالِ والسلطة، أم بوعودِ العشقِ التي لا تنتهي. لا يَذهبُ معنى المالِ والعشقِ أبعدَ من كونِهما وَهماً أجوفاً مقابلَ طموحِ المرأةِ إلى الحياةِ الحرةِ في وجهِ قوةِ الرجلِ الحاكمِ المُرَوِّعة. لن تتخلصَ المرأةُ من تَكَبُّدِ الهزيمةِ النكراءَ تجاه الرَجُلِ في ظلِّ الحداثةِ القائمة، مهما أَبدَت مواقفَها بكلِّ صفائِها وحُسنِ نواياها وحركاتِها الجميلة، ومهما هَرَعَت وراء حياةِ الشراكةِ الندّيةِ الحرة. أي أنّ كلَّ الطُّرُقِ ستؤدي إلى عبوديةِ المرأةِ العصرية.

ولَئِنْ كانت المرأةُ مُصِرّةً على البقاءِ حرة، رغمَ وطأةِ المجتمعِ الرجوليِّ الحاكمِ هذا؛ فعليها عندئذٍ إما أنْ تتَحَمَّلَ عيشَ وحدةٍ كُبرى وانزواءٍ أقصى، أو أنْ تحتضنَ مَشَقّاتِ مناضليةٍ مليئةٍ بالكفاحِ الاشتراكيِّ الدؤوبِ في كلِّ لحظةٍ من لحظاتِه. تَسري الوحدةُ على الحالاتِ الاستثنائية، فيما تَقتضي الحياةُ الاشتراكيةُ حياةً أنثويةً مقدسةً نظيرةً لثقافةِ الإلهةِ الأنثى القديمة. هذا ويجب وضعُ مزيةٍ من مزايا الإلهاتِ نُصبَ العَين، ألا وهي عدمُ زواجِهن من الرجالِ البشر. في حين أنّ التاريخَ يُعَلِّمُنا أنه لَم يَعُدْ للإلهةِ الأنثى أَثَرٌ ملحوظ، عندما صارَ الرجلُ إلهاً. بالتالي، لَم يَبقَ ثمة خَيارٌ سوى التحولُ إلى مَلاكٍ أنثى. لكنّ المَلاكَ الأنثى تُمَثِّلُ نوعاً ما المرأةَ الخائرةَ القوى، والتي فَقَدَت قوتَها الجنسية. وامرأةٌ كهذه لا يَذهبُ دورُها في المجتمعِ أَبعدَ من أداءِ دورِ الرسول. أما تصويرُ إينانا – أفروديت في الميثولوجيا، فيُشيرُ إلى امرأةٍ مختلفة. حيث يُمَثِّلُ رمزَ المرأةِ التي لَم تَخسَرْ جمالَها وجاذبيتَها الجنسيةَ وقوتَها الجسدية بعد. إنّ العنصرَ الذي تَبحثُ عنه إينانا – أفروديت بوصفِها إلهةَ العشقِ من أجلِ حياةِ الشراكة، هو العنصرُ الخَليقُ بمشاركتِه إياها الحياةَ الندّيةَ الحرة. ينبغي الإدراك جيداً أنّ عنصراً كهذا غالباً ما يَكُونُ رجلاً شِبهَ إلهٍ– لا غير– مثلما هو بروماتوس. ويُمكِنُ تصويرُ هذا العنصر، أو حتى الرجلِ أيضاً بالأغلب، كمجردِ شكلٍ رمزيّ؛ سواءً تاريخياً أم في وقتِنا الراهن. وتَجسيدُه عَينياً أمرٌ واردٌ لدى خوضِ صراعٍ خارق. حيث مُحالٌ تحقيقُه، من دونِ إلحاقِ الهزيمةِ بآلهةِ الحداثةِ الرأسماليةِ غيرِ المُقَنَّعين، والمُعَبَّئين بقواهم المُهيبة. أي أنه تجسيدٌ ليس بالمستحيل، ولكنّه عسير. وأنْ تَكُونَ اشتراكياً أمرٌ واردٌ نوعاً ما، بتجسيدِ رمزِ إينانا – أفروديت ورمزِ بروماتوس.

وبالمقدورِ إيجازُ ما على الرجلِ فِعلُه أولاً، ما دام يتطلعُ إلى حياةِ الشراكةِ الحرة:

على هذا الرجلِ أنْ يَعلَمَ أنّ المرأةَ البارزةَ أمامَه قد تَعَرَّضَت لرِهانِ شتى أنواعِ العبوديةِ طيلةَ تاريخِ المدنيةِ المُعَمِّرةِ خمسَ آلافٍ من السنين، وبالأخصِّ في ظلِّ هيمنتِها الرأسماليةِ التي يَبلغُ عمرُها خمسةَ قرون. ولَم يَبقَ لهذه المرأةِ سبيلٌ سوى التحولُ إلى أنثى مُتَنَمِّرةٍ مقابل الرجلِ المُتَنَمِّر. هذا وشُيِّدَت كافةُ استراتيجاتِ حياتِها وتكتيكاتِها لحظةً بلحظةٍ على هذه الأرضية. وإذ ما قَرَأنا الأمرَ معكوساً، فهي أيضاً لديها قفصُها الذي توَدُّ إسقاطَ وحبسَ الرجلِ الشريكِ فيه. فإذا كان الرجلُ يَطمحُ في حياةٍ ندّيةٍ حرة، فإنّ خلاصَه من هكذا استراتيجياتٍ وتكتيكاتٍ خاصةٍ بالمرأةِ أمرٌ شاقٌّ، بقدرِ ما هي عليه مَشَقَّاتُ المرأةِ العبدةِ بأقلِّ تقدير. لذا، فالخلاصُ من تلك الاستراتيجياتِ والتكتيكاتِ التي تُسَيِّرُها المرأةُ كعبوديةٍ مضادة، يُعتَبَرُ ميدانَ حربٍ أوليةٍ بالنسبةِ للرجلِ الاشتراكيِّ المتطلعِ إلى حياةٍ ندّيةٍ حرة. ومن دونِ كَسبِه هذه الحرب، لن يَتمكّنَ من خطوِ ولو خطوةٍ واحدةٍ فقط على دربِ نضالِ المجتمعِ الاشتراكيّ.

على الرجلِ المندرجِ في زواجِ الشراكةِ، الإدراكُ أنه مُعَرَّضٌ لتأثيرِ مؤسسةِ العبوديةِ بقدرِ المرأةِ على الأقل. ولأجلِ تذليلِ مساوئِ هذه المؤسسة، على هذا الرجلِ أنْ يَهرَعَ دوماً وراء الحياةِ الاشتراكيةِ ضمن نطاقِ المنزل. ذلك أنّ الحياةَ مع المرأةِ العبدةِ تُعاشُ بعبوديةٍ وبنحوٍ خاطئ. من هنا، فتَخَطّي ثقافةِ بيوتِ الدعارةِ المُخَصخَصة، يقتضي إبداءَ النجاحِ المؤزرِ في التحلي بثقافةِ الحياةِ الندّيةِ الحرة.

يجب خوضُ الصراعِ مع النَّفْسِ دوماً وبمنوالٍ مُوَفَّقٍ تجاه تسليطِ الحداثةِ الرأسماليةِ لثقافةِ الجنسويةِ المُغوِيةِ والمُغرية. ذلك أنّ الاستراتيجياتِ والتكتيكاتِ المُطَوَّرَ بغرضِ تأمينِ استسلامِ الرجل، مُهلِكةٌ ومُبيدةٌ بقدرِ تحقيقِ أَسرِ المرأةِ أيضاً. ينبغي عدم الإغفالِ أو النسيانِ أنّه، فيما صُيِّرَ الرجلُ في الحداثةِ الرأسمالية ذكورةً مُغالى بها بيولوجياً من جهة، فقد جرى تأنيثُه من الجهةِ الأخرى عبرَ جميعِ ثقافاتِها الاجتماعية. أي، وبينما يُنَمَّرُ الرجلُ الجنسويُّ البيولوجيُّ بإفراطٍ من ناحية، فإنه يُحَوَّلُ من الجانبِ الثاني إلى قطةٍ ذاتِ ثقافةٍ أنوثية (أنثى تطغى عليها العبودية). لذا، من المستحيلِ التحولُ إلى امرؤٍ اشتراكيّ، أو خوضَ نضالِ المجتمعِ الاشتراكيّ؛ ما لَم تُقَوَّضُ هذه الرجولةُ التي تَفرضُها الحداثة.

نضالُ الرجلِ الحرِّ ضروريٌّ بقدرِ ضرورةِ نضالِ المرأةِ الحرةِ بأقلِّ تقدير، في سبيلِ ترسيخِ حياةِ شَراكةٍ نِدّيّةٍ حرةٍ في وجهِ كل هذه المساوئ. والرجولةُ الحرةُ غيرُ ممكنةٍ سوى بتخَطّي شخصيةِ الرجلِ المُستَعبَدِ بالمقلوبِ على يدِ المجتمعِ الرجوليِّ الحاكم. هذا ومن اللازمِ نيلَ مرتبةِ العَلاّمةِ والعَرَّافةِ التي لا تَفتأُ ساريةً في واقعِنا الاجتماعيّ. وكيفما "لا يُولَدُ المرءُ رجلاً، بل يُصبحُ رجلاً"، فإنه يُولَدُ بالمقابلِ كرجلِ مَدَنيّة، ولكنْ بمقدورِه أنْ يُصبحَ أيضاً رجلاً حراً. أما رمزُ رجولةِ بروماتوس، فليس بالإمكانِ تجسيدُها ميدانياً في عصرِنا الراهن، إلا بعِلمِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ وفلسفتِها وفنونِها. من عظيمِ الأهميةِ الإدراكُ أنّ هدفَ الميثيولوجيا والدينِ والفلسفةِ والعِلمِ والفنِّ هو الحياة، وأنّه يأتي في صدارةِ أدوارِها تحقيقُ وبناءُ الشراكةِ الحرةِ والتزاوُجِ الحرّ. وبعدَ استيعابِ ذلك ينبغي تصييرُه أخلاقياً وجمالياً. فالزيجاتُ العصريةُ القائمةُ ما هي إلا استمرارٌ لثقافةِ السلالاتيةِ الهرمية (وهي ثقافةٌ مُعَمِّرةٌ حوالي سبعَ آلاف سنة)، وهي مشحونةٌ بتضمينِ شخصيةِ المرأةِ والرجلِ بثقافةِ الاغتصابِ والاعتداءِ ومقاييسِها إلى الحدِّ الأقصى متمثلةً في الشرف؛ وذلك بوصفِها الساحةَ التي تُنتَجُ فيها قِيَمُ المجتمعِ الدولتيِّ الأولية. من هنا، من الضرورةِ بمكانٍ النظرُ إلى عدمِ تَحَقُّقِ العشق، وتفشي حالاتِ الطلاق، وانهيارُ مؤسسةِ العائلةِ على أنه محصلةٌ لثقافةِ الاغتصابِ المُضَمَّنةِ في الشخصيات، والطامعةِ في السلطةِ والاستغلال. بناءً عليه، فمن غيرِ المستطاعِ تحقيقُ المجتمعِ الحرِّ والاشتراكيِّ في وجهِ ثقافةِ الاغتصاب، إلا من خلالِ الشخصياتِ المفعمةِ لحظياً بالفلسفةِ والعلمِ والأخلاقياتِ والجماليات. ومن الواضحِ جلياً أنّ حَيَواتِ الشراكةِ الندّيةِ الحرةِ التي ستتحققُ تأسيساً على ذلك، سوف تُسفِرُ عن الجمالِ والصوابِ والفضيلةِ باستمرار بالنسبةِ للأفرادِ والمجتمعِ على السواء.

لن يَسَعَنا الحظيُ بالحياةِ المعجزويةِ والبهيةِ التي هدَمَتها الحداثةُ الرأسمالية، ولا مشاطرتُها؛ إلا بحياةِ الشراكةِ الندّيةِ الحرة، وبشخصيتِها الاشتراكيةِ وكفاحِها الاجتماعيّ. انطلاقاً من ذلك، فإنّ تربيةَ الأطفالِ –وبالأخصِ البنات– وتَنشِئَتَهم منذ الصِّغَر على ذهنيةِ العصرانيةِ الديمقراطيةِ وبمؤسساتِها، وسَوقَهم إلى الحياةِ العمليةِ عبر الكفاحِ الاجتماعيِّ الاشتراكيِّ الديمقراطيّ؛ ينبغي اعتبارُه نمطاً لحياتِنا، وبالتالي اكتسابُه، وجَعلُه مُحَبَّذاً ومُفَضَّلاً.