Kurdî  |  Tirkî

قمع القضايا الاجتماعيةِ عِنوةً، يفتحُ الطريق أمام مسارات أكثر شدة

reberapo1

القائد عبد الله أوجلان

إنّ استثمارَ الدولةِ الرسميةِ كنواةٍ غيرِ رسمية، يعني أشدَّ أشكالِ الإخلالِ بالدمقرطة. والأنكى أنه يعني إخراجَ الدولةِ من كَينونتِها. فالصفةُ الأبرزُ للدولةِ هي رسميتُها وإدارتُها شؤونَ المجتمعِ بقواعدَ واضحةٍ بارزة.

وتقاليدُ السلاطنةِ العثمانيين في إدارةِ شؤونِ الدولةِ كانت بارزةً للغاية، رغمَ كلِّ نواقصِهم وعِلَلِهم. وكان لهم أخلاقُهم وقواعدُهم الشفافة، ولو بطابعٍ دينيّ. أما اللجوءُ إلى تكتيكٍ تآمُريّ، فكان يجري في أوضاعٍ نادرةٍ جداً، وذلك حصيلةَ بعضِ السلوكياتِ والمواقفِ الشخصية. في حين أنّ نمطَ "الاتحادِ والترقي" في إدارةِ الدولةِ والمجتمعِ على السواء، كان تآمُرياً وانقلابياً من البدايةِ إلى النهاية. والخروجُ على كينونةِ الدولةِ يُعَبِّرُ عن هذه الحقيقةِ، التي كانت ساريةً في جدولِ الأعمالِ بكلِّ علانيةٍ في دخولِ معمعانِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ أيضاً. ولدى الإمعانِ بدقةٍ وعُمق، فسيُلاحَظُ أنّ الدولةَ لا تُنقَذُ بالأساليبِ الأكثر انحلالاً واضمحلالاً وفاشيةً لليعقوبية، بل يُسَوّى أمرُها ويُقضى عليها. فتَحَوُّلُ الدولةِ إلى عصابات، إنما يُفيدُ بزوالِها من الوسط. والحقبتان المَلَكِيّتان الدستوريتان الأولى والثانية قد ساهمتَا في تعزيزِ مفهومِ دولةٍ – أو لادولةٍ – عصاباتيةٍ وغيرِ دستورية، ومُناقِضةٍ للأهداف، على الرغمِ من كلِّ النوايا الحسنة. فالعصاباتيةُ البيروقراطيةُ قد أَقحَمَت الدولةَ الجديدةَ في وضعٍ وخيمٍ لا يَقلُّ عما كانت عليه سابقتُها.

 

إنّ الهزيمةَ النكراءَ التي لَحِقَت بالفاشيةِ الألمانيةِ في 1945، قد تَكَبَّدَتها فاشيةُ "الاتحاد والترقي" في 1918 باسمِ التركياتية. وما كان للأمرِ أنْ يَجريَ بمنوالٍ مختلف. فالدولةُ كانت في حالةِ هزيمةٍ كاسحةٍ قبل ذلك بِأَمَدٍ بعيد، عن طريقِ العصاباتيةِ التي داخلها. وفي 1918، لَم تَعُد الدولةُ فقط وجهاً لوجه أمام الاحتلالِ المكشوفِ في بلادِ الأناضولِ وميزوبوتاميا، بل والمجتمعُ أيضاً كان كذلك. كانت أزمةُ الدولةِ والديمقراطيةُ تَمُرُّ بأكثرِ حالاتِها غوراً. وتجاه هذا الوضع، لَم تَجِدْ أجهزةُ الدولةِ المتبقيةُ والقوى الاجتماعيةُ حلاً أمامَها، سوى الانتقال إلى حالةِ الدفاع عن النَّفْس. ساطعٌ جلياً أنّ رئاسةَ مصطفى كمال إزاء هذه اللوحةِ تُذَكِّرُ بخاصيةِ اليعاقبة. فالاحتلالُ العلنيُّ آتٍ خطوةً وراء خطوة. والنخبةُ الحاكمةُ التقليديةُ شرعَت بالتواطؤِ والتحالفِ مع القوى الغريبةِ منذ زمنٍ طويل. والحركةُ الشيوعيةُ الهامشيةُ والسقيمةُ للغاية، تفتقرُ لمنزلةِ القيادة. ولا يَتَبَقّى من الأمرِ سوى فرصةُ بِدءِ مَن هو أكثرُ راديكاليةً وتنظيماً باسمِ الطبقةِ الوسطى بالحِراكِ باسمِ المجتمعِ بأكملِه. ومصطفى كمال هو القبطانُ المُمَيَّزُ المُهَيَّأُ لهذه الظروف، سواءً على صعيدِ الشخصيةِ بِحُكمِ نمطِ تَرعرُعِه ونشوئِه، أم من حيثُ الوعيِ الذاتيِّ والإرادة. فضلاً عن أنّ ضلوعَه في اللغةِ الفرنسيةِ قد يَسَّرَ له الإدراكَ الحَسَنَ للجمهوريةِ الفرنسيةِ الثالثةِ التي تَبَنَّت مبادئَ اليعاقبةِ وسارت عليها. أي أنه استَوعبَ جمهورياتيةَ اليعاقبةِ جيداً. كما أنّ مكانتَه هامةٌ من حيث مستوى التنظيمِ أيضاً. فبقاؤُه معارِضاً لإدارةِ "الاتحاد والترقي" من جهة، والتحامُه مع إدارتِه هو لدى تَشَرذُمِ وتَشَتُّتِ تلك الإدارةِ من جهةٍ ثانية؛ قد شارَكَ بشكلٍ كبيرٍ في تأمينِ فرصةِ الريادةِ اليعقوبية. وما تَبَقّى، هو الانتقالُ إلى وضعِ القيادةِ الفعلية.

معلومٌ كيف باشَرَ مصطفى كمال بالقيادةِ الفعليةِ في 1919. ويتمَحوَرُ السؤالُ الأساسيُّ الذي ينبغي طرحُه هنا في كيفيةِ تَخَطّيه للقيادةِ العسكريةِ للاحتلالِ الإنكليزيِّ وللسلطانِ وحيد الدين . جوابُ هذا السؤالِ، الذي هو موضوعُ مفارقاتٍ عديدة، يَفقدُ أهميتَه مع عبورِه إلى القيادةِ الفعلية. فالسياقُ المبتدئُ مع إعلانِ "البرلمان التركي" في 1920، كان في حقيقتِه يُعَبِّرُ عن ثورةٍ اجتماعيةٍ تتعدى مناهَضةَ الاحتلالِ وحسب. وماهيةُ المجلسِ وأهدافُه تؤكدُ هذه الحقيقة. النقطةُ الأهمُّ الواجب تبيانها هنا، هي أنّ القوى التي لعبت دوراً رئيسياً في هذه الثورةِ هي القوى الاجتماعية، وليست قوى الدولة المتشتتة. فلولا مساندة ودعم القوى الاجتماعية، لَما كان لأجهزةِ الدولةِ المريضةِ والمهزومةِ هزيمةً شنعاءَ أنْ تُديرَ الحركةَ الثورية. وإصرارُ مصطفى كمال، الذي أَدركَ هذا الوضعَ بأفضلِ الأشكال، على اعتبارِ المجلسِ مصدرَ الشرعيةِ الوحيد؛ إنما هو أمرٌ مفهوم. والمجلسُ مُنتبهٌ لظروفِ الاحتلال، ولو ليس بالعمقِ الكافي. وهو يُمَثِّلُ غالبيةَ قوى المجتمع. كما أنّ الصفةَ الديمقراطيةَ للمجلسِ الأولِ واضحةٌ علناً. وحدودُ الميثاقِ المللي، الذي اتَّخَذَه أساساً بِبُنيتِه الدينيةِ والقوميةِ والطبقية، إنما تُوَضِّحُ مكانتَه ووضعَه. حيث سيناهضُ الاحتلالَ ويتصداه حتى النهاية. هذا والطابعُ الدينيُّ للمجتمعِ متقدمٌ على الطابعِ القوميّ. بالتالي، فالأتراكُ والكردُ المسلمون، يؤلفون القوى الاجتماعيةَ الأساسية. كما أنه لا يُعادي الشيوعية، بل هو على علاقةِ ودٍّ مع الأمميةِ الشيوعيةِ ممثَّلةِ في شخصِ لينين. ويَحملُ طابعَ الطبقةِ الوسطى، حيث تُؤلِّفُ البيروقراطيةُ والنبلاءُ جزءاً هاماً من هذه الطبقة، وترى الحركةَ حلاً للقضيةِ المصيرية. وإذا ما شَخَّصنا الأمرَ أكثر، فالقوى المتحالفةُ في "البرلمان التركي" هي: القومويون الأتراك العلمانيون المنحدرون من الطبقةِ الوسطى والمتحالفون أيديولوجياً، الزعماءُ الأتراكُ والكردُ بوصفِهم قومويون إسلاميون متأتون من النبلاءِ وأشرافِ القبائل، ومن الطبقةِ السفلى الاشتراكيون المتعاطفون مع البلشفية. هذه التياراتُ وهؤلاء النواب باشروا بالحِراك كقوى اجتماعية في ظروفِ الاحتلال، وإنْ ليس بملامحٍ بارزةٍ تماماً.

لقد اعتُرِفَ بقيادةِ مصطفى كمال، حتى ولو أنّها اقتَضَت الانشغالَ بها. وهذ التموضُعُ للقوى الاجتماعية، هو الذي عرقَلَ الاحتلالَ المكشوف. سنواتُ ما بين 1920 و1922 هي فترةٌ ثوريةٌ يطغى عليها طابعُ العنفِ والجانبُ العسكريّ. وقد مرّت بنجاح بوصفِها فترةً يعقوبية. كما أتاحَت المجالَ لفرصةٍ هامةٍ على صعيدِ الدمقرطة، استمرت مع إعلانِ الجمهوريةِ في 1923. لكنّ التراجُعَ الحاصلَ مع دستورِ 1924 إلى مستوى أدنى بكثير عما كان عليه دستورُ 1921، وقمعَ تعَدُّدِ الأطيافِ والأصواتِ في "البرلمان التركيّ" مع انتخاباتِ 1923، وإقصاءَ الكردِ عامَ 1925 بحجةِ التمردِ الكرديّ؛ كلُّ ذلك قَلَبَ تلك الفرصةَ التاريخيةَ رأساً على عَقِب، فسادَ التوجُّهُ نحو تفضيلِ نظامِ الحزبِ الواحدِ المهيمن.

لا يزالُ الجدلُ حول كيفيةِ وأسبابِ ولوجِ هذا السياقِ موضوعاً هاماً قائماً في الأجندة. لكنّ قَتلَ مصطفى صبحي ، رئيس الحزب الشيوعيِّ التركيّ TKP ورفاقِه القياديين الأوائل حصيلةَ مؤامرةٍ دُبِّرَت لهم في شهرِ كانون الثاني من عامِ 1921، والنفيَ الذي عاشَته الشخصيتان البارزتان في الحركةِ الإسلامية، سعيد النورسي  ومحمد عاكف  في عام 1923، والمؤامراتِ والمكائدَ الجاريةَ في التمرداتِ الكرديةِ الناشبةِ عام 1925؛ كلُّ ما تَقَدَّمَ يؤكدُ بعلانيةٍ صارخةٍ من حيث النتيجةِ أنّ التحالفَ الديمقراطيَّ قد فُسِخ، وأنه يُعمَلُ أساساً بالسياقِ المهيمنِ التسلطيّ، أياً كانت الدوافعُ أو القوى المتسترةُ وراء ذلك. أما إلقاءُ مسؤوليةِ هذا السياقِ على كاهلِ مصطفى كمال لدى تقييمِه، فيُمَهِّدُ السبيلَ أمام التغاضي عن الأسبابِ الأولية. فقد لعبَ مصطفى كمال دورَه التاريخيَّ كفايةً في إعاقةِ الاحتلالِ وفي الإعلانِ عن الجمهورية. لكنه عجزَ عن صونِ التحالفِ الديمقراطيِّ للجمهورية، وعن سدِّ الطريقِ أمام فَسخِه وحَلِّه. وقد أَثَّرَت الأسبابُ الداخليةُ والخارجيةُ هنا بِما يَفُوقُ دورَ الأشخاصِ كثيراً. فالمُحَرِّضون على التمردِ الكرديِّ داخلياً، والمتواطئون في السلطنةِ لعبوا دوراً هاماً في إقصاءِ الكرد. علماً أنّ "البرلمان التركي" أَقَرَّ في التصويتِ السريِّ الحاصلِ عامَ 1922 بتأسيسِ مجلسٍ مرتكزٍ إلى شبهِ استقلاليةِ الكرد، وذلك بقَبولِ 373 صوتاً مقابلَ 63 صوتاً. كما أنّ مصطفى كمال بَذاتِ نفسِه كان يتحدثُ في تصريحاتِه التي أدلى بها في مطلعِ عامِ 1924 عن مشاريعِ الحلِّ التي كانت تَعني فيما تعنيه نوعاً من شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ لأجلِ الكرد.

إقصاءُ الكردِ متعلقٌ بالاستفزازاتِ التآمرية، التي أثارَتها بريطانيا مع موالي السلطنةِ في سبيلِ إبقاءِ الموصلِ وكركوك خارجَ الحدود، رغمَ الميثاقِ المللي؛ أكثرَ من كونِه مرتبطاً بقرارٍ مقصودٍ من مصطفى كمال في القيامِ بالتطهيرِ الأثنيّ. هذا ما حصلَ بكلِّ صراحةٍ وشفافية: تمّ الاتفاق على تصفيتهم مقابل الموصل وكركوك، تماماً مثلما حصلَ تجاه الروم والأرمن. ولكن، لماذا رَمَت الجمهوريةُ بالكردِ خارجَ نطاقِ نظامِها، مقابلَ تنازُلاتٍ قَدَّمَتها لإمبراطوريةِ بريطانيا، التي حاربَتها في حربِ الاستقلال؟ إنّ هذا موضوعُ تفضيل، أكثر من كونِه خطأً تاريخياً. حيث يَسُودُ التفكيرُ بعدمِ الحاجةِ بعدَ ذلك إلى التحالفِ مع الكرد. علاوةً على أنّه ثمة مخاوفٌ من دعمِ الإنكليزِ للكرد. هكذا، فالوِفاقُ المتحققُ يُشبه المعاهداتِ المُبرَمةَ مع اليونانيين والروس والفرنسيين. والحالُ هذه، فإحدى أهمِّ الخطواتِ اللاديمقراطية، التي خَطَتها الجمهوريةُ منذ سنواتِ تأسيسِها الأولى، هي تلك المتعلقةُ بالكرد. والنتيجةُ كانت مخاضاتٍ أليمةً وخسائر ماديةً فادحة، تَكَبَّدَتها الجمهوريةُ المُتَقَزِّمةُ باستمرار على المنحى اللاديمقراطيّ حتى يومِنا الحاضر.

ثاني خطوةٍ لاديمقراطيةٍ هامةٍ هي إنهاءُ التحالفِ مع الأمةِ الإسلامية. فما تَحَقَّقَ هو الخَيارُ السلطويُّ للنظامِ القائم، رغمَ الحملاتِ الأيديولوجيةِ والميدانيةِ المتواصلةِ ضد الأمةِ الإسلاميةِ تحت اسمِ العلمانية، ورغمَ عرضِها في هيئةِ التقدميةِ والرجعية. أي أنّ بسطَ الهيمنةِ على مفهومِ الأمةِ الإسلاميةِ وجماهيرِها التي تُشَكِّلُ الوزنَ الاجتماعيَّ الطاغي، هو حملةٌ لاديمقراطيةٌ مقصودةٌ للحداثةِ الرأسماليةِ التي بدأَ الولوجُ فيها. ودورُ القوى الأوروبيةُ المهيمنةُ البارزة، وعلى رأسِها الإمبراطوريةُ البريطانية، مهمٌّ في ذلك أيضاً. فالخَيارُ جرى في الوِجهةِ التي صَادَقَت هي أيضاً عليها. حيث اعتُبِرَ فصلُ جمهوريةِ تركيا الحديثةِ عن الأمةِ الإسلاميةِ داخلياً وخارجياً هدفاً استراتيجياً، وبموجبِ ذلك تم التصرفُ وتفضيلُ هذا الخَيار.

دارت المساعي لإبقاءِ ممثلي العمالِ وشرائحِ الشغيلةِ أيضاً خارجَ النظامِ منذ البدايةِ وإقصائِهم. الأمرُ لا يقتصرُ على مجرزةِ مصطفى صبحي ورفاقِه، بل إنّ الحظرَ الدائمَ عليهم، واعتقالَهم أيضاً كان يتأتى من خَيارِ النظامِ في الإقصاء.

موضوعُ الحديثِ هنا هو هيمنةُ بورجوازيةٍ تطمحُ في تكوينِ ذاتِها تحت كنفِ جناحِ الجمهوريةِ الحامي لها. فباستخدامِها ورقةَ حلفائِها الاستراتيجيين، تَمَكَّنَت من انتزاعِ الإذنِ من الحداثةِ الرأسماليةِ بالحظيِ بالسلطةِ تحت ظلِّ نفوذِها هي. موضوعُ الحديثِ هو دولةٌ جديدةٌ أَبدَت خيارَها علانيةً في صفِّ الرأسمالية، أثناء الشروعِ في الإعلانِ عن الجمهوريةِ في مؤتمرِ إزمير الاقتصاديّ، وبسطَت للعَيانِ تفضيلَها للحداثةِ عن طريقِ الثوراتِ المدنية، وأَعرَبَت عن خيارِها الصريحِ في موالاةِ المدنيةِ الغربية، من خلالِ إقصائِها حلفاءَها خارجَ النظام. الأمرُ الساري هنا هو مصطلحا الفترةِ السائدةِ والفترةِ البنيوية، أكثر من كونِه شخصيةَ مصطفى كمال بالتحديد. ذلك أنّ إحياءَ الجمهوريةِ المُعلَنِ عنها كان يَمُرُّ من تقديمِ عربونِ الصداقةِ للإمبراطوريةِ البريطانية. أي أنّ الصداقةَ الأساسيةَ كانت مع جبهةِ بريطانيا بالضرورة، على الرغمِ من وجودِ معاهدةٍ وديةٍ مع الإدارةِ في موسكو.

هذا هو الواقعُ الذي ترك بصماتِه على السياسةِ الخارجيةِ لدى مصطفى كمال. ولدى وضعِ حقيقةِ مصطفى كمال نُصبَ العين، فسوف لن يستعصيَ علينا فهمُ مُجرياتِ آنذاك. فبصراحة، ما كان ممكناً للجمهوريةِ أنْ تَحيا، إلا بالتساوُمِ مع الإمبراطوريةِ البريطانية. وهذا ما حصل. موضوعُ الحديثِ هنا هو كيانٌ سياسيٌّ منسجمٌ تماماً مع السياسةِ البريطانيةِ في تلك الفترة. حيث سُمِحَ للجمهوريةِ أنْ تصبحَ دولةً قومية. ومقابل ذلك، تمَّ إقصاءُ الكردِ والإسلاميين والاشتراكيين. ولولا هذا الوفاقُ مع السياسةِ البريطانية، لَما كان بالمقدورِ غضُّ النظرِ عن حلفاءِ الجمهوريةِ الأساسيين. هذا وكان الانزلاقُ صوبَ النُّظُمِ التسلطيةِ والفاشيةِ السائدةِ آنذاك عاملاً مؤثراً أيضاً في تفضيلِ خَيارِ الدولةِ القومية. وقد برزَ هذا الخَيارُ بنحوٍ بائنٍ جداً بعد أعوامِ الثلاثينياتِ على وجهِ الخصوص. أي أنّ خَيارَ الجمهوريةِ كان في صفِّ المدنيةِ الغربيةِ علناً ولمدةٍ طويلة. في حين لَم يَدخل خَيارُ موالاةِ السوفييتِ أو العودةِ مجدداً إلى الحضارةِ الإسلاميةِ جدولَ الأعمالِ بتاتاً.

إنّ العملَ على إدارةِ دفةِ حُكمِ الدولةِ القوميةِ بقومويةٍ متطرفةٍ في جمهوريةِ تركيا اعتُبِرَ أهمَّ من شتى أنواعِ الخطواتِ الديمقراطية. ومصطفى كمال ليس الشخصيةَ التي تتصدرُ هذه التجربة، على عكسِ ما يُعتَقَد. وتجربتُه في تأسيسِ "الفرقة الحرة"  عام 1930، واهتمامُه العميقُ بالبحوثِ المعنيةِ بالسومريين والحثيين؛ إنما هو مؤشرٌ على تطَلُّعِه إلى روحٍ وطنيةٍ ديمقراطيةٍ وغيرِ عِرقية، بل تستندُ إلى الغِنى الثقافيِّ لبلادِ الأناضول. في حين، يرتبطُ منهاجُ الدولتيّةِ القوميةِ بكلِّ تطرفاتِه وحالاتِه الشاذة، وكذلك يرتبطُ الاستمرارُ بسرعةٍ ملحوظةٍ عليه بقوةِ تقاليدِ الاتحاديين. ويَكادُ ما من أحدٍ كافحَ هذه التقاليد، فيما خَلا مصطفى كمال. على النقيض، فالغالبيةُ الساحقةُ من مشهوري البيروقراطيةِ العسكريةِ والمدنية، وعلى رأسِهم عصمت إينونو  وفوزي جاقماق  وكاظم قَرَه بكر ، كانت تنحدرِ من "الاتحادِ والترقي"، ولا تزالُ تقتفي أثر تلك التقاليد بِتَزَمُّت. ولم يَكُن حصلَ تغييرٌ، سوى في الانتقالِ من موالاةِ الألمانِ إلى موالاةِ الإنكليز. وأحداثُ ما بعد محاولةِ الاغتيالِ في إزمير، تدلُّ على أنّ مصطفى كمال بقي في عزلةٍ تامة. أي أنّ مصطفى كمال بعدَ عامَي 1926 و1927 باتَ منزوياً على نفسِه في بلدة جانقايا بين عَجَلاتِ البيروقراطية، حيث أُريدَ التشديدُ على أنّ الحقيقةَ الهامةَ هي كَونُ حُكمِ الأجواءِ السائدةِ هو الذي يَسري، وليس حُكمُ الأشخاص. هذا وينبغي عدم الإغفالِ قطعياً أنّ الحركةَ الصهيونيةَ التابعةَ للإمبراطوريةِ البريطانيةِ اقترحَت على اليهودِ في تلك المرحلةِ أنْ يَعتَبِروا تركيا الحديثةَ وطناً أُمّاً لهم، إلى أنْ تأسست إسرائيل عامَ 1947.

باختصار؛ فسياقُ الجمهوريةِ إلى حينِ وفاةِ مصطفى كمال أتاتورك، كان من خلالِ أيديولوجيةِ وممارساتِ تقاليدِ الاتحاديين الدولتيةِ القوميةِ المتزمتةِ والمتطرفة، ذا بُنيةٍ سلطويةٍ مهيمنةٍ ومضادةٍ للديمقراطية. ورغمَ الاعترافِ بأولويةِ رأسماليةِ الدولةِ والصناعوية، إلا أنّ تَطَوُّرَهما بقيَ محدوداً. ولم تتمكنْ الحداثةُ الرأسماليةُ التي تُدعى بالمدنيةِ الغربيةِ المعاصرةِ من بسطِ نفوذِها، إلا تحت ظلِّ نظامٍ سلطويٍّ يَعتَمدُ على الحزبِ الواحد. وازدادَت وطأةُ قضيةِ الديمقراطيةِ لأقصى حد، إلى أنْ انفَجَرَت مع ظهورِ "الحزب الديمقراطيِّ " خلال أعوامِ 1945 و1940 ارتباطاً بتصاعُدِ أمريكا كقوةٍ مهيمنةٍ جديدةٍ للنظامِ القائمِ فيما بعدَ الحربِ العالميةِ الثانية. ومع خروجِ هذا الحزب، أُلحِقَ قِسمٌ من الزعماءِ الإسلاميين بِعَجلةِ النظامِ القائم. أما الحدثُ المُسَمّى بتراجُعِ العلمانية، فما هو في مضمونِه سوى انخفاضُ نصيبِ البورجوازيةِ البيروقراطيةِ من السمسرةِ داخلَ الدولة. حيث تمّ خوضُ الصراعِ تجاه السمسرةِ عن طريقِ العلمانية.

اليسارُ المُعَرَّضُ للقمعِ أيضاً يَوَدُّ الحِراكَ في هذه المرحلةِ الجديدة. في الحينِ الذي تتخبطُ فيه الحركةُ الكرديةُ ضمن انطلاقةٍ أكثر وَهناً بكثير. وبينما جَهِدَت الحركاتُ الديمقراطيةُ الثلاثُ للانتعاشِ على التوالي، بعدَما قَمَعَتها الفاشيةُ الاتحادية؛ فإنّ جمهوريةَ تركيا، التي دخَلَت أيضاً إلى الناتو القابعِ تحت ظلِّ السيطرةِ الأمريكية، انتقَلَت من الحمايةِ الإنكليزيةِ إلى الحمايةِ الأمريكية. حيث تَقومُ أمريكا بحمايتِها إياها عبر شبكةِ غلاديو، فتَقومُ كافةُ البنى العسكريةِ والسياسيةِ في الفترةِ ما بين عامَي 1950 و2007 بنشاطِها تحت رقابةِ شبكةِ غلاديو. إنّ إدراكَ كونِ كلِّ المراحلِ تَطَوَّرَت تحت سيطرةِ الحداثةِ الرأسمالية، فيما عدا الفترةُ اليعقوبيةُ خلالَ عامَي 1920 و1922، يتحلى بأهميةٍ بارزةٍ على صعيدِ القضيةِ الديمقراطية. فالاستقلالُ يوتوبيا البورجوازيةِ الصغيرة، ولا يُفيدُ بالحقيقة. إذ ما مِن بلدٍ أو دولةٍ بإمكانِه أنْ يَكُون مُستقلاً، في نظامٍ أَسَّسَت فيه الحداثةُ الرأسماليةُ هيمنتَها العالمية. وجمهويةُ تركيا هي أكثرُ دولةٍ يُبقى عليها ضمن شبكةٍ من التبعيةِ للنظامِ القائم، نظراً لخصوصيةِ بلادِ الأناضول.

شبكةُ غلاديو، التي فَقَدَت أهميتَها بعدَ الحربِ الباردة، ظلَّ تأثيرُها سائداً في تركيا حتى عامِ 2007 بسببِ PKK. وغلاديو الناتو هذا، الذي سَيَّرَ نشاطاتِه في تركيا بأسماءٍ مختلفة، لَم يَفتحْ المجالَ أمام الديمقراطية، حتى ولو بالمعنى البورجوازيّ. وبينما لعبَت الجمهوريةُ التركيةُ دوراً مناهِضاً للسوفييت خلالَ أعوامِ 1925 و1990، أي حتى انهيارِ الاتحادِ السوفييتيّ، فقد أُريدَ استخدامُها كبلدٍ نموذجيٍّ في استحداثِ التقاليدِ الإسلاميةِ بعدَ عامِ 1990. وللبُنيةِ الانقلابيةِ – الطُّغمَويّةِ داخلَ الدولةِ دورٌ كبيرٌ في مساعي استثمارِ الجمهوريةِ التركيةِ إلى هذه الدرجة. فتأليبُ مختلفِ الأجنحةِ فيها على بعضِها البعض، إنما يَخلقُ هذه الفرصة. كما أنّ حربَ العصاباتِ ضمن أروقةِ الدولة، يُثقِلُ من وطأةِ القضايا الاجتماعيةِ أكثر بكثير مما يُظَنّ. فهي تَنظرُ إلى أيةِ حركةٍ ديمقراطيةٍ قد تَظهر على أنها نهايتُها، فتقُومُ بسحقِ ودهسِ أيِّ تَملمُلٍ ديمقراطيّ، مهما كان بسيطاً.

ينحصرُ معنى الجمهوريةِ التركيةِ بالنسبةِ للمدنيةِ الغربيةِ في مدى المساهمةِ في أمنِها، وفي السوقِ التي تَعرضُها على اقتصادِها، وفي تأمينِ اليدِ العاملةِ الرخيصة. وصراعُ الجمهوريةِ التركيةِ مع PKK لم يقتصرْ على كشفِ النقابِ عن سياسةِ النظامِ القائمِ هذه، بل وأثبَتَ أيضاً أنّ تناقضاتِ PKK تكمنُ مع ذاك النظام، فتمّ إدراكُ استحالةِ أنْ يَكُونَ الانفصالُ الكرديُّ – التركيُّ هدفاً. هكذا اتَّخَذَ الكفاحُ الحقيقيُّ في سبيلِ الديمقراطيةِ داخلَ تركيا مشهداً راديكالياً، وأَوضَحَ لأولِ مرةٍ حقائقَ النظامِ المسيطرِ في هذا المنحى. لذا، من عظيمِ الأهميةِ استيعابُ كونِ صراعِ PKK ليس تجاه الجمهورية، بل معنيٌّ بنزعةِ مناهَضةِ الديمقراطية. فالنَّفاذُ من مأزقِ نزعةِ بناءِ دولةٍ قوميةٍ تجاهَ الدولةِ القومية، إنما يعني دمقرطةً مبدئية. وهذا ما معناه بدورِه دخولُ سياقِ حلِّ قضيةِ الديمقراطيةِ الشديدةِ الوطأة.

خلاصةً؛ فالسعيُ إلى حلِّ المشاكلِ المتزايدةِ بين صفوفِ أنسابِ الأغوز، بالتوجُّهِ نحو اعتناقِ الإسلامِ في مطلعِ القرنِ الحادي عشر؛ يُشَكِّلُ بدايةَ قضايا الدمقرطةِ في تركيا الحالية. فبينما عمِلَت الهرميةُ العُليا من تلك الأنسابِ على حلِّ قضايا بالتدول، فقد جهدَت الشرائحُ السفليةُ المقهورةُ إلى الاستمرارِ بحياتِها على شكلِ ديمقراطيةٍ بدائيةٍ وطبيعية، منتشرةً في أرجاءِ الشرقِ الأوسطِ باسمِ التركمان. وفي الحينِ الذي انصَهَرَت المزايا الأثنيةُ للطبقةِ العليا في بوتقةِ الثقافتَين العربيةِ والفارسية، فقد حَمَلَت الأنسابُ التركمانيةُ مزاياها الأثنيةَ وصانَتها حتى يومِنا الراهن. وبينما احتَلَّت أرستقراطيةُ النَّسَبِ مكانَها في إدارةِ الدولةِ والقيادةِ العسكريةِ ضمن المدنيةِ المركزية، ساهمَ التركمانُ في الحياةِ شبهِ المستقرة، مع بقائِهم بالأغلب مواظبين حتى الآن على حياتِهم البدويةِ القديمة. وغالباً ما اندَمَجوا مع الشعوبِ الآهلة. وبينما تطَوَّرَ النظامُ القائم، سواءً في عهدِ السلاجقةِ والأتابكة، أم في عهدِ العثمانيين، كمدنيةٍ مشترَكةٍ للأرستقراطيةِ الإقطاعية؛ استمرَّ التداخُلُ على صعيدِ الشعوبِ كحالةٍ طبيعيةٍ للحياة.

أسلافُ الأتراكِ والكردِ الحاليين كانوا منتبهين للدورِ المصيريِّ الذي تؤديه كينونةُ العلاقاتِ الاستراتيجيةِ مع بعضِهم البعض، على الرغمِ من بعضِ التناقضاتِ فيما بينهم. إذ نلاحظُ أنّ كِلا الشعبَين تَحَرَّكا ضمن استراتيجيةٍ مشتركة، سواءً في فتحِ أبوابِ بلادِ الأناضولِ على مصاريعِها أمامَ أنسابِ الأوغوز في القرنِ الحادي عشر، أم في محاربةِ الجيوشِ الصليبية. هذه الأواصرُ الاستراتيجية المتناميةُ قومياً، والتي تتعدى نطاقَ الإماراتِ التركيةِ والكردية، لَم تقتصرْ على محاربةِ ومناهَضةِ الإمبراطوريةِ البيزنطيةِ والصليبيين فحسب، بل وصانت تأثيرَها تجاه السَّلطَناتِ والمَلَكِيّاتِ والإماراتِ العربيةِ والفارسيةِ أيضاً. وتأسيسُ إقليمِ كردستان لأولِ مرةٍ في عهدِ السلاجقة، يُبَرهنُ هذه الحقيقة. هذه العلاقةُ التي تَغدو أكثر لفتاً للأنظارِ في السُّلالةِ الأيوبيةِ الكردية، تُواصِلُ حضورَها في عهدِ الأرتقيين  والقره قويونلو  والأق قويونلو  أيضاً. فالمشاكلُ التي واجَهَتها الإمبراطوريةُ العثمانيةُ أثناءَ توسُّعِها باتجاهِ إيران وشبهِ الجزيرةِ العربيةِ وقفقاسيا، يتمُّ تذليلُها بالوحدةِ المُبرَمةِ مع الإماراتِ الكرديةِ حصيلةَ الانهماكِ الدبلوماسيِّ الطويِلِ المدى لإدريس البدليسيِّ في هذا الشأن. هكذا تتسعُ رقعةُ الإمبراطوريةِ ضُعفَين. إنّ التحالفَ الاستراتيجيَّ أكثر شفافيةً ووضوحاً في تلك الفترة. والنواةُ الأساسيةُ للإمبراطوريةِ على الصعيدِ القوميِّ كانت تتألفُ من الأتراكِ والكرد. هذا وقد تَكَوَّنَت آنذاك مُحاكاةٌ وتشابُهٌ بين كِلا المجتمعَين من خلالِ الانصهارِ الطبيعيّ، فبَرزَ عددٌ وفيرٌ من الخصائصِ الثقافيةِ المشتركةِ بينهما، وتكاثَرَ التركمانُ ذوو المشارِبِ الكردية، وكذلك الكردُ ذوو الأصولِ التركمانية.

إلا أنّ تَسَلُّلَ الحداثةِ الأوروبيةِ في ثقافةِ الشرقِ الأوسط، بعدَما صارَت مع نابليون حملةً استراتيجيةً في مطلعِ القرنِ التاسعِ عشر، إلى جانبِ ممارساتِ الاحتلالِ والاستعمارِ المتصاعدةِ طردياً؛ قد أَطرَأَت التغييراتِ على التوازناتِ الموجودة، وهَزَّتها من أركانِها. بالإضافةِ إلى ثقافةِ ونمطِ حياةِ الحداثةِ الرأسماليةِ المتناميةِ باكراً في صفوفِ الشعوبِ المسيحية، والتي استثارَت وأَجَّجَت النزعاتِ الدولتيةَ القومية. إنّ حداثةَ القرنَين التاسعِ عشر والعشرين مَزَّقَت ثقافةَ الشرقِ الأوسطِ المتميزةِ بتكامُلٍ امتدَّ لآلافِ السنين، وجَزَّأَتها بعامِلِ الدولةِ القومية، مُفسِحةً المجالَ بذلك أمام انجرارِها وراء فوضى عارمةٍ وأزماتٍ حادةٍ واشتباكاتٍ ضارية. هكذا تَشَتَّتَت الإمبراطوريةُ العثمانيةُ وانهارَت عن طريقِ مشروعِ الدولةِ القوميةِ ذاك للحداثةِ الغربية. إنّ جمعيةَ الاتحاد والترقي، التي عَوَّلَت على الطغمةِ العسكريةِ بُغيةَ تشكيلِ دولةٍ داخلِ الدولة، قامت بتجذيرِ أزمةِ الدولةِ أكثر فأكثر، بانتقالِها إلى مرحلةِ الطُغمة المُسَلَّحةِ في 1906. حيث اتّجَهَت نحو إنشاءِ نزعةٍ قومويةٍ هي الأكثر رجعيةً وشوفينيةً وفاشيةً بذريعةِ سدِّ الطريقِ أمامَ ميولِ الدولةِ القوميةِ لدى الحداثة. هذا التيارُ التركياتيّ، الذي يطغى فيه وزنُ الذين ليسوا أتراكاً، بات دافعاً مُعَيِّناً ومصيرياً في انهيارِ الإمبراطورية، وفي شَحنِ سياقِ الجمهوريةِ بالمخاضاتِ الأليمة، وفي مسارِها المُناهِضِ للدمقرطة. أي أنه ساهمَ في التشرذُمِ والانسدادِ بقدرِ الدولِ القوميةِ المنافِسة.

قامَ مصطفى كمال بإحياءِ مصطلحِ ونظريةِ ومؤسساتِ الجمهوريةِ الفرنسيةِ الثالثة، التي اختارَها نموذجاً لنفسِه، وذلك عن طريقِ الثورةِ اليعقوبيةِ المنجزةَ فيما بين عامَي 1919 و1922 (تجاه موجةِ الاحتلالِ الأجنبيِّ المتزايدةِ من جهة، وتجاه أزلامِ السلطنةِ من الجهةِ الثانية)؛ مما غدا حلاً لأزمةِ الدولة، ولو بحدود. بمعنى آخر، فالجمهوريةُ التركيةُ شُيِّدَت على أنقاضِ الإمبراطوريةِ التي آَلت بها طُغمةُ الاتحاد والترقي نحو الانقسامِ والانهيار، وعلى أرضيةِ الأزمةِ التي عَمَّقَتها تلك القيادة. هكذا تمّ حلُّ مشكلةِ الدولةِ قسمياً، ولكنّ القضايا الاجتماعيةَ ازدادَت عُمقاً. فمشروعُ الجمهوريةِ ما كان سوى مشروعاً حداثوياً. حيث دارت المساعي لإحيائِها بمصادقةٍ من القوى الغربيةِ المهيمنةِ في معاهدةِ لوزان. كان بوسعِ الثورةِ اليعقوبيةِ فيما بين 1920 و1922 ألا تقتصرَ على تجاوُزِ أزمةِ الدولةِ وحسب. وكان بإمكانِ الجمهوريةِ التطور طبيعياً صوب الديمقراطيةِ بكلِّ سهولة، لو لَم يتمّ إقصاء القوى المتحالفةِ المؤلَّفةِ من القومويين الأتراك العلمانيين والاشتراكيين والقومويين الإسلاميين وممثلي المجتمعِ الكردي؛ وذلك حصيلةَ مكائد ومؤامراتٍ لا يفتأُ الكشفُ تماماً عن وجهِها الباطنيِّ عسيراً. فبأيةِ حال، كان النصرُ قد تحققَ تحت ظلِّ تحالُفِ هذه القوى. إنّ عدمَ عَزوِ الإقصاءِ المُطَبَّقِ بالمؤامراتِ والحِيَلِ إلى مصطفى كمال، يتسمُ بالأهميةِ من أجلِ القيامِ بتحليلٍ صائب. حيث كانت حُبِكَت مؤامراتٌ وألاعيبٌ وعملياتُ اغتيالٍ جادةٌ ضد مصطفى كمال أيضاً. وللكادرِ الاتحاديِّ الذي طَوَّقَ مصطفى كمال، نصيبُه المُحَدِّدُ في ذلك. ذلك أنّ "حزب الشعب الجمهوريّ CHP" قد تَغَيَّرَ اسماً، ولكنه مضموناً يُعَدُّ الشكلَ الجديدَ الذي اتَّخَذَه حزبُ الاتحادِ والترقي لنفسِه. لقد حاولَ مصطفى كمال كسرَ شوكةِ احتكارِ CHP عبرَ تجربةِ "الفرقة الحرة" (عام 1930)، ولكنه عجزَ عن ذلك. فبرنامجُ CHP ونظامُه الداخليُّ لِما بَعدَ عامِ 1935 قد اتَّخَذَ من الحزبِ الإيطاليِّ الفاشيِّ نموذجاً له بكلِّ علانية، مما كان واجَه ردودَ فِعلِ أتاتورك الصريحةِ للغاية.

ينبغي التبيان بكلِّ أهميةٍ بأنّ ما زادَ شأنُه وطغى بعدَ عامِ 1926، ليسَ الاعتبارَ الشخصيَّ لأتاتورك، بل هو استيلاءُ الكادرِ الاتحاديِّ على الجمهوريةِ خطوةً خطوة، وتجربتُه في مَأسَسةِ ذهنيةِ التحولِ الفاشيِّ تأسيساً على نزعةِ الدولتيةِ القوميةِ المفرطة. ذلك أنّ موقفَ أتاتورك الشفافَ جداً في إبقاءِ الجيشِ خارجَ إطارِ السياسة، وتأسيسِ دولةِ القانون، ورفضِ الأسسِ المرتكزةِ إلى الطبقةِ أو الزمرة، وفي اتّباعِ سياسةِ الاستقلالِ والحريةِ تجاه الخارج؛ قد أُفرِغَ من محتواه عبرَ المؤامراتِ والسياساتِ الامتيازيةِ والمحسوبياتِ التي سَلَكَها الكادرُ الذي يُطَوِّقُه ويحاصِره، ولا تَبرحُ المساعي دائرةً حتى راهننا، في مزاولةِ هذه السياسةِ من خلالِ الانقلابات. موضوعُ الحديثِ هنا هو تجاربُ الانقلاباتِ داخلَ القصورِ والسَّرايا، والمؤامراتُ والانقلاباتُ الاتحادية؛ والتي أَخرَجَت الدولةَ من كونِها دولة، واستحوذَت عليها، وواظَبَت على تقاليدِ الحُكمِ الاستبداديِّ المُسَلَّطِ على المجتمع. ومقابل ذلك، ثمة كفاحاتٌ جدُّ هامةٍ في سبيلِ الاستمرارِ بالدولةِ كدولةٍ حقيقيةٍ بالفعل. وتشييدُ مصطفى كمال للجمهورية، يأتي في مقدمةِ هذه المساعي والمحاوَلات.

هذان المفهومان المتعارِكان بالتبادلِ في مرحلةِ الحداثةِ الغربية، أَبقَيا الدولةَ ضمن أزمةٍ دائمة، تماماً مثلما تَرَكا المجتمعَ وجهاً لوجهٍ أمام قضايا ثقيلةِ الوطأة، وأعاقا تطبيقَ ديمقراطيةٍ مبدئيةٍ راسخة. هكذا، لم تتخلصْ الجمهوريةُ من كونِها بوابةً للانقلاباتِ والامتيازاتِ ولسمسرةِ الاحتكاراتِ الأوليغارشية، وعجِزَت عن التحولِ إلى دولةٍ علمانيةٍ واجتماعيةٍ وديمقراطيةٍ بالفعل، وإلى دولةِ قانونٍ حقيقية. والسببُ الأوليُّ وراءَ ذلك هو – بطبيعةِ الحال – القضاءُ على التوافقِ الاجتماعيِّ الديمقراطيِّ المُبرَمِ في مستهلِّ أعوامِ العشرينيات، إلى جانبِ مساعي الاحتكاراتِ الانقلابيةِ والامتيازيةِ والأوليغارشيةِ المهيمنة. ذلك أنّ الكفاحاتِ المُخاضةَ داخلَ الدولةِ لَم تَكُنْ معنيةً بالقانونِ أو بمصطلحاتِ الدولةِ الاجتماعيةِ والعلمانيةِ والديمقراطية؛ بل كانت تطمعُ في الاستيلاءِ على الإتجارِ والسمسرةِ بالسلطةِ التي كانت ضخمةً للغاية.

بمقدورنا تقسيم هذا السياقِ إلى ثلاثِ مراحلٍ ممتدّةٍ على طولِ تاريخِ الجمهوريةِ. يمكن وصف المرحلةِ الأولى، التي تشملُ الأعوامَ ما بين 1926 و1950، بطابعِ الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ التسلطيةِ ذاتِ الحزبِ الواحد. المرحلةُ الثانيةُ تمتدُّ من 1950 إلى 1980، هي فترةُ المشاحناتِ الحادةِ والانقلاباتِ التي بادرَ إليها كلٌّ مِن أصحابِ الأراضي والبورجوازيةِ التجاريةِ والصناعيين الغرباءِ المُستَورَدين المتطلعين إلى مشاركةِ الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ وإعادةِ تشاطُرِ سمسرةِ الدولةِ معها. المرحلةُ الثالثةُ ما بين 1980 و2010، هي الفترةُ التي اتَّضَحَ فيها أكثر الدخولُ في سمسرةِ الدولة، بتدخُّلٍ مباشرٍ من رأسِ المالِ الماليِّ العالَميّ. الخاصيةُ المشتركةُ للمراحلِ الثلاث، هي مرورُها مليئةً بمَشادّاتِ وصراعاتِ الأحزابِ والنقاباتِ المتمحورةِ حول الاستيلاءِ والاستحواذِ على الدولة، وبالإداراتِ الأوليغارشيةِ الصارمةِ جداً، والتي سَلَّطَتها احتكاراتُ الدولةِ والاحتكاراتُ الخاصةُ المتناميةُ على شرائحِ الشعبِ والمجتمع. أما القوةُ المهيمنةُ المتحكمةُ بهذا السياقِ من الخارج، فهي أساساً الإمبراطوريةُ البريطانيةُ من 1925 إلى 1945، وأمريكا من 1945 إلى 2010. هذا وقد شارك الاتحادُ الأوروبيُّ وصندوقُ النقدِ الدوليِّ والبنك العالميّ أيضاً في هذا السياقِ نسبياً بعدَ الخمسينيات. في حين أنّ شبكةَ غلاديو في حلفِ الناتو هي المُديرُ الرئيسيُّ له.

أما القوى المتحالفةُ في تأسيسِ الجمهورية، فبَقيَت بطبيعةِ الحالِ متخذةً حالةَ المقاومةِ تجاه الهيمنةِ المُسَلَّطةِ عليها. إذ نَشهَدُ تصديَبعضٍ من هذه القوىإزاء النظام، ومساعيَبعضِها الآخرِ في الالتحامِ والاندماجِ معهعلى مدارِ المراحلِ الثلاث، ولو بنحوٍ متبعثرٍ ومنفصلٍ عن بعضِها البعض. إنّ روسيا السوفييتيةَ ذاتَ النفوذِ في عهدِ تأسيسِ الجمهورية، والاشتراكيين والشيوعيين التابعين لها، كانوا أولَ القوى الضحيةِ التي تعرَّضَت لضرباتِ القوةِ المهيمنةِ وقمعِها. أما مرحلةُ الإبادةِ البادئةُ مع مجزرةِ مصطفى صبحي ورفاقه، فتعمَّقَت مع حظرِ الحزبِ الشيوعيِّ عام 1927 واعتقالِ د. حكمت كفلجملي وناظم حكمت. وتَرَكَّزَ القمعُ والحظرُ بعد الخمسينيات كوسيلةٍ للدخولِ إلى الناتو. هذا وأُعيدَ قمعُ الاشتراكيين بانقلابِ 12 آذار 1971، رغم مساعيهم في إبرازِ حضورِهم وإسماعِ صوتِ الديمقراطيةِ، عندما واتَتهم الفرصةُ مع الانقلابِ البيروقراطيِّ الحاصل في 27 أيار 1960. ورغمَ محاولاتِهم في المواظبةِ على المقاومةِ حتى مطلعِ الثمانينيات، إلا أنّ انقلابَ عام 1980 قَصَمَ ظَهرَهم، لدرجةٍ عجزوا عن تحقيقِ الصحوةِ حتى يومِنا بأيِّ شكلٍ من الأشكال. ولا يَنفكّون يَتخبّطون للاستمرارِ بوجودِهم الواهنِ للغايةِ والبعيدِ عن المسؤولية، والمتشتت، عاجزين عن البلوغِ بذاتِهم إلى تنظيمٍ متحدٍ وتعدديٍّ على محورِ الديمقراطيةِ الراديكالية. من هنا، تنتظرهم مهامُّ تنشيطِ ذاتِهم وخطوِ خطواتِهم على دربِ الدمقرطةِ بما يتماشى وطاقاتِهم الكامنة.

أما القومياتُ الإسلامية، فواجَهَت الضرباتِ التي لَحِقَت بها وعملياتِ الحظرِ والنفيِ والتشريدِ التي تَعَرَّضَت لها بمقاومةٍ أدنى مستوىً، ولكن مع مُراكَمةِ ردودِ فعلِها وحِنقتِها ضمنياً. وما مقاومةُ المتنورين المتجسدةُ في شخصياتِ محمد عاكف وسعيد النورسي ونجيب فاضل  في غضونِ أعوام 1923 و1950، سوى مساعٍ إسلاميةٌ في الاستحداثِ والعَصرَنة. إنها ضربٌ من ريادةِ التآخي الإسلاميِّ والتصدي الإسلاميِّ المستَحدَثِ مجدَّداً في تركيا. لكنها، وخلالَ الفترةِ بين 1950 و1980، عقدَت علاقاتِها مع بعضِ القوى المهيمنةِ ذاتِ النفوذ، سواءً داخلياً أم خارجياً، مشارِكةً بذلك في السلطة، وبالتالي في سمسرةِ الدولة، ومبتدئةً بذلك في سياقِ التحولِ إلى احتكارِ رأسِ المالِ عن طريقِ الرأسماليةِ الخاصة. وما "حركةُ أربكان " سوى حركةٌ إسلاميةٌ نموذجيةٌ آنذاك، وتُعَبِّرُ عن مصالحِ وآمالِ وطموحاتِ العديدِ من التياراتِ الموجودةِ حينها لتمثيلِ ذاتِها في السلطة. بينما تستمرُّ حركةُ سعيد النورسي باسمِ "النورانية" بمنوالٍ أكثر باطنيّةً وعلى شكلِ عدةِ فروعٍ متشعبة. في حين، تَتخفى نقشبنديةُ  القرنِ التاسعِ عشر في الخلفيةِ التاريخيةِ لجميعِ تلك الحركاتِ، التي عجزَت عن سلوكِ موقفٍ ديمقراطيٍّ مبدئيٍّ ومِنهجيّ، مع أنها طَوَّرَت نظاماً ديمقراطياً اقتصَرَ عليها فقط. وعلى الرغمِ من عثورِها على شمسيةٍ حاميةٍ لها مُشَخَّصةً في تورغوت أوزال خلالَ الفترةِ ما بين 1980 و2010، إلا أنها بقيت مُعَرَّضةً للتهديدِ الدائمِ على يدِ الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ في عهدِ التحولِ إلى سلطةٍ ورأسِ مال. أما العلاقاتُ التي أَبرَمَتها مع أمريكا والاتحادِ الأوروبيِّ وصندوقِ النقدِ الدوليِّ والبنكِ العالميِّ على وجهِ الخصوص، وكذلك مع بعضِ أوساطِ رأسِ المالِ العربيّ؛ فقد صَيَّرَتها شريكةَ النظامِ القائم. وقد اكتَسَبَت هذه الشراكةُ سمةَ الاستمراريةِ بعد أعوامِ 2000، أي في عهدِ تَرَأُّسِ رجب طيب أردوغان للوزارةِ والحزبِ الحاكمِ بعدَ رئاسةِ نجم الدين أربكان المحدودةِ الأجَل لها.

إنّ هذه القوى وجهاً لوجهٍ أمام قضيةِ دمقرطةٍ ثقيلةِ الوطأة، حيث تَجِدُ نفسَها تجاه الأوليغارشيةِ البيروقراطيةِ مُحاقةً دوماً بالتهديد. لذا، إما أنْ تتخطى هذا التهديدَ بحملةٍ من الدمقرطةِ التامة، أو أنْ تَخسرَ وضعَها الحاليَّ على يدِ حملاتِ كَيلِ الضرباتِ والتعريضِ للتشتتِ بما يُشبهُ حالَ اليسار. ومحاكَمةُ الأرغانَكون يُفيدُ بهذه الحقيقة.

الكردُ الذين كانوا قوةً حليفةً في تأسيسِ الجمهورية، باتوا في وضعٍ هو الأكثرُ حرجاً ومأساويةً تجاه الأوليغارشيةِ البيروقراطية. فعلى الرغمِ من كونِهم عنصراً أصيلاً لا استغناءَ عنه في الجمهوريةِ وفي حربِ التحرير، إلا أنّ الوضعَ الذي أُقحِمَ فيه الكردُ يَحفُّه الضبابُ والظلامُ الدامس، لارتباطِه بكثيرٍ من المؤامراتِ والمكائدِ وعملياتِ التنكيل. من هنا، فإنّ سلوكَ سياسةِ تطهيرِ بلادِ الأناضولِ من الكردِ فيما بين 1925 – 1950 مثلما حلَّ بالرومِ والأرمن مِن قبل، وفرضَ سياسةِ اجتثاثِ الكردِ، وبدءَ سياقِ العصيانِ في غضونِ 1925 – 1938؛ كلُّ ذلك يُعَدُّ أمراً مفهوماً تأسيساً على هذه السياسةِ المُتَّبَعة. ودورُ الإمبراطوريةِ البريطانيةِ في ذلك مُطابِقٌ تماماً لدورِها في القضاءِ على الأرمنِ والرومِ والآشوريين. كما أنّ العلاقةَ المَعقودةَ مع الإمبراطوريةِ البريطانيةِ غَدت مُعَيِّنةً في انجرارِ الجمهوريةِ وراء نظامٍ تسلُّطيّ، وفي تَبَعِيَّتِها للحداثةِ الرأسماليةِ في وقتٍ مبكِّر. هذا وبالمقدورِ القولُ أنه كان هناك مشاحناتٌ ونزاعاتٌ ضاريةٌ بين كوادرِ مصطفى كمال وبين الكوادرِ التابعين إلى عصمت إينونو، وأنّ انزلاقَ الجمهوريةِ صوبَ اليمين على مسارٍ مناهِضٍ للديمقراطية لعب دورَه في تلك المشاحنات. فبينما اتَّبَعَ مصطفى كمال موقفَ الصداقةِ مع السوفييت والمُناداةِ بالاستقلال، قامَ الطرفُ الآخَرُ بعقدِ العلاقةِ المتعددةِ الجوانبِ مع الإمبراطوريةِ البريطانية.

اعتُبِرَت القضيةُ الكرديةُ منتهيةً بعدَ العصيان. حيث سُحِقَ أيُّ تَمَلمُلٍ بسيط، بالنظرِ إليه كعودةِ انبعاثِ مَن يُعتَقَدُ أنه مَيِّت. هكذا مرَّت فترةُ ما بين 1950 – 1980 بإثباتِ الكردِ لوجودِهم كأكبرِ قضيةٍ بالنسبةِ لهم. حيث دارت كلُّ السِّجالاتِ وتَمَحورَت كلُّ المقاوماتِ حولَ سؤالِ "هل الكردُ موجودون أم لا؟". وقد ارتقى PKK موضوعياً إلى مستوى المؤثرِ السائدِ خلال أعوامِ 1980 – 2010 باسمِ كلِّ قوى المعارضة، وذلك بانطلاقتِه المبنيّةِ على تجاوُزِ تلك السجالاتِ ودخولِ مرحلةِ التحرر. تلك المرحلةُ التي استَشرَت فيها قضيةُ الدمقرطةِ إلى أقصاها تزامُناً مع انقلابِ 12 أيلول 1980، والتي شَهِدَت خَرقَ حقوقِ الإنسانِ عالمياً، وبَسَطَت العصاباتيةُ سيطرتَها داخلَ الدولة؛ قد انتهت بسَحبِ أمريكا يَدَها ودعمَها من حركةِ أرغانَكون، التي أعادَت بناءَ هيكليتِها كشبكةِ غلاديو تركية. أما الاتفاقُ المُبرَمُ في شهرِ تشرين الثاني من عامِ 2007 بين أمريكا والجمهوريةِ التركية، فيَنُصُّ على تسويةِ أمرِ PKK مقابلَ: تصفيةِ شبكةِ غلاديو التركية، وتقديمِ أعضائِها العاقّين للمحاكمة، وجرِّ الباقين منهم إلى مؤسساتِ الدولةِ النظامية (محافِلها الرسمية). وفي هذه النقطةِ بالذاتِ دارت أعظم جدالاتِ الدمقرطةِ في تاريخِ الجمهورية، وبَرزَت مساعي إعادةِ تصييرِها جمهوريةً دستوريةً ديمقراطية.

مواقفُ القوى الموجودةِ هي التي ستُحَدِّدُ كيفيةَ الخروجِ من أكبرِ أزماتِ تاريخِ الجمهورية، والتي لا تَنبَري قائمةً ومستمرةً بأعلى وتيرةٍ لديها، سواءً داخلَ الدولةِ أو داخلَ المجتمع. والبحثُ الجاري والجدلُ الدائرُ حول الدستورِ الديمقراطيّ، إنما هو سببٌ ونتيجةٌ لهذه الأزمةِ في آنٍ معاً. أو بالأحرى، كِلاهما يَنشطان ضمن آليةٍ وديناميةٍ فعالةٍ تَجعَلُهما يُوَلِّدان بعضَهما بعضاً. ومرةً أخرى تحتلُّ القضيةُ الكرديةُ في هذه الحالةِ منزلةَ الصدارة. في الحقيقة، يتعلقُ هذا الواقعُ بمبدأٍ غائرِ الأعماقِ في التاريخ؛ ألا وهو أنّه يستحيلُ قمع القضايا الاجتماعيةِ عِنوةً، لأنها عندما تَجِدُ الفرصةَ المناسبةَ ستفرضُ حضورَها بنحوٍ أكثر شِدةً من أيِّ وقتٍ مضى. ومن هذه الجهة، وكأنه يُعادُ عيشُ مرحلةِ ما بين عامَي 1920 – 1925 كسياقٍ أكثر غرابةً وإثارةً في التاريخ، وعلى شكلِ دوامة؛ ولكن، ليس بغرضِ قمعِ الحلفاءِ المؤسِّسين هذه المرة، بل وكأنه تتمُّ مناشدتُها للعملِ بِهِمّةٍ من أجلِ إنشاءِ الجمهوريةِ الديمقراطيةِ التي عَجِزَت عن إنشائِها فيما مضى. إنّ الخطَّ الرفيعَ الفاصلَ بين التاريخِ والحاضر، وتفسيرَه على أنه دوامةٌ حلزونية، يتيحُ المجالَ لاستيعابٍ أفضل وأَصحّ لهذه الحقيقة، ويُزَوِّدُها بإمكانيةِ أداءِ أدوارِها التاريخية.