Kurdî  |  Tirkî

الحياة المتماثلة الحرة (حياة الشراكة الحرة)1

من دونِ استيعابِ العلاقاتِ بين المرأةِ والرجل، لا يُمكنُ إدراك أو حلّ أيةِ مشكلةٍ اجتماعيةٍ بالدرجةِ الكافية. إذ تتخفى وراء القضايا الاجتماعيةِ إشكاليةُ العلاقاتِ بين الجنسَين.

فلدى قيامِ مؤسسةِ الزواجِ – المفروضةِ على المرأةِ في المجتمعِ الهرميِّ ومجتمعِ المدنيةِ بمنوالٍ أحاديِّ الجانبِ – بإنشاءِ حاكميةِ الرجلِ المتعددةِ الجوانب، يَكُونُ بذلك قد رُصِفَت أرضيةُ مؤسسةِ عبوديةٍ وتبعيةٍ خاصّةٍ بالمجتمعِ البشريّ، وربما لَم يَشهدْها أيُّ كائنٍ حيٍّ آخر في الطبيعة. وكلُّ تمايُزٍ مجتمعيٍّ وطبقيٍّ وقوميٍّ بين الساحقِ والمسحوق، إنما يرتفعُ دوماً على هذه الأرضية. كما ويتسترُ هذا الواقعُ خلفَ جميعِ أشكالِ النزاعاتِ والمشاحناتِ والحروب. بينما ما حَجَبَه تاريخُ المدنيةِ ووارَته الحداثةُ الرأسماليةُ بالأكثر بوصفِها آخرَ مراحلِه، هو ذاك الواقعُ المعنيُّ بوضعِ عبوديةِ المرأةِ المبنيةِ على تلك الأرضية. فالمرأةُ التي طُوبِقَ بين اسمِها والشيطانِ في مجتمعِ المدنية، هي حسبَ سلوكِ الامتثالِ في سوسيولوجيا الحداثة، أُمُّ الطفلِ ذاتِ الشخصيةِ الأكثرَ طاعةً، والعاملةِ مجانياً في المنزل.

إدراكُ كافةِ أشكالِ ومضامينِ مستوى العبوديةِ التي شُرِّبَت حياةُ المرأةِ بها على مدى آلافِ السنينِ بِيَدِ الرجلِ وبعَقلِه الظالِمِ والاستغلاليّ، أمرٌ كان يتوجبُ اعتبارُه أولَ خطوةٍ على دربِ سوسيولوجيا الحقائق. ذلك أنّ معالِمَ العبوديةِ والاستغلالِ في هذا الحقلِ نموذجٌ بِدئيٌّ مُصَغُّرٌ عن كلِّ أشكالِ العبوديةِ والاستغلالِ الاجتماعيَّين. والعكسُ صحيح. أي أنّ كفاحَ الحريةِ والمساواةِ إزاء العبوديةِ والاستغلالِ المُضَمَّنَين في حياةِ المرأة، ومستوى المكاسبِ المُحرَزةِ في هذا الكفاح، يُشَكِّلُ أرضيةَ كفاحِ الحريةِ والمساواةِ تجاه العبوديةِ والاستغلالِ في جميعِ الميادين الاجتماعية. من هنا، فالعجزُ عن الفهمِ الكافي لمؤسساتِ وذهنياتِ العبوديةِ والاستغلال، والتي طُعِّمَت حياةُ المرأةِ ورُسِمَت ملامحُها بها، وعدمُ اتخاذِ الكفاحِ ضدّها أساساً؛ إنما يُعَدُّ العاملَ الأوليَّ الكامنَ وراء عدمِ التمكنِ من تطويرِ النضالِ بخُطىً سديدةٍ على دربِ الحريةِ والمساواة، ووراء العجزِ عن الانتهاءِ بذلك النضالِ إلى نصرٍ مؤزرٍ طيلةَ تاريخِ المدنيةِ عموماً والحداثةِ الرأسماليةِ خصوصاً. ألا يَقولون أن السَّمَكَ يفسدُ من رأسِهَ؟! إذن، وعندما لا تَكُونُ الأرضيةُ قويمةً سليمة، فالبناءُ الذي سيُشادُ عليها لن يتخلصَ من الانهيارِ مع أيِّ ارتجاجٍ صغير. والواقعُ المُعاشُ تاريخياً وراهناً، مليءٌ بعددٍ لا حصر له من الأمثلةِ الدالّةِ على ذلك.

بناءً عليه، فالتركيزُ على ظاهرةِ المرأة، والانتهالُ من حياةِ المرأةِ كمصدرٍ أوليٍّ لمساعي الحريةِ والمساواةِ لدى الشروعِ بتحليلِ القضايا الاجتماعية؛ ينبغي أنْ يَكُونَ أسلوباً بحثياً رئيسياً من جهة، وأرضيةً للجهودِ العلميةِ والأخلاقيةِ والجماليةِ المبدئيةِ من الجهةِ الثانية. ذلك أنّ أسلوبَ البحثِ الذي تَغيبُ فيه حقيقةُ المرأة، وكفاحَ الحريةِ والمساواةِ الذي لا يتَّخِذُ من المرأةِ مِحوراً له؛ لن يَقدر على بلوغِ الحقيقة، ولا على نيلِ الحريةِ وتوطيدِ المساواة.

تعريفُ المرأةِ أولاً، وتحديدُ دورِها في الحياةِ الاجتماعيةِ شرطٌ أساسٌ من أجلِ حياةٍ سديدة. لا نوضحُ هذا الحُكمَ من جهةِ الخصائصِ البيولوجيةِ للمرأةِ أو وضعِها الاجتماعيّ. فالمهمُّ هو مصطلحُ المرأةِ كوجود. إذ بقدرِ ما تُعَرَّفُ المرأةُ يَغدو تعريفُ الرجلِ أيضاً أمراً وارداً. مُحالٌ علينا صياغةٌ تعريفٍ صحيحٍ للمرأةِ والحياةِ انطلاقاً من الرجل. ذلك أنّ الوجودَ الطبيعيَّ للمرأةِ يتحلى بمنزلةٍ مِحوريةٍ أكثر. الأمرُ كذلك بيولوجياً أيضاً. لذا، فلجوءُ المجتمعِ الذكوريِّ المهيمنِ إلى الحطِّ من شأنِ المرأةِ وتهميشِها إلى أقصى الحدود، ينبغي ألا يُعيقَ استيعابَنا لحقيقةِ المرأةِ وواقعِها. هذا وطبيعةُ الحياةِ مرتبطةٌ أكثرَ بالمرأة. وإقصاءُ المرأةِ من الحياةِ الاجتماعيةِ إلى آخرِ درجة، لا يؤكدُ خطأَ هذه الحقيقة، بل بالعكس، يؤيدُ صوابَها. ففي حقيقةِ الأمر، يَهجمُ الرجلُ بتعسفٍ وجُورٍ وبقوتِه المُبيدةِ على الحياةِ متجسدةً في المرأة. وعداءُ الرجلِ للحياةِ وإفناؤُه إياها بوصفِه مسيطراً اجتماعياً، إنما هو على علاقةٍ كثيبةٍ مع الواقعِ الاجتماعيِّ الذي عاشَه.

بوِسعِنا اتخاذ قرينةِ الطاقةِ – المادةِ أساساً، لدى تصييرِنا هذا الحُكمَ عالمياً. الطاقةُ أساسيةٌ أكثر نسبةً إلى المادة. والمادةُ بذاتِها طاقةٌ متحولةٌ إلى بنية. أي أنّ المادةَ هي الشكلُ الذي يُخفي الطاقةَ ويُحَدِّدُها بملامح وجودية. بالتالي، فهي بخاصيتِها هذه تَحبسُ الطاقةَ في قفص، وتُوقِفُ تدفقَها. لكلِّ شكلٍ ماديٍّ حصةٌ مختلفةٌ من الطاقة. وبالأصل، فهذا الاختلافُ في الطاقةِ هو الذي يُحَدِّدُ اختلافَ وتبايُنَ الأشكالِ والبنى المادية. الطاقةُ الموجودةُ في شكلِ المرأةِ ومادتِها تختلفُ عن تلك التي مادةِ الرجل. ذلك أنّ الطاقةَ المنقولةَ إلى المرأةِ أكثر كَمّاً ومختلفةٌ نوعاً على حدٍّ سواء. وينبعُ هذا الاختلافُ من شكلِ المرأة. عندما تتحولُ طاقةُ الرجلِ في الطبيعةِ الاجتماعيةِ إلى أجهزةِ السلطة، فإنها تَتَّخِذُ لنفسِها الأشكالَ الماديةَ الملموسة. والأشكالُ تعصبيةٌ في الكونِ برمتِها، بوصفِها طاقةٌ متجمدة. لذا، فالتحولُ إلى رجلٍ مسيطرٍ في المجتمع، يعني التحولَ إلى شكليةِ السلطة. وفي هذه الحالةِ ما تَكُونُ الطاقةُ اكتسبَت شكلاً عَينياً. وقليلةٌ هي الطاقةُ غيرُ المتحولةِ إلى شكلٍ ملموس، حيث تُشاهَدُ في عددٍ نادرٍ من الأشخاص. أما لدى المرأة، فغالباً ما تُعاندُ الطاقةُ التحولَ إلى شكلٍ ملموس. حيث تُحافِظُ طاقتُها على حالتِها المتدفقة. وتستمرُّ في تدفقِها كطاقةِ حياة، في حالِ لَم تُحبَسْ في شكلِ الرجلِ وقفصِه. والجماليةُ والشاعريةُ والقابليةُ الإيقاعيةُ المميِّزة (الطاقةُ الكامنةُ للمعنى) لدى المرأةِ غيرِ المُجَمَّدة، هي ذاتُ صِلَةٍ وثيقةٌ مع حالةِ الطاقةِ الطافحةِ هذه. ولأجلِ فهمِ هذه الحقيقة، يتوجبُ إدراكُ الحياةِ الحيةِ بكلِّ أعماقِها.

يُمكنُ نسبياً– أو يجبُ –صياغة تعريفٍ للتطور الطبيعيِّ لحياةٍ تَطالُ حتى الإنسان. ينبغي أولاً السؤالُ عن غايةِ الحياة. لماذا نعيش؟ لماذا تُواصِلُ الحياةُ نفسَها وتُغذّيها وتصونُها؟ بديهيٌّ أنّ القولِ بضرورةِ المَأكلِ والمَأمَنِ والتكاثرِ لأجلِ الحياةِ ليس جواباً كافياً. إذن، السؤالُ الذي يتوجبُ طرحُه هو: لماذا نتكاثرُ ونتغذى ونحمي أنفسَنا؟ وعندما يَكُونُ الجوابُ: "كي نعيش"، فإننا نَسقطُ حينئذٍ في دوامةٍ مسدودة، مما لا يُفيدُ بإعطاءِ الجواب. ظاهرةُ الفَهمِ، والمستوياتُ الذهنيةُ المتطورةُ والمتناميةُ كشكلٍ من أشكالِ الطاقةِ التي تَصِلُ مرتبةَ الإنسان؛ تَمُدُّنا ببعضِ رؤوسِ الخيطِ لأجلِ الجواب. فالتطورُ الطبيعيُّ للكون، والذي يبلغُ منزلةَ الإنسان، إنما يبسطُ للعَيانِ قوةَ معنى متناميةً ومزدهرةً دون انقطاع. وكأنّ الواقعَ الخفيَّ أو الكمونيَّ المستترَ في الكون، يَرومُ إلى بلوغِ نتيجةٍ أَقرَبُ ما تَكُونُ إلى الانكشافِ والتجلي والفهمِ المتبادَل. الحاجةُ إلى الفهمِ المتبادلِ مُحَرِّضٌ ومُحَفِّزٌ أساسيٌّ على التطورِ الطبيعيّ. بالتالي، فالسؤالُ الواجبُ طرحُه من الآن فصاعداً، ينبغي أنْ يتعلقَ بالفَهمِ المتبادَلِ ذاتِه. ما هو الشيءُ المُرادُ فهمُه وإفهامُه؟ إنّ الحُكمَ المذكورَ في الكتابِ المقدس، والذي نصُّه "يَقولُ الله: كنتُ سِرّاً، فخلقتُ الكونَ لأُفهَم"، قد يَكُونُ جواباً لسؤالِنا، ولكنه غيرُ كافٍ. فالحاجةُ إلى التعريفِ بالذاتِ لا تكفي تماماً لتعريفِ المعنى، لكنْ وكأنها تُفشي جزئياً بِسِرِّها في الحياة.

تعريفُ "الروح المطلقة" أيضاً لدى هيغل له معنى مشابِه. فالكونُ لدى هيغل قد عادَ إلى نفسِه عن وعيٍ ومعرفةٍ من خلالِ الروحِ المطلقة. فالكونُ المُرادُ معرفتُه، يَقومُ هو بذلك عن طريقِ الروحِ المطلقة، أي بالوعيِ الفلسفيِّ الذي هو أكثر حالاتِ الوعيِ مهارةً وكفاءة، وذلك بعدَ مرورِه بالمراحلِ الفيزيائيةِ والبيولوجيةِ والاجتماعية؛ ليَشعرُ بالرضى عن قدرتِه على التعريفِ بذاتِه، فيُكمِلَ مسيرةَ مغامرتِه بتصييرِ نفسِه كوناً معروفاً ومفهوماً. هذه الأحكامُ المتميزةُ بنسبةٍ هامةٍ من الحقيقة، تُطابِقُ بين غايةِ الحياةِ والمعنى. ومصطلحُ النظرية "theoria" في الفلسفةِ اليونانية، يتضمنُ معاني مثيلة. وكنتيجة، فـ"المعنى" تأليهٌ للإنسانِ الاجتماعيّ. والتساؤُلاتُ الهامّةُ هنا هي: أَيُمكِنُ لتأليهِ الإنسانِ الاجتماعيّ، أو لقوةِ "المعنى" التي حازَ عليها، أن تُمَثِّلَ أو تُعَبِّرَ عن كافةِ المعاني التي في الكون؟ أَوَ أيُمكنُ المطابقةُ بين المعنى الأقصى في المجتمعية (الروح المطلقة لدى هيغل) والمعنى الكونيِّ ذاتِه؟ أَوَليسَ المجتمعُ بذاتِ نفسِه كياناً ناقصاً؟ وأَلن يَكُونَ معناه ناقصاً في هذه الحالة؟

لكننا لن نستطيعَ الردَّ تماماً على هذه الأسئلةِ ما دُمنا بَشَراً. فنحن مَحدودون بالمجتمع، ولا يُمكنُنا التحولُ إلى موجوداتٍ فوق-مُجتمعيةٍ (عابرة للمجتمع Toplum-üstü). لذا بإمكاننا طرحُ الأسئلة لا غير. ويَكمنُ حُسنُ طالعِنا في أنّ طرحَ السؤالِ هو نِصفُ الفَهم. بالتالي، بمقدورِه تزويدنا برؤوسِ الخيطِ بصددِ الفهم (المعنى المطلق). هكذا، بوِسعِنا حالياً الشعورُ بالطمأنينةِ والرضا، لإدراكِنا الضرورةَ القصوى للتحلي بالمعنى، وانتباهِنا إلى دنوِّه كثيراً من فهمِ غايةِ الحياةِ الأساسيةِ والإمساكِ بها. بناءً عليه، بإمكانِنا الحكمُ على أنفسِنا بأننا ماهرون وقادرون على حلِّ قسمٍ كبيرٍ من القضايا الأوليةِ فيما يخصُّ الحياةَ المشحونةَ بالمعنى تحديداً، أو على إيجادِ الحلولِ المتعلقةِ بالحياةِ الاجتماعيةِ العادلةِ والجميلةِ والصحيحةِ بأقلِّ تقدير.

إذا انعَكَفنا على حقيقةِ المرأةِ بهذه الإرشاداتِ الفلسفية، فسنَصِلُ إلى نتيجةِ لزومِ عقدِ أواصرِ الحياةِ القَيِّمةِ مع المرأةِ بكلِّ محاسنِها وصوابِها وجمالِها. وانطلاقاً من هذا الحُكم، يَغدو من المحالِ أنْ يَتجسدَ المَرامُ الأصليُّ للمرأةِ في التوالُدِ والتكاثُر. أي، بالمستطاعِ القولُ أنّ الكائناتِ الحيةَ الأحاديةَ الخليةِ والأبسطَ نوعاً من بين المخلوقات، تُدركُ عمليةَ التوالد؛ وربما شُفِّرَت حياتُها تأسيساً على هذا الهدفِ الوحيد. لكنّ التطورَ الطبيعيَّ والتدريجيَّ الحاصلَ يدلُّ على أنّ انشطارَ الخليةِ الوحيدةِ إلى نصفَين يكادان يَكُونان متساويَين ليس بنهايةِ الحياة، وأنّ عمليةَ انشطارِ الكائنِ الأحاديِّ الخليةِ ملايين المراتِ لا يَؤولُ إلى نهايةِ الحياة، بل إلى التنوعِ والتبايُنِ السريعَين؛ مُشيراً بذلك إلى أنّ الجوابَ التاليَ القَيِّمَ ليس تكاثُراً بقدرِ ما هو تغيُّرٌ وتَحَوُّل. بمعنى آخر، فالتكاثرُ أداةٌ لازمةٌ لأجلِ الحياة، لكنها غيرُ كافيةٍ بتاتاً لأجلِ فهمها. أي أنّ التكاثرَ أداتيٌّ، وليس هدفاً أو معنىً. أو بالأحرى، فالحياةُ التي ينحصرُ معناها في التكاثرِ فحسب، هي حياةٌ ناقصةٌ ومعلولةٌ للغاية. وبينما الوضعُ هكذا لدى الكائنِ الأحاديِّ الخلية، فإنّ حَصرَ الحياةِ الإنسانيةِ مع المرأةِ في التوالُدِ والتكاثر، لا يُفيدُ نُقصانِ المعنى وحسب، بل وبالعَمى فيه أيضاً. حيث، ونظراً لأنّ التكاثُرَ عن طريقِ المرأةِ لن يَكُونَ كما لدى الأَميبا، فإنّ وضعَ هذا التكاثرِ في مركزِ الحياةِ، وجَعلَه هدفَها، يدلُّ على عدمِ استنباطِ المعاني اللازمةِ من التطورِ الطبيعيِّ الرائعِ لدى الكائناتِ الحية. عِلماً أنّ مشكلةَ السكانِ في المجتمعِ البشريِّ قد حُلَّت كلياً بالتقنياتِ العصرية. أي أنّ مشكلةَ النوعِ البشريِّ ليست قِلَّةَ السكان، بل وعلى النقيض، فالتكاثُرُ الذي لَم يَعُدْ يَتَّسِعُ له الكونُبات قضيةً كبرى تتعاظمُ باضطراد. بَيْدَ أنه، وكما أُثبِتَ في الكائنِ الأحاديِّ الخلية، فسرعةُ التكاثرِ مرتبطةٌ بالمستوى المتخلفِ والبدائيّ، وكلُّ تكاثُرٍ يعني الموت. والتكاثرُ الجسديُّ يتضمنُ معنىً كهذا في جميعِ ضروبِ التطورِ التدريجيّ. فالمخلوقُ الفاني يَعتقدُ بتخليدِ ذاتِه من خلالِ التكاثر، وهذا هو الضلال. فالاستمرارُ بالذاتِ باستنساخِها قد يُلَبّي حاجةَ المَأمنِ ويُشبِعُ رغبتَه في الطموحِ إلى الخلود، ولكنه لن يستطيعَ جعلَ ذلك حقيقياً وواقعياً.

باختصار؛ ما من معانٍ جادةٍ في فلسفةِ الحياةِ المرتكزةِ إلى التكاثرِ عبر المرأة. إنّ ظاهرات من قبيلِ الميراثِ والقوةِ قد حَمَّلَت المرأةَ الوَلودَ والمُنجِبةَ بمعانيَ معنيةٍ بالقمعِ والاستغلالِ على حسابِ المرأة. أي أنّ المرأةَ التي تُنجِبُ كثيراً هي التي تَموتُ باكراً. من هنا، فالحياةُ النفيسةُ جداً مع المرأةِ من حيث المعنى، ممكنةٌ إما بأدنى نسبةٍ من الإنجاب، أو هي ممكنةٌ مع المرأةِ التي لا تُنجِبُ أبداً، ما دام ثمة مشكلةٌ كزيادةِ السكانِ عموماً بالنسبةِ للنوعِ البشريّ. قد يَكُونُ لإنجابِ الكثيرِ من الأطفالِ معنىً وقيمةٌ على صعيدِ الدفاعِ عن الذاتِ بالنسبةِ إلى شعوبِ المستعمَراتِ النائيةِ العاجزةِ عن تطويرِ نفسِها فرداً ومجتمعاً من ناحيةِ القوةِ الفكريةِ والسياسية. ذلك أنّ الردَّ بالإكثارِ من النَّسَبِ على الإبادةِ المفروضةِ على الذات، هو أسلوبٌ من أساليبِ المقاومةِ والتصدي وتأمينِ وجودِ الذات. لكنّ هذا دفاعٌ ذاتيٌّ خاصٌّ بالمجتمعاتِ التي لا تَملكُ كثيراً فرصةَ الحياةِ الحرة. ولهذا السببِ بالذاتِ يستحيلُ وجودُ حياةٍ جماليةٍ تتَّخِذُ من الصوابِ أساساً مع المرأة، في المجتمعاتِ التي يتدنى فيها مستوى المعنى إلى هذه الدرجة. والحقيقةُ القائمةُ للمجتمعاتِ في أرجاءِ المعمورةِ تُبَرهِنُ صحةَ ذلك. إذ ما من جانبٍ خصوصيٍّ لنشاطَي المَأكلِ والمَأمَنِ في العيشِ مع المرأة، لأنّهما يَسريان على كلِّ كائنٍ حيّ. كما ولا جدوى في نقاشِ الحياةِ من دونِ المرأةِ أو الرجل. حيث تَسُودُ ظاهرةٌ الذكورةِ والأنوثةِ في جميعِ حَيَواتِ التكاثرِ الجنسيِّ والتكاثرِ اللاجنسيّ. بناءً عليه، فالمشكلةُ لا تتعلقُ بحياةِ الشراكةِ الندية تحديداً، بقدرِ ما هي معنيةٌ بمعناها داخل المجتمعِ البشريّ.

المجتمعُ البشريُّ ليس شكلُ الحياةٍ لأيِّ نوعٍ كان من الكائناتِ الحية. حيث يحتوي خصائصاً تُؤَهِّلُه لتطويرِ ظاهرةِ السيطرةِ والسلطةِ بين صفوفِه وعلى الطبيعةِ على حدٍّ سواء. أما الانسياقُ وراءَ الحدِّ الأعلى من الأممِ كَمّاً ونوعاً، مثلما الحالُ في سلطةِ الدولةِ القومية، فربما يُحَوِّلُ كوكبَ الحياةِ إلى مقبرةٍ للحياة. وهنا ينبع الانحراف من المجتمع، أي من المجتمعِ الرجوليّ المهيمن. ذلك أنّ الهيمنةَ التي يُسَلِّطُها الرجلُ المسيطرُ على حياةِ المرأة، قد آلَ بكوكبنا إلى حالةٍ لا يُطاقُ العيشُ فيها. لا يجري بلوغُ هذه النتيجةِ بالتطورِ البيولوجيِّ الطبيعيّ، بل بالسلطةِ المهيمنةِ ذاتِ الحاكميةِ الرجولية. تأسيساً عليه، يتوجبُ إنقاذُ الحياةِ مع المرأةِ من ظاهرةِ السلطةِ المهيمنةِ ذاتِ الحاكميةِ الرجولية. فالمرأةُ التي تمرُّ حياتُها تحت نيرِ السيطرةِ والحاكمية، باتت مزيتُها في الإنجابِ تقضي على الحياةِ بشكلٍ تَهَكُّميٍّ ساخرٍ مع حلولِ عصرِ الحداثةِ الرأسمالية، رغمَ أنّ هذه المزيةَ أَحيَت البشريةِ مدى ملايين السنين. إنّ العيشَ مع المرأةِ في كنفِ الوضعِ القائمِ يُنبِّئُ بنهايةِ الحياة. ولهذه الحقيقةِ عددٌ لا نهايةَ له من الإشاراتِ والدلائل. وإذا ما رَتَّبنا تلك الدلائل:

  1. · تمَّ بلوغُ مرحلةِ عدمِ اتّساعِ الكونِ للتزايدُ السكانيِّ الذي غدا يُهَدِّدُ الكائناتِ الحيةَ الأخرى. هذا النوعُ من الحياةِ مع المرأةِ القابعةِ تحت نيرِ الوضعِ الحاليّ، يُهدِّدُ طبيعةَ الحياةِ وبيئتَها بسرعةٍ متزايدةٍ يوماً وراء يوم.
  2. · كما أنّ هذه الحياةَ تفتحُ الطريقَ أمام عنفِ السلطةِ اللامحدودِ داخلَ المجتمعاتِ وخارجَها. والمستوى الذي وصلَت إليه العسكرتاريةُ يُثبِتُ صحةَ هذه الحقيقةِ بما فيه الكفاية.
  3. · لقد صُيِّرَ الجنسُ لدى المرأةِ أداةً استغلاليةً مُرَوِّعة، وطُبِّقَ عليها قمعٌ واستغلالٌ فظيعان. كما حُرِّفتْ الحياةُ كلياً عن مَجراها بحيث تكادُ تعني – فقط وفقط –شذوذاً جنسياً متكرراً بلا جدوى.
  4. · أصبحَت المرأةُ المُهَمَّشةُ طردياً من المجتمعِ أداةً ضروريةً لا بدَّ منها لإدامةِ النسل، وسلعةً جنسية، وقوةً عاملةً هي الأبخسُ على الإطلاق. وكأنه لَم يَعُدْ لها أيُّ معنى آخر.
  5. · وكأنه تُطَبَّقُ إبادةٌ ثقافيةٌ على المرأة. حيث لا قيمةَ لها سوى دورُها في ممارسةِ الجنسِ وإدامةِ النسل، وكونها جيشاً من العاطلين المجانيين أو العاملين بأبخسِ الأجور. لقد جُرِّدَت من قوةِ الدفاعِ الذاتيِّ التي تُمَكِّنُها من حمايةِ نفسِها جسدياً وأخلاقياً ومعنىً.
  6. · مجتمعٌ كهذا يتركُ المرأةَ تتخبطُ بين مخالبِ حياةٍ بلا معنى في ظلِّ هذه العواملِ والمؤثرات، لا يُمكنُ إلا أنْ يَكُونَ مجتمعاً مريضاً. فالمرأةُ المفتقرةُ إلى المعنى، يصبحُ مجتمعُها أيضاً بلا معنى.

هذه الإماراتُ التي بالمقدورِ زيادتُها أكثر، تَكشفُ بكلِّ جلاءٍ عن مَسيسِ الحاجةِ إلى إطراءِ تحولٍ جذريٍّ على حياةِ الشراكةِ النديةِ مع المرأة، وتَجعلُها مَهَمَّةً عاجلة. فالحياةُ الحرةُ مستحيلةٌ مع امرأةٍ مُستَملكةٍ وبلا حماية. وهي غيرُ ممكنةٌ أخلاقياً أيضاً. ذلك أنّ العبوديةَ لا تتحققُ إلا عند القضاءِ التامِّ على الأخلاق. وبطبيعةِ الحال، لا نستطيعُ تسميةَ أخلاقِ قوى الهيمنةِ بالأخلاق. حيث أنّ القوةَ المهيمنة، وبالتالي الرجولةَ المهيمنةَ لا تتحققُ إلا بانحطاطِ الأخلاق. ونظراً لاستحالةِ العيشِ من دون المرأة (والعكسُ صحيح: فقد تَكُونُ الحياةُ واردةً من دونِ الرجل، ولكنها ستَكُونُ حياةَ عبودية)، فإنقاذُ الحياةِ حينئذٍ يَجعلُ تحريرِ المرأةِ ضرورةً حتميةً لا مناصّ منها. هذا الشرحُ معنيٌّ بالأكثر بالمرأةِ ضمن البنيويةِ الاجتماعية. كما وتتضاعفُ أهميةُ قضيةِ المرأةِ بعالَمِها الذهنيِّ وعلاقاتِها التي تحتويها. حيث من المستحيلِ العيشُ مع المرأةِ بوصفِها شريكةً عموماً وشريكةَ حياةٍ حرةٍ على وجهِ الخصوص؛ ما لَم تُطَوَّرْ ذهنيةٌ تتصدى بنجاحٍ موفَّقٍ الدلائلَ السلبيةَ البارزةَ بشأنِ المرأة. بناءً عليه؛ ولأجلِ العيشِ على مستوى الشراكةِ الحرةِ مع المرأةِ باعتبارِها أطروحةً مضادة، بإمكاننا إيجاز ما يَلزمُ تحقيقُه على الشكلِ التالي:

  1. · ثمة حاجةٌ ماسةٌ أولاً إلى مصطلحِ حياةٍ نديةٍ ايكولوجية، لا تَعمَلُ أساساً باستمرارِ النسلِ والتكاثر، بل تتلاءمُ والطموحاتِ العالميةَ للبشرية، وتقتفي أثرَ نشوءِ الكائناتِ الحيةِ الأخرى التي على سطحِ الكوكب. ذلك أنّ مستوى الحريةِ الذي حققَه المجتمعُ عالمياً، يَجعلُ من الحياةِ الحرةِ مع المرأةِ ضرورةً اضطرارية. والاشتراكيةُ الحقةُ لن تُشادَ إلا بالتأسيسِ على أرضيةِ الحياةِ الحرةِ مع المرأة. وأَسبَقِيّةُ الاشتراكية önceliği( وليس ببَعْدِيَّتَها sonralığı) تقتضي بلوغَ هذا المستوى بكلِّ تأكيد.
  2. · لأجلِ ذلك يتوجبُ الكفاحُ ذهنياً ومؤسساتياً تجاه السلطةِ المهيمنةِ للرجلِ الحاكم، وضمانُ نصرِ هذا الكفاحِ ذهنياً ومؤسساتياً على صعيدِ الشراكةِ والنِّدِّيّةِ الحرة. حيث محالٌ تحقيقُ الحياةِ الندِّيةِ الحرة، ما لَم يُحرَزْ هذا النصرُ والنجاحُ الموفَّق.
  3. · يجب قطعياً ألا يُنظَرَ إلى العيشِ مع المرأةِ على أنه بغرضِ إدامةِ الغريزةِ الجنسيةِ تكراراً ومِراراً. حيث ليس بالمقدورِ بتاتاً تحقيقُ الحياةِ الندِّيةِ الحرة، من دونِ القضاءِ على حياةِ الجنسويةِ الاجتماعيةِ في جميعِ المجالاتِ الذهنيةِ والمؤسساتية، والتي دامت طيلةَ تاريخِ المدنية، وبلغَت أبعاداً مُرَوِّعةً مع الحداثةِ الرأسمالية. فالعيشُ مع المرأةِ في كنفِ البراديغما والمؤسساتِ التي تراها ظاهرةَ مُلكٍ وبضاعةً جنسية، لا يدلُ على الانحطاطِ الأخلاقيِّ الكبيرِ فحسب، بل وهو في الآنِ عينِه شكلُ الحياةِ القبيحةِ والخاطئةِ إلى أقصاها. وما مِن مثالٍ على ظاهرةٍ اجتماعيةٍ أخرى قادرةٍ في ظلِّ هذه الظروفِ على تفسيخِ المرأةِ وبالتالي الرجلِ والحطِّ من شأنِهما.
  4. · حياةُ الشراكةِ الندِّيةِ الحرةِ غير ممكنة مع المرأة إلا في الظروفِ والأجواءِ التي تُرفَضُ فيها المُلكيةُ وتُفَنَّد، ويَكتَمِلُ تجاوُزُ الجنسويةِ الاجتماعيةِ المُستَغَلّة تماماً، وتُوَطَّدُ فيها المساواةُ الاجتماعية (تأسيساً على الاختلافِ والتباين).
  5. · حياةُ الشراكةِ الندّيةِ الحرةِ غيرُ واردةٍ إلا مع المرأةِ التي لَم تَعُدْ أداةً لاستمرارِ النسل، ولا عاطلةً عن العملِ أو يداً عاملةً بخسة، ولَم تَعُدْ موضوعانيةً شيئانية، بل ذاتانيةٌ فاعلةٌ على جميعِ الصُّعُد.
  6. · لا يتماشى أو يتناسبُ المجتمعُ مع حياةِ الشراكةِ الحرةِ إلا في ظلِّ هذه الظروف، ليتمكنَ بالتالي من التحولِ إلى مجتمعٍ حرٍّ تَسُودُه أجواءُ المساواة.
  7. · حياةُ الشراكةِ الندّيةِ الحرةِ واردةٌ بين النساءِ والرجالِ الذين طَوَّروا قِيَمَهم البنيويةَ والعقليةَ في كنفِ الأوساطِ الاجتماعيةِ الإيجابية...