Kurdî  |  Tirkî

الخروج من الأزمة وحل الدستور الديمقراطي

ثمة توافُقٌ ضمنيٌّ بين كافةِ الجهاتِ الاجتماعيةِ بشأنِ دمقرطةِ تركيا. ما يَنقصُ هنا، هو تصييرُ هذه الرغبةِ الضمنيةِ والتاريخيةِ إرادةً حيةً ومكشوفة. والدستورُ الديمقراطيُّ هو يَقينُ هذا الواقعِ وحقيقتُه، والتعبيرُ الجوهريُّ عنه.

إنّ البندَ الثاني من هذا التقييم، وبالأخصِّ قِسمُ المبادئ، يَرسمُ الإطارَ المعنيَّ بماهيةِ الدستورِ الديمقراطيِّ اللازمِ لتلبيةِ مَطلَبِ الدمقرطةِ التاريخية. بالمقدورِ إعادة صياغة هذه المبادئِ المرتكزةِ إلى المصطلحاتِ والنظرياتِ العلمية، ولو بشكلٍ جدِّ مختَزَل ومُستَخلَص، في سبيلِ الخروجِ من الأزمةِ وإعادةِ بناءِ هيكليةِ الجمهوريةِ تأسيساً على الدستورِ الديمقراطيّ. 

 1-  الأمة الديمقراطية:

تعريفُ الأمةِ الديمقراطيةِ المتألفةِ من الأفرادِ الذين يتشاطرون حقوقَهم وحرياتِهم الرئيسيةَ بالتساوي، بقدرِ ما تتألفُ من شتى أنواعِ الثقافاتِ والأثنياتِ والأديان (مفهوم الهوية المرنة والمنفتحة الأطراف)، والمستندةِ بالتالي إلى دعامةِ وحدةِ الحقوقِ الفرديةِ والجماعية؛ هذا التعريفُ يتحلى بالقدرةِ على تأمينِ التكامُلِ الأشملِ ضمن تناغُمٍ مع تعريفِ الوطنِ المشترك.

 2- الوطن المشترك (الوطن الديمقراطيّ):

ينبغي تعريفه على أنه المكانُ الذي يعيشُ عليه الأفرادُ الأحرارُ كمواطنين ديمقراطيين، ويَقطنُه المجتمعُ الأيكولوجيُّ والاقتصاديُّ والديمقراطيّ، دون عَزوِه إلى أيةِ مجموعةٍ أثنيةٍ أو دينية، ودون اللجوءِ إلى إقصاءِ أيٍّ منها. فهذا التعريفُ يحتوي على معنى غنيٍّ يُخَوِّلُه لتأمينِ التكامُلِ الأشملِ بِمُفردِه.

3- الجمهورية الديمقراطية:

ويُشِيدُ بضرورةِ اتخاذِه من المجتمعِ الديمقراطيِّ أساساً، باعتبارِه المُطَبِّقَ المُعَيِّنَ للمزايا العلمانيةِ والقانونيةِ والاجتماعيةِ للدولة. فالجمهوريةُ هي نموذجٌ مثاليٌّ لشكلِ دولةِ المجتمعِ الذي تَنشطُ فيه الديمقراطية. وفي جمهوريةٍ كهذه تَبرزُ الصفاتُ العلمانيةُ والاجتماعيةُ والقانونيةُ إلى الميدانِ من حيثُ النتيجة.

4- الحل الديمقراطي:

تتجسدُ دعامةُ الحلِّ الديمقراطيِّ في تواجُدِ مؤسساتِ الجمهوريةِ ومؤسساتِ المجتمعِ الديمقراطيِّ معاً ضمن أجواءٍ سلمية. وضمن نطاقِ هذا التعريف، تُعَدُّ احتكاراتُ الدولةِ القوميةِ والرأسماليةِ والصناعويةِ مُرغَمةً على القبولِ بالعيشِ المشتركِ ضمن أجواءٍ سلمية، استناداً إلى الوفاقِ مع المؤسساتِ الكوموناليةِ الكونفدراليةِ الديمقراطيةِ والاقتصاديةِ والأيكولوجيةِ ضمن المجتمعِ الديمقراطيّ. بصراحة، وكيفما لا تُرفَضُ الدولةُ التي لا تغيبُ فيها الديمقراطية، فإنه لا يتمُّ فرضُ ديمقراطيةٍ بلا دولة.

5- التِحامُ الحقوقِ والحرياتِ الفرديةِ والجماعية:

المجتمعاتُ كياناتٌ جماعيةٌ بقدرِ ما هي فردية، وفرديةٌ بقدرِ ما هي جماعية. وفصلُ كِلَيهما عن بعضِهما البعض، ما هو سوى سفسطةٌ ليبراليةٌ تَرمي إلى الاستغلالِ والقمع. ولا يُمكنُ سدُّ الطريقِ أمام هذه اللعبة، إلا بعيشِ الحقوقِ الفرديةِ والجماعيةِ ملتحمةً كالتحامِ الظفرِ واللحم.

6- الحريةُ الأيديولوجية والاستقلالُ الأيديولوجيّ:

سوف يَبقى حلُّ قضايا الدمقرطةِ ناقصاً ومعلولاً، ما لَم يتمّ تجاوُز الهيمنةِ الأيديولوجيةِ للمدنيةِ الطبقيةِ عموماً، وللحداثةِ الرأسماليةِ على وجهِ الخصوص. ونخصُّ بالذكرِ في هذه الحالةِ مدى صعوبةِ تحليلِ الوضعيةِ Pozitivizm الأوروبيةِ والثقافةِ الشرقيةِ والشرقِ أوسطيةِ بوِجهةِ نظرٍ حرة، وصعوبةِ الانتقالِ بهما إلى الحلولِ الديمقراطية. ولن يَستطيعَ بلوغَ هذه التحليلاتِ والحلول، أو تطبيقَ الحياةِ الحرة؛ إلا أولئك الذين يَصوغون طبيعتَهم الاجتماعيةَ وتاريخَهم الاجتماعيَّ بِحُرّيةٍ على شكلِ مصطلحاتٍ ونظرياتٍ ومؤسسات.

7- التاريخانية والحاضرية:

يحتوي التاريخُ على شروطِ الحاضر، بقدرِ ما يُجَسِّدُ الحاضرُ التاريخَ أيضاً. والفرقُ بينهما هو عرضُ إمكانيةِ التدخلِ في الحاضر، وبالتالي تقديمُ فرصةِ تحريرِه. وكيفما لا تاريخ بلا حاضر، فلا حاضر بلا تاريخ. وما مساعي الحداثةِ في التجريدِ من التاريخ، سوى حربُ جَرِّ المجتمعِ والفردِ نحو القمعِ والاستغلالِ السهل، وتعويدِهما على ذلك عن طريقِ تجريدِهما من الذاكرةِ والأخلاقِ والسياسة. وهذا ما يجبُ رفضه كلياً.

 8- الأخلاق والضمير:

لا تَكفي المواقفُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ لوحدِها في تحليلِ القضايا الاجتماعيةِ وتحقيقِ الدَّمَقرَطَة. فلَطالَما عاشَ المجتمعُ وُجوديّاً بالأخلاقِ والضميرِ على مدارِ التاريخ. أما الحربُ التي شَنَّتها الحداثةُ على الأخلاقِ والضميرِ الاجتماعيَّين، فهي تَهدفُ إلى شرعنةِ القمعِ والاستغلال. بالتالي، فالحلولُ الاقتصاديةُ والسياسيةُ النابعةُ من تلك المواقفِ غيرُ ممكنةٍ من حيثُ المضمون. بل إنها تُزيدُ من وطأةِ القضايا الاجتماعية، مثلما أنها تُفرِغُ جهودَ الدمقرطةِ من فحواها. من هنا، لا بدَّ بكلِّ تأكيدٍ من ضرورةِ اللجوءِ إلى مبدأِ الأخلاقِ والضمير، لأنه لا يَعتَرفُ بمبدأِ القوةِ ضمن الحلِّ الديمقراطيِّ للقضايا.

9- الدفاعُ الذاتيُّ في الديمقراطيات:

من التشخيصاتِ العلميةِ أنّه، ليس الكائناتِ الحيةَ فحسب، بل وحتى الموجوداتُ التي تُعَدُّ جامدةً، تَعيشُ بنظامِ الدفاعِ الذاتيِّ في كلِّ زمانٍ ومكان. بناءً عليه، فتَمَتُّعُ المجتمعاتِ والمؤسساتِ الديمقراطيةِ والأفرادِ الديمقراطيين بنظامٍ كافٍ من الدفاعِ الذاتيِّ إزاءَ عناصرِ الحداثةِ الرأسمالية (الدولة القومية، الرأسمالية، والصناعوية)، يُعتَبَرُ ضرورةً حتميةً لا غِنى عنها من أجلِ حياةٍ حرةٍ ومتساويةٍ عادلة.

كُلّي قناعةٌ بأنّ هذه السرودَ التاريخيةَ المُصاغةَ باقتضابٍ لدى التوجهِ نحو الدمقرطةِ وحلِّ القضيةِ الكرديةِ في تركيا، وهذه المبادئَ التي عُمِلَ على إيضاحِها باختصار من أجلِ جمهوريةٍ دستوريةٍ ديمقراطية؛ إنما هي مُنَوِّرةٌ وحَلاّلة. وتأسيساً على هذه الأرضية، سيَكونُ بالمقدورِ مَوضَعَةُ القضيةِ الكرديةِ وتحليلُها بسهولةٍ أكبر ضمن إطارِ التكاملِ الديمقراطيِّ في تركيا، وتقديمُ نموذجِ حلٍّ أو عرضُ نماذجٍ بديلةٍ مُحتَمَلة.